أنقرة تسرع خطى التطبيع مع موسكو «المتأنية»

الجوانب الاقتصادية تغلبت على المبدأ التقليدي الحاكم للعلاقات

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو وقعا الخميس الماضي اتفاقية للتعاون المشترك بين البلدين سبقت زيارة رئيس الوزراء بن علي يلدريم ومن بعده رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان إلى موسكو (أ.ب)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو وقعا الخميس الماضي اتفاقية للتعاون المشترك بين البلدين سبقت زيارة رئيس الوزراء بن علي يلدريم ومن بعده رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان إلى موسكو (أ.ب)
TT

أنقرة تسرع خطى التطبيع مع موسكو «المتأنية»

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو وقعا الخميس الماضي اتفاقية للتعاون المشترك بين البلدين سبقت زيارة رئيس الوزراء بن علي يلدريم ومن بعده رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان إلى موسكو (أ.ب)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو وقعا الخميس الماضي اتفاقية للتعاون المشترك بين البلدين سبقت زيارة رئيس الوزراء بن علي يلدريم ومن بعده رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان إلى موسكو (أ.ب)

بعد خطاب الاعتذار التركي لروسيا في يونيو (حزيران) الماضي أخذت العلاقات تعود رويدا رويدا إلى طبيعتها بين البلدين من خلال زيارات مكثفة على مستوى الرئيسين إردوغان وفلاديمير بوتين ووزيري خارجية البلدين مولود جاويش أوغلو وسيرغي لافروف ورئيسي أركان ومسؤولين آخرين.
ومنذ الزيارة التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى روسيا في أغسطس (آب) الماضي أصبحت روسيا شريكا أساسيا لتركيا في عملية درع الفرات من خلال المعلومات الاستخباراتية التي يتم تبادلها في إطار آلية تنسيق مشتركة بين أنقرة وموسكو ونظرا لتحكم روسيا في أجواء الشمال السوري في المنطقة التي تدور فيها العملية أصبح نجاحها معلقا على التنسيق مع روسيا. وتسعى أنقرة كما أعلن رئيس الوزراء التركي بن على يلدريم الذي زار موسكو هذا الأسبوع إلى فتح قناة حوار وتفاوض بين المعارضة السورية وموسكو، في الوقت الذي بدأ فيه التوتر بين أنقرة والاتحاد الأوروبي يتصاعد، خصوصا مع صدور قرار غير ملزم من البرلمان الأوروبي مؤخرا بتجميد مفاوضات عضوية تركيا بالاتحاد الأوروبي. وكان من نتائج هذا التوتر تلويح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بانضمام تركيا إلى منظمة شنغهاي التي تضم روسيا والصين و3 دول آسيوية أخرى بديلا عن الاتحاد الأوروبي. وخلال أزمة الليرة التركية أعلن إردوغان أن تركيا تتخذ إجراءات لإجراء المبادلات التجارية مع كل من روسيا والصين وإيران بالعملات المحلية.
وقال أندريه كارلوف السفير الروسي في أنقرة إن انضمام تركيا إلى منظمة شنغهاي للتعاون قرار يعود إليها تمامًا، وإنّ بلاده لن تطلب من أنقرة تخفيف أو تجميد علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي خلال مفاوضات الانضمام إلى المنظمة. وأضاف: «تركيا حاليًا شريك محاور لشنغهاي، وفي حال انضمت إلى عضوية المنظمة، فإنها ستتبنى دورًا فعالاً فيها، وأنّ روسيا مستعدة للتعاون مع تركيا في كافة المحافل الدولية وفي كافة المجالات».
تأسست منظمة «شنغهاي» عام 2001، وتضم الصين، وروسيا، وكازاخستان، وطاجيكستان، وقرغيزستان، وأوزبكستان، وتتمتع كل من إيران، وباكستان، والهند، وأفغانستان ومنغوليا بصفة مراقب، ومن المتوقع أن تمنح القمة القادمة العضوية الكاملة لباكستان والهند، وتعتبر تركيا وبيلاروسيا وسريلانكا شركاء حوار للمنظمة.
وهناك الكثير من ملفات التعاون في مجالات الاقتصاد والطاقة والتجارة التي علقت في فترة القطيعة بين أنقرة وموسكو والتي أعيد فتحها الآن وقال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم الثلاثاء إن تركيا بحثت مع روسيا بدء تشغيل المرحلة الأولى من محطة اكويو النووية في جنوب تركيا قبل عام 2023. وأضاف يلدريم في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الروسي ديمتري ميدفيديف إنهما بحثا أيضا الخطوات العملية لتعزيز حجم التجارة مع روسيا.
وكان يلدريم استبق زيارته بتصريح قال فيه إن بلاده وروسيا ستأخذان أول «خطوة ملموسة» تجاه التعامل التجاري بالليرة التركية والروبل الروسي خلال زيارته إلى موسكو.
وهذه الخطوة هي واحدة من خطوات عدة اقترحتها تركيا لدعم عملتها التي خسرت نحو 20 في المائة من قيمتها هذا العام متضررة من ارتفاع الدولار وتفاقم المخاوف إزاء الحملة الصارمة التي شنتها الحكومة عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يوليو (تموز) الماضي.
وقبل زيارة يلدريم مباشرة صادق البرلمان التركي على اتفاقية نقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر الأراضي التركية (تورك ستريم)، وصادق إردوغان على الاتفاقية خلال وجود يلدريم في موسكو.
وأفاد كارلوف بأنّ التعاون في مجال الطاقة يشكل الركيزة الأساسية للعلاقات الاقتصادية بين البلدين، وأنّ عددًا من المشاريع الضخمة مثل مشروع السيل التركي لنقل الغاز الروسي إلى دول الاتحاد الأوروبي عبر الأراضي التركية، ومشروع إنشاء محطة أككويو النووية في تركيا يتصدر قائمة المشاريع الاقتصادية بين الدولتين.
كما عقد في أنطاليا جنوب تركيا الاجتماع الخامس لمجموعة التنسيق الاستراتيجي بين تركيا وروسيا بحضور وزيري خارجية البلدين تم خلاله توقيع خطة العمل الاستشاري للفترة 2017 - 2018 الموقعة بين وزارتي خارجية تركيا وروسيا التي اعتبرتها مصادر دبلوماسية خطوة مهمة في الجانب السياسي من مرحلة تطبيع العلاقات بين البلدين.
وأفادت المصادر بأن توقيع خطة العمل الاستشاري، التي وقعها وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، ونظيره الروسي سيرغي لافروف، الخميس الماضي قبل زيارة رئيس الوزراء بن علي يلدريم، ومن بعده رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان، إلى موسكو، ذو مغزى لإظهار إرادة قوية للتعاون المشترك في المستقبل.
وفيما يخص العلاقات الثنائية بين البلدين، التقى زعيما البلدين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان خلال الفترة الماضية 3 مرات أولها في 9 أغسطس الماضي بمدينة سان بطرسبرغ الروسية، وثانيها في 4 - 5 سبتمبر (أيلول) في الصين على هامش قمة مجموعة العشرين، وآخرها في 10 أكتوبر (تشرين الأول) في إسطنبول على هامش قمة الطاقة العالمية. وتناولا خلال لقاءاتهما الثلاثة، العلاقات الثنائية بين بلديهما بكامل التفاصيل، وتطرقا إلى الكثير من القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك.
كانت الصادرات التركية إلى روسيا انخفضت في النصف الأول من العام الجاري بواقع 737 مليون دولار، بتراجع 60.5 في المائة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. وتعد روسيا وجهة تصدير رئيسية لصناعة الغزل والنسيج والفاكهة والخضراوات التركية.
وتعتزم الدولتان حاليًا إنشاء صندوق مشترك لتمويل المشاريع الاستثمارية بينهما، وأنّ هذا الصندوق لن يقتصر على تركيا وروسيا فحسب، بل من الممكن أن تشارك فيه دول أخرى. ويخطط الطرفان لعقد اجتماع لجنة التعاون في مجال الصناعات الدفاعية قبل نهاية العام الجاري، وأن القيادة الروسية لا ترى أي عائق في تزويد أنقرة بمنظومات دفاع جوية.
وفيما يخص الأزمة السورية ما زالت وجهات النظر مختلفة حول هذه القضية، إلا أنّ روسيا وتركيا متفقتان في المبادئ الأساسية تجاه حل هذه الأزمة، والمتمثلة في الحفاظ على وحدة الأراضي السورية.
وأوضحت مصادر رسمية أن روسيا تدعو لمشاركة المعارضة السورية التي سمّاها بـ«السلمية» في عملية السلام بسوريا إلى جانب النظام، وأنّ جميع الأطراف يملكون حق المشاركة فيها، عدا المجموعات المدرجة ضمن قائمة الإرهاب. وكانت أنقرة استضافت الأسبوع الماضي اجتماعات لوفد روسي مع ممثلين للمعارضة السورية لكن المعارضة اشتكت من التعنت الروسي خلال المفاوضات.
وفيما يبدو أن تركيا تستعجل إعادة العلاقات التركية إلى سابق عهدها بعد الضربة التي تلقتها قطاعات السياحة والصادرات والإنشاءات خلال فترة التوتر بسبب العقوبات الروسية على تركيا، رصدت المحللة الروسية كاترجينا كولكومسكايا أسباب التمهل الروسي في التحرك نحو تطبيع العلاقات مع تركيا. وقالت: إن العلاقات الروسية – التركية قامت لمدة طويلة على صيغة معينة وهي «أن الاقتصاد هو الاقتصاد والسياسة هي السياسة، ولا ينبغي الخلط بينهما». وظلت هذه الصيغة تعمل بنجاح حتى الرابع والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 عندما أسقطت تركيا الطائرة الروسية حيث تضررت العلاقات بين البلدين التي لطالما كانت ودية إلى حد أنها وصفت بالشراكة الاستراتيجية في لحظة واحدة فقط.
وفي العام الماضي قالت السلطات التركية إنها استخدمت حقها لحماية حدود البلاد عندما انتهكت موسكو المجال الجوي التركي، بينما كان لموسكو رأي مختلف، إذ وصف بوتين الحادث بأنه «طعنة في الظهر ارتكبها متواطئون مع الإرهابيين». ونتيجة لذلك كان على موسكو إعادة النظر في صيغة «الموقفين لن يلتقيا أبدا»، وردا على إسقاط تركيا طائرتها فرضت روسيا عقوبات اقتصادية، وانتهى رسميا عصر الفصل بين السياسة والاقتصاد بحسب المحللة الروسية.
وقال كيريل روديونوف المحلل في شركة الاستشارات الروسية إنديكس بوكس إن روسيا لا تعاني من آثار إجراءاتها ضد تركيا. و«بالنسبة إلى روسيا فإن الحظر المفروض على المنتجات التركية أقل تعقيدا من عقوبات دول الاتحاد الأوروبي، فقد استبدل بالبضائع التركية شحنات من بلدان أخرى أو باستيراد شحنات من دول المجموعة الاقتصادية الأوروآسيوية وتحديدا من روسيا البيضاء وكازخستان».
وتم رفع مزيد من العقوبات الاقتصادية بعد زيارة بوتين إسطنبول في التاسع من أكتوبر، فرفعت بعض الفواكه من قائمة الحظر، لكن كثيرا من أنواع الفاكهة ما يزال في القائمة، كما بقيت بعض العقوبات، مثل القيود المفروضة على التأشيرة وعلى توظيف الأتراك، إذ لم ترفعها روسيا تماما، ولا يبدو أنها تعتزم القيام بذلك في وقت قريب.
في الثامن عشر من نوفمبر التقى وزير الزراعة الروسي إلكسنر تكاتشيف، نظيره التركي فاروق تشيليك، في سوشي على هامش معرض الزراعة الدولي الذي جذب وفودا كبيرا من كلا البلدين. ناقش الجانبان عملية رفع العقوبات الزراعية، لكن بعد الاجتماع قالت روسيا إنها ستواصل حظر الطماطم التركية خلال العامين أو الثلاثة المقبلين.
ولا يزال رجال الأعمال الأتراك يأملون في رفع العقوبات الأخرى قريبا، وأن تتمكن شركاتهم من العودة إلى العمل في روسيا. وقال أحدهم: «نريد أن نواصل العمل في روسيا. نحن نعمل هنا منذ عشرين عاما. كانت هناك تقلبات في العلاقات، لكننا ما نزال هنا، فروسيا تعد سوقا ضخمة بالنسبة إلينا، والعقوبات الأخيرة ذات دوافع سياسية». لكن محللين يؤكدون أن العقوبات المتبقية ليس لها أهداف سياسية.
ويعتقد محللون أتراك أنه على الرغم من خيبة أمل أنقرة في عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي التي ظلت مستمرة دون تقدم يذكر منذ عام 1963. فإن الاتحاد الأوروبي ساهم مساهمة كبيرة في تنمية تركيا من حيث الديمقراطية والتقدم الاقتصادي والحوار والتبادل الثقافي ويرون أن التخلي عن هذه المكاسب ليس في صالح تركيا، ولكن في الوقت نفسه تشعر تركيا بالحاجة إلى تحسين خياراتها وقدرتها وتجنب الاعتماد المفرط على جهة سياسية واقتصادية واحدة.
وبحسب الخبير في شؤون العلاقات التركية الأوروبية تانر أنلي فإن أنقرة لا يجب أن تختار بين بروكسل وشنغهاي، ما دامت قادرة على الوصول لكليهما، وهذا أيضا ليس اختيار المنافع المادية على القيم، لأن تركيا لديها مصالح اقتصادية وقيم مشتركة مع الجانبين. وما ينبغي لتركيا أن تفعله هو معرفة كيفية الحفاظ على علاقات إيجابية مع الغرب والشرق ضمن حدود ترسمها قدرات البلاد.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.