هل يمهد تواصل ترامب مع تايوان لأزمة في الشرق الآسيوي؟

الصين أبلغت الولايات المتحدة أن تايوان مسألة حرب أو سلام

هل يمهد تواصل ترامب مع تايوان لأزمة في الشرق الآسيوي؟
TT

هل يمهد تواصل ترامب مع تايوان لأزمة في الشرق الآسيوي؟

هل يمهد تواصل ترامب مع تايوان لأزمة في الشرق الآسيوي؟

بعد انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، كانت ردود الفعل حول مستقبل العالم متباينة ومختلفة، خاصة في جانب العلاقات بين الولايات المتحدة وحكومات دول العالم، وجاء فوز ترامب كالمفاجأة غير المتوقعة أمام منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون التي خسرت بفارق كبير.
وقبل تنصيبه رسميًا، يتعامل ترامب كما لو أنه تم تنصيبه رئيسًا بالفعل، حيث أجرى اتصالات مع قادة دول مختلفة، كان أهمها اتصاله برئيسة تايوان، حيث صعد هذا الاتصال من غضب جمهورية الصين الشعبية، التي تعتبره «عملا استفزازيا يخرج عن المبادئ الدبلوماسية والعلاقات والاتفاقات بين البلدين».
مشكلة الصين مع تايوان، تعود إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، وسببها متعلق بالحرب الأهلية التي شنها حزب «الكومينتانغ»، إلى جانب تدخل القوى الخارجية.
خلال فترة حرب مقاومة الصين ضد اليابان، أقام حزب «الكومينتانغ» جبهة متحدة مع الحزب الشيوعي الصيني لمقاومة الغزاة اليابانيين، وبعد الانتصار في حرب المقاومة ضد اليابان، شن حزب «الكومينتانغ» بزعامة جيانغ كاي شيك اعتمادًا على دعم الولايات المتحدة حربًا أهلية في أنحاء الصين، وخاض الحزب الشيوعي الصيني والشعب الصيني حربًا لتحرير الوطن دامت ثلاث سنوات، وفي أول أكتوبر (تشرين الأول) عام 1949 تأسست جمهورية الصين الشعبية، وأصبحت حكومة جمهورية الصين الشعبية الحكومة الشرعية الوحيدة للصين، فيما انسحب بعض المسؤولين العسكريين والإداريين من حزب «الكومينتانغ» إلى تايوان بمساندة من الحكومة الأميركية في ذلك الوقت، حيث شكلوا نظامًا انفصاليًا في الجزيرة.
وفي ظل المواجهة بين الكتلتين الشرقية والغربية، لم تدخر الحكومة الأميركية وسعًا في تقديم الأموال والأسلحة والمستشارين لدعم «الكومينتانغ» لمواصلة الحرب الأهلية الصينية بغية القضاء على الحزب الشيوعي الصيني انطلاقًا مما يسمى بـ«الاستراتيجية العالمية» ومصالح الولايات المتحدة، لكنها لم تحقق أهدافها المرجوة.
ومع تغير الأوضاع الدولية وتعزز قوة الصين الجديدة، بدأت الولايات المتحدة تعديل سياساتها تجاه الصين، وظهر اتجاه فك الجمود في العلاقات الصينية الأميركية، حيث أجازت الجمعية العامة الـ26 للأمم المتحدة في أكتوبر عام 1971 قرارها رقم 2758 الذي أقر باستعادة جميع الحقوق الشرعية لجمهورية الصين الشعبية في الأمم المتحدة وطرد مندوب سلطات تايوان.
وقبلت الحكومة الأميركية في ديسمبر (كانون الأول) عام 1978 المبادئ الثلاثة التي طرحتها الحكومة الصينية حول إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والولايات المتحدة، وهي: «قطع الولايات المتحدة علاقاتها مع سلطات تايوان وإلغاء (معاهدة الدفاع المشترك) وسحب قواتها من تايوان»، وأقامت الصين والولايات المتحدة العلاقات الدبلوماسية الرسمية في أول يناير (كانون الثاني) عام 1979.
وأصدر البلدان بيانا مشتركًا لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، جاء فيه: «تعترف الولايات المتحدة بأن حكومة جمهورية الصين الشعبية هي الحكومة الشرعية الوحيدة للصين، وفي هذا الإطار، سيواصل الشعب الأميركي الحفاظ على الاتصالات الثقافية والتجارية وغيرها من الاتصالات غير الرسمية مع أبناء تايوان، وتعترف حكومة الولايات المتحدة بموقف الصين المتمثل في وجود صين واحدة فقط وأن تايوان جزء من الصين».
لم يهتم الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب بالغضب الصيني بسبب الاتصال الهاتفي الذي أجراه برئيسة تايوان الجمعة الماضي، وهي خطوة لم يجرؤ على فعلها أي من أسلافه منذ عام 1979، حيث تعتبر الصين تايوان إحدى مقاطعات البلاد، وأبلغت الولايات المتحدة أن «تايوان مسألة حرب أو سلام بالنسبة إليها».
وبحسب المؤشرات، فإن ترامب يتجه إلى تصعيد حربه السياسية الاقتصادية ضد الصين، فهو دافع بـ«تغريدة» عبر حسابه الشخصي في «تويتر» عن اتصاله برئيسة تايوان، بل هاجم بكين بسبب خفضها قيمة عملتها، وهو ما يصعب على الشركات الأميركية منافسة نظيرتها الصينية.
وعلى الرغم من تقديم الصين احتجاجًا رسميًا على الاتصال، فإن مستشار الرئيس المنتخب للشؤون الاقتصادية ستيفن موري قال في لقاء مع إذاعة محلية أمس (الاثنين) «إن على ترامب أن يتبع سياسة الرئيس جيمي كارتر، الذي كان يعترف بتايوان، فهي حليفتنا وعلينا دعمها، ولا يهم إذا أغضب هذا الصين»، وفقًا لشبكة «سي إن إن».
ونقلت وكالة «رويترز» للأنباء عن مسؤولين أميركيين كبار لم تسمِهم قولهم: «إن خطوة الاتصال بين ترامب ورئيسة تايوان هي صفعة أولى للصين، ومؤشر على اتباع نهج صارم ضد بكين، ترافقه خطة لإعداد الجيش الأميركي لمواجهة تنامي قوة الصين في شرق آسيا والمحيط الهادي».
ورأى محللون ومسؤولون سابقون في حديث مع الوكالة، أن «الإدارة الأميركية المقبلة لو اتخذت خطوات استفزازية أكثر ضد الصين، فإن هذا قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية بين البلدين».
وقال كبير مستشاري الرئيس باراك أوباما لشؤون شرق آسيا إيفان مدرويس: «إن الصين أبلغتنا بشكل واضح في منتصف التسعينات أن تايوان بالنسبة لها مسألة حرب أو سلام».
وأكد مدرويس أنه «إذا أقامت الولايات المتحدة علاقات دبلوماسية مع تايوان، فإن هذا سيؤدي بسهولة إلى أزمة عسكرية في شمال شرقي آسيا».
ونقلت «رويترز» عن دوغلاس بال - وهو ممثل الولايات المتحدة لدى تايوان بين عامي 2002 و2006 - قوله: «مستشارو ترامب يبدو أنهم عالقون في التسعينات من القرن الماضي، حينما كانت الصين ضعيفة جدًا مقارنة بالولايات المتحدة».
وأضاف أن «الصين بدأت في 1996 وعلى مدى عشر سنوات لاحقة في مضاعفة قدراتها العسكرية، ولن تقبل بابتلاع مثل هذه الأشياء (اتصال ترامب برئيسة تايوان) مرة أخرى».
يذكر أنه في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، تبادل الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره التايواني ما يينغ جيو مصافحة تاريخية في سنغافورة، في بداية أول قمة من نوعها منذ انفصال تايوان عن الصين.
ولا تزال ضفتا مضيق تايوان على درجة كبيرة من العسكرة بعد عقود من الريبة والحذر، لكن وصول ما الموالي لبكين إلى الحكم في 2008 حسّن المناخ السياسي وسمح بازدهار التجارة والاستثمار والسياحة بين الطرفين، وصولاً إلى بلوغ نقطة الذروة في العلاقات الصينية التايوانية إثر انعقاد القمة.
وفي العاشر من أكتوبر الماضي، دعت رئيسة تايوان، تساي إينغ وين، الصين، إلى إجراء محادثات مع تايوان، متعهدة بالحفاظ على السلام مع جارة بلادها العملاقة.
وقالت تساي، في كلمة بمناسبة العيد الوطني لبلادها: «يجب على الجانبين الجلوس وإجراء محادثات بأسرع ما يمكن».
وتابعت: «أي شيء يمكن مناقشته ما دام سيفضي إلى النمو السلمي لجانبي مضيق (تايوان)، وإلى صالح كل من الشعبين على جانبي المضيق».
وفقدت تايوان مقعدها في الأمم المتحدة في 1971، فيما تعترف 22 دولة فقط رسميًا بالجزيرة، ما يثير شعورًا بالضغينة لدى التايوانيين.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...