استقالة رينزي.. خيبة أمل أوروبية وانتصار للشعبويين

استقالة رينزي.. خيبة أمل أوروبية وانتصار للشعبويين

الرئيس طالبه بتأجيلها والمعارضة تدعو إلى انتخابات مبكرة
الثلاثاء - 7 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 06 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [ 13888]
احتجاجات خارج مقر رئيس الحكومة الإيطالي ماتيو رينزي بروما أمس (أ.ب)

طلب الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، أمس، من رئيس الوزراء ماتيو رينزي تأجيل استقالته للمدة الكافية للإشراف على إقرار ميزانية البلاد لعام 2017. وأكّد مكتب الرئاسة ذلك، بعد أن اجتمع رينزي بالرئيس عقب إعلانه نيته الاستقالة نتيجة الهزيمة المدوية للاستفتاء الذي طرحه لاجراء تعديلات دستورية.
وأعلن رينزي نيته الاستقالة أمس، غداة هزيمته في الاستفتاء على الإصلاحات، ما أشاع أجواء فرح لدى الشعبويين وأثار القلق في أوروبا.
وقال رينزي، حتى قبل الإعلان الرسمي عن رفض إصلاحاته في الاستفتاء بنسبة 59.11 في المائة، إن «مسيرتي رئيسا للحكومة تتوقف هنا». وأضاف رينزي اليساري الوسطي، البالغ من العمر 41 عاما: «خسرت، وأتحمل المسؤولية الكاملة عن ذلك».
وجاءت ردود فعل قادة الاتحاد الأوروبي وفق التوقعات، إذ عبر أغلبهم عن أسفهم وخيبة أمل. وقالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أمس، إنها «تأسف لاستقالة رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي»، لكنها تحترم قراره بعد هزيمته في استفتاء على تعديلات دستورية. وأضافت للصحافيين في مدينة أسن قبل مؤتمر لحزبها الاتحاد الديمقراطي المسيحي: «(أنا) حزينة، لأن الاستفتاء في إيطاليا لم يأت بالنتيجة التي كان يتمناها رئيس الوزراء، لأنني كنت دائما مشجعة لسياساته الإصلاحية. لكنه قرار خاص بإيطاليا وعلينا أن نحترمه». وأردفت: «من وجهة نظري، سنواصل عملنا في أوروبا، ونركز على ما يجب التركيز عليه».
من جهته، قال وزير المالية الفرنسي ميشال سابين، إن هزيمة رئيس وزراء إيطاليا في الاستفتاء «لن يغير مكانة البلاد في أوروبا». وأوضح لدى وصوله إلى اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي في بروكسل: «إيطاليا بلد قوي.. بلد مرتبط بالمشروع الأوروبي، وأعرف أن هذا لن يكون له تأثير على رغبتنا في مواجهة الصعوبات في أوروبا وبناء أوروبا أكثر ديناميكية».
من جانبها، اعتبرت المفوضية الأوروبية أن الرفض الإيطالي للإصلاحات الدستورية «لن ينعكس سلبًا على الاتحاد». وأشار الجهاز التنفيذي الأوروبي على لسان المفوضة الأوروبية المكلفة بالشؤون الاجتماعية، ماريان تايسن، إلى أن الاتحاد لا يعتبر إيطاليا الآن خطرًا على الاتحاد، رغم وجود بعض التقلبات في السوق المالية. ومضت تايسن قائلة، خلال إيجاز صحافي في بروكسل: «ننتظر من القوى الديمقراطية ومؤسسات الدولة الإيطالية أن تعطي ردًا سياسيا قويًا بعد الاستفتاء». وشددت المسؤولة الأوروبية على أن التصويت بـ«لا» على الإصلاحات الدستورية الإيطالية هو خيار الشعب، وليس موضوعًا أوروبيًا.
في المقابل، يبدو أن الجهاز التنفيذي الأوروبي قد وجد بعض «الارتياح» في نتائج الانتخابات الرئاسية النمساوية، التي أسفرت عن فوز مرشح حزب الخضر ألكسندر فان ديربيلين، على مرشح اليمين المتطرف نوربير هافر. وبهذا الصدد، عبرت المفوضية الأوروبية عن سعادتها بأن الاتحاد الأوروبي كان في قلب نقاش الحملة الانتخابية الرئاسية في النمسا: «ورأينا النتائج تتحدث عن نفسها»، حسب الناطق باسم المفوضية ماغاريتس شيناس.
وبعد اجتماع أخير لمجلس الوزراء مساء أمس، توجه رينزي إلى القصر الرئاسي ليقدم استقالته للرئيس سيرجيو ماتاريلا الذي سيتولى إدارة المرحلة الانتقالية. ويمكن أن يدعو الرئيس إلى انتخابات مبكرة أو على الأرجح تعيين حكومة «تكنوقراط» لتعديل القانون الانتخابي، في حين طالب الشعبويون ممثلين بحركة «رابطة الشمال» وحزب «خمس نجوم» بحل البرلمان على الفور. وقال زعيم «خمس نجوم»، بيبي غريلو، على مدونته: «تجب دعوة الإيطاليين للتصويت في أسرع وقت ممكن». وأضاف: «بوصفنا القوة الأولى في البلاد، نحن مستعدون للقيام بكل ما يلزم لتنظيم انتخابات (..) اعتبارا من الأسبوع المقبل، سنبدأ بالتصويت عبر الإنترنت على برنامجنا الانتخابي، ومن ثم على تشكيلة فريقنا».
وأفادت آخر الاستطلاعات، بأن حزب «خمس نجوم» يمكن أن يحصل على الغالبية في مجلس النواب، مستفيدا من استياء الشعوب من النخب الذي دفع البريطانيين إلى التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، أو إلى انتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة، أو إلى حصول اليمين المتطرف على 47 في المائة من الأصوات في النمسا. وقد هنأت زعيمة حزب الجبهة الوطنية الفرنسية، مارين لوبين، «رابطة الشمال» التي ترى أنها أصبحت على أبواب السلطة.
ولكن القانون الانتخابي الذي أقر في مايو (أيار) 2015، ينصّ على منح أغلبية في مجلس النواب إلى الحزب الذي يفوز بأكثر من أربعين في المائة من الأصوات في الدورة الأولى أو يفوز في دورة ثانية بين الحزبين الرئيسيين الفائزين.
لكن هذه الأغلبية لا تنطبق إلا على النواب، وبذلك فإن فشل الإصلاح أبقى على انتخاب مجلس الشيوخ على أساس النسبية واحتفظ المجلس بكل صلاحياته، مما يمكن أن يعرقل حكم البلاد. وتبدو سائر الأحزاب التي تشكل أغلبية في البرلمان الحالي متفقة على ضرورة إجراء تعديل انتخابي تبقى خطوطه غير واضحة.
وقالت وسائل الإعلام الإيطالية، إن رينزي أمضى ساعة كاملة صباح أمس مع الرئيس ماتاريلا. وفي بيان مقتضب، أثنى الرئيس على المشاركة الكثيفة التي بلغت 65 في المائة في الاستفتاء، والتي قال إنها دليل «على ديمقراطية قوية»، ودعا إلى «الهدوء والاحترام المتبادل». وتحدث الرئيس عن «الالتزامات والاستحقاقات الواجب الالتزام بها في كل الأحوال».
وقال المراقبون، إن الأمر يتعلق أولا بتبني الميزانية، وهذه ستكون المهمة الأولى لحكومة التكنوقراط، إلا إذا فعلت الحكومة الحالية ذلك قبل استقالتها.
وحتى قبل الاستفتاء، طرحت أسماء عدة لتولي رئاسة الحكومة، بينها بيير كارلو بادوان وزير المالية الذي ألغى مشاركته في اجتماع مجموعة اليورو في بروكسل ليبقى في روما، أو رئيس مجلس الشيوخ بيترو غراسو. وأمام ضبابية الموقف، يخشى شركاء إيطاليا الأوروبيون والأسواق المالية من مرحلة عدم استقرار سياسي في ثالث اقتصاد في منطقة اليورو، في حين تبدي المصارف الإيطالية مؤشرات ضعف مقلقة.
وقال وزير الخارجية الألماني، فرنك فالتر شتاينماير، إن رفض الإصلاحات «ليس رسالة إيجابية لأوروبا في هذه الأوقات العصيبة». وصباح أمس، سجلت بورصة ميلانو تراجعا طفيفا، لكن تم احتواء التوتر في سوق الإقراض واستعاد اليورو بعض عافيته بعد أن انخفض ليلا إلى أدنى مستوى له منذ مارس (آذار) 2015. وأكدت وكالة التصنيف الائتماني «ستاندرد آند بورز»، أن نتيجة الاستفتاء لن تؤثر على علامة الدين السيادي الإيطالي. وقال الخبير الاقتصادي لورنزو كودونيو، إن «رفض الإصلاحات أخذ أصلا في الاعتبار».
وبعد أكثر بقليل من ألف يوم على رأس الحكومة، وهي عتبة لم يتجاوزها قبله سوى بيتينو كراكسي وسيلفيو برلسكوني، يترك رينزي إيطاليا وقد استأنفت تحقيق النمو لكن ليس بنسب كافية لتغيير المعطيات الرئيسية.
وصل رينزي إلى السلطة في فبراير (شباط) 2014، بناء على برنامج إصلاحات واسع وتجاوز الطبقة السياسية القديمة في بلده. لكن على الرغم من ديناميته، لم ينجح في إقناع الإيطاليين.
ودعت أغلبية واسعة من الطبقة السياسية، من اليمين التقليدي إلى الشعبويين مرورا بكل المتطرفين وحتى «المتمردين» اليساريين في الحزب الديمقراطي الذي يتزعمه رينزي، إلى التصويت بـ«لا»، ونددت بتركيز الصلاحيات بأيدي رئيس الحكومة.
وكتب ماريو كالابريزي، مدير صحيفة «لا ريبوبليكا»، أن كثيرين رفضوا الإصلاحات، وأنه إلى جانب هذا التوافق السياسي و«تعبئة الذين يريدون تجنب أي تعديل في الدستور»، يجب الإشارة إلى «الغضب والإحباط والاستياء: أصوات الذين قالوا لا للبطالة وللأوضاع الهشة وللشكوك وللإفقار، وكذلك للمهاجرين».
ولم يعرف ما إذا كان رينزي سيغادر قيادة حزبه المنقسم أيضا، بعد معركة الاستفتاء التي دفعت عددا من قادته إلى الانضمام إلى معسكر رافضي الإصلاحات الدستورية.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة