مصادر دبلوماسية تكشف عن مغادرة سفراء دول عربية وأجنبية طرابلس

مسؤول ليبي لـ «الشرق الأوسط»: سلطات التحقيق بصدد استدعاء رئيس البرلمان

عنصر تابع لقوات الأمن الليبية يقف أمام السفارة التونسية في طرابلس أول من أمس (أ.ف.ب)
عنصر تابع لقوات الأمن الليبية يقف أمام السفارة التونسية في طرابلس أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

مصادر دبلوماسية تكشف عن مغادرة سفراء دول عربية وأجنبية طرابلس

عنصر تابع لقوات الأمن الليبية يقف أمام السفارة التونسية في طرابلس أول من أمس (أ.ف.ب)
عنصر تابع لقوات الأمن الليبية يقف أمام السفارة التونسية في طرابلس أول من أمس (أ.ف.ب)

أكدت مصادر دبلوماسية عربية وأجنبية في العاصمة الليبية طرابلس، أن سفراء بعض الدول العربية والأجنبية غادروا بالفعل ليبيا أمس، عائدين إلى بلدانهم بالتزامن مع إقدام مجهولين على الاعتداء على مقر السفارة البرتغالية. في حين كشف مسؤول ليبي رفيع المستوى النقاب عن قرب استدعاء النيابة العامة الليبية لنوري أبو سهمين رئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان) للتحقيق معه في واقعة مثيرة للجدل بشأن اعتقاله برفقة فتاتين بمقر إقامته بضاحية فشلوم بالعاصمة طرابلس قبل نحو شهرين. وأوضح المسؤول الذي طلب عدم تعريفه في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» أن النيابة العامة في ليبيا أخضعت الفتاتين للتحقيق وأنه بات لديها ما وصفه بـ«أدلة قوية» على تورط أبو سهمين في «عمل غير أخلاقي»، مشيرا إلى أن أبو سهمين اختفى تماما عن الأنظار لمدة يومين، قبل أن يعلن أنه مريض ومصاب بجلطة تستوجب نقله للعلاج إلى الخارج.
وبات المستقبل السياسي لأبو سهمين الذي يتولى عمليا منصب الرجل الأول في الدول الليبية والقائد الأعلى لقواتها المسلحة، في مهب الريح بعدما سربت كتيبة «ثوار طرابلس» فيديو مثيرا للجدل يظهر فيه أبو سهمين وهو يخضع لاستجواب وصف بأنه مهين ومذل على يد هيثم التاجوري أحد القادة السابقين بالكتيبة، عن مبرر وجود فتاتين معه بمقر إقامته ليلا.
ونفى أبو سهمين أكثر من مرة تورطه في أي عمل غير أخلاقي، وأعلن تمسكه بمنصبه، بينما هدد 30 من أعضاء المؤتمر الوطني بمقاطعة بقية جلسات المؤتمر وطالبوا بعزل أبو سهمين، وقالوا إنه «بات رهينة في يد من يعرضونه للابتزاز».
ولم يتسن لـ«الشرق الأوسط» الحصول على تعقيب من أبو سهمين، الذي أعلن المؤتمر الوطني في بيان مقتضب مؤخرا، أنه غادر فجأة إلى الخارج للخضوع لفحوصات طبية لمدة أسبوع، دون أن يكشف طبيعة هذه الفحوصات ولا الدولة التي سيقصدها. لكن المسؤول الليبي الذي تحدث مشترطا حجب هويته، قال في المقابل لـ«الشرق الأوسط»: «نعتقد أنها مسرحية فاشلة.. هو يعلم أن النيابة لعامة ستطلب التحقيق معه.. إنه يحاول التنصل من تعهداته بالمثول أمام أي جهة قضائية».
ولفت إلى أن أبو سهمين سبق له أن خضع في نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي للعلاج إثر إصابته بجلطة على العين كادت أن تؤدي به إلى الاستقالة من منصبه، مشيرا إلى أن أبو سهمين رفض قبل توجهه الأسبوع الماضي إلى سويسرا، الخضوع لفحوصات طبية في ليبيا لأسباب مجهولة.
وقال المسؤول الليبي إن أبو سهمين سيتغيب عن الجلسة التي سيعقدها أعضاء المؤتمر غدا (الأحد) للاستماع إلى برامج سبعة مرشحين تقدموا بأوراقهم لشغل منصب رئيس الحكومة الانتقالية الشاغر بعد الاعتذار المفاجئ لعبد الله الثني رئيس الوزراء المؤقت عن تشكيل الحكومة بسبب تعرضه لاعتداء من قبل مسلحين في طرابلس.
وأوضح أنه يتعين على الفائز بالمنصب أن يحصل على تأييد 120 عضوا من بين الأعضاء الـ200 للمؤتمر، مشيرا إلى تقارب فرص جميع المرشحين الذين ينتمي معظمهم إلى المنطقة الشرقية وغير محسوبين على جماعة الإخوان المسلمين باستثناء مرشح واحد فقط. وكان المؤتمر الوطني قد عزل علي زيدان رئيس الحكومة السابق، وعين مكانه الثني وزير الدفاع لمدة أسبوعين بشكل مؤقت، قبل أن يكلفه رسميا بتشكيل الحكومة التي سرعان ما أعلن اعتذاره عنها.
في سياق آخر، قالت مصادر دبلوماسية عربية وأجنبية في العاصمة الليبية لـ«الشرق الأوسط»، إن «سفراء بعض الدول العربية والأجنبية غادروا بالفعل ليبيا أمس، عائدين إلى بلدانهم بالتزامن مع إقدام مجهولين على الاعتداء على مقر السفارة البرتغالية بطرابلس».
وأوضحت المصادر أن سفراء إيطاليا والعراق والإمارات غادروا بالفعل الأراضي الليبية، فيما نقلت صحيفة «الوسط» الليبية عن مصدر دبلوماسي رفيع المستوى بالسفارة الأميركية في طرابلس، تعرض إحدى سيارات السفارة لعملية سطو مسلح.
من جانبها، التزمت السلطات الليبية الصمت حيال هذه المعلومات، وقال مسؤول ليبي لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يشك في إمكانية الرحيل المفاجئ لسفير العراق خشية اختطافه ومقايضته لاحقا بعشرات الليبيين المتطرفين القابعين في السجون العراقية؛ لكنه شكك في مغادرة السفير الإيطالي الذي قال إنه يحظى بحماية أمنية قوية»، على حد تعبيره.
ونفى المجلس العسكري لمدينة صبراتة ما تردد عن وجود فواز العيطان السفير الأردني المخطوف من العاصمة قبل ثلاثة أيام بالمدينة.
وقال المجلس في بيان مقتضب «بعد إجراء البحث والتحري بالتعاون مع الأجهزة الأمنية بالمنطقة تبين عدم صحة الادعاءات التي تناقلتها وسائل الإعلام».
وبينما شكك الناطق باسم وزارة الخارجية الليبية في عملية اختطاف الدبلوماسي التونسي العروسي القنطاسي أول من أمس من العاصمة. وقال إنه «مختف فقط»، أعلن وزير الخارجية التونسي المنجي حمدي أن خاطفي الدبلوماسي وموظف آخر في السفارة التونسية في ليبيا يدعى محمد بن الشيخ، يطالبون بالإفراج عن ليبيين معتقلين بتهمة الإرهاب في تونس.
وقال الحامدي إن الخاطفين هم جماعة على علاقة بمتشددين معتقلين في تونس بسبب هجمات على قوات الأمن وقعت قبل ثلاث سنوات ويطالبون بإطلاق سراحهم مقابل الإفراج عن الدبلوماسي.
وأضاف الحامدي أن تونس تنظر في تقليص بعثتها الدبلوماسية في ليبيا بعد اختطاف دبلوماسيين اثنين خلال شهر، مضيفا: «سنحاول التفاعل مع الجهة الخاطفة لضمان حياة الدبلوماسيين وإطلاق سراحهم». وتابع: «كوننا خلية أزمة لدراسة الخطوات المقرر اتخاذها والتقيت بالقائم بالأعمال الليبي في تونس الذي وعدني ببذل قصارى الجهد لإطلاق سراح الدبلوماسيين التونسيين».
لكن وزارة الخارجية الليبية قالت في المقابل، إن كل المعلومات المتوفرة حول الدبلوماسي التونسي تشير إلى اختفائه، ولم يتضح بعد أنها عملية اختطاف، حيث قال سعيد الأسود الناطق باسمها إنه ليس هناك ما يؤكد اختطاف الدبلوماسي التونسي بطرابلس، وإن المعلومات حتى الآن تشير إلى اختفائه.
وأعلن الأسود أن القنطاسي لم يذهب اليوم لمقر عمله في السفارة، مضيفا: «وعند التحري في مكان إقامته تبين أن منزله لم يتعرض لأي اعتداء، وأن سيارته لم يعبث بها، وبالتالي نفترض أن القنطاسي بسلام، ونأمل أن يكون هكذا».
وفي وقت سابق دعت وزارة الخارجية التونسيين إلى تأجيل سفرهم إلى ليبيا ودعت المقيمين هناك إلى الحذر، علما بأن عشرات الآلاف من التونسيين يعملون في ليبيا بينما يعيش نحو مليون ليبي في تونس. وتعكس عمليات الخطف الشائعة في ليبيا والتي غالبا ما تستهدف مسؤولين أجانب حسب مراقبين، عدم قدرة الحكومة المؤقتة على نزع سلاح معارضين سابقين وإسلاميين متشددين شاركوا عام 2011 في إسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي وشكلوا ميليشيات مسلحة يتزايد نفوذها.
من جهته، اعتبر عبد الله الثني رئيس الحكومة المؤقتة، أن الأمن هو الهاجس الكبير للدولة الليبية ولا يمكن تنفيذ أي برامج إنمائية في غياب الأمن، ودعا لدى لقائه أول من أمس بمديري مديريات الأمن ورؤساء الأجهزة الأمنية المختلفة بحضور صالح البرعصي ووزير الداخلية المكلف، إلى ضبط المنافذ البرية والبحرية والجوية لضمان عدم حدوث اختراقات أمنية عن طريقها.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.