صدور النسخة الألمانية من «شارلي إيبدو»

صدور النسخة الألمانية من «شارلي إيبدو»

أنجيلا ميركل.. «الأم الجاحدة والأب الدولة» على غلاف العدد الأول
الاثنين - 6 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 05 ديسمبر 2016 مـ
غلاف «شارلي إيبدو» الألمانية

بعد عدة أشهر من التحضيرات صدر العدد الأول من مجلة «شارلي إيبدو» الفرنسية الساخرة باللغة الألمانية. وظاهر من العدد الأول أن المجلة الفرنسية لم تترجم موادها من الفرنسية إلى الألمانية فحسب، وإنما أصدرت نسخة ألمانية تحتوي على الكثير من الكاريكاتيرات التي تمس السياسة الألمانية، وخصوصًا المستشارة أنجيلا ميركل.
والوليد الألماني الجديد لـ«شارلي إيبدو» خصص عدة كاريكاتيرات تصور المستشارة الألمانية المحافظة، بينها كاريكاتير يصورها بمثابة «القلعة الأخيرة للعالم الحر»، تشد حول بطنها أسلاكًا شائكة. وكاريكاتير آخر صور المستشارة «الأم الجاحدة والدولة الأب» ومع تعليق يسأل «من يحكم ألمانيا؟».
وخصصت هيئة تحرير المجلة غلاف العدد الألماني الأول للسخرية من ترشيح ميركل نفسها لولاية رابعة. ويظهر الكاريكاتير المستشارة الألمانية على دكة تصليح السيارات في ورشة، وعامل يحاول تصليحها وهو يحمل أنبوب عادم الغاز بيده، ويقول: «نغير عادم السيارة وتصبح صالحة للخدمة أربع سنوات أخرى».
لم يستثن محررو «شارلي إيبدو» فراوكه بتري، رئيسة حزب البديل لألمانيا الشعبوي، من نكاتهم وصوروها كمنافس كاريكاتيري يلم النازيين حوله. وتبدو ميركل في كاريكاتير آخر مثل صندوق انتخابات مكتوب عليه «انتخبوا الماما»... إذا لا، اذهب إلى الزاوية!! ويظهر في الزاوية رجل يبكي كما يبكي طفل حينما يحاسبه المعلم في الوقوف في زاوية الصف. وهناك كاريكاتير يظهر المستشارة على التواليت سعيدة وهي تقرأ النسخة الألمانية من مجلة «شارلي إيبدو».
والمجلة تحفل بأكثر من 20 كاريكاتيرًا ملونًا تتصدى لمختلف نواحي الحياة الألمانية التي تمتد بين السياسة ومشكلات البيئة واللاجئين واليمين النازي، وتكشف أيضًا مخاوف الألمان وعقليتهم.
فيليب لانكون، الذي يكتب المقالات السياسية، لمجلة «شارلي إيبدو» من سنة 2003، خصص مقاله في العدد الألماني الأول للحديث عن إصابته. فالمحرر المعروف من محرري المجلة الذين نجوا من مجزرة الإرهابيين بباريس سنة 2015، لكنه خرج بأكبر الإصابات. ويقول في مقالته إنه بدأ يعتاد على اليد الصناعية التي يعلقها في رقبته وتبدو مثل «طفل رضيع» يحمله معه دائمًا أينما ذهب.
وكاتب المقالات الافتتاحية، الذي يسمي نفسه «ريس»، كتب ساخرًا من ترشيح فرنسوا فيلو لمنصب الرئاسة الفرنسية في الانتخابات المقبلة سنة 2017. ويقول «ريس» إنه لو نجح فيلو في سباق الرئاسة فإنه سيكون لفرنسا، لأول مرة، رئيس يهتم بسباق السيارات وعوادم السيارات. وربما أن عودة الكاتب إلى عادم السيارات يربط ترشيح فرنسوا فيلو، بشكل ما، بتصليح عادم سيارة المستشارة ميركل.
ويعرف كل متخصص أن المجلات الساخرة، التي تعتمد الكاريكاتير والرسومات، ليست بحاجة إلى نصوص طويلة، وكان هذا دأب «شارلي إيبدو» دائمًا، لكن النصوص في النسخة الألمانية كانت أقصر من النصوص المعتادة في النسخة الفرنسية. ويبقى أن رسم السياسيين والسياسيين وهم عراة غير مستحب في ألمانيا، ولا تظهر هذه الأشكال إلا في كرنفال الراين.
وقال ريس المدير الحالي لـ«شارلي إيبدو» لوكالة الصحافة الفرنسية «لاحظنا أن هناك فضولا حقيقيا في ألمانيا حول (شارلي إيبدو)» حيث غالبا ما تلقى فريقها دعوات للمشاركة في عروض خلافا لدول أوروبية أخرى.
وقالت مينكا شنايدر رئيسة تحرير النسخة الألمانية للمجلة في حديث لصحيفة «سودويتشي تسايتونغ»: «لم يتسبب الاعتداء بردود فعل بهذا الحجم في أي بلد آخر - مع تنظيم مسيرات تضامن - ومثل هذا النقاش حول حرية التعبير وحرية الصحافة».
ولأسباب أمنية عرف عن هذه الصحافية البالغة الـ33 من العمر بهذه الكنية وهي تدير من باريس فريقا من 12 شخصا موزعين على ضفتي نهر الراين. ويريد طابع المجلة وموزعها إخفاء هويته أيضا للأسباب نفسها. وقال ريس مازحا في حديث لشبكة «إي أر دي» التلفزيونية الألمانية هذا الأسبوع «روح الفكاهة في كل مكان حتى في ألمانيا». وأضاف: «إنها خبرة لنا نشر (شارلي إيبدو) في لغة أخرى ومحاولة إيجاد معجبين جدد بالمجلة سيساهمون في الدفاع عنها». وفي ألمانيا مجلتان شهريتان ساخرتان «تايتانيك» و«اولنشبيغل» ستتنافس «شارلي إيبدو» معهما.
والعدد الأول لـ«شارلي إيبدو» بالألمانية الذي طبعت 200 ألف نسخة منه ينشر على صفحته الأولى رسما للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي أعلنت أنها ستترشح لولاية رابعة وشركة فولكسفاغن لإنتاج السيارات التي لطختها فضيحة محركات الديزل المغشوشة.
وفي الرسم تظهر ميركل على رافعة هيدروليكية مع تعليق «فولكسفاغن تدعم ميركل» في حين يقول أحد موظفي الشركة «مع عادم جديد يمكنها الخدمة لأربع سنوات جديدة». وخصصت الصفحة الثانية كلها للمستشارة مع تسعة رسوم كاريكاتيرية تمثلها في عدة وضعيات: عارية الصدر ترقص على العلم الأوروبي أو ترتدي سترة «أديداس» التي كان يعشقها فيدل كاسترو للمطالبة بـ«ولاية من خمسين عاما».
عمومًا استقبل المجتمع الألماني، والأوساط الإعلامية الألمانية، العدد الأول من «شارلي إيبدو» بكثير من الفضول والترقب، وبكثير من الإيجابية أيضًا. ولم تخل أي صحيفة أو مجلة من تعليق وخبر عن صدور المجلة الفرنسية على نهر السين لأول مرة بنكهة نهر الراين.
وتعتبر النسخة الألمانية نسخة طموحة من المجلة الفرنسية الساخرة لأنها أصدرت عددها الأول بـ200 ألف نسخة في محاولة لجس نبض السوق. وسبق لهيئة تحرير المجلة أن تحدثت عن «ثغرة» في مجال الأدب الساخر في ألمانيا، وعبرت عن رغبتها في سد هذه الثغرة.
وربما ما كانت المجلة تجرؤ على طبع مثل هذا الرقم لولا تحسن مبيعاتها الذي أعقبت الهجوم الإرهابي عليها في باريس. إذ كسبت المجلة الكثير من التعاطف بعد الهجوم في ألمانيا، واشترى الألمان 70 ألف نسخة، من النسخ الفرنسية، من العدد «التضامني» الذي صدر من المجلة بعد المجزرة. وكانت مبيعات المجلة قبل الهجوم لا تزيد عن 30 ألفًا، وارتفعت بعد الهجوم إلى 110 آلاف.
يعرف الفرنسيون بالطبع الكثير عن شاعر ألمانيا الأول فولفغانغ فون غوته، لكنهم يعرفون أكثر عن شاعر ألمانيا الثاني هاينريش هاينه من القرن التاسع عشر. وذلك ليس لأن هاينه عاش ومات في باريس (دفن في مقبرة مونمارتر) فحسب، وإنما لأنه كان شاعرًا ساخرًا بامتياز. ويعتقد المفكر جورج لوكاتش أن هاينه انتقل بالشعر الألماني الكلاسيكي إلى الحداثة باستخدامه السخرية التي كانت غريبة على الألمان قبل 200 سنة، وربما أنها ما زالت كذلك. ومعروف أن الساسة الألمان، ورواد الصحافة والأدب آنذاك، لم يستسيغوا سخرية هاينه اللاذعة.
والسؤال الآن: هل سيتقبل الألمان السخرية على طريقة «شارلي إيبدو»؟ هذا ما ستكشفه الأشهر القادمة.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة