الإنترنت ساحة مواجهة جديدة بين روسيا والغرب

روسيا تتهم دولا بالتحضير لهجمات إلكترونية ضد بنوكها

ميدان الاستقلال في وسط كييف حيث قامت مجموعة من المتطرفين اليمينيين بالهجوم على بنك روسي  (أ.ف.ب)
ميدان الاستقلال في وسط كييف حيث قامت مجموعة من المتطرفين اليمينيين بالهجوم على بنك روسي (أ.ف.ب)
TT

الإنترنت ساحة مواجهة جديدة بين روسيا والغرب

ميدان الاستقلال في وسط كييف حيث قامت مجموعة من المتطرفين اليمينيين بالهجوم على بنك روسي  (أ.ف.ب)
ميدان الاستقلال في وسط كييف حيث قامت مجموعة من المتطرفين اليمينيين بالهجوم على بنك روسي (أ.ف.ب)

يبدو أن الحرب الإلكترونية في عالم الإنترنت بين القوى الكبرى، وتحديدا روسيا والغرب، قد أصبحت واقعا يعيشه العالم المعاصر، هذا على الأقل ما تشير إليه الأنباء التي أصبحت شبه يومية حول اتهامات متبادلة بشأن شن هجمات إلكترونية. وفي تطور لافت في هذا الشأن قالت هيئة الأمن الفيدرالي الروسي إن أجهزة استخبارات أجنبية قد أعدت العدة لشن هجمات إلكترونية تهدف بصورة رئيسية إلى زعزعة النظام المصرفي - المالي في روسيا، ووضع منظمو تلك الهجمات مصارف روسية كبرى على قائمة «الضحايا» الذين ستستهدفهم تلك الهجمات. وحسب التفاصيل التي عرضها الأمن فإن الهجمات مقررة غدا، بتاريخ الخامس من ديسمبر (كانون الأول).
وقال اتحاد البنوك الروسية نقلا عن هيئة الأمن الفيدرالي إن الهجمات قد تترافق مع إرسال رسائل على أجهزة الموبايل ونشر معلومات تدعو لإغلاق الحسابات وسحب الأرصدة من البنوك «وكذلك معلومات حول فرض قيود على سحب الأموال، ومزاعم بأن مصدرا مطلعا أكد أن سعر صرف الروبل سيتقلب بسرعة، وما إلى ذلك»، هذا فضلا عن نشر معلومات استفزازية عبر الصفحات الشخصية على الإنترنت وعبر مواقع التواصل الاجتماعي حول وضع المنظومة المالية في روسيا، وإفلاس بنوك كبرى، ومعلومات حول سحب التراخيص من بنوك أخرى. وستشمل الهجمة الإلكترونية التي يتحدث عنها الأمن الفيدرالي الروسي عشرات المدن الروسية.
ويقول الأمن الروسي إن مركز قيادة الهجمات الإلكترونية يقع في هولندا ويعود إلى شركة «ВlazingFast» الأوكرانية. من جانبها قالت الشركة على لسان ممثلها في حديث لوكالة «ريا نوفوستي» إنها أول مرة تسمع فيها بتلك المعلومات حول هجمات يجري التحضير لها وإن مكتبها في هولندا مركز للعملية، مؤكدة وجود مكتب لها في هولندا، وأوضحت أنها تعمل في مجال «الهوستينج» (الاستضافة وإنشاء مواقع تجارية على الإنترنت) وأن غالبية العملاء الذين تقدم خدمات لهم هم من الأجانب، أما عدد عملائها من المواطنين الروس أو الأوكرانيين فهم قلة. وفي حديث لوكالة «ريا نوفوستي» الروسية تعهد ممثل الشركة الأوكرانية بالتحقق على وجه السرعة من تلك المعلومات التي نقلها الإعلام عن الأمن الروسي.
وأكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أهمية أمن تكنولوجيا المعلومات، بعد الهجوم الإلكتروني الذي تعرض له نحو 900 ألف راوتر تابع لشركة تيليكوم الألمانية للاتصالات، ما أثر على الإنترنت والتلفزيون والاتصالات الهاتفية. قالت ميركل أمس السبت، في تصريحات نقلتها الوكالة الألمانية، إن وزارة الاقتصاد أطلقت لتوها مبادرة «أمن تكنولوجيا المعلومات في الاقتصاد» بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة «لكن لا يزال هناك جزء من المسؤولية بالنسبة لورش العمل الحرفي لتأمين نفسها بشكل جيد بقدر المستطاع».
وكانت ميركل قد أبدت تأييدها لتعزيز التعاون مع الشركات في مجال التصدي للهجمات الإلكترونية، وقالت ميركل إن السياسة في حاجة إلى خبرة الصناعة «ومن ثم فعلينا أن نتعاون معا في القضايا الإلكترونية».
وتجدر الإشارة إلى أن خمسة من كبار المصارف الروسية كانت قد تعرضت في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) لهجمات إلكترونية، وكان بينها مصرف «سبير بنك»، الذي قال مديره غيرمان غريف إن تلك الهجمة كانت بألف مرة أقوى من الهجمات السابقة، مؤكدا أنه تم تحديد المكان الذي جرى عبره تنسيق الهجمة، لكنه رفض تسمية دولة محددة أو أي شركة مبررا ذلك بأن «الأمر على صلة بالعلاقات بين الدول». وبالنسبة للهجمات التي حذر الأمن منها في الخامس من ديسمبر (كانون الأول) فقد أجرت وزارة الاتصالات الروسية اجتماعا مع مخدمي الاتصالات في روسيا وكبار البنوك الروسية وقدمت لهم تعليمات وتوصيات حول كيفية التعامل بحال وقعت هجمات إلكترونية. عممت وزارة الاتصالات الروسية توصيات وتوجيهات على الأقسام الإلكترونية في الوزارة وفي البنوك الروسية حول كيفية التعامل بحال وقعت أي هجمات. بينما أعلن بنك روسيا المركزي أن مركز المراقبة والرد على الهجمات الإلكترونية في المجال المالي عمم جملة توصيات على البنوك الروسية حول كيفية التصدي للهجمات التي يجري الإعداد لها، وأكد البنك المركزي أن الوضع «تحت السيطرة».
في غضون ذلك يرى جزء كبير من المحللين السياسيين ورجال السياسة في روسيا أن الهدف من تلك الهجمات هو زعزعة الاستقرار في البلاد، وأن «الحلقة الأضعف» التي يستهدفها خلق فوضى في القطاع المالي - المصرفي هي «المواطن الروسي البسيط». أما الجهة المسؤولة عن تلك الهجمات فهي الغرب وحلفاؤه، وفق ما يرى محللون روس، ومنهم إيغور كوروتشينكو رئيس تحرير مجلة «الدفاع الوطني»، الذي لا يستبعد احتمال ضلوع الاستخبارات الأوكرانية في التحضير لتلك الهجمات، منطلقا في استنتاجه هذا من حقيقة أن الشركة التي أشار إليها الأمن الفيدرالي الروسي شركة أوكرانية. وفي الوقت ذاته يرى كوروتشينكو أن «أجهزة الاستخبارات الغربية ربما تكون قد استغلت اسم الشركة الأوكرانية» كغطاء لتقوم بتلك الهجمات تحت اسمها.
من جهته يرى أندريه ماكاروف رئيس لجنة الميزانية في مجلس الدوما الروسي أن ما يجري الآن ربما يكون جزءا من التهديدات الأميركية بمهاجمة مواقع إلكترونية روسية، ردا على الهجمات الإلكترونية التي وقعت أثناء حملات الانتخابات الرئاسية الأميركية، وحملت واشنطن موسكو المسؤولية عنها.
وكانت الولايات المتحدة قد اتهمت روسيا في وقت سابق أكثر من مرة بالضلوع في اقتحام صفحات إلكترونية أميركية، ومنها مراسلات الحزب الديمقراطي. وفي مطلع شهر نوفمبر قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري إن واشنطن سترد على موسكو بسبب الهجمات الإلكترونية في الوقت الذي يقرره الرئيس (أوباما). ومن غير الواضح حتى الآن ما إذا كانت الولايات المتحدة قد نفذت ما توعد به كيري أم لا، إلا أن صحيفة «آر بي كا» الروسية ذكرت أن «مخابر كاسبيرسكي» كانت قد أعلنت عن سلسلة هجمات إلكترونية وقعت في التاسع من نوفمبر واستهدفت عددا من البنوك الروسية.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended