رؤساء وسياسيون وكتاب ينعون غارثيا ماركيز

كولومبيا أعلنت الحداد لثلاثة أيام

TT

رؤساء وسياسيون وكتاب ينعون غارثيا ماركيز

أثارت وفاة الأديب الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز (87 سنة) الحاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1982، يوم الخميس أصداء كبيرة بين الشخصيات الأدبية والسياسية في مختلف أنحاء العالم، فقد وصفه الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس بأنه «أشهر شخصية كولومبية في كل الأزمان»، وأعلن الحداد عليه لمدة ثلاثة أيام.
وقال ماريو باغاس يوسا، الحاصل على جائزة نوبل في الآداب: «لقد مات كاتب عظيم، ساعد بأعماله على شيوع أدبنا الإسباني وإبراز أهمية لغتنا».
وأعربت الكاتبة إيزابيل إليندي عن حزنها قائلة: «إنه خبر غاية في الحزن... لقد تأثرنا جميعا بأعماله». وكتبت الفنانة شاكيرا: «من الصعب علي أن أودعك، لأنك قد منحتنا الكثير، ستخلد في قلوبنا نحن الذين أحبوك وأعجبوا بك».
أما الرئيس الشيلي السابق رافائيل كوريا، فقد كتب: «لقد مات غابو (لقب غارثيا ماركيز) لكن أعماله باقية». كان الكاتب هيكتور أغيلار كامين زار منزل ماركيز حال سماعه بخبر وفاته وقال: «إن وفاته كما لو أنه قد توفي تشارلس ديكنز أو بلزاك».
وعبر الرئيس الفرنسي هولاند عن أسفه لرحيل الأديب الكبير بقوله: «إن ماركيز منح الأدب الإسباني أحد أروع أعماله وهو رواية (مائة عام من العزلة)».
وعبر الرئيس المكسيكي إنريكه بينيا نييتو عن أسفه «لوفاة واحد من أعظم الكتاب في وقتنا الحاضر». أما الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون فقال إنه يفخر بأنه كان صديقا لغارثيا ماركيز، وكذلك أعرب الرئيس الأميركي أوباما عن أسفه لوفاته وقال: «لقد خسر العالم واحدا من أعظم الكتاب، واحدا من الكتاب المفضلين عندما كنت شابا». ووصفه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بأنه «صديق للزعماء الثوريين». وكتب زعيم الحزب الاشتراكي الإسباني ألفريدو بيريث روبالكابا أن ماركيز «من كتابه المفضلين له وللملايين من القراء».
وكان ماركيز دخل المستشفى يوم 31 مارس (آذار) قبل أكثر من أسبوع، بعد إصابته بالتهاب رئوي.
وفي آخر مقابلة معه قال: «إن عمر الإنسان ليس في الحياة التي يعيشها وإنما فيما يتذكره وطريقة تذكره لتلك الذكريات من أجل أن يرويها».
وكانت أخت الكاتب، آيدا غارثيا ماركيز، قد صرحت قبل أيام لراديو «كاراكول» بأنها رغم أن قلبها يتمنى أن يستمر أخوها على قيد الحياة «والإنسان دائما يريد من الحياة أن تكون خالدة، ولكن لا بد لنا أن نكون مستعدين لقبول إرادة الله. وكما تعرفون فإن حالة ماركيز ليست على ما يرام، وإن الحياة لها بداية ونهاية، وهذه هي الحقيقة، ولا بد لنا من أن نقبلها». وأضافت أنها متفقة تماما مع رأي زوجة ماركيز التي فضلت أن يترك زوجها المستشفى وينتقل إلى البيت، في مكسيكو. الأخت الأخرى لماركيز ليخيا قالت: «إننا نصلي من أجله، ونشعر بالارتياح من تعاطف الجميع مع أخي».
وكانت زوجة الكاتب ماركيز، ميرثيديس بارجا، وأولادها قد أصدروا بيانا قبل ذلك شكروا فيه كل الذين شاركوهم محنتهم هذه الأيام، وذكر البيان أن ماركيز «في حالة مستقرة ولكن صحته ضعيفة جدا، وهناك خطر أن تتدهور حالته بسبب تقدمه في العمر».
وكان صاحب «خريف البطريرك» قد دخل المستشفى قبل أسبوع ثم غادره، بسبب إصابته بالتهاب رئوي، وتحدثت بعض الصحف حول عودة مرض السرطان الذي أصيب به في نهاية التسعينات إليه.
معلوم أن ماركيز يعد واحدا من أشهر الروائيين العالميين، وتعود شهرته في الأساس إلى روايته «مائة عام من العزلة» التي كتبها في المكسيك، وقضى في كتابتها ثمانية عشر شهرا دون أن يخرج من غرفته، وكان يدخن خلالها ست علب يوميا. وأعماله كما هو معروف قد ترجمت إلى اللغة العربية، ومنها الرواية السابقة الذكر، و«الحب في زمن الكوليرا»، و«ليس لدى الكولونيل من يكاتبه»، و«ذاكرة غانياتي الحزينات»، وكذلك مذكراته «عشت لأروي».

الاتحاد الأوروبي: أعماله جعلت عالمنا أكثر ثراء

قدمت المفوضية الأوروبية ببروكسل التعازي في وفاة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز. وقال رئيس المفوضية الأوروبية مانويل باروسو في بيان إنه تلقى بحزن شديد نبأ وفاة ماركيز، «الذي كان صوت أميركا اللاتينية وأصبح صوت عالمنا. لقد جعلت أعماله عالمنا أكثر ثراء وبفقدانه سنكون أكثر فقرا ولكن أعماله ستدوم». وماركيز توفي في مكسيكو سيتي عن 87 عاما. وقد ولد ماركيز في كولومبيا في 6 مارس (آذار) 1927، وقضى معظم حياته في المكسيك وأوروبا. عمل أولا في المجال الصحافي ثم أخذ ينشر أعماله القصصية وقد توجها بأعظم عمل ألا وهو «مائة عام من العزلة»، وقد أثرت هذه الرواية على كثير من الأدب الروائي خصوصا في العالم الثالث. وحلق اسمه في عالم الرواية برائعته «مائة عام من العزلة» والتي نال شهرة كبيرة بعد نشرها مباشرة في عام 1967، فقد باعت أكثر من 30 مليون نسخة في أنحاء العالم وأعطت دفعة لأدب أميركا اللاتينية. وكانت له علاقة متينة مع الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، مما سببت له مشكلات كثيرة. ومن أعماله: «جئت أتكلم بالهاتف فقط»، و«الرحلة الأخيرة لسفينة الأشباح»، و«الحب في زمن الكوليرا»، و«ليس للكولونيل من يكاتبه» و«وقائع موت معلن». وقد ترجمت أعماله إلى عشرات اللغات، من بينها العربية حيث جرى فيها ترجمة 24 كتابا. وماركيز أحد المدافعين الرئيسيين عن الواقعية السحرية، وهو أسلوب أدبي قال إنه أسلوب يجمع بين «الأسطورة والسحر وغيرها من الظواهر الخارقة للعادة». ومن المشهور عنه أنه كان، في كثير من الأعمال، يحاكي شخصيات حقيقية وبشكل تهكمي. وبعض أعماله كانت تتوقع صعود الديكتاتوريات في أميركا اللاتينية.. وقالت الأكاديمية الملكية السويدية عند منحه جائزة نوبل في عام 1982 إن «ماركيز يقودنا في رواياته وقصصه القصيرة إلى ذلك المكان الغريب الذي تلتقي فيه الأسطورة والواقع».

من أعماله المترجمة للعربية
* مائة عام من العزلة
* الحب في زمن الكوليرا
* أجمل غريق في العالم
* ليس للكولونيل من يكاتبه
* خريف البطريرك
* ذاكرة غانياتي الحزينات
* عشت لأروي
* في ساعة نحس
* قصة موت معلن
* أشباح أغسطس
* بائعة الورد

من سيرته «عشت لأروي

* يقولون إنه يمكن لك، إذا ما صممت، أن تصير كاتبا جيدا. لم أكن قد سمعت مثل ذلك الكلام، من قبل، في الأسرة قط. فميولي منذ الطفولة، كانت تتيح الافتراض بأنني قد أصير رساما، موسيقيا، مغنيا في الكنيسة، أو شاعرا جوالا في أيام الآحاد. وكنت قد اكتشفت ميلا معروفا لدى الجميع، إلى أسلوب في الكتابة، أقرب إلى التلوي والرقة الأثيرية. ولكن رد فعلي في هذه المرة، كان أقرب إلى المفاجأة. فقد أجبت أمي: إذا كان علي أن أصير كاتبا، فلا بد لي من أن أكون أحد الكبار. وهؤلاء لا يصنعونهم، وهناك في نهاية المطاف مهن أفضل كثيرا إذا ما كنت أرغب في الموت جوعا. في إحدى تلك الأمسيات، وبدلا من أن تتبادل الحديث معي، بكت دون دموع. لو أن ذلك حدث اليوم لأثار هلعي، لأنني أقدر البكاء المكبوح كدواء ناجح ومؤكد تلجأ إليه النساء القويات لفرض نياتهن. ولكنني في الثامنة عشرة من عمري، لم أدر ما أقول لأمي، فأحبط صمتي دموعها، وقالت عندئذ: «حسن جدا، عاهدني على الأقل أن تنهي الثانوية، على أفضل وجه ممكن، وأنا سأتولى ترتيب ما تبقى مع أبيك».»

من أقواله

* أسعى أن أتخذ مسارا مختلفا في كل كتاب [...]. الكاتب لا يختار أسلوبا.. بإمكان أي شخص أن يكتشف الأسلوب المناسب لكل موضوع. وكما أشارت، فإن الأسلوب يتم تحديده بناء على موضوع العمل. وفي حالة المحاولة في استخدام أسلوب آخر غير مناسب، ستظهر نتيجته مغايرة. وبالتالي، فإن النقاد يبنون نظرياتهم استنادا إلى ذلك، ويكتشفون أشياء لم تكن موجودة بالأساس. فقط أتجاوب مع أسلوب حياتنا، الحياة في منطقة البحر الكاريبي.
وفي الحقيقة، لو لم توجد حركة الحجر والسماء الكولومبية، فإنني لم أكن متأكدا من ظهوري ككاتب. وبفضل هذه الهرطقة، استطعت أن أترك خلفي خطابة راسخة ومميزة، كولومبية المنشأ... أعتقد أن حركة الحجر والسماء الشعرية الكولومبية ذات أهمية تاريخية كبيرة، إلا أنها في الوقت ذاته لم يعترف بها بشكل كاف... وهناك لم أتعلم كيفية توظيف الاستعارة فحسب ولكن أيضا عرفت كيف أكون أكثر حسما، إضافة إلى الحماس والتجديد في الشعر، والذي كنت أفتقده بدوري كل يوم عن سابقه والذي أعطاني حنينا كبيرا للعودة إلى المسار ذاته.

* كتاب سعوديون: الكبار يغيبون لكن لا يموتون

* غارثيا ماركيز أعطى أميركا الوسطى صوتها الأكثر علواً

* يقول الدكتور معجب الزهراني، الأكاديمي والروائي السعودي، في تعليقه على رحيل الروائي الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز: «إن الكتاب الكبار يغيبون لكنهم لا يموتون، لأن نصوصهم تبقى حية في اللغة التي نتكلم ونتواصل بها كل يوم».
ومضى الدكتور معجب الزهراني يقول: «من هنا نتحدث الآن عن الجاحظ، وابن المقفع، وأبي حيان التوحيدي، والمتنبي، وفيكتور هوغو، وشكسبير، وكأنهم يشاركوننا مائدة العشاء أو موائد الفرح والحزن».
وأضاف: «من هذا المنطلق أزعم أن ماركيز هو الذي أعطى لأميركا الوسطى صوتها الأكثر علوا وجمالا في العالم المعاصر، مثلما أعطاه بورخيس بالنسبة لأميركا الجنوبية في فترة سابقة ومعاصرة نوعا ما».
وقال: «يذهب كثيرون إلى أن (مائة عام من العزلة) هي أهم روايات ماركيز، لكنني أذهب إلى أن رواية (الحب في زمن الكوليرا) هي روايته الأجمل والأعمق والأهم، لأنها تحكي قصة تراجيدية - كوميدية فاتنة باذخة، أستعيد منها كل المفاصل العميقة لمعاناة البشر السعيدة والشقية، ولنا أن نتخيل الآن عجوزين أنيقين في يخت باذخ يتجول بين الموانئ، وربانه يدرك جيدا أن ليس مسموحا له بالرسو في أي منها.. ألا تذكرنا هذه الحكاية بآدم وحواء في الجنة؟ ألا تذكرنا بقيس وليلى في الصحراء..؟ ألا تذكرنا بعطيل وديدمونة في المسرح؟ أولا تذكرنا هذه الحكاية بنا ونحن نتيه بين الحلم واليقظة؟».
* شويخات: كانت حياته عجيبة كفنه
* ومن السعودية ايضا ، قال الروائي، والمترجم، وعضو مجلس الشورى السعودي الدكتور أحمد شويخات: لقد خسر العالم روائيا عظيما امتاز بقربه من هموم البسطاء.. وأمتع عبر عدد من أعماله ملايين القراء في العالم. كان ماركيز يكتب أحيانا بأسلوب خاطف، ويضع ذاك في سياق جمل طويلة ترسم لك الشخصيات والأحداث والأفكار في واقعية سحرية شغف بها القراء في أصقاع العالم، وهم يقرأون أعماله المتنوعة، منذ «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه»، إلى روائعه الأكثر تدليلا على نضج أسلوبه الفريد، كما في «الجنرال في متاهته»، و«مائة عام من العزلة»، و«الحب في زمن الكوليرا».
لقد كانت حياة هذا الفنان عجيبة كفنه. ففي هذه الحياة انشغالات السينما والرواية والوساطات السياسية وسط الحراسات الأمنية والغرائبية الأسلوبية التي تتواشج مع حياته وغرائبية حياة شخوصه.
برحيله، يفقد المشهد الأدبي العالمي شخصية وُلدت على موعد مع المخاطرة في الفن والحياة، ومع الخيال المدهش الممتع الذي يرسم ببراعة أمكنة وأزمنة أميركا اللاتينية، مُجسدا بعض المرئي واللامرئي الإنساني.

* كتاب لبنانيون: فعل ما لم نستطع فعله
* في فضح الديكتاتوريات

* الروائية اللبنانية نجوى بركات تصف ماركيز بـ«الكاتب المؤسس للقارئ والأديب معا، سواء كان قارئا محليا أو عالميا»، فهو برأيها «فتح أفقا جديدا للأدباء سواء أكانوا غربيين أم عربا، وقد سموا هذا النوع من الكتابة بالواقعية السحرية. وللعرب من درس ماركيز ما يستحق الاهتمام أكثر من غيرهم، لأن أميركا اللاتينية تشبهنا في بعض الأماكن. فقد بنى عالما تحكمه الديكتاتوريات والشعوذة، وهو عبارة عن طبقات تحتها طبقات أخرى، كأننا نقرأ عن عالمنا. منه تعلمنا أن هناك طرقا أخرى للكتابة عن الواقع غير المباشرة السياسية التي وقعت فيها الرواية العربية. هذه الرواية التي أصابتها الأدلجة في كثير من الأحيان، في الصميم. شخصيات ماركيز تبقى حاضرة في ذهن القارئ، كأنها شخصيات واقعية. في (مائة عام من العزلة) لا أنسى إحدى الشخصيات التي يلمحها الناس وهي تطير وتحلق في الفضاء. عالمه يشبهنا في القهر والتخلف والطبقات المتعددة للشخصية اللاتينية، التي لها مرادفها في العالم العربي. ربما اكتشف العرب بعد سنوات أن ثمة ما يعنيهم في كتابات ماركيز، ففي (خريف البطريرك) نرى ديكتاتوريات ليس لها أي منطق، نحن حين نتحدث عن هذا النوع من المعاناة غالبا ما نربطه بأدب السجون وكليشيهات أخرى. لست ضد أدب السجون، لكن ماركيز قدم لنا أدبا مختلفا».

* عيساوي: أحببته وغيرت رأيي
* الشاعر اللبناني جوزيف عيساوي يقول «أكثر ما يعنيني في ماركيز بدايته كصحافي، وارتقاؤه في التقرير الصحافي إلى مستوى إبداعي. بالطبع هو بدأ قاصا وقصته (أجمل رجل غريق في العالم) اجتذبني عنوانها أكثر منها، وأحسب أن عناوين كتبه أجمل من صفحات سردية كثيرة فيها. بصراحة لا أريد أن أحمل المترجم النشيط صالح علماني المسؤولية، لكن قراءتي لرواية (مائة عام من العزلة) بالعربية لم تحقق لي المتعة الكبيرة التي أسمع عنها من عشرات القراء الآخرين. (الحب في زمن الكوليرا) أثرت في كثيرا إذ قرأتها وأنا في بداية الشباب، واستشهدت بأبطالها كثيرا وأنا أغوي النساء في ذلك العمر. بطلة ماركيز فيمينا التي لمحها العاشق في المرآة وبقيت في رأسه عقودا، لعلها كانت صورة عشيقة تراها في مرآة السوق حين تمر أمامها، وتعلق برأسها بينما أنت تعشق امرأة أخرى».
يكمل عيساوي «في ما بعد، حين تبدلت نظرتي للحب، أعدت النظر في الرواية التي شاهدتها صدفة فيلما منذ شهرين. أما نقد ماركيز للديكتاتورية من خلال (في خريف البطريرك) فأنا أفضل عليها ما قرأته عند ماريو فارغاس يوسا بحدته وتمسيخه لشخصية الحكام، وترعيته ومجونه وفساده. أما المفضل عندي من أدباء تلك القارة العجيبة والعارية كأرواح أهلها وأشباح غاباتهم وأساطيرهم فهو خوسيه ساراماغو الذي يذهب بالنزق الروائي والدقة السردية إلى أقاص لا محدودة».

* مثقفون عراقيون يصفون رحيل غارثيا ماركيز بالخسارة الكبرى

* أبدت أوساط ثقافية عراقية حزنها وتأثرها الكبير لرحيل الكاتب العالمي غابرييل غارثيا ماركيز، الذي يعده الكثير منهم بمثابة الروائي الذي لن يتكرر بإنسانيته العالية وحضوره وحبه لبلاده، وإن رواياته ستبقى حاضرة في الأذهان على مدى أجيال قادمة.
يقول الأديب فاضل ثامر، رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق: «يعد ماركيز من أهم القامات الأدبية الذين رسموا للقصة والرواية سحرها الأخاذ واستبسلوا عبر رواياتهم ضد الديكاتوريات، وستبقى رواياته حاضرة في النفس والذاكرة، وهي تحكي قصة وطن محارب بقلم أحد أبنائه البررة ورحيله أكبر الخسارات». وأضاف: «برحيل ماركيز نكون قد فقدنا أحد أهم رواد الواقعية السحرية والفن القصصي الفريد ولن يجود الزمان بروائي يحمل ذات عبقريته وإمكانياته التي خلدت رواياته وجعلته متوقدا بيننا على مر الزمان، عندما وقف هذا الروائي موقفا مشرفا أمام كفاح أميركا اللاتينية وعرى طغاة العصر وألبسهم العار».
أما الأديبة والروائية العراقية عالية طالب فقالت: «غابرييل روائي عالمي مهم أثرى المكتبة العربية والعالمية بروائع الأعمال التي ترجمت إلى لغات شتى، وهي روايات أقرب للفنتازية الساخرة بأجوائها العامة التي لم تغادر أرض الراحل وحبه لوطنه كولومبيا، وكنا نستشعر حبه لأرضه بين كلماته. وقد استطاع أن ينقل معاناة بلاده وأحداثها الثقافية والاجتماعية وحتى الخرافة الشعبية منها إلى كل أرجاء العالم، وهو ما نجح فيه ونحن بحاجة اليوم إلى مثقفين وروائيين لهم القدرة على تصوير ما يجري في بلادهم عبر نتاجهم الأدبي كما فعل ماركيز الذي سيبقى غيابه يشكل فراغا كبيرا في المشهد الثقافي العالمي.. سنستعيد رواياته ونعيد في طباعتها كيما نشعر بأنه موجود وحاضر بيننا، خصوصا أن روايتيه «مائة عام من العزلة»، و«الحب في زمن الكوليرا» كانتا ولا تزالان القصتين الأكثر تأثيرا لدى القراء وهما روايتان خالدتان في الأذهان.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.