المسرح النسائي في السعودية.. مع وضد!

تجارب بغطاء رسمي تواصل تقدمها

المسرح النسائي في السعودية.. مع وضد!
TT

المسرح النسائي في السعودية.. مع وضد!

المسرح النسائي في السعودية.. مع وضد!

أصبحت المرأة لازمة الجدل بشأن قيام تجربة مسرحية ناجزة في السعودية، البعض وجدها «شماعة» يعلق على غيابها كل إخفاقات هذه التجربة، في حين وجدها البعض مجرد عنوان لصراع أكبر من التشدد والانفتاح.
في كل الأحوال، بدا منذ أكثر من عشر سنوات أن النساء يمكنهن أن يأخذن زمام المبادرة بأنفسهن، وليس مجرد انتظار بطاقة الدخول لخشبة المسرح. فقامت عدة تجارب مسرحية نسائية أهمها في الرياض، كما تشكلت فرق للأداء المسرحي النسوي، الذي يقتصر طاقمه وممثلوه وجمهوره على النساء حصرا.
كيف يمكن تقييم هذه التجربة بعد عدة سنوات على قيامها، وماذا أضافت وتضيف لرصيد الحركة المسرحية السعودية؟

* مسرح ذكوري بالإكراه

* يقول الكاتب والناقد المسرحي عباس الحايك، الذي كتب نصين مسرحيين للمسرح النسائي، إن «المسرح السعودي فرض عليه أن يكون مسرحا ذكوريا، تغيب عنه المرأة بشكل شبه تام، فلا تمثل بمعية الرجل على الخشبة، ولا تحضر عروضا مسرحية على الأغلب، ويبدو عملها المسرحي مقتصرا على الكتابة إذا ما تسنى لها ذلك. وإن طرحت قضاياها فإنها تكون بمنظور ذكوري استعلائي أحيانا كثيرة. لكن من أخذ زمام المبادرة لتعويض غياب المرأة عن المسرح وتخصيص مسرح خاص بالنساء؟ يجيب الحايك، قائلا: لقد كان المسرحيون السعوديون الرجال هم من أخذوا زمام المبادرة، لتجاوز هذا الواقع المفروض، بتخصيص مسرح خاص بالنساء، تقدمه النساء لجمهور نسائي بحت، مستفيدين من المسرح النسائي الذي ينشط في بعض الدول العربية والأوروبية، وتخصص له مهرجانات، ولكن يختلف عن المسرح النسائي السعودي كون الثاني محصورا في دائرة نسائية مغلقة.
تعد مسرحية «مونوكوليا» أول تجربة مسرحية نسائية تكتمل فيها تقريبا عناصر الأداء المسرحي، وهي من تأليف إبراهيم الحمدان، وإخراج سمعان العاني، وتم عرضها في الثمانينات من القرن الماضي. لكن منذ عام 2005 وحتى وقتنا الحاضر، قدمت مسرحيات نسائية كثيرة، المرأة فيها هي الممثلة والمخرجة، من خلال مهرجانات الأعياد التي تقيمها أمانة مدينة الرياض، منذ ذلك الوقت تم إشراك عدد من الممثلات ونجمات التلفزيون الخليجي، بهدف تقديم تجربة أكثر نضجا واحترافا. فقدمت مسرحيات «الهامورة»، و«بيتنا في خطر«، و«بنات فاطمة»، و«هالة وهلالة»، و«مسيار كووم» وغيرها. ولم تكن القضايا التي تناولتها هذه الأعمال (تقليدية) بالكامل، إذ ناقشت قضايا جريئة وصلت بعض أصدائها لصفحات الصحف اليومية.
بعيدا عن الرياض، قدمت أعمال مسرحية نسائية في الدمام والظهران. ونظمت جمعية الثقافة والفنون بالدمام ورشة «إعداد الممثل» أشرفت عليها المدربة البحرينية كلثوم أمين، وأدت فيها المتدربات مشاهد مسرحية. وفي أبها جنوب المملكة، أسست جمعية الثقافة والفنون هناك فرقة (وشل) المسرحية النسائية، كما تشكلت فرقة أخرى تابعة لجمعية الثقافة والفنون بالأحساء. وكانت المخرجة إيمان الطويل قد حازت على عدد من جوائز ملتقى مسرح الطفل السادس منها جائزة الإخراج على مسرحيتها «بلاد الأحلام».

* إشكالات المسرح النسائي

* ما إشكالات التجارب المسرحية النسائية في السعودية؟ في البدء يفرق الحايك بين مستوى هذه الإشكالات، التي لا تمنع استمرار هذه الأعمال، ولكن تقلل من مستوى تطورها، وهو يعددها قائلا، «أولها غياب النقد الموضوعي الذي يقيم المسرحيات التي تعرض على جمهور نسائي متعطش لمشاهدة مسرح، فالنقد يتوازى في أهميته مع أي تجربة مسرحية كانت، ولن تتطور التجربة دون أن تكون تحت مجهر النقد». هذا الغياب، كما يقول الحايك، عائد إلى أن الناقد الرجل لا يمكنه مشاهدة هذه المسرحيات والحكم عليها، ولو أوكل الأمر لناقدات، فإننا سنكون أمام مشكلة جديدة وهي غياب النساء المشغولات بالنقد المسرحي.
ويضيف الحايك: «الإشكال الآخر، هو أن المسرح النسائي، ورغم أنه يكتب عن المرأة وللمرأة، إلا أن أغلب المسرحيات يكتبها كتاب مسرحيون رجال، بسبب عدم وجود كاتبات مسرحيات يرفدن المسرح النسائي بالنصوص التي تتبنى قضايا المرأة من وجهة نظر نسائية وهي الأقرب من وجهة النظر الرجالية التي قد تكون نابعة من تعاطف ليس أكثر. ومن الإشكالات، أن أكثر الممثلات اللاتي يشتغلن في المسرح النسائي، قادمات بخبرات تلفزيونية، فأكثرهن ممثلات دراما، ولم يتسن لهن التمثيل المسرحي بسبب شح الفرص، وحداثة هذا المسرح. وهاته الممثلات يحتجن لتدريبات وورش لكيفية التعامل مع الخشبة، وكيفية الأداء المسرحي الذي يختلف بالضرورة عن الأداء التلفزيوني».وما يؤخذ على المسرحيات النسائية، من وجهة نظر الحايك، أنها أعمال موسمية، إذ تتم كتابتها والإعداد لها لتقدم فقط في مناسبات كالأعياد، أو إجازات المدارس، وتقدم لأسبوع على الأكثر ثم تنتهي، وتكون مجرد عروض طارئة، لا تعاد، ولا تتحول إلى نشاط وممارسة دائمة ولهذه الأسباب لا يمكن التأسيس على هذه العروض لتتحول إلى حركة مسرحية حقيقية، كما يضيف.
ثمة نقص آخر يواجه المسرح النسائي في السعودية، وهو غيابه عن التمثيل في الخارج، حيث استفاد المسرح الرجالي من مشاركاته الخارجية في المهرجانات، ومن احتكاكه بتجارب مسرحية، وبتجارب نقدية دفعت به نحو النضج، وهذا ما لا يتوفر للمسرح النسائي ضمن هذه الحالة الموسمية، وضمن الاشتغال في منطقة الكوميديا الاجتماعية التي قد لا تتناسب إن افترضنا الإمكانية مع طبيعة المهرجانات الخارجية.

ضد التجربة

من جانب آخر، هناك من يرى أن فكرة قيام مسرح نسائي منفصل هي فكرة غير صائبة من أساسها، مثل الكاتب المسرحي عبد العزيز السماعيل، مدير عام جمعية الثقافة والفنون (تابعة لوزارة الثقافة والإعلام)، الذي يقول: «لا يمكن في الحياة إنتاج ثقافة لكل فئة اجتماعية بمعزل عن الأخرى، أو تفصيل الثقافة على مقياس ما تريده أو تفهمه فئة دون أخرى في المجتمع، مثلما نود أن نفصل مسرحا للرجال وآخر للنساء.. أو مسرحا للصحويين ومسرحا لليبراليين مثلا».
السماعيل الذي قدم عددا من الأعمال المسرحية وحاز بعضها على جوائز عربية، يرى أن قيام مسرح نسائي «لن يؤدي إلى نهضة ثقافية وحضارية حقيقية»، ويضيف: «من هنا يمكن فهم خصوصية الحالة المسرحية الفريدة والغريبة في المسرح السعودي المقسم بين مسرح رجالي ومسرح نسائي، لأن كلاهما يعاني أصلا من نقص الآخر وفقدانه المربك». وبرأي السماعيل، فإن الفصل بين المسرحين (الرجالي والنسائي) لا يتيح للكاتب المسرحي إنتاج رسالة ثقافية ناضجة للمجتمع، ولا للفنان المبدع، كما لا يحقق للمسرح حضورا وقيمة حقيقية في الحياة بوصفه فنا اجتماعيا.

* شكسبير ضد النساء!

* لكن غياب المرأة عن المسرح لم يمنع نهضته في أوروبا مثلا، فلماذا التلازم بين المرأة ونجاح التجربة المسرحية في السعودية؟ يجيب عبد العزيز السماعيل، قائلا: «لقد كان مسرح القرون الوسطى في أوروبا، وفي بريطانيا تحديدا مسرحا مشوها لأنه لا يسمح بوجود العنصر النسائي على الخشبة، وكان الفنان العبقري شكسبير في حياته يكتب نصوصه الخالدة وتمثل بين عام 1585 - 1592 من دون العنصر النسائي.. كان الرجال يقومون بدور النساء فيه، ولكن تلك كانت إحدى علامات عصور الظلام والجهل والتخلف وليس زمن الأنوار والازدهار. ونلاحظ من واقع التجربة في المسرح النسائي في المملكة أن محاولته سد الثغرة الناقصة، أو لنقل التعويض عن الفقد كان حلا مشوها أيضا، أي أنه ليس فقط تكرارا للمشكلة ذاتها في المسرح الذكوري، بل يزيد عليها أنه لا يسمح حتى بوجود الذكر كمتفرج، وبذلك فنحن اتجهنا إلى تعميق المشكلة وليس إلى حلها.

* شركاء في العزلة

* لكن، لماذا يعارض بعض المسرحيين السعوديين قيام مسرح نسائي منفصل، ما داموا عاجزين عن تمهيد الطريق أمام مشاركة المرأة على خشبة المسرح؟ يجيب السماعيل بالقول: «رغم أنني لست ضد أي جهود تبذل هنا أو هناك، ولكني أشعر دائما باستجابتنا الضمنية كمسرحيين سعوديين لشروط المتشددين والمتطرفين ضد الفن بتكريس هذا التقسيم الحاد في مسرحنا مثلما هو في مجتمعنا، بل إننا تواطأنا جميعا وبالأخص كتاب المسرح السعودي أو لنقل معظمهم مع الرأي المتطرف الذي يطالب دائما بإقصاء المرأة من الحياة عندما أقصينا بدورنا العنصر النسائي من نصوصنا المسرحية التي نكتبها، أو كتبنا نصوصا للنساء فقط من أجل أن تنفذ نصوصنا على الخشبة بدلا من الإصرار على مطلبنا الأساسي بوجود المرأة شريكا للرجل في مسرح واحد مثلما يحدث في دراما التلفزيون السعودي. وهذا كله عكس واقعا يجب أن يكون مرفوضا من المسرحيين ومن كتاب النصوص المسرحية بالذات». الناقد السينمائي خالد ربيع يتفق مع ما ذهب إليه عبد العزيز السماعيل بقوله: «رغم التجارب المبشرة بقيام تجارب مسرحية نسائية في المملكة إلا أنني لا أؤيد قيامهن بمسرحيات خاصة، فالمسرح مسرح، وهو يمثل الرجل والمرأة». ويضيف: «هذه المسرحيات تسير في الاتجاه المؤكد لعزل المرأة، كما أنه تعبير عن إدانة للرجل المسرحي الذي تقاعس في أداء دوره ولم يناضل حتى يشرك المرأة في العمل المسرحي».
ويضيف ربيع «غالبا هذا الشكل من المسرح يقام في المدارس من أجل تدريب الطالبات على الأداء المسرحي، ولكن لا ينبغي أن يخرج للجمهور لأنه يعزل المرأة عن أداء رسالتها، علما أننا لا نعارض تقديم عرض مسرحي للجمهور من الجنسين لو كانت شخصيات العمل المسرحي كلها من النساء إذا تطلب العرض ذلك، فما نرفضه هو عزل المرأة».
يرى خالد ربيع أن غياب المرأة عن المسرح يمثل معاناة يعرفها المسرحيون، فمنذ الثمانينات كانت هناك مطالبات بوجود المرأة على المسرح، لكن المسرحيين أنفسهم يستحقون اللوم لأنهم لم يقدموا نصا مسرحيا يضمن وجود المرأة. ويضيف «لقد أصبح هناك شبه حالة من اليأس في أن يقدم المسرحيون شخصية نسائية على خشبة المسرح. وهذا يدل على أن غياب المرأة يؤثر على المبدع سواء كان كاتبا مسرحيا أو ممثلا، وبالتالي فهذا الغياب يعزز الحالة الذكورية في المجتمع».
الكاتب والقاص حسن البطران يتفق مع زميليه في رأيهما الرافض لوجود مسرح النسائي منفصل، وهو يرى أن «المسرح يجمع كل الفنون وهو وسيلة تتجسد فيها كل عناصر المجتمع، ومن بينها العنصر البشري وهو يشمل الرجل والمرأة.. وأن أي نقص في هذه العناصر يجعل هنالك حلقة مفقودة تخل بالعمل وإن ظهر في نظر الغير بأنه مكتمل». ويضيف «بسبب هذا الغياب فإننا نرى المسرح السعودي ليس كغيره في الدول الأخرى، كونه يفقد عنصرا أساسيا له أهميته في الأداء ويكمل نصف الدائرة الآخر».
البطران يرى أن قيام مسرح لا يراعي المشاركة من الجنسين هو تجربة ناقصة، وهو يتساءل: ما المانع من وجود المرأة وهي مراعية لأعراف المجتمع من كل جوانبه على خشبة المسرح، فقد ظهرت المرأة في المسلسلات والقنوات التلفزيونية وفي المشاركات الثقافية والأدبية، وحصلت على مناصب في مجالس المؤسسات الثقافية والتربوية والتعليمية والطبية وغيرها.

* الممثلة سارة الجابر: الفرق النسائية تفككت بسبب الشللية ورداءة النصوص

* تقول الفنانة والممثلة سارة الجابر، فنانة مسرحية سعودية، إن «الفرق النسائية السعودية لم تعد موجودة، وغالبية الممثلات السعوديات اللواتي كن أعضاء في فرق نسائية؛ إما اتجهن إلى تقديم مسرحيات الأطفال أو أصبحن يشاركن في مسرحيات يقدمها متعهد أو راع، وليس عبر فرقة مسرحية».
وهي ترى أن غالبية الفرق المسرحية تحولت إلى فرق للأطفال، مع قلة العروض المسرحية التي لا تتجاوز تقديم عرضين في العام. وتضيف «كنت مشاركة في ثلاث فرق مسرحية، أما الآن فلا توجد فرقة مسرحية متكاملة، فقد تفككت الفرق النسائية المسرحية وانتهى وجودها قبل عامين تقريبا، وتشارك ممثلات المسرح عبر الطلب وليس عبر فرق مسرحية كما كان في الماضي».
والسبب وراء ذلك في اعتقادها هو «رداءة النصوص المسرحية، إضافة إلى الشللية التي غزت الفرق المسرحية، فمن ناحية النصوص، كانت غالبية المسرحيات التي تقدمها الفرق متشابهة، وكانت أغلب الفرق تقدم أفكارا مكررة منذ 20 سنة».
وتفكك الفرق المسرحية النسائية السعودية، كما تضيف، ليس له علاقة بالمردود المادي فالفرق كانت تتعاقد مع جهات حكومية مثل أمانة الرياض أو مع شركات راعية لتقديم عروض مسرحية في المهرجانات، كما إنها لم تكن تعاني من صعوبة الحصول على تصريح، فالجهات التي تعمل معها توفر التصريح، إضافة إلى توفير موقع للتدرب بكامل التجهيزات على الأعمال المسرحية بالنسبة لجهة مثل أمانة الرياض أو في المنازل في حالة رعاية إحدى الشركات لها. الفنانة سارة الجابر دخلت عالم المسرح منذ نحو 18 عاما، وآخر مشاركة مسرحية لها كانت من خلال عرض قدمته فرقة نسائية في مهرجان رالي حائل الذي جرى تنظيمه مؤخرا، حيث شاركت الجابر مع فرقة مسرحية نسائية بمسرحية موجهة للأطفال.



أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية

أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية
TT

أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية

أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية

يفتتح مركز كامدن للفنون بلندن المعرض الاستعادي للفنان الغياني دونالد لوك بثلاث لوحات رُسمت بالأسود وحده. تلك بداية صادمة، حيث تميزت اللوحات بطابعها الانتهاكي لقواعد التودد للمُشاهد الباحث عن المتعة البصرية؛ ما يجعل النظر إليها مثيراً لقلق استفهامي، سيكون مفيداً على مستوى التعامل مع عالم ذلك الفنان واجتهاده في ربط التجريد بقضية إنسانية ذات صبغة سياسية. في أحد تلك الأعمال استعمل صفوفاً من المسامير الحادة تبرز من السطح كما استعمل في لوحة أخرى شبكاً معدنياً من ذلك الذي يُستعمل في السجون. تلك اللوحات الغامضة بموادها المختلفة التي يعود زمن إنتاجها إلى سبعينات القرن العشرين. وعلى رغم لجوء فنانها إلى لغة التجريد الهندسي، فإنها تخرج التجريد من عالم متعته الجمالية لتزج به في مهمة تمثيل تضاريس مزارع قصب السكر في غيانا (تقع على الكاريبي شمال قارة أميركا الجنوبية) التي أنشأها المستعمرون الهولنديون في القرن السادس عشر ثم سيطر عليها البريطانيون لاحقاً.

لم يصور الفنان البريطاني من أصل غياني، دونالد لوك (1930 -2010) تلك المزارع رغبة منه في أن يحاكي أشكالها المرئية من فوق إلا لأنه كان يسعى إلى التذكير بزمن العبودية والعمل بالسخرة. وهنا بالضبط تكمن أهمية فن لوك بوصفه محاولة للمزج بين الاهتمامات الشكلية التي تتطلبها صناعة لوحة حديثة والمضامين التي ينطوي عليها التاريخ المظلم للعبودية والاستعمار. تكمن فضيلة هذا المعرض الشامل في إخلاصه لرؤية الفنان التي لا يمكن فك ارتباطها بقضية إنسانية سعى مثقفو الاستعمار الثقافي إلى تحويلها مسألة اختلاف في الثقافات من خلال تأطيرها بأبعاد فلكلورية. لقد عمل الفنان عبر تجربته الممتدة من منتصف الستينات إلى أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين على التخلص من عبء تلك الأوهام المترفة وتسليط الضوء على مأساة شعب، عانى من التهجير من ثقافته و لغته و تاريخه.

الثقافة السوداء في قلب الحداثة

يجمع المعرض بين الخزف والرسم والنحت. كان مناسباً للوك أن يكون كما شعبه خزَّافاً ورساماً ونحاتاً. وإذا ما كان المعرض الذي يضم 80 عملاً فنياً يكشف عن أن الفنان الغياني قد لعب دوراً محورياً في فن النحت البريطاني في فترة ما بعد الحرب الثانية، فإنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على تجربة طوَّر فنانها أدواته التجريبية ليصل بها إلى مستوى من البراعة الشكلية، لم يكن في الإمكان فصلها عن الموقف الإنساني الذي اتخذه الفنان في مواجهة مشكلات الهوية والقهر، وهي المشكلات التي واجهها شعبه.

يستعرض معرض «أشكال مقاومة» المراحل الفنية التي تطوَّر من خلالها عالم لوك في مختلف مسيرته الفنية متنقلاً بين منازله في غيانا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، متأثراً بالأشخاص والأماكن التي عاش فيها خلال رحلته. فالمعرض يبدأ بأعماله الخزفية المبكرة التي تستحضر أشكالاً بشرية وطبيعية ويتتبع انتقال الفنان إلى فن النحت متعدد الوسائط واللوحات السوداء أحادية اللون من سلسلة «المزارع» في سبعينات القرن الماضي. كما يعرض لوحاته الضخمة من تسعينات القرن الماضي والتي واصلت ممارسة عملية التجميع التي اتبعها لوك من خلال دمج صور جاهزة ومواد خزفية ومعدنية وخشبية. ويقدم القسم الأخير من المعرض مجموعة مختارة من الأعمال التجريبية التي أنجزها لوك خلال السنوات الأخيرة من حياته في أتلانتا، هناك حيث مزج بين الذاكرة والأساطير، متأثراً بشدة بالمشهد الفني النابض بالحياة وتقاليد التجميع في جنوب الولايات المتحدة. وبهذا يكون العرض مخلصاً لغايته في تسليط الضوء على «المساهمات الفريدة والمتنوعة للثقافة السوداء في الحداثة».

الكاريبي بمفردات جماله الحية

في ستينات القرن الماضي برز دونالد لوك خزَّافاً تكشف أوانيه عن قدرة هائلة على التعبير بحرية من خلال أشكال حيوية ابتكرها لتكون عنواناً لتحرره من القيود الصارمة التي كانت تضع فن الخزف ببريطانيا في إطار صناعة ذات هوية فنية محددة. بدا واضحاً أن ذلك الفنان القادم إلى بريطانيا من ثقافة أخرى كان قادراً على أن يمارس الفن بحرية من غير أن يخضع للتقاليد التي يخضع لقوانيها الآخرون تلقائياً. يقول: «كنت أعمل من غير أن ألتزم بالقيود القديمة التي لا تزال تُعيق الإبداع في الكثير من ورش العمل في بريطانيا». ذلك ما جسدته أعماله الطينية التي احتفى من خلالها بالجسد البشري والأشكال العضوية. بعد تلك التجربة التي كشف من خلالها عن اختلافه الصادر عن اختلاف مرجعياته البصرية انتقل إلى المرحلة الأهم في مسيرته الفنية، وهي المرحلة التي تمثلها سلسلة المزارع. في تلك الأعمال التي أنتجها الفنان بغزارة في سبعينات القرن الماضي نجحت تقنية دمج الخزف بالمعدن والخشب والعشب والسجاد والفراء والطلاء والورنيش في معالجة موضوعات الاستعباد في غيانا خلال الحقبة الاستعمارية بشكل مباشر. في تلك الأعمال أرسى الفنان بأسلوب متمرد ملامح هويته الفنية الشخصية المتحررة من قيود الجغرافيا وفي الوقت نفسه من تقاليد المدرسة البريطانية.

لا يمكن النظر إلى تجربة دونالد لوك إلا من خلال مقاربات تتعلق بالوضع الإنساني الذي يعيشه فنانو الشتات. ففكرة مساهمة الثقافة السوداء في الحداثة الفنية تظل واحدة من أهم الأفكار التي لا يمكن تجاهلها في عصر ما بعد الاستعمار. تلك رؤية متعددة الطبقات ومعقدة من جهة اكتظاظها بأزمات يكمن أساسها في الصراع بين ما هو إرث شخصي وذلك الإرث الاستعماري الذي صار جزءاً من تاريخ غيانا وسواها. كان لوك نموذجاً لفنان برع في تأثيث شتاته بمفردات كاريبية حية.

وهب بلاده حياة متخيلةبعد حصوله على منحة متحف غوغنهايم التي هيأت له فرصة الانتقال للولايات المتحدة عام 1979، حيث أقام أولاً في فينيكس ومن ثم أريزونا لينتقل عام 1990 إلى أتلانتا، جورجيا حتى وفاته انغمس لوك في التفكير بالماضي بطريقة مزدوجة. ماضي تجربته الفنية؛ إذ عاد إلى الخزف متعدد الوسائط وماضي الإرث الفني الغياني؛ إذ عاد إلى استلهام مفردات الفلكلور المحلي في رسوماته بالفحم واللجوء إلى التجسيد في زخرفة الأواني الخزفية. كان عقد التسعينات الحيز الذي شهد ذروة تعبير لوك عن رغبته في التحرر من قواعد الفن الغربي فكانت معارضه تجمع بين جوانب من الفن الشعبي الأميركي - الأفريقي والأساطير الكاريبية. لقد أنتج حينها أعمالاً فنية مزج من خلالها منحوتاتٍ مرتجلة وأشياء وتمائم مصنوعة من مواد مُستعملة وخشب مُهمل وخصلات شعر بشري.

ربما شكَّل ذلك التداخل ما بين التعلق المدهش بالبنى الفنية الكاريبية ذات المنحى السحري وبين الانتماء للحداثة الفنية بكل أساليبها وصولاً إلى التجريد مصدراً لغموض، سيكون بمثابة امتياز شخصي. من ذلك لوحاته التي هي عبارة عن مساحات شاسعة من الطلاء الأسود رُسمت بضربات فرشاة عشوائية وعفوية كانت مغطاة بخليط مربك من الأشياء والصور الفوتوغرافية. تتداخل قطع الخشب والمعدن والغراء مع صور فوتوغرافية ونسخ مصورة لجنود المرحلة الاستعمارية والعائلة المالكة البريطانية والأسلحة إضافة إلى منحوتاته التي مثلت فرصته لاستعراض اللحظات المأساوية التي عاشتها بلاده منذ القرن التاسع عشر.

غير أن ذلك ليس كل شيء في مسيرة فنان مهم مثل دونالد لوك الذي نجح في أن يكون فناناً حديثاً، لكن بشروطه؛ ما وهبه القدرة على أن يضم إلى آليات عمل الحداثة تعليقاته على العنف الذي شكَّل محور ذاكرته. لقد وهب لوك الحداثة الفنية من خلال استلهامه لتراث بلاده حياة لم تكن متوقعة.


حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب
TT

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

في مجموعتها القصصية «متحف الأخطاء» الصادرة أخيراً عن «دار الشروق» بالقاهرة، تنظر الكاتبة المصرية منصورة عز الدين إلى السرد عبر عدسةٍ مراوغة، ليتشكّل من خلال تخوم اللغة، ويختبر حدود المكان وموقع الإنسان داخله، فالشخصيات تتحرّك داخل مساحات من سعادة متوتّرة، تقتطع من العالم أزمنةً تتلكّأ في مغادرتها، أو تُوسّعها عبر الخيال، تحت وطأة سؤالٍ خفي؛ هل نسير إلى الأمام أم إلى الخلف؟

مفهوم «الخطأ» الذي يؤرّق بطلة القصة الأولى، يتسرّب صداه عبر قصص المجموعة بوصفه خيطاً ناظماً، حيث يُعاد تعريفه والالتفاف حوله، من خلال أبطالٍ مُنسحبين، ينظرون إلى وجودهم في العالم بوصفهم «ذنباً» يستوجب الاعتذار، فيعتري بطلة قصة «متحف الأخطاء» تطرّفٌ حاد في استجابتها للمحيطين بها: «عاشت لبنى كأنها تعتذر للعالم عن وجودها فيه»، فيبدو إيقاع حياتها مشدوداً إلى الحذر والانسحاب، ومحاولات دائمة للتغلّب على «دبيب الذنب»، ولا يلبث هذا الإيقاع أن يتكرّر بوجهٍ آخر لدى بطلة قصة «هذا كل ما في الأمر»، التي يغمرها شعور خفي بأنها مدينة للآخرين بشيءٍ لا تعرفه.

أبعد من إِرم

تتبدى نصوص المجموعة بوصفها قصصاً مُنفصلة، في حين تطرح الكاتبة «ثلاثية» قصصية تُقرأ كمُتتالية قصصية متصلة، عبر «رفقة ظلي»، و«أبعد للمشتاق من إرم»، و«تفاح نورماندي»، التي تتوزّع فيها الحكاية بين ثلاث شخصيات يتقاطع مسارهم داخل زاوية قدرية مشتركة، وفي لعبةٍ فنية تُبنى على تناوب الضوء والظل على ملامح أبطالها، تتشكل الحكاية عبر كشف وإضمار، لترسم عالماً مشدوداً إلى الأسى، على هيئة مثلثٍ مغلق: الزوج، والزوجة، والحبيبة.

يبدو تعقيد هذه العوالم، في ظاهره، نابعاً من تباعد المكان السردي الذي يجمع الشخصيات الثلاث، حيث يتفرّقون بين بلدانٍ متباعدة، غير أن هذا التباعد الجغرافي، وفروق التوقيت، لا يلبثان أن ينزاحا لصالح غربةٍ داخلية أعمق، يعيشها كلّ منهم على حِدة، فتغدو محاولات التواصل بينهم مدفوعةً بالاشتياق والغيرة، والحيرة معاً.

ففي «تفاح نورماندي» تنشغل الزوجة الفرنسية بتتبّع فتور علاقتها الزوجية، وتبدأ في البحث عن شواهِد عبر تفاصيل يومية؛ هاتفٌ مغلق، وآخر صامت، وإفراطٌ في استخدام زوجها لتعبيرات «الإيموجي» في تعليقات موجّهة إلى امرأة بعينها عبر مواقع التواصل، على غير عادته. تتحوّل هذه التفاصيل، بالنسبة لها، شواهد على علاقة تتشكّل في الخفاء، يتبعها تتبعٌ مستمر لتحديثات الصور على «إنستغرام» على كل من حِساب زوجها وحِساب الفتاة التي تُراودها الظنون بشأنها، حيث تغدو المقارنة بين تلك التحديثات أداةً لقراءة تطوّر علاقتهما المُفترضة.

من هنا تنزلق البطلة إلى «التلصّص» لاستكمال أحجية انجذاب زوجها إلى أخرى، في لعبةٍ سردية تستثمر فيها منصورة عز الدين توتّر الحب الذي يُضاعفه الفضاء الإلكتروني، في مقابل واقعٍ يتآكل بصمت، حيث لا تعود «الافتراضية» نقيضاً له، بل امتداداً ملتبساً يعيد تشكيل حدوده.

وفي موازاة ذلك، يقترب السرد من الزوج السوداني «إدريس»، بطل قصة «أبعد للمشتاق من إرم»، الذي لم يكن سفره إلى آيوا سيتي سوى تكريس لمسافاتٍ عاطفية طويلة تفصله عن زوجته المقيمة في فرنسا. تُزعجه اتصالاتها، في وقتٍ يحنّ فيه إلى مَرابع قريته القديمة في السودان، ويلازمه طيف امرأةٍ أخرى، تتبّع الزوجة حضورها بحدسها عبر ما تلتقطه من إشاراتٍ «خوارزمية» على مواقع التواصل.على هذا النحو، تبدو القصص الثلاث وكأنها انعكاساتٍ لعلاقة تتآكل، وأخرى مُحاصَرة داخل طيفٍ من نُحب.

ورغم تعدّد واتساع الأماكن التي تدور فيها قصص المجموعة، فإن الكاتبة تضع أبطالها داخل مساحاتٍ أضيق، سواء عبر الحنين أو المراجعة الذاتية، حيث ينسحبون من دوائر الصخب إلى عزلاتٍ صغيرة؛ السير في حديقة، أو الوقوف في ظلّ شجرة، حيث «الجمال واضح لمن يرغب في رؤيته»، وهي عبارةٌ تنسحب على الشجن والرحيل، كما في قصة «نجمة الصباح»، حيث تصنع البطلة عالماً موازياً على الورق، تبتكر فيه بطلةً مُتخيلة، قبل أن تتداخل معها تدريجياً في حياةٍ رحيبة لا تُغادر خطواتها طاولة المقهى الذي تجلس فيه، حيث «الأحلام تعبر الجسر قبل أصحابها».

حمولة اللغة

في مستوى آخر، تبدو اللغة في المجموعة ساحة أخرى للاشتباك، والمناورة والتوتّر، بحمولتها الثقافية والعاطفية، فبطلة «هذا كل ما في الأمر»: تستدعي رد فعلها الانفعالي تجاه صديقتها الفرنسية فتقول: «رددت بالعربية بعبارات مقتطعة، ثم حين استعادت أنفاسي بعض انتظامها، أخبرتها بالإنجليزية أنها أفزعتني، وأنني كنت فقط أتأمل النهر، فردّت عليّ بفرنسيتها المتعالية»، ليبدو اللجوء إلى اللغة الأم فعلاً عفوياً منحازاً للذات والحزن، فتلوذ البطلة بلغتها العربية وهي تستعيد «نوازلها وأحزانها» القديمة في دفقة شعورية متصلة، تعجز صديقتها عن التقاط معناها بلغتها الفرنسية، مكتفية بالتعاطف والمؤازرة، في حين يلوذ بطل قصة «ثوب العالم» بلغة الصمت: «أنتظر أن يأتي من يتحدث بلغتي؛ كي أطلعه على سر من أسراري».

ورغم هيمنة الزمن المعاصر على قصص المجموعة، تشد الكاتبة خيطها الناظم القائم على تمثيلات «الأطياف» ومراياها، إلى فضاءٍ برزخي يتجاوز حدود الزمان والمكان، مستعيدةً التراث وعالم الليالي في قصة «سرحة الغزلان»، لا من مركز «شهرزاد»، بل من موقعها بوصفها طيفاً تستدعيه زوجة «شهريار»، التي أُلصق بها ذنب الخيانة عبر التاريخ.

من هذا الموضع السردي المغاير، تُستعاد الحكاية من طرفها المهمَّش، فتُزاح السردية المكرَّسة إلى موضع الشك، في لعبةٍ فنية تُعيد توجيه الحكاية لتقويض مركزها، فيصدر السرد هنا عن صوت «جُلبهار»، الزوجة التي تستيقظ في برزخها عقب غدر شهريار بها وقتلها، لتعيد تأويل الحكاية من جديد.

 في هذا الانزياح، لا تعود صورة «الملك السعيد» بوصفه الملك المأزوم الذي تُبرَّر جرائمه بوصفها ردّ فعل على خيانة زوجته، بل يُعاد النظر إليها بوصفها سردية كرّست العنف وبرّرته. ومن ثم، يتقدّم صوت «جُلبهار» بحمولة «ما ورائية»، مخاطباً «شهرزاد» بصوتٍ يُخلخل منطق الحكاية والنجاة بها، مُتسائلاً: «أَمِن المجدي هدهدة السفّاح بالحكايات؟».


المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية
TT

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

يشكل تنوع الأفكار واختلاف الأساليب الفنية في عالم الإبداع عبر القرن العشرين جوهر كتاب «مختارات من المسرح الصيني الحديث» الصادر في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة «آفاق عالمية»، تقديم الناقد والأكاديمي محسن فرجاني، بمشاركة المترجمات أسماء مصطفى عيطة، وبسمة طارق، ودينا تهامي، وسارة عزت، وبسمة طارق، ورانيا فتحي وياسمين شوري.

استهل فرجاني، الأستاذ المساعد بكلية الألسن بجامعة عين شمس، الكتاب البالغ 447 صفحة بمقدمة مستفيضة خلُص فيها إلى أن ترجمة المسرح الصيني الحديث تستلزم وعياً عميقاً بالأوبرا الكلاسيكية وتقنياتها ورموزها، مشيراً إلى أن طغيان الآيديولوجيا السياسية على العمل المسرحي الصيني قد غيّب أحياناً شخصيته الفنية الجمالية في بعض مراحل البدايات الأولى، لا سيما في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

وشهد المسرح الحديث خلال الستينات والسبعينات قفزة نوعية في الأداء والمحتوى، لا سيما في الجانب التجريبي الذي ركز على مسرحة الأعمال الأدبية، ورغم أن رياح التحديث شملت عموم الأدب الصيني، فإن المسار لم يكن سهلاً حتى في المناطق المنفتحة جغرافياً وتاريخياً على الغرب؛ حيث لم تنضج هذه التجربة وتتوسع آفاقها إلا في الستينات.

وفي هونغ كونغ، مثّلت الستينات حقبة النهوض الفعلي، ممهدةً لظهور فرق مسرحية متطورة نصاً وعرضاً. ومع حلول الثمانينات، بدأ تحول جذري بانتقاد الهيمنة السياسية والتاريخية على الدراما؛ ما أطلق «فترة جديدة» من الإبداع غير المسبوق. تعززت هذه المرحلة بحركة ترجمة واسعة للمسرح الغربي، أتاحت للمسرحيين الصينيين التفاعل مع الاتجاهات العالمية المعاصرة وتجاوز النمط الواقعي التقليدي. واستمر هذا التمازج مع التيارات الغربية حتى نهاية القرن العشرين؛ ليتزامن مع النهضة الاقتصادية للصين ظهور تيار مسرحي حديث يجمع بين الحداثة والخصوصية الصينية.

ويؤكد الباحث أن اختيار تلك النصوص يهدف إلى سد الفجوة المعرفية في المكتبة العربية، حيث توقفت الترجمات المباشرة والوسيطة للمسرح الصيني عند مطلع السبعينات؛ ما جعل من الضروري متابعة تطور هذا الفن كتابةً وعرضاً. وفيما يخص المسرح الكلاسيكي الصيني، يرى فرجاني أن المكتبة العربية عانت شحٍاً واضحاً، باستثناء محاولات نادرة مثل ترجمة بهي الدين زيان لمسرحية «الفتاة ذات الشعر الأبيض» للكاتب هوشنغ شي عام 1957. ويظل الكاتب تساو يو هو الأكثر حضوراً على الساحة العربية من خلال أعمال، مثل «عاصفة رعدية» و«شروق الشمس» الصادرتين عن سلسلة «المسرح العالمي» بالكويت، و«أهل بكين» عن وزارة الثقافة السورية.

ومن أبرز النصوص التي يضمها الكتاب مسرحية «المسافر» لرائد الأدب الصيني لوشون (1881- 1936)، وهو المفكر والشاعر والناقد الأدبي الذي تعدّه الدوائر الثقافية اليابانية المعاصرة «أهم كاتب من جنوب شرقي آسيا في القرن العشرين»، بصفته المبدع الأكثر شهرة خارج بلاده.

ورغم أنه معروف روائياً وقاصاً، وكان أول كاتب قصة حديثة في تاريخ الصين، فإن العمل يكشف عن وجه مختلف له، لا سيما أنه يترجم للعربية للمرة الأولى في لغة تحافظ على سمة الحس الشعري التي ميزت النص الأصلي الذي نُشر للمرة الأولى عام 1925. وهناك كذلك مسرحية «اصطياد النمر» لأحد أهم مؤسسي الدراما الصينية الحديثة وهو المبدع تيان هان (1898- 1968)، وهو أيضاً شاعر ومترجم وكاتب سيناريو وروائي، والذي تحولت المقاطع الأولى التي وضعها لأغنية السور العظيم لتصبح كلمات النشيد الوطني للبلاد.، كما أن كتاباته الدرامية كان لها أثرها في نشأة المسرح الصيني الحديث. ومن أبرز كتاباته في المسرح الحديث «ليلة في المقهى»، و«سبع فتيات تحت المطر»، و«أنشودة عودة الربيع» و«أعداء بلا بنادق».

وبالكتاب أيضاً مسرحية «اخفض صوتك» للكاتب المسرحي والفنان تشن ليتنيغ الذي ترادفت سنوات عمره مع سنوات زمن الحداثة الصينية تقريباً، حيث عاش مائة وثلاث سنوات (1910- 2013)، بالإضافة إلى كتاباته المسرحية في فترة مبكرة من حياته؛ فقد اتسعت دائرة نشاطه الفني فشملت الإخراج المسرحي والسينمائي وكتابة السيناريو.

ويضم الكتاب أيضاً ثلاثة نصوص درامية للمسرحي الصيني دينيغ شيلين (1892 -1974)، ويعدّ أهم من كتب دراما الفصل الواحد.