10 دقائق هزت العلاقات بين بكين وواشنطن

ترامب يغضب الصين بعد محادثة هاتفية مع رئيسة تايوان

رئيسة تايوان تساي إينغ - وين خلال مكالمتها مع ترامب (صورة وزعها مكتبها أمس)
رئيسة تايوان تساي إينغ - وين خلال مكالمتها مع ترامب (صورة وزعها مكتبها أمس)
TT

10 دقائق هزت العلاقات بين بكين وواشنطن

رئيسة تايوان تساي إينغ - وين خلال مكالمتها مع ترامب (صورة وزعها مكتبها أمس)
رئيسة تايوان تساي إينغ - وين خلال مكالمتها مع ترامب (صورة وزعها مكتبها أمس)

بمحادثته هاتفيا رئيسة تايوان، وضع الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب حدا لقطيعة كبيرة استمرت أربعين عاما من التقليد الدبلوماسي مع بكين وجزيرة تايوان الانفصالية. وليس أمرا معتادا أن يلجأ رئيس أو رئيس منتخب في الولايات المتحدة إلى تبرير هذه الهفوة الدبلوماسية بهذه الطريقة، بأن يشرح على «تويتر» أن رئيسة تايوان هي التي اتصلت به للتهنئة بفوزه.
قدمت الصين احتجاجا رسميا أمس السبت بعد المحادثة، لكنها ألقت باللوم على الجزيرة ووصفت الإجراء بأنه «عمل تافه». وقالت وزارة الخارجية الصينية إنها قدمت «احتجاجات قوية» إلى ما وصفته «بالجانب الأميركي المعني» وحثت على التعامل الحذر مع قضية تايوان لتجنب أي اضطرابات غير ضرورية في العلاقات. وقالت: «إن مبدأ (صين واحدة) هو الأساس السياسي للعلاقات الصينية الأميركية»، كما جاء في تقرير وكالة «رويترز». وتشير الصياغة إلى أن الاحتجاج وُجّه إلى معسكر ترامب، لكن الوزارة لم تقدم مزيدا من التفاصيل.
ترامب استقبل مكالمة تساي إينغ – وين، وتحدث معها لمدة 10 دقائق، وتسبب بأزمة كبرى مع الصين، رغم أن واشنطن، بإداراتها الديمقراطية والجمهورية، تدعم مبدأ «الصين الواحدة»، الذي وضع أسسه الرئيس الأسبق جيمي كارتر. وبناء على ذلك اعترفت ببكين في 1978 وقطعت علاقاتها الدبلوماسية مع تايوان الجزيرة المستقلة بحكم الأمر الواقع، في 1979.
وكتب السيناتور الديمقراطي كريس مورفي، في تغريدة الجمعة، أن «ما حدث في الساعات الـ48 الأخيرة ليس مجرد تطور، بل نقاط ارتكاز كبرى في السياسة الخارجية من دون أي تقديرات مسبقة. هكذا تبدأ الحروب». وشدد على ضرورة تعيين وزير للخارجية «بسرعة»، موضحا أن من الأفضل أن «يكون لديه تجربة».
واتصال رئيس أميركي منتخب لم يتسلم حتى الآن مهامه بزعيم تايواني هو أمر غير مسبوق منذ 1979، العام الذي انقطعت فيه العلاقات الدبلوماسية بين تايبيه وواشنطن.
وقال فريق الرئيس المنتخب، إن ترامب وتساي إينغ – وين، خلال المحادثة غير المسبوقة على هذا المستوى منذ عقود، تطرقا إلى «العلاقات الوطيدة في مجال الأمن والاقتصاد والسياسة بين تايوان والولايات المتحدة».
وأضاف أن رئيسة تايوان التي انتخبت في مايو (أيار) والرئيس الأميركي الذي انتخب في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني)، وسيتولى مهامه رسميا في 20 يناير (كانون الثاني)، تبادلا التهاني، مشيرا إلى اتصالات هاتفية جرت الجمعة مع الرئيس الأفغاني أشرف غني، والرئيس الفيليبيني رودريغو دوتيرتي، ورئيس وزراء سنغافورة لي سيين لونغ.
وفي مواجهة الانتقادات الموجهة للمحادثة، كتب ترامب في تغريدة على حسابه على «تويتر»: «رئيسة تايوان اتصلت بي اليوم لتهنئتي بفوزي في الرئاسة.. شكرا!».
وأضاف: «من المهم أن نشير إلى أن الولايات المتحدة تبيع معدات عسكرية بمليارات الدولارات إلى تايوان، لكن يتوجب عليَّ ألا أقبل اتصالا للتهاني».
وقال أليكس هوانغ، المتحدث باسم تساي: «بالطبع اتفق الجانبان قبل إجراء الاتصال». وقال مكتب رئيسة تايوان إنهما تطرقا إلى تعزيز العلاقات الثنائية وتوثيق سبل التعاون.
وقال مساعد وزير الخارجية السابق لشرق آسيا والمحيط الهادي كريستوفر هيل، في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش، إنه «خطأ فادح»، منتقدا ميل إدارة ترامب المقبلة إلى «الارتجال».
انفصلت تايوان عن الصين في 1949 بعد حرب أهلية، وهي مستقلة بحكم الأمر الواقع، لكنها لم تعلن رسميا استقلالها، إذ لا تزال بكين تعتبرها جزءا لا يتجزأ من أراضيها.
وأكد البيت الأبيض مجددا مساء الجمعة، دعم الرئيس الديمقراطي باراك أوباما لسياسة «الصين الواحدة». وقال مسؤولون بالحكومة الأميركية إن فريق ترامب لم يطلع البيت الأبيض بأمر المكالمة قبل حدوثها. وقال نيد برايس، المتحدث باسم الرئيس باراك أوباما لشؤون الأمن القومي: «لا زلنا ملتزمين بشدة بسياسة صين واحدة.. واهتمامنا الأساسي ينصب على وجود علاقات سلمية ومستقرة عبر المضيق». وقالت الناطقة باسم مجلس الأمن القومي إيميلي هورن، لوكالة الصحافة الفرنسية: «ليس هناك أي تغيير في السياسة منذ أمد طويل».
لم تأت وسائل الإعلام الحكومية الصينية على ذكر الاتصال الهاتفي بين ترامب وتساي، لكن وزير الخارجية الصيني وانغ يي، رأى السبت أنه «مناورة من كيد تايوان» لن تؤثر على التفاهم الدولي حول «صين واحدة».
وقال الوزير الصيني إنها «ليست سوى مناورة دنيئة من كيد تايوان، ولا يمكنها تغيير إطار (صين واحدة) في الأسرة الدولية». وكان وزير الخارجية الصيني يرد على سؤال لقناة هونغ كونغ التلفزيونية «فينيكس تي في»، التي نقلت تصريحاته على موقعها الإلكتروني. وأضاف: «لا أعتقد أن ذلك سيغير السياسة التي تتبعها منذ سنوات الولايات المتحدة»، مؤكدا أن «مبدأ الصين الواحدة هو حجر الأساس لتطور سليم للعلاقات الدبلوماسية الصينية الأميركية، ولا نتمنى أن يأتي أي شخص لتغيير أو إلغاء هذا الأساس السياسي».
وفي تايبيه قال مجلس شؤون البر الرئيسي المختص بالسياسات المتعلقة بالصين، إن بكين يجب أن تنظر إلى المحادثة «بهدوء». وقال المجلس في بيان أمس السبت: «إننا ندعو الصين إلى أن تواجه الموقف الجديد في منطقة آسيا والمحيط الهادي، وأن تعمل معنا على تطوير علاقة كريمة عبر المضيق، وعلى استحداث أسلوب جديد يرسخ السلم والرخاء والاستقرار بالمنطقة». وأظهرت صور بثها مكتب تساي مشاركة رئيس مجلس الأمن القومي التايواني ووزير خارجيتها في المحادثة مع ترامب.
وهذه الاتصالات الهاتفية تخالف قواعد البروتوكول خلال المرحلة الانتقالية للسلطة في واشنطن، إذ إنه لم يتم إشراك وزارة الخارجية فيها إلا بشكل محدود جدا. وهي تأتي بعد أسبوع من محادثة مع رئيس وزراء باكستان نواز شريف، وقد وجه ترامب له مديحا وإشادات أثارت دهشة الدبلوماسيين. وفي منتصف نوفمبر أثار مفاجأة أخرى باستقباله رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، بحضور ابنته إيفانكا ترامب. وبشكل عام، يثير الغموض الذي يحيط بالسياسة الخارجية لترامب، الذي يعتبر أكثر ميلا إلى الانعزالية، قلق الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة في أوروبا وآسيا.
وحتى الآن لم يعين ترامب وزيرا للخارجية. لكن المرشحين للمنصب هم المرشح الجمهوري السابق للرئاسة في 2012 مات رومني، والجنرال ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية السابق ديفيد بترايوس، ورئيس بلدية نيويورك السابق رودي جولياني.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended