البعد الديموغرافي في توسع «داعش».. ثم انحساره

هجّر الألوف من سوريا والعراق وليبيا مهددًا النسيج السكاني والاجتماعي

البعد الديموغرافي في توسع «داعش».. ثم انحساره
TT

البعد الديموغرافي في توسع «داعش».. ثم انحساره

البعد الديموغرافي في توسع «داعش».. ثم انحساره

ساهم انحسار نفوذ تنظيم داعش الإرهابي المتطرف في كل من سوريا والعراق، وكذلك في ليبيا، في إعادة سكان هجّرهم التنظيم من مناطقهم إلى ديارهم الأولى. وكان التنظيم، منذ بدء تمدّده في مناطق عدة في الدول الثلاث، قد دفع بالألوف من سكان تلك المناطق إلى النزوح، عاملاً على إحداث تغيير ديموغرافي طال الأعراق والطوائف فيها، ووطّن في الكثير منها متشددين وعائلاتهم كان قد استدعاهم من مناطق مختلفة حول العالم.
بدأت عملية إعادة التوازن الديموغرافي في سوريا، منذ بدأ انحسار سيطرة «داعش» في مدينة عين العرب (كوباني) في شمال شرقي محافظة حلب السورية، على الحدود مع تركيا، وذلك إثر انكساره في المعركة أمام الميليشيات الكردية المدعومة بالتحالف الدولي. وحسب مصدر كردي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن التنظيم نقل كثيرين من مناصريه ومقاتليه وعائلاتهم إلى مناطق تسكنها غالبية كردية وآشورية (نسطورية) وسريانية (يعقوبية) وعربية سنّية، تقدم منها إلى عين العرب ومحيطها من مناطق نفوذه في العراق.
الشيء نفسه يحصل الآن في شمال غربي العراق، حيث خسر التنظيم المتطرف الكثير من المناطق التي كان قد اجتاحها أثناء استهدافه مدينة الموصل، وليس قبل أن يتسبب في تهجير الألوف من العرب السنة، وكذلك الإيزيديون والآشوريون والسريان والشّبك، وغيرهم من المكونات العراقية.
ولئن كان الخوف على التنوع السكاني، في حد ذاته، ليس في رأس قائمة أولويات المسؤولين الليبيين، فإن مشكلة التهجير التي تسبب بها التنظيم جدية للغاية، ولا سيما أنها تتعلق بمئات الألوف من مواطني ليبيا، يقدر أن 100 ألف منهم هجروا من طرابلس وحدها.

العرب السنة
مع أن «داعش» يزعم أنه يقاتل من أجل «خلافة» إسلامية ويمثل أهل السنة والجماعة، فإن غالبية ضحايا إرهابه وعنفه في سوريا والعراق كانوا وما زالوا من العرب السنة. ولعل أبلغ مثال على تهجير السنة من مناطق في محافظة دير الزور، بشرق سوريا، حيث مارس التنظيم «ما يشبه الإبادة الجماعية» بحق عشيرة الشعيطات التي لم تعلن تأييدها له؛ إذ أعدم التنظيم نحو 700 من أبناء العشيرة بعد المواجهات معه. وللعلم، تعد الشعيطات من أكبر عشائر دير الزور، وكانت من أشد المعارضين وآخر العشائر التي بايعته في المحافظة المتاخمة لغرب العراق.

.. وآخرون
في سوريا أيضًا، بسيطرة «داعش» على مدينة الرقّة في يناير (كانون الثاني) 2014، اختل التوازن الديموغرافي في المدينة التي كان يسكنها أكثر من 300 ألف نسمة، يتوزعون بين سكان عشائريين وقبليين وآخرين يتحدّرون من قوميات وأديان ومذاهب مختلفة مثل العرب السنة والتركمان والآكراد والآشوريين والسريان. إذ لاحق معارضيه بلا هوادة، وقتل الناشطين الذين فضحوا جرائمه. وبتقدّمه من الرقّة باتجاه ريف بلدة سلمية في ريف محافظة حماه الشرقي، ارتكب التنظيم أيضًا فظائع في المنطقة التي يسكنها عرب من الإسماعيليين والسنة. وتجدر الإشارة إلى أن سلمية والقرى المحيطة تعد أكبر مركز للإسماعيليين سوريا، غير أن الخسائر البشرية استهدفت أيضا العرب السنة والمسيحيين والأكراد ممن قاوموه، وكانوا أكثر من دفع ثمن التهجير من مناطقهم.
المسيحيون الآشوريون والسريان هجِّروا، بدورهم من مناطق واسعة بمحافظة الحسكة بأقصى شمال شرقي سوريا، خصوصًا بعدما فرض «داعش» عليهم الرحيل أو دفع الجزية. وانحصرت الخيارات بالهرب، بعدما اعتقل التنظيم أكثر من مائتي مسيحي من المنطقة، ومن ثم شكل المسيحيون قوات عسكرية محلية، تعاونت مع الأكراد، وطردت التنظيم لاحقًا من بلدة تل تمر في الحسكة وقرى أخرى بالمحافظة على نهر الخابور. ويذكر أنه خلال فبراير (شباط) 2015 شن التنظيم المتطرف هجومًا واسعًا على القرى الآشورية الواقعة على الضفة الجنوبية من نهر الخابور، واشتبك مع ميليشيات «وحدات حماية الشعب» الكردية التي كانت تسيطر على تلك القرى، وحقق تقدمًا كبيرًا باتجاه تل تمر. ثم شن هجمات مركزة ومكثفة على نحو ثلاثين قرية من القرى الآشورية الممتدة على شريط نهر الخابور، حيث أحرق الكنيسة في تل هرمز، ودفع بالسكان للهجرة إلى المطرانية الآشورية في مدينة الحسكة نفسها والقرى شرقي الخابور.
وإثر الهجوم، برزت حملة نزوح كبيرة باتجاه مدينتي الحسكة والقامشلي (أكبر مدينتين في المحافظة) بعد إعلان «الشبكة الآشورية لحقوق الإنسان في سوريا» أن مقاتلي «داعش» اقتحموا منازل المدنيين في البلدات التي سيطروا عليها، وخطفوا عددًا كبيرًا منهم رهائن، في حين استمر احتجاز مئات العائلات الآشورية في منازلهم. وتحدثت المعلومات عن فقدان الاتصال بأكثر من 60 عائلة آشورية، معظم أفرادها من الأطفال والنساء، إضافة إلى عدد من الآشوريين الذين كانوا يحرسون قراهم. وفيما أفرج التنظيم عن عدد من الأسرى الذين بلغ عددهم 220 آشوريًا، ما زال «داعش» يحتجز نحو 130 آشوريًا بينهم نساء وأطفال، وفق إحصائيات «المرصد الآشوري لحقوق الإنسان».
والآشوريون - أو النساطرة الأرثوذكس، وأبناء عمومتهم الكلدان، أو النساطرة الكاثوليك - يسكنون في شمال ما بين نهري دجلة الفرات في العراق وسوريا وتركيا، كما يعتبرون مع اليعاقبة السريان من أقدم الشعوب التي اعتنقت المسيحية، وذلك ابتداءً من القرن الأول الميلادي. ويشار إلى أن عدد الأشوريين الإجمالي في سوريا، بلغ قبل اندلاع الثورة السورية في مارس عام 2011 نحو 30 ألفًا من أصل مليون و200 ألف مسيحي في سوريا، معظمهم في محافظة الحسكة. ومع أن المسيحيين كانوا يشكلون نحو 5 في المائة من إجمالي عدد السكان في سوريا، فإن أعدادًا كبيرة منهم نزحت خارج سوريا، منذ اندلاع الثورة فيها وتصاعد نفوذ التنظيمات المتطرفة.
وفي أماكن أخرى من سوريا، تكررت الاعتداءات على المسيحيين في أغسطس (آب) 2015 مع تقدم التنظيم إلى بلدة القريتين بريف محافظة حمص، حيث اختطف 230 مدنيًا، بينهم 60 مسيحيًا، قبل أن يفرج عن بعضهم، ولا يزال يعتقل العشرات الآخرين. وإثر دخوله المنطقة، بث الرعب، حين هدم دير مار آليان الواقع في مدينة القريتين مستخدما الجرافات. وقبل الهجوم على القريتين وتهجير سكانها، كان التنظيم هدم الدير السرياني التاريخي الذي يعود تاريخ بنائه إلى القرن الخامس، بعد خطف رئيس الدير الأب جاك مراد في أعقاب سيطرة التنظيم المتطرف على مدينة تدمر الأثرية في محافظة حمص.
القومية التركمانية، بدورها، تعرضت للتهجير أيضا إثر تقدم «داعش» إلى مناطق ريف محافظة حلب، بينها ريف مدن الباب وجرابلس ومنبج، ووجدت نفسها مجبرة على النزوح إلى الأراضي التركية أو إلى مناطق حلب الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية. ولقد عاد معظم هؤلاء إلى مناطقهم بعد نجاح عمليات «درع الفرات» المدعومة من تركيا بطرد التنظيم من جرابلس وريف الباب وريف مدينة أعزاز.

المشهد العراقي
في العراق، كما سوريا، لم تظل طائفة أو جماعة دينية في مأمن من ممارسات «داعش»؛ إذ وجد أن الأكراد والمسيحيين والإزيديين وغيرهم كثيرون باتوا تحت مقصلة التنظيم المتطرف، إلا أن الضحية الأكبر كانوا العرب السنة.
ذلك أن غالبية المناطق التي اجتاحها «داعش» في غرب العراق وشماله يسكنها عرب سنة، أي المذهب نفسه الذي يزعم «داعش» الدفاع عنه، ولهم المصالح نفسها التي يزعم التنظيم حمايتها.
في العراق الغالبية العظمى من المهجّرين البالغ عددهم 4.2 مليون عراقي ممن شردتهم «حروب» «داعش» من السنة. ومع اشتداد المعارك للسيطرة على الموصل، كبرى المدن السنية في العراق، وعلى مدينة الرقّة التي اتخذها «داعش» عاصمة له في سوريا، تعرض المزيد من المدن والقرى السنّية للتدمير وعمّ فيها الخراب.
والحقيقة أنه لم يكن لغالبية السنة دور في ظهور هؤلاء المتطرفين، لكن الجميع دفعوا ويدفعون ثمنًا باهظًا نيابة عن غيرهم ممن ارتكبوا تلك الفظائع؛ ما ساهم في تسريع وتيرة التراجع لطائفة مثلت غالبية المسلمين التي سادت في منطقة المشرق العربي لأكثر من 1400 سنة.
الشيخ غازي محمد حمود، شيخ إحدى القبائل السنّية في بلدة ربيعة بأقصى شمال غربي العراق التي خضعت لسيطرة «داعش» عام 2014 والآن باتت خاضعة لسيطرة الأكراد، يقول: «(داعش) هو تسونامي الذي ضرب السنة.. لقد خسرنا كل شيء، خسرنا بيوتنا وأعمالنا وأرواح أبنائنا».
وحقًا، على امتداد الحدود السورية – العراقية، حيث تداخلت الحرب على «داعش» مع الصراع المستعر بين قوات المعارضة السورية ونظام بشار الأسد، اكتوى العرب السنة بنار العنف والتشرد، من جهتين: الجهة الأولى ما اقترفه «داعش» بحقهم، والجهة الثانية الضربات الجوية السورية والروسية سوّت البلدات والضواحي السنّية بالأرض، وحرب المقاتلين الشيعة الآتين من إيران ولبنان والعراق على المعارضة ذات الغالبية السنّية. ووفق الأرقام المتوافرة يشكل السنة غالبية الخمسة ملايين لاجئ المنتشرين في المنطقة وفي أوروبا، بحسب إحصاءات الأمم المتحدة والحكومات التي تستضيف هؤلاء اللاجئين.
وهنا، يقول المحللون والعراقيون: إن الأخطار واضحة، وإن العرب السنة باتوا يواجهون خطر الحرمان والتحول إلى طبقة دنيا مضطهدة في المناطق التي طالما حكموها؛ مما يخلق أرضا خصبة لتكرار تجربة التهميش والتطرف التي جاء «داعش» من رحمها في البداية. وحسب روبرت فورد، السفير الأميركي السابق في سوريا، الذي يعمل حاليا في «معهد الشرق الأوسط» بواشنطن، فإن «السيطرة على منطقة ليست القضية، فالأهم هو حكمها بشكل صحيح، وإلا فسيكون لدينا تمرد على شاكلة (داعش) ولفترة طويلة. إن لم يحظَ الحكام الجدد بالدعم الشعبي سيتمكن (داعش) من تجنيد أعضاء جدد، خصوصا إذا لم تتوافر المياه، وظلت المدارس مغلقة واستمر انقطاع الكهرباء». ويفيد عمال الإغاثة والدبلوماسيون بأن ذلك هو أسوأ سيناريو محتمل، والمفترض منعه في حال انتهاء الحرب والبدء في إعادة إعمار ما دمرته، والشروع دوليًا في إجراء المصالحة الوطنية. ففي العراق، حيث تحققت أكبر المكاسب ضد الجماعات المسلحة، فإن احتمال هزيمتهم في المستقبل القريب يحمل أملاً بسيطًا بفرصة آتية للسنة، وأيضا للشيعة وللأكراد الذين يقودون المعارك، وكذلك فرصة تسوية الخلافات لمد الجسور مجددا مع دول الجوار. غير أن طبيعة تسوية تلك الخلافات ما زالت محل جدال؛ إذ إن العقبات كبيرة والمصادر شحيحة، واحتمالات المصالحة الحقيقة ما زالت بعيدة. والتجول بين الكثير من البلدات والقرى العراقية التي حرّرت من سيطرة «داعش» يظهر حجم التحدي. فمن الحدود السورية في الغرب إلى الحدود الإيرانية في الشرق، يرى الزائر قرى مدمرة وبلدات نصف مهجورة، وسكانا حطمت حياتهم ربما إلى الأبد.

تحديات جديدة
من ناحية أخرى، مع أن غالبية المناطق التي استولى عليها «داعش» مناطق سنّية، فإن غالبية القوات التي تعمل على استعادتها تتألف من الشيعة والأكراد. وفي بعض الأماكن، فإن «المُحرِّرين» الذين لا تربطهم روابط سابقة بسكان المناطق التي حرروها، احتفظوا بمواقعهم قرب المناطق المحررة بحجة ألا يتركوا فراغًا أمنيًا يؤدي إلى عودة المسلحين المتطرفين ويعيد رسم خريطة مستقبلية للمنطقة بعد تجدد الصراع على الأرض والسلطة والسياسة.
بل جرى منع عشرات الآلاف من السكان في القرى المحررة من العودة إلى منازلهم، التي لم يعد لغالبيتها وجود على الأرض بعدما استحالت أكواما من التراب والحجارة. وفي الكثير من مناطق شمال العراق، التي لا تقع ضمن «إقليم كردستان الذاتي الحكم»، تنتشر نقاط التفتيش التابعة للميليشيات الكردية. وفي قرية على الطريق الممتد جنوبا تجاه منطقة سنجار الإيزيدية، اصطحب ثلاثة من مقاتلي البيشمركة صحافيين من صحيفة «واشنطن بوست» في جولة وسط المنازل المهدمة. وحسب هؤلاء ينتمي سكان القرية إلى قبيلة عرف عنها مساندتها لتنظيم داعش؛ ونتيجة لذلك لن يسمح لهم بالعودة إلى المنطقة مجددًا.

داعش.. وليبيا
المشهد العراقي والسوري، بطريقة مختلفة بعض الشيء يتكرر في ليبيا.
رئيس لجنة العدل المصالحة في البرلمان الليبي، إبراهيم عميش، قال لـ«الشرق الأوسط» موضحًا «هنا المشكلة تتركز حول مساعي بعض الأطراف لمنح الجنسية الليبية لنحو نصف مليون دخلوا البلاد عن طريق الهجرة غير الشرعية، بسبب الفوضى التي أحدثها تنظيم داعش والتنظيمات المتطرفة الأخرى في عموم البلاد الغنية بالنفط».
في ليبيا، تغيرت معالم مدينة سرت الجميلة، وتحول الكثير من مبانيها إلى أنقاض بعدما حولها «داعش»، طوال أكثر من سنة، لأكبر مركز له في شمال أفريقيا. وتقع المدينة، التي تعد مسقط رأس معمر القذافي، في الشمال الأوسط من ليبيا. كان عدد سكانها، وفقا لآخر تقدير محلي يعود لعام 2014 نحو ثمانين ألف نسمة، لكن دخول «داعش» إليها في تلك السنة دفع الألوف إلى الفرار منها والإقامة في مدن أخرى داخل ليبيا، أو مغادرة البلاد والعيش في إحدى دول الجوار.
الهرب من «داعش» لم يكن في سرت فقط، ولكن الاقتتال، ومن ثمَّ طوابير المهجَّرين، طال الكثير من المدن الأخرى، على رأسها بنغازي ودرنة. وتقول الإعلامية ندى الزوي، ابنة مدينة بنغازي لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معها «عائلات كثيرة فرت من الاقتتال، إلا أنها بدأت الآن في العودة بشكل تدريجي، حيث إن الجيش الوطني تمكن من تحرير معظم ضواحي بنغازي. المشكلة تكمن في البيوت التي تركها المتطرفون في بنغازي مفخخة بالمتفجرات».
وفعلاً، تمكن الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر، من طرد «داعش» من مدن الشرق الليبي. كما اقتربت «قوات البنيان المرصوص» بإشراف رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، من هزيمة «داعش» في سرت، لكن يبدو أن المشكلة تكمن في قدرة «داعش» على الانتقال من مدينة إلى أخرى، وذلك بعدما ظهرت قوافل السكان الفارين من التنظيم القادم حديثا إلى مدينتي الخُمس والزاوية على مشارف العاصمة طرابلس. أو كما يقول رجب بن غزي، المذيع التلفزيوني الليبي لـ«الشرق الأوسط» إن «تنظيم داعش لم يخرج من ليبيا. يضربونه في سرت يظهر في الخُمس.. يضربونه في درنة يطلع في البيضاء. هذه دوامة يدور فيها السكان من بلدة إلى بلدة».
عن أعداد المهجرين، يقول عميش «توجد تقديرات بأعداد من تأثروا من السكان بنشاط (داعش) ومَن غادروا بلداتهم بسبب هذا التنظيم المتطرف رحلوا إلى مناطق قريبة منهم، وإلى بعض المناطق الأخرى؛ للإقامة لدى أقربائهم.. كما أن هناك من اختار البقاء تحت الخطر. ومنهم من مات ومنهم من عاش». في حين يقول بن غزي إن عدد من هجّروا طرابلس منذ عام 2014 فقط يقدر بنحو مائة ألف.. «وهؤلاء ذهبوا إلى مدن أخرى مثل طبرق وبنغازي والبيضاء والجنوب، وغيرها. ومن بينهم من هاجروا للأردن ومصر وتونس». بينما أدت الهجرة الداخلية، كما تقول الزوي، إلى «تغيير في تركيبة السكان بشكل وضح مثلما حدث في سرت التي هجرها معظم سكانها. وتسبب تكدس المهاجرين في المدن الآمنة إلى ارتفاع أسعار العقارات». وتضيف «اضطر كثيرون آخرون إلى الانتقال شرقا للإقامة لدى أقاربهم. الوضع صعب. لا توجد رواتب والإيجارات مرتفعة. هناك استغلال من تجار الحرب».
ولا ينظر كثير من السياسيين الليبيين، مثل النائب عميش، إلى انتقال ألوف المواطنين من مدينة إلى أخرى باعتباره أمرا سيطول، ويقول إن هؤلاء سيعودون إلى منطقهم الأصلية بعد أن تهدأ الأوضاع.. «حتى في سرت. من خرجوا لديهم أمل في العودة بعد هدوء الأوضاع.. منهم مجموعات ذهبت إلى مصراتة وأخرى إلى مدينة بني وليد والبعض إلى إجدابيا والبعض الآخر رحل إلى الجنوب».
ويتابع: «لا يوجد خوف من تغير التركيبة الديموغرافية للسكان بسبب (داعش). التغير، كما أراه، لا يحصل إلا من خلال الهجرة غير الشرعية وبعض المساعي من أطراف لمنح الجنسية لأعداد كبيرة من قبائل وغيره. وهذا الأمر حوله صراع الآن (بين القادة الليبيين)».
وتعود قصة منح الجنسية الليبية لغير الليبيين من ذوي الأصول الليبية إلى عهد القذافي، لكن يبدو أن بعض الأطراف التي تحاول إيجاد أنصار لها في خضم الفوضى التي تضرب البلاد، أخذت تلعب على الوتر نفسه مستغلة دخول ألوف الهاجرين غير الشرعيين إلى ليبيا، خصوصا بعد محاولة سرقة منظومة تسجيل المواليد والجنسية، وقيام مجهولين بقتل مسؤولها في طرابلس خلال الأسابيع الأخيرة.
ويشرح عميش «كان القذافي قد منح الجنسية للبعض من مناطق في تشاد وبعض من دول الجوار الجنوبي، ثم سحبها منهم، لكن بقيت معهم أوراق، سواء صحيحة أو مزورة، تقول إنهم عرب يعاملون معاملة الليبيين». ويتابع موضحا أن «هذا هو مصدر ما يمكن أن يحدث من تغيرات ديموغرافية ومن دخلاء»، مشيرا إلى أن محاولات التجنيس الجارية الآن «تشمل من يأتون إلى ليبيا مع الهجرة غير الشرعية، وتشمل المقاتلين الذين دخلوا خلال الفترة الأخيرة بالآلاف.. حيث إن بعض المقاتلين كان لديهم جنسية أصلا أو سحبت منهم أو أنهم متجنسون أو يشعرون بأنهم ينتمون إلى قبائل ليبية ويريدون أن يعيشوا في ليبيا.. وغالبية هؤلاء من السكان الموجودين على امتداد الحدود الليبية مع دول الجوار».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.