رياح السياسة تجري بما لا تشتهيه موسكو

الغرب يوسع عقوباته والرأي العام الروسي يريد التقارب معه

جانب من التحضيرات  لأعياد الميلاد والعام الجديد في الساحة الحمراء بموسكو (أ.ب)
جانب من التحضيرات لأعياد الميلاد والعام الجديد في الساحة الحمراء بموسكو (أ.ب)
TT

رياح السياسة تجري بما لا تشتهيه موسكو

جانب من التحضيرات  لأعياد الميلاد والعام الجديد في الساحة الحمراء بموسكو (أ.ب)
جانب من التحضيرات لأعياد الميلاد والعام الجديد في الساحة الحمراء بموسكو (أ.ب)

أعربت الغالبية العظمى من المواطنين الروس عن رغبتهم بالتقارب مع الغرب، هذا في وقت تمر فيه علاقات روسيا مع العالم الغربي في أسوأ مراحلها منذ سقوط الاتحاد السوفياتي وطي صفحة «الحرب الباردة». لكن لا تلوح في الأفق مؤشرات تدعو للتفاؤل بشأن تحسن تلك العلاقات مع العواصم الغربية، التي تواصل توسيع عقوباتها ضد موسكو بسبب الأزمتين الأوكرانية والسورية، وتكرر تحميلها مسؤولية «هجمات إلكترونية»، خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية، إضافة إلى تقارير حديثة تتهمها من خلال هذه الهجمات بالتأثير على سير العملية الانتخابية في بلدان أخرى. موسكو ما زالت مستمرة في نفي الاتهامات الموجهة لها، والتلويح بخصوص العقوبات بتدابير «جوابية» ستتخذها ردا على ذلك.
وكان مركز «ليفادا سنتر» المستقل لمسح الرأي العام قد نشر يوم أول من أمس نتائج استطلاع للرأي أظهرت أن ما يزيد عن ثلثي المواطنين الروس، أو 71 في المائة منهم، يؤيدون توسيع الروابط السياسية والثقافية والاقتصادية مع دول الغرب، وهذا مؤشر قياسي قريب من مؤشر عام 2000، حين أعرب 76 في المائة من المواطنين الروس عن تأيدهم ورغبتهم بالتقارب مع الغرب. ويشير الباحثون الاجتماعيون من «ليفادا سنتر» إلى أن ظهور هذه الرغبة لدى المواطنين باتجاه الغرب ككل ترافق مع تراجع النظرة السلبية نحو الولايات المتحدة. ومقارنة بين نتائج استطلاع الرأي الحالي ونتائج استطلاع رأي مماثل أجري مطلع العام، إذ كان 64 في المائة من المواطنين الروس ينظرون «سلبا» إلى الولايات المتحدة في شهر يناير (كانون الثاني) 2016، فقد تراجعت نسبتهم إلى 56 في المائة بموجب نتائج استطلاع الرأي الأخير، كما تراجعت النظرة «سلبا» نحو أوروبا إلى 54 في المائة.
ويرى أليكسي غراجدانيكين نائب مدير مركز «ليفادا سنتر» أنه «هناك بالفعل طلب في المجتمع على تطبيع العلاقات مع الدول الغربية الكبرى، إلا أن المواطنين الروس في غالبيتهم يرون أن المبادرة في هذا الاتجاه يجب أن تصدر عن الغرب، ولا يفهمون لماذا تؤثر سياسة بلدهم (روسيا) في دولة مثل أوكرانيا على العلاقات مع الغرب». أما التحول النوعي في النظرة إلى الولايات المتحدة فقد يكون نتيجة الخطاب الإعلامي الروسي وفق ما يقول غراجدانيكين، موضحا أن الإعلام الروسي كان يشير إلى احتمال «عودة الدفء» إلى العلاقات الأميركية -الروسية بعد فوز ترامب، وقد أثر هذا على مزاجية الرأي العام.
إلا أن نظرة سريعة إلى طبيعة العلاقات بين روسيا والعالم الغربي في الوقت الراهن كافية لإدراك أن «رياح السياسة تجري بما لا تتمناه أشرعة المواطنين الروس» بخصوص التقارب وتطبيع العلاقات مع الغرب. وبالتزامن مع الإعلان عن نتائج استطلاع الرأي، تناقلت وسائل الإعلام الروسية الأنباء عن توسيع كندا لعقوباتها ضد روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية، وقالت وزارة الخارجية الكندية إن هذه الخطوة جاءت ردا على الانتخابات البرلمانية الروسية التي لا تعترف كندا بنتائجها، بسبب مشاركة نواب من القرم فيها. وقد سارعت الخارجية الروسية إلى وصف توسيع العقوبات من جانب كندا بأنها «خطوة غير ودية» حسب قول ماريا زاخاروفا المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية التي توعدت في تصريحات يوم أمس بأن «هذه الخطوة لن تبقى دون رد من جانب موسكو، وكل المسؤولية عن العواقب السلبية يتحملها الجانب الكندي». واعتبرت زاخاروفا أن «الحكومة الكندية وعوضا عن العمل على تصحيح العلاقات التي توترت دون أن تكون روسيا سبب ذلك، فإنها (أي الحكومة الكندية) قد انساقت مجددا خلف إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما التي جعلت من نهج العداء لروسيا توجها رئيسيا للسياسة الخارجية الفاشلة لتلك الإدارة».
كما دعا البرلمان الألماني يوم أول من أمس إلى تشديد العقوبات ضد روسيا على خلفية الوضع في سوريا. وزاد الأمر عن ذلك من برلين بعد تصريحات أدلى بها برونو كال، رئيس الاستخبارات الألمانية، أكد فيها «وجود معطيات لدى الاستخبارات الألمانية تشير إلى أن التدخل في العملية الانتخابية جاء من هذا المصدر» أي روسيا، التي تشير تقديرات الاستخبارات الألمانية إلى أنها حاولت التأثير على سير العملية الانتخابية خلال الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. في غضون ذلك حذر كال من أن الانتخابات البرلمانية العامة المقررة في ألمانيا عام 2017 قد تصبح عرضة لهجمات إلكترونية، معربا عن قناعته بأنه «لدى المجرمين هدف هو إسقاط شرعية العمليات الديمقراطية بحد ذاتها». في ظل هذا الواقع السياسي لا يبدو أن تمنيات 71 في المائة من المواطنين الروس بالتقارب مع الغرب ستكون قابلة للتحقيق في وقت قريب.
وأضاف كال، الرئيس الجديد لجهاز الاستخبارات الخارجية في ألمانيا (بي إن دي) من الحملات المضللة التي يتم إدارتها من موسكو. وفي تصريحات لصحيفة «زود دويتشه تسايتونغ» الألمانية، قال كال في إشارة إلى الأنشطة الروسية الخاصة بالإنترنت: «ثمة شواهد على وجود هجمات إلكترونية ليس لها غرض آخر سوى إحداث قلاقل سياسية». وتابع كال، كما جاء في تقرير الوكالة الألمانية للأنباء: «وهنا تتم ممارسة ضغط لا يمكن القبول به على الخطاب العام والديمقراطية».
يذكر أن جيمس كومي، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي)، كان قد ذكر مؤخرا أن «دولة قومية» تحاول تقويض العملية الديمقراطية في بلاده من الخارج، وكان قراصنة إنترنت (هاكرز) سرقوا بيانات من مقر الحزب الديمقراطي الذي تنتمي إليه مرشحة الرئاسة الخاسرة هيلاري كلينتون. وبعد ذلك قام من يعرفون بـ«متصيدي الإنترنت» بنشر أخبار كاذبة لصالح دونالد ترامب، الرئيس الأميركي المنتخب، والذي كان آنذاك مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة.
يذكر أن لفظة «متصيدي الإنترنت» المحترفين تطلق على مستخدمي الإنترنت الذين يديرون دعاية لصالح الجهات التي تكلفهم بذلك. وأكد كال أن هناك «أدلة» على وجود دور لروسيا في هذه الأنشطة ولكنه قال في نفس الوقت إن نسب هذه الأنشطة إلى جهة حكومية مسألة صعبة من الناحية التقنية، لكن هناك أمورا تؤيد أن مثل هذه الأنشطة تتم «برغبة أو على الأقل بغض الطرف من قبل الدولة».
وحذر كال من تنامي خطر هذه الأنشطة بالنسبة لألمانيا التي ستشهد انتخابات برلمانية عامة في خريف العام المقبل واختتم كلامه بالقول في المقابلة: «أوروبا وألمانيا على وجه الخصوص، في بؤرة هذه المحاولات للتشويش».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended