بعد «داعش».. شبح المقابر الجماعية يطارد أهالي المفقودين في العراق

اكتشاف مئات الجثث في حمام العليل بعد تصفيات التنظيم الإرهابي

جندي عراقي يبحث عن جثة قريبه في إحدى المقابر الجماعية بحمام العليل (نيويورك تايمز)
جندي عراقي يبحث عن جثة قريبه في إحدى المقابر الجماعية بحمام العليل (نيويورك تايمز)
TT

بعد «داعش».. شبح المقابر الجماعية يطارد أهالي المفقودين في العراق

جندي عراقي يبحث عن جثة قريبه في إحدى المقابر الجماعية بحمام العليل (نيويورك تايمز)
جندي عراقي يبحث عن جثة قريبه في إحدى المقابر الجماعية بحمام العليل (نيويورك تايمز)

انتهت المعركة في مدينة حمام العليل في العراق، وهي مدينة قديمة تشتهر بكونها مقصدًا للاستجمام، بعد أن استعادتها قوات الأمن في البلاد من تنظيم داعش منذ بضعة أيام، لكن لا يزال أمام جندي عراقي إكمال مهمة من نوع آخر.
كان الجندي زمان ميجوال يبحث عن أخيه الأكبر، الشرطي السابق، الذي وصفه بالرجل الهادئ الذي كان يعيش في قرية صغيرة، ولم تعرف عنه أية أخبار منذ أسابيع. وكانت دائرة ميجوال قد أرسلته إلى طريق متاخم لحقلين ترابيين. وأشار إلى جانب توجد به جثث متعفنة بلا رأس، وسط أكوام من القمامة على بقعة أرض مقفرة كانت تستخدم يومًا ما ميدانًا لتدريب الجيش العراقي على التصويب، وقال ميجوال: «قد يكون هناك»، وأضاف وهو يشير إلى الجانب الآخر من الطريق الذي يبدو كقطعة أرض من تراب تم تقليبه أخيرًا: «أو ربما هناك».
ومع كل ميل تستعيده قوات الأمن العراقية من الأراضي العراقية من قبضة تنظيم داعش، يتم الكشف عن مقبرة جماعية جديدة، حتى بات الأمر يشبه طقسًا منتظمًا مستمرًا بشكل يدعو إلى اليأس. ولإرث المقابر الجماعية في العراق تاريخ طويل يعود إلى ما قبل ظهور تنظيم داعش، وتحديدًا إلى زمن صدام حسين، الذي شهد عمليات قتل واسعة النطاق.
لذا يعد تنظيم داعش الذي يعتبر المقابر الجماعية جزءًا من البنية التحتية التنظيمية، مثل السجون المؤقتة ودور العبيد، بالنسبة للعراقيين، شكلاً جديدًا من أشكال الظلم الذي يرتبط بشكل مباشر بنظام صدام حسين. إذ يشغل كثير من الضباط البعثيين السابقين في قوات الأمن التابعة لصدام حسين مراكز قيادية عليا في تنظيم داعش، ويطبقون الأساليب نفسها التي كان يستخدمها.
ومع وقوع «داعش» تحت ضغط قوات الأمن العراقية أخيرًا، تصاعدت حدة وحشية التنظيم، حيث تم اكتشاف كثير من المقابر الجماعية، وكان أكبرها في حمام العليل التي ضمت جثامين سكان محليين. وأكثر الذين تم دفنهم كانوا أفرادًا سابقين في قوات الأمن تم إعدامهم منذ بضعة أسابيع فقط، بعد بدء الهجوم على مدينة الموصل. وهناك من يرون أنفسهم محظوظين، مثل جمال أبو يونس الذي كان ضابط شرطة سابقًا من حمام العليل، وكان مهددًا بالإعدام، لكنه نجا بفضل اختبائه في حفرة تحت الأرض مخفية بجهاز تكييف هواء في منزله، والذي قال عن الوقت الذي قضاه مختبئًا: «مرت كل ساعة كأنها عام». وهو الآن أحد الشهود العيّان على جرائم القتل التي ارتكبها تنظيم داعش في مدينة حمام العليل. ويروي أنه في مساء أحد الأيام، عند الساعة الثامنة مساء تقريبًا، منذ بضعة أسابيع، رأى من سطح منزله ثماني حافلات صغيرة تسير باتجاه المنطقة التي تم اكتشاف المقبرة فيها، وسمع أصوات إطلاق نار، مضيفًا: «لقد رأيت أحد أفراد تنظيم داعش وهو يدفن 200 جثة هنا».
ويبلغ عدد القتلى في حمام العليل، طبقًا لتقديرات الحكومة الرسمية، نحو مائة شخص. وقدّرت منظمة «هيومان رايتس ووتش»، بعد إجراء تحقيقها الخاص، أنه تم قتل 300 على الأقل في هذه المنطقة. وأوضح أبو يونس أنه خلال الأيام السابقة لعمليات القتال، قاد مسلحو تنظيم داعش مئات الأشخاص، وربما الآلاف، من قرى مجاورة إلى حمام العليل، واستخدموهم كدروع بشرية ضد أي هجمات جوية أميركية محتملة.
وقال إن المسلحين جمعوا الناس في المدينة، ثم فصلوا عنهم أفراد الشرطة السابقين الذين حاول كثير منهم إبرام اتفاق سلام مع حكامهم الجدد. إلا أنه، ومع شنّ القوات التابعة للحكومة هجومًا لاستعادة تلك الأراضي، رأى «داعش» أنهم قد يصبحون جواسيس أو طابورًا خامسًا مستعدًا للنهوض والانضمام إلى قوات الأمن، لذا أصدروا الأوامر بقتلهم، وتابع أبو يونس: «لا أصدق أنني لا أزال على قيد الحياة».
وبالنسبة لكثير من العراقيين، فإن الألم الناجم عن عدم معرفة ما آل إليه أحبابهم الأسوأ على الإطلاق. وتقدّر اللجنة الدولية لشؤون المفقودين، ومقرّها هولندا، عدد العراقيين المفقودين في التاريخ الحديث بمليون. وتشمل هذه الفترة التاريخية الحرب العراقية - الإيرانية، وعمليات القتل الجماعي التي أمر بتنفيذها صدام حسين بعد 1991، وهجمات الأنفال التي قامت بها الحكومة العراقية باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد الأكراد في نهاية ثمانينات القرن الماضي، والنزاعات التي شهدها العقد الأخير.
وذكرت اللجنة على موقعها الإلكتروني أن هناك «الملايين من أقارب المفقودين في العراق الذين يتألمون بسبب الغموض الذي يحيط بمصير أحبائهم». إذا ذهبت إلى أي مكان في العراق، خصوصًا في الجنوب، وطرقت على كل باب، ستسمع قصة شخص مفقود، وقد تجد فسحة من أمل لا يزال باقيًا في النفوس.
قالت نهاد جواد، معلمة من مدينة الحلة في جنوب البلاد، إن شقيقها غادر المنزل في إحدى ليالي 1991، ولم يسمع أحد عنه أي خبر بعدها. وقد سمعت كل الشائعات التي يمكن تصورها، ومنها أن الجيش قد اعتقله، أو أنه تم إطلاق النار عليه، وأوضحت قائلة: «لقد بحثنا في كل مكان، ولم نعثر له على أثر.. لا يزال لدينا أمل في أنه معتقل في أحد السجون السرية».
أما وحشية تنظيم داعش، فقد فتحت فصلاً جديدًا في هذا التاريخ الأليم، إذ فاق عدد الجثث قدرات الحكومة العراقية، ولم يتم التعرف سوى على عدد قليل منها باستخدام اختبار الحمض النووي. وفي محافظة ديالى، حيث كان تنظيم داعش يتمتع بنفوذ كبير، يقول أب فقد ابنه منذ عامين إنه تصفح المواقع الإلكترونية الخاصة بالإرهابيين، بحثًا عن مقاطع مصورة قد يظهر فيها ابنه المفقود، وكان يهرع إلى أي مقبرة جماعية يتم اكتشافها في المحافظة. وقال الرجل الذي يستخدم اسمًا مستعارًا، هو أبو مروان: «أصعب ما يواجهني هو عندما يسألني حفيدي عن والده. أجيبه بأنه سافر، وسوف يعود يومًا ما».
الجندي ميجوال، مثله مثل ملايين آخرين عانوا من الطقس الأليم ذاته، لم يجد إجابة توضح ما حدث لشقيقه. وأضاف قائلاً: «ليس لدينا معلومات عنه، لذا أتيت إلى هنا. الأمر صعب جدًا علي، ولا أعرف مصيره أو قدره. أنا بحاجة إلى العثور على جثته على الأقل، فهذا الأمر مهم لنا حتى نقيم له جنازة. لا يعرف الآلاف من الناس مصير أحبائهم».
هناك رواية عراقية شهيرة بعنوان «مدينة صدام» للكاتب محمود سعيد، يختفي فيها البطل في واحد من السجون القديمة الكثيرة لصدام حسين، ويترك ورائه أحبائه يبحثون عن معلومات عنه. في الرواية يتذكّر البطل وهو يتأمل مصيره كسجين «عبثية محاولة مساعدة جارة له في العثور على زوجها الذي اختفى». فقد زاروا مستشفى، حيث «لم نكن أكثر من حلقة أخيرة في سلسلة طويلة من الأشخاص الذي زاروا المستشفيات بحثًا عن أحبائهم المفقودين». وبعد بضع صفحات، يكتب سعيد: «أحداث كهذه تحدث بشكل روتيني ومعتاد».
على الطريق من أراضي حمام العليل التي شهدت عمليات قتل، وحيث يبحث ميجوال عن شقيقه، كان هناك آخرون يبحثون أيضًا عن أجوبة. قال رجل شرطة سابق يدعى منير محمد، ويبلغ من العمر 37 عامًا، إنه اختبأ
ليلة القتل، لكن شقيقه أنمار، وهو رجل شرطة سابق أيضًا، كان من بين المئات الذين تم الإمساك بهم. وأوضح قائلا: «لقد اقتادوا رجال الشرطة السابقين لأنهم يخشون عودتهم، ونهوضهم من جديد». وكانت الدموع تجري على خديه وهو يقول: «أنا أبكي لأني كنت قادرًا على إنقاذ نفسي، لكنني لم أستطع إنقاذه».
* خدمة «نيويورك تايمز»



الحكومة اليمنية تستنفر لضبط الأسواق ومنع الغلاء

انتشار الفرق الميدانية اليمنية لمراقبة أسعار السلع (إعلام حكومي)
انتشار الفرق الميدانية اليمنية لمراقبة أسعار السلع (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تستنفر لضبط الأسواق ومنع الغلاء

انتشار الفرق الميدانية اليمنية لمراقبة أسعار السلع (إعلام حكومي)
انتشار الفرق الميدانية اليمنية لمراقبة أسعار السلع (إعلام حكومي)

كثّفت الحكومة اليمنية من تحركاتها لطمأنة السكان مع بدء تنفيذ قرار تحرير سعر الدولار الجمركي، مؤكدةً أن القرار لن ينعكس على أسعار السلع الأساسية، وأنه يقتصر على السلع الكمالية وغير الضرورية، في حين تبقى المواد الغذائية والأدوية الأساسية معفاة من الرسوم الجمركية.

جاءت التحركات الحكومية وسط مخاوف وشكاوى متزايدة من السكان بشأن احتمال استغلال التجار قرار رفع أسعار الديزل بنسبة 24 في المائة، إلى جانب تحرير سعر الدولار الجمركي بنسبة تصل إلى 100 في المائة، لفرض زيادات كبيرة على أسعار السلع، خصوصاً مع اقتراب عيد الأضحى.

وأكد وزير الصناعة والتجارة اليمني، محمد الأشول، أن السلع الأساسية المعفاة جمركياً لن تتأثر بقرار تحريك سعر الدولار الجمركي، مشدداً على أن القرار يطول السلع الكمالية فقط وبنسب محدودة لا تمس الاحتياجات الأساسية للسكان.

وزارة الصناعة والتجارة اليمنية كثّفت تحركاتها لطمأنة السكان (إعلام حكومي)

وقال الأشول إن الحكومة تضع تحسين الأوضاع المعيشية للسكان في مقدمة أولوياتها، بالتوازي مع تنفيذ إصلاحات اقتصادية ومالية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي وحماية السوق المحلية من الاختلالات والممارسات الاحتكارية.

وأشار الوزير إلى أن صرف بدل غلاء معيشة بنسبة 20 في المائة لموظفي الدولة، واعتماد العلاوات السنوية المستحقة للأعوام من 2021 إلى 2024، ومعالجة التسويات الوظيفية المتوقفة منذ أكثر من 13 عاماً، يعكس توجه الحكومة نحو الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والتخفيف من الأعباء المعيشية عن السكان.

لجان رقابة وتحذيرات للتجار

دعا وزير الصناعة والتجارة اليمني القطاع الخاص والتجار إلى الالتزام بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية، وعدم استغلال القرار لفرض زيادات غير مبررة على أسعار السلع الأساسية، مؤكداً أن الوزارة تتابع بصورة مستمرة حركة الأسواق والتغيرات السعرية بالتنسيق مع الجهات المختصة.

وجدد الأشول تأكيد أهمية الشراكة مع القطاع الخاص بوصفه ركيزة أساسية لاستقرار الأسواق، داعياً التجار إلى التعاون مع الحكومة للحفاظ على استقرار أسعار السلع الأساسية وتعزيز الثقة بالسوق المحلية، في ظل استقرار أسعار الصرف والجهود الحكومية المستمرة لضبط الأوضاع الاقتصادية.

شكاوى يمنية من ارتفاع الأسعار وضعف فاعلية الرقابة (إعلام محلي)

وفي ظل تشكيك سكان بقدرة الوزارة على ضبط أسعار السلع، رغم التحسن الكبير في سعر العملة المحلية منذ منتصف العام الماضي، أعلن الأشول تشكيل لجان ميدانية وفرق رقابة في مختلف المحافظات للنزول إلى الأسواق وضبط المخالفات ومنع الاحتكار والمغالاة، بالتعاون مع السلطات المحلية والنيابات العامة والأجهزة الأمنية.

وتعهد الوزير بعدم تهاون الوزارة مع أي تجاوزات تمس استقرار السوق أو تثقل كاهل السكان، مشيراً إلى أن وزارة الصناعة والتجارة تمتلك منصة إلكترونية لتلقي البلاغات والشكاوى من السكان، إلى جانب اتخاذ إجراءات قانونية صارمة بحق المخالفين، بما في ذلك وقف السجلات التجارية وإدراج المتجاوزين ضمن القوائم السوداء في حال استمرار المخالفات.

رهان على زيادة الإيرادات

أكدت مصلحة الجمارك اليمنية أن قرار تحرير سعر الصرف الجمركي لن ينعكس على الوضع المعيشي أو يمس احتياجات السكان الأساسية، موضحةً أن السلع المشمولة بالإعفاءات تشمل القمح والأرز والأدوية المدرجة ضمن القائمة الوطنية، بوصفها ركائز أساسية للأمن الغذائي والصحي.

وقالت المصلحة، في بيان، إن القرار يستهدف بصورة رئيسية السلع الكمالية وغير الضرورية، التي ظلت خلال السنوات الماضية تستفيد من احتساب الرسوم الجمركية وفق سعر صرف منخفض لا يعكس القيمة الحقيقية للعملة في السوق، وهو ما تسبب في خسائر كبيرة للخزينة العامة.

وأكدت أن الإصلاحات الاقتصادية والمالية الجارية تهدف إلى بناء اقتصاد أكثر استقراراً وعدالة وكفاءة، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة، ومعالجة الاختلالات القائمة، وتحسين كفاءة تحصيل الموارد العامة بما يدعم الاستقرار الاقتصادي ويعزز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

الحكومة اليمنية تتوقع زيادة كبيرة في الإيرادات (إعلام حكومي)

ووفقاً لمصلحة الجمارك، فإن تحرير سعر الصرف الجمركي من المتوقع أن يحقق زيادة كبيرة في الإيرادات العامة خلال العام الجاري مقارنةً بعام 2025، وهو ما يمثل مورداً مهماً لتعزيز قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة والوفاء بالتزاماتها الأساسية، في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

وأضافت المصلحة أن الزيادة المتوقعة في الإيرادات الضريبية والجمركية ستساعد الحكومة على تعزيز الخدمات العامة وصرف المرتبات، في وقت تواجه فيه الحكومة تداعيات الحرب التي يشنها الحوثيون، والتي أدت إلى تعطيل جزء كبير من موارد الدولة، خصوصاً عائدات تصدير النفط.

مخاوف من موجة غلاء

بيّنت مصلحة الجمارك اليمنية أن استمرار احتساب الرسوم الجمركية بسعر صرف أقل بكثير من السعر الحقيقي في السوق كان يؤدي إلى فجوة كبيرة في الإيرادات، استفادت منها فئات محددة من المستوردين والتجار الذين كانوا يدفعون رسوماً منخفضة، بينما يتم تسعير كثير من السلع للمستهلك وفق أسعار السوق الفعلية.

وأوضحت أن هذا الوضع خلق تشوهات اقتصادية واختلالات في العدالة الضريبية والجمركية، وأضعف قدرة الدولة على تحصيل مواردها السيادية بصورة عادلة وكفؤة.

وربطت المصلحة نجاح قرار تحرير سعر الصرف الجمركي بمواصلة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية الشاملة، ضمن رؤية حكومية تستهدف توحيد الأوعية الإيرادية، ومعالجة الاختلالات السعرية، وتحسين كفاءة التحصيل الجمركي والضريبي، إلى جانب تعزيز الشفافية ومكافحة التهرب والفساد.

وأكدت أن الحكومة وجّهت الوزارات والجهات المختصة والسلطات المحلية بتكثيف الرقابة الميدانية على الأسواق، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق أي محاولات لاستغلال القرار في فرض زيادات غير مبررة على أسعار السلع الأساسية، مشيرةً إلى أن الأجهزة الرقابية والتموينية ستواصل متابعة حركة الأسعار وضبط المخالفات ومنع أي ممارسات احتكارية أو استغلالية تضر بالسكان.


العسل اليمني يقاوم الحرب وتقلُّبات المناخ

مربي نحل في محافظة تعز يتفقد خلاياه التي تعدُّ مصدر الدخل الرئيسي لعائلته (أ.ف.ب)
مربي نحل في محافظة تعز يتفقد خلاياه التي تعدُّ مصدر الدخل الرئيسي لعائلته (أ.ف.ب)
TT

العسل اليمني يقاوم الحرب وتقلُّبات المناخ

مربي نحل في محافظة تعز يتفقد خلاياه التي تعدُّ مصدر الدخل الرئيسي لعائلته (أ.ف.ب)
مربي نحل في محافظة تعز يتفقد خلاياه التي تعدُّ مصدر الدخل الرئيسي لعائلته (أ.ف.ب)

تزداد المخاطر المحيطة بإنتاج العسل اليمني إلى ما هو أبعد من تراجع الإنتاج وصعوبة التصدير، وتمتد إلى تهديد البيئة والتغيرات المناخية، وارتفاع تكاليف النقل، وتدهور المراعي الطبيعية، والتي شكلت -إلى جانب الحرب- تهديدات وضعت تربية النحل في مواجهة صعبة أمام المساعي للحفاظ على سمعة المنتج المشهور عالمياً.

وبينما كشفت دراسة حديثة أعدها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول سلسلة قيمة العسل في اليمن، أن القطاع يواجه تحديات «هيكلية ومركبة» تهدد استدامته، بدءاً من الصراع المستمر وضعف البنية التحتية، وصولاً إلى تغير المناخ وتراجع الوصول إلى الأسواق الدولية، يتحدث عدد من المختصين عن التحديات والطموحات لتطوير هذا القطاع.

وتشير الدراسة إلى أن صادرات العسل اليمني تراجعت بأكثر من 50 في المائة منذ تصاعد الحرب عام 2015، في حين أصبح نحو 100 ألف شخص يعملون في تربية النحل وإنتاج العسل عرضة لخسارة مصادر دخلهم.

ويقول عبد العزيز زعبل، الأكاديمي ومدير المركز الوطني لتربية النحل وإنتاج العسل (هيئة حكومية)، إن الحرب تسببت في أضرار مباشرة في مناطق الإنتاج الرئيسية، مثل حضرموت وشبوة وأبين وتعز، إلى جانب ارتفاع كبير في تكاليف تنقل النحالين؛ خصوصاً مع زيادات أسعار الوقود ومواد التغذية، ما تسبب في خسارة كثير من النحالين لخلاياهم أو ترك المهنة كلها.

بعض النحالين اليمنيين يتلقون مساعدات من برامج أممية (الأمم المتحدة)

وأضاف زعبل لـ«الشرق الأوسط» أن النحالين يواجهون صعوبات متزايدة في التنقل الموسمي، بسبب الألغام التي زرعتها الجماعة الحوثية ونقاط التفتيش وإغلاق الطرق، بالتزامن مع تراجع مواسم الإزهار وارتفاع درجات الحرارة، وهي عوامل أفقدت بعض المربين ما يصل إلى نصف خلاياهم.

ورغم هذه التحديات، يواصل العسل اليمني التمتع بمكانته العالمية؛ خصوصاً أنواع السدر الدوعني والجرداني، وفقاً للمسؤول اليمني الذي استدرك بأن استمرار الإنتاج يعتمد اليوم «على جهود فردية لنحالين صامدين، في ظل دعم حكومي محدود للغاية».

تهديد الأمن الغذائي

تربط الدراسة الأممية بين تراجع إنتاج العسل وتدهور البيئة الطبيعية؛ خصوصاً تقلص المراعي نتيجة الاحتطاب الجائر والتصحر والتوسع العمراني العشوائي، محذرة من تأثيرات التغير المناخي على أشجار السدر والسمر، المصدر الرئيسي للرحيق.

تربية النحل في اليمن نشاط اقتصادي عائلي يرتبط بتقاليد ثقافية ويحظى بسمعة عالمية جيدة (رويترز)

ويذهب فارس النجار، المستشار الاقتصادي للرئاسة اليمنية، إلى أن قيمة العسل اليمني لا ترتبط بالكميات المنتجة فقط، والتي تضاعفت أكثر من 3 مرات خلال العقدين الماضين، حسب بيانات أممية؛ بل «بطبيعة البيئة ونقاء المراعي وجودة الرحيق».

وأشار في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن تراجع أشجار السدر يدفع النحالين إلى التنقل أو اللجوء إلى التغذية الصناعية للنحل، ما رفع تكاليف الإنتاج بصورة كبيرة، إلى جانب الحاجة لتوفير الحماية والعلاج البيطري للخلايا، محذراً من أن تدهور الغطاء النباتي يهدد هذه الميزة التنافسية النادرة.

وحسب تقديرات أوردها النجار نقلاً عن اللجنة الدولية لـ«الصليب الأحمر»، فإن إنتاج العسل في اليمن تراجع بنسبة تتراوح بين 20 و25 في المائة بسبب ارتفاع درجات الحرارة، بينما انخفض تسويقه محلياً بنحو 50 في المائة نتيجة الحرب والتغيرات المناخية.

يمنية في محافظة حجة تجني العسل بعد أن تلقت تدريباً ودعماً لتربية النحل (الأمم المتحدة)

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على إنتاج العسل فقط؛ إذ يؤكد النجار أن النحل يمثل «عامل إنتاج زراعي» أساسياً، يؤثر تراجع تربيته على عمليات التلقيح التي تستفيد منها أغلب المحاصيل، ما يهدد الأمن الغذائي والمجتمعات الزراعية بصورة أوسع.

وتحدث سالم السقطري، وزير الزراعة والثروة السمكية، أواخر الشهر الماضي، عن اتخاذ خطوات مؤسسية نوعية لتعزيز هذا القطاع، من بينها إنشاء المركز الوطني لتربية النحل وإنتاج العسل، وتنظيم فعاليات لإعادة الاعتبار للمنتج المحلي.

ضرورة حماية البيئة

يتمثل التحدي الأكبر -وفق الدراسة الأممية وخبراء القطاع- في قدرة اليمن على حماية بيئته الطبيعية ومراعيه النحلية؛ لأن خسارة أشجار السدر والسمر لا تعني فقط تراجع إنتاج العسل؛ بل فقدان واحدة من أهم الثروات الزراعية والاقتصادية التي حافظت على حضور اليمن في الأسواق العالمية لعقود طويلة.

لإنتاج العسل دور كبير في الاقتصاد اليمني ويمثل مصدر دخل لنحو 100 ألف عائلة (أ.ف.ب)

ويصف هاني السقاف -وهو أحد النحالين ومصدِّري العسل اليمنيين- الوضع المهني لمنتجي العسل بالمرهق والمكلف، بسبب ما يواجهه النحالون من صعوبات كبيرة في نقل الخلايا بين مناطق الرعي، بسبب شح الوقود وارتفاع أسعاره في السوق السوداء.

وينوه السقاف إلى أن ارتفاع أسعار العسل في الأسواق المحلية يعود في جزء كبير منه إلى تضخم تكاليف الإنتاج والنقل، والتي عجز كثير من النحالين عن تحمُّلها في ظل غياب التشجيع والدعم الرسميين.

ويشدد على أن العسل اليمني لا يزال قادراً على المنافسة عالمياً، ولكنه يحتاج إلى متطلبات أساسية لدخول الأسواق الخليجية والدولية، تشمل توثيق المصدر، وتحسين التعبئة والتغليف، والحصول على شهادات جودة واعتماد بيئي.

وأفصح زعبل عن توجه حكومي لإعداد استراتيجية وطنية شاملة لتطوير تربية النحل وإنتاج العسل، تقودها وزارة الزراعة والري والثروة السمكية، عبر إنشاء «المركز الوطني للعسل».

نحال يمني في محافظة المحويت يتفقد خلايا النحل التي يملكها (الأمم المتحدة)

وتهدف الاستراتيجية -حسب زعبل- إلى حماية النحل اليمني، وتحسين جودة العسل، وتنظيم الترحال، ومكافحة الأمراض، وتطوير الصناعات التحويلية، وفتح أسواق تصديرية جديدة، إلى جانب دعم الجمعيات وتمكين الشباب والنساء العاملين في القطاع.

وحثَّت الدراسة الأممية على مضاعفة التعريف بالعسل اليمني عالمياً، وزيادة الجهود التسويقية، واعتماد العلامة التجارية القوية، إلى جانب تحقيق الاستقرار والأمن كشرط أساسي لإنعاش القطاع، والاستثمار في شبكات النقل ومرافق التخزين الحديثة وتقنيات المعالجة المتقدمة، وحماية الممارسات التقليدية في تربية النحل.


تقارير عن اقتراب قوارب صغيرة من سفن بخليج عدن

التقارير تتحدث عن ‌اقتراب ​قوارب ‌صغيرة ‌من سفن في خليج عدن (أرشيفية - رويترز)
التقارير تتحدث عن ‌اقتراب ​قوارب ‌صغيرة ‌من سفن في خليج عدن (أرشيفية - رويترز)
TT

تقارير عن اقتراب قوارب صغيرة من سفن بخليج عدن

التقارير تتحدث عن ‌اقتراب ​قوارب ‌صغيرة ‌من سفن في خليج عدن (أرشيفية - رويترز)
التقارير تتحدث عن ‌اقتراب ​قوارب ‌صغيرة ‌من سفن في خليج عدن (أرشيفية - رويترز)

أفادت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية اليوم السبت بأنها ‌تلقت ‌تقارير ​من ‌مصادر ⁠مختلفة عن ​نشاط مشبوه ⁠في خليج عدن، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقالت إن هناك ⁠عدة ‌تقارير عن ‌اقتراب ​قوارب ‌صغيرة ‌من سفن. وأضافت أنها رصدت قاربا ‌كبيرا مزودا بمحركين خارجيين ⁠يحمل ⁠سلالم وأسلحة.