بعد «داعش».. شبح المقابر الجماعية يطارد أهالي المفقودين في العراق

اكتشاف مئات الجثث في حمام العليل بعد تصفيات التنظيم الإرهابي

جندي عراقي يبحث عن جثة قريبه في إحدى المقابر الجماعية بحمام العليل (نيويورك تايمز)
جندي عراقي يبحث عن جثة قريبه في إحدى المقابر الجماعية بحمام العليل (نيويورك تايمز)
TT

بعد «داعش».. شبح المقابر الجماعية يطارد أهالي المفقودين في العراق

جندي عراقي يبحث عن جثة قريبه في إحدى المقابر الجماعية بحمام العليل (نيويورك تايمز)
جندي عراقي يبحث عن جثة قريبه في إحدى المقابر الجماعية بحمام العليل (نيويورك تايمز)

انتهت المعركة في مدينة حمام العليل في العراق، وهي مدينة قديمة تشتهر بكونها مقصدًا للاستجمام، بعد أن استعادتها قوات الأمن في البلاد من تنظيم داعش منذ بضعة أيام، لكن لا يزال أمام جندي عراقي إكمال مهمة من نوع آخر.
كان الجندي زمان ميجوال يبحث عن أخيه الأكبر، الشرطي السابق، الذي وصفه بالرجل الهادئ الذي كان يعيش في قرية صغيرة، ولم تعرف عنه أية أخبار منذ أسابيع. وكانت دائرة ميجوال قد أرسلته إلى طريق متاخم لحقلين ترابيين. وأشار إلى جانب توجد به جثث متعفنة بلا رأس، وسط أكوام من القمامة على بقعة أرض مقفرة كانت تستخدم يومًا ما ميدانًا لتدريب الجيش العراقي على التصويب، وقال ميجوال: «قد يكون هناك»، وأضاف وهو يشير إلى الجانب الآخر من الطريق الذي يبدو كقطعة أرض من تراب تم تقليبه أخيرًا: «أو ربما هناك».
ومع كل ميل تستعيده قوات الأمن العراقية من الأراضي العراقية من قبضة تنظيم داعش، يتم الكشف عن مقبرة جماعية جديدة، حتى بات الأمر يشبه طقسًا منتظمًا مستمرًا بشكل يدعو إلى اليأس. ولإرث المقابر الجماعية في العراق تاريخ طويل يعود إلى ما قبل ظهور تنظيم داعش، وتحديدًا إلى زمن صدام حسين، الذي شهد عمليات قتل واسعة النطاق.
لذا يعد تنظيم داعش الذي يعتبر المقابر الجماعية جزءًا من البنية التحتية التنظيمية، مثل السجون المؤقتة ودور العبيد، بالنسبة للعراقيين، شكلاً جديدًا من أشكال الظلم الذي يرتبط بشكل مباشر بنظام صدام حسين. إذ يشغل كثير من الضباط البعثيين السابقين في قوات الأمن التابعة لصدام حسين مراكز قيادية عليا في تنظيم داعش، ويطبقون الأساليب نفسها التي كان يستخدمها.
ومع وقوع «داعش» تحت ضغط قوات الأمن العراقية أخيرًا، تصاعدت حدة وحشية التنظيم، حيث تم اكتشاف كثير من المقابر الجماعية، وكان أكبرها في حمام العليل التي ضمت جثامين سكان محليين. وأكثر الذين تم دفنهم كانوا أفرادًا سابقين في قوات الأمن تم إعدامهم منذ بضعة أسابيع فقط، بعد بدء الهجوم على مدينة الموصل. وهناك من يرون أنفسهم محظوظين، مثل جمال أبو يونس الذي كان ضابط شرطة سابقًا من حمام العليل، وكان مهددًا بالإعدام، لكنه نجا بفضل اختبائه في حفرة تحت الأرض مخفية بجهاز تكييف هواء في منزله، والذي قال عن الوقت الذي قضاه مختبئًا: «مرت كل ساعة كأنها عام». وهو الآن أحد الشهود العيّان على جرائم القتل التي ارتكبها تنظيم داعش في مدينة حمام العليل. ويروي أنه في مساء أحد الأيام، عند الساعة الثامنة مساء تقريبًا، منذ بضعة أسابيع، رأى من سطح منزله ثماني حافلات صغيرة تسير باتجاه المنطقة التي تم اكتشاف المقبرة فيها، وسمع أصوات إطلاق نار، مضيفًا: «لقد رأيت أحد أفراد تنظيم داعش وهو يدفن 200 جثة هنا».
ويبلغ عدد القتلى في حمام العليل، طبقًا لتقديرات الحكومة الرسمية، نحو مائة شخص. وقدّرت منظمة «هيومان رايتس ووتش»، بعد إجراء تحقيقها الخاص، أنه تم قتل 300 على الأقل في هذه المنطقة. وأوضح أبو يونس أنه خلال الأيام السابقة لعمليات القتال، قاد مسلحو تنظيم داعش مئات الأشخاص، وربما الآلاف، من قرى مجاورة إلى حمام العليل، واستخدموهم كدروع بشرية ضد أي هجمات جوية أميركية محتملة.
وقال إن المسلحين جمعوا الناس في المدينة، ثم فصلوا عنهم أفراد الشرطة السابقين الذين حاول كثير منهم إبرام اتفاق سلام مع حكامهم الجدد. إلا أنه، ومع شنّ القوات التابعة للحكومة هجومًا لاستعادة تلك الأراضي، رأى «داعش» أنهم قد يصبحون جواسيس أو طابورًا خامسًا مستعدًا للنهوض والانضمام إلى قوات الأمن، لذا أصدروا الأوامر بقتلهم، وتابع أبو يونس: «لا أصدق أنني لا أزال على قيد الحياة».
وبالنسبة لكثير من العراقيين، فإن الألم الناجم عن عدم معرفة ما آل إليه أحبابهم الأسوأ على الإطلاق. وتقدّر اللجنة الدولية لشؤون المفقودين، ومقرّها هولندا، عدد العراقيين المفقودين في التاريخ الحديث بمليون. وتشمل هذه الفترة التاريخية الحرب العراقية - الإيرانية، وعمليات القتل الجماعي التي أمر بتنفيذها صدام حسين بعد 1991، وهجمات الأنفال التي قامت بها الحكومة العراقية باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد الأكراد في نهاية ثمانينات القرن الماضي، والنزاعات التي شهدها العقد الأخير.
وذكرت اللجنة على موقعها الإلكتروني أن هناك «الملايين من أقارب المفقودين في العراق الذين يتألمون بسبب الغموض الذي يحيط بمصير أحبائهم». إذا ذهبت إلى أي مكان في العراق، خصوصًا في الجنوب، وطرقت على كل باب، ستسمع قصة شخص مفقود، وقد تجد فسحة من أمل لا يزال باقيًا في النفوس.
قالت نهاد جواد، معلمة من مدينة الحلة في جنوب البلاد، إن شقيقها غادر المنزل في إحدى ليالي 1991، ولم يسمع أحد عنه أي خبر بعدها. وقد سمعت كل الشائعات التي يمكن تصورها، ومنها أن الجيش قد اعتقله، أو أنه تم إطلاق النار عليه، وأوضحت قائلة: «لقد بحثنا في كل مكان، ولم نعثر له على أثر.. لا يزال لدينا أمل في أنه معتقل في أحد السجون السرية».
أما وحشية تنظيم داعش، فقد فتحت فصلاً جديدًا في هذا التاريخ الأليم، إذ فاق عدد الجثث قدرات الحكومة العراقية، ولم يتم التعرف سوى على عدد قليل منها باستخدام اختبار الحمض النووي. وفي محافظة ديالى، حيث كان تنظيم داعش يتمتع بنفوذ كبير، يقول أب فقد ابنه منذ عامين إنه تصفح المواقع الإلكترونية الخاصة بالإرهابيين، بحثًا عن مقاطع مصورة قد يظهر فيها ابنه المفقود، وكان يهرع إلى أي مقبرة جماعية يتم اكتشافها في المحافظة. وقال الرجل الذي يستخدم اسمًا مستعارًا، هو أبو مروان: «أصعب ما يواجهني هو عندما يسألني حفيدي عن والده. أجيبه بأنه سافر، وسوف يعود يومًا ما».
الجندي ميجوال، مثله مثل ملايين آخرين عانوا من الطقس الأليم ذاته، لم يجد إجابة توضح ما حدث لشقيقه. وأضاف قائلاً: «ليس لدينا معلومات عنه، لذا أتيت إلى هنا. الأمر صعب جدًا علي، ولا أعرف مصيره أو قدره. أنا بحاجة إلى العثور على جثته على الأقل، فهذا الأمر مهم لنا حتى نقيم له جنازة. لا يعرف الآلاف من الناس مصير أحبائهم».
هناك رواية عراقية شهيرة بعنوان «مدينة صدام» للكاتب محمود سعيد، يختفي فيها البطل في واحد من السجون القديمة الكثيرة لصدام حسين، ويترك ورائه أحبائه يبحثون عن معلومات عنه. في الرواية يتذكّر البطل وهو يتأمل مصيره كسجين «عبثية محاولة مساعدة جارة له في العثور على زوجها الذي اختفى». فقد زاروا مستشفى، حيث «لم نكن أكثر من حلقة أخيرة في سلسلة طويلة من الأشخاص الذي زاروا المستشفيات بحثًا عن أحبائهم المفقودين». وبعد بضع صفحات، يكتب سعيد: «أحداث كهذه تحدث بشكل روتيني ومعتاد».
على الطريق من أراضي حمام العليل التي شهدت عمليات قتل، وحيث يبحث ميجوال عن شقيقه، كان هناك آخرون يبحثون أيضًا عن أجوبة. قال رجل شرطة سابق يدعى منير محمد، ويبلغ من العمر 37 عامًا، إنه اختبأ
ليلة القتل، لكن شقيقه أنمار، وهو رجل شرطة سابق أيضًا، كان من بين المئات الذين تم الإمساك بهم. وأوضح قائلا: «لقد اقتادوا رجال الشرطة السابقين لأنهم يخشون عودتهم، ونهوضهم من جديد». وكانت الدموع تجري على خديه وهو يقول: «أنا أبكي لأني كنت قادرًا على إنقاذ نفسي، لكنني لم أستطع إنقاذه».
* خدمة «نيويورك تايمز»



مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
TT

مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)

أعلنت الحكومة المصرية، استعدادها لتقنين أوضاع المدارس السودانية على أراضيها، بعد أزمة إغلاقها منذ عدة أشهر، وسط شكاوى متكررة من الجالية السودانية بالقاهرة.

وأكد وزير التربية والتعليم المصري محمد عبد اللطيف، «استعداد بلاده لتقديم الدعم الكامل للسودان في عدد من المجالات التعليمية؛ من بينها تطوير المناهج، ونظم التقييم والامتحانات والتعليم الفني»، وشدد خلال استقباله نظيره السوداني التهامي الزين، الثلاثاء، على «حرص القاهرة على تعزيز أطر التعاون المشترك وتبادل الخبرات بما يخدم مصلحة الطلاب السودانيين».

وناقش وزيرا التعليم المصري والسوداني، «سبل تعزيز التعاون المشترك في تطوير المنظومة التعليمية وتبادل الخبرات، بما يسهم في الارتقاء بجودة التعليم»، حسب إفادة لوزارة التعليم المصرية.

وخلال اللقاء، أكد وزير التعليم المصري «استعداد بلاده لتقنين أوضاع المدارس السودانية في مصر، بما يعزز التعاون المشترك وتبادل الخبرات».

وفي يونيو (حزيران) من عام 2024، أغلقت السلطات المصرية المدارس السودانية العاملة في مصر، لحين توفر الاشتراطات القانونية لممارسة النشاط التعليمي، وشملت إجراءات الإغلاق مدرسة «الصداقة» التي دشنتها السفارة السودانية بالقاهرة في عام 2016، ومدارس خاصة، قبل أن تعلن السفارة السودانية، استئناف الدراسة في مدرسة «الصداقة» مرة أخرى، بداية من ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وطالبت السلطات المصرية وقتها، من أصحاب المدارس السودانية العاملة بمصر، الالتزام بثمانية شروط لتقنين أوضاع المدارس المغلقة، وتضمنت وفق إفادة للملحقية الثقافية بالسفارة السودانية، «موافقة من وزارتي التعليم والخارجية السودانية، وموافقة من الخارجية المصرية، وتوفير مقر للمدرسة في جميع الجوانب التعليمية مصحوباً برسم تخطيطي لهيكل المدرسة، وإرفاق البيانات الخاصة لمالك المدرسة، مع طلب من مالك المدرسة للمستشارية الثقافية بالسفارة السودانية، وملف كامل عن المراحل التعليمية وعدد الطلاب المنتظر تسجيلهم بالمدرسة».

وبسبب الحرب السودانية، فرّ نحو مليون و200 ألف سوداني، إلى مصر، حسب إحصائيات رسمية، إلى جانب آلاف آخرين من الذين يعيشون فيها منذ سنوات.

محادثات بين وزير التعليم المصري ونظيره السوداني بالقاهرة الثلاثاء (وزارة التعليم المصرية)

ويعد تقنين أوضاع المدارس السودانية، خطوة إيجابية سيستفيد منها كثير من الأسر المقيمة بمصر، وفق رئيس لجنة العلاقات الخارجية بـ«جمعية الصداقة السودانية - المصرية»، محمد جبارة، الذي قال إن «المحادثات بين وزيري التعليم المصري والسوداني، تعكس موافقة على استئناف الدراسة في بعض المدارس السودانية التي قننت أوضاعها، وفق مواصفات التعليم بمصر».

وفي وقت سابق، أعلنت السفارة السودانية، عن قيام «لجنة من وزارة التعليم المصرية بزيارة بعض المدارس السودانية المغلقة، لمراجعة البيئة المدرسية، والتأكد من توافر اشتراطات ممارسة النشاط التعليمي»، وشددت في إفادة لها لأصحاب المدارس على «الالتزام بتقديم كل المستندات الخاصة بممارسة النشاط التعليمي، وفق الضوابط المصرية».

ويرى جبارة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «عودة الدراسة بالمدارس السودانية ستعالج كثيراً من إشكاليات كانت تواجهها الأسر السودانية بمصر»، وقال إن «هناك عدداً من المدارس السودانية التي كانت عاملة في مصر، بدأت في العودة للسودان مرة أخرى، مع تزايد رحلات العودة الطوعية»، عاداً ذلك «سيعزز من فرص التعاون بين القاهرة والخرطوم في المجال التعليمي».

وخلال اللقاء، دعا وزير التعليم السوداني، إلى «تعزيز التعاون مع الجانب المصري في جهود إعمار وتطوير المؤسسات التعليمية في السودان»، وأكد أهمية «الاستفادة من التجربة المصرية الناجحة في التعليم، خاصة نموذج الشراكة مع الجانب الياباني»، حسب «التعليم المصرية».

ويأتي التعاون التعليمي بين مصر والسودان، بوصفه من أبرز ثمار الزيارات واللجان المشتركة بين البلدين، وفق مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، الذي قال إن «ملف التعليم والمدارس السودانية، كان أحد الملفات التي جرت مناقشتها في زيارة رئيس وزراء السودان، كامل إدريس للقاهرة، نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي».

ويرى المغربي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «استئناف الدراسة في المدارس السودانية لا يتعارض مع برامج العودة الطوعية التي تهتم بها الحكومة السودانية»، مشيراً إلى أن «هناك كثيراً من الأسر السودانية، ارتبطت بجدول دراسي لأبنائها داخل مصر، ومن ثمّ فإن استئناف الدراسة بالمدارس، سيعالج كثيراً من إشكاليات أعضاء الجالية».

واتفق وزيرا التعليم المصري والسوداني، على «تشكيل لجنة مشتركة من الوزارتين، تتولى مناقشة مختلف مجالات التعاون»، إلى جانب «وضع آليات تنفيذها بشكل عملي، ومتابعة وتقييم ما يتم إنجازه، بما يضمن سرعة البدء في التنفيذ وتحقيق النتائج المستهدفة»، حسب بيان وزارة التعليم المصرية.


تحركات مصرية لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
TT

تحركات مصرية لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)

واصلت مصر تحركاتها المكثفة لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران، تزامناً مع حديث أميركي عن تلقي إيران نقاطاً للبحث عبر وسطاء. وأكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «القاهرة تسعى لتقريب وجهات النظر، والوصول إلى اتفاق عادل مستدام يراعي مصالح أطرافه، ويحفظ أمن الخليج».

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية، الاثنين، مع نظرائه في السعودية وسلطنة عمان والإمارات وتركيا وباكستان وفرنسا وقبرص، إضافة إلى ستيف ويتكوف المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط.

وصرح السفير تميم خلاف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، في بيان صحافي، بأن «هذه الاتصالات المكثفة تأتي في إطار حرص مصر على مواصلة التنسيق والتشاور مع الأشقاء العرب، ومع الشركاء الإقليميين والدوليين إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وبحث سبل احتواء التصعيد العسكري الجاري»، مؤكداً أن من شأن هذا التصعيد واتساع نطاقه ورقعته «أن يجر الإقليم بأكمله إلى فوضى شاملة غير محسوبة العواقب تضر بالسلم والأمن الإقليميين والدوليين».

وأضاف خلاف أن «الاتصالات تناولت المفاوضات المحتملة بين الجانبين الإيراني والأميركي في ضوء مبادرة الرئيس دونالد ترمب الأخيرة، والجهود المبذولة من جانب عدد من الأطراف الإقليمية في المنطقة من بينها مصر، لدفع المسار الدبلوماسي والتفاوضي بوصفه السبيل الوحيد لتفادي الفوضى الشاملة في المنطقة». وقال إن «لغة الحوار هي الضمان الحقيقي لتجنيب المنطقة مخاطر اتساع رقعة الصراع، وصون مقدرات شعوبها».

وشدد وزير الخارجية المصري خلال اتصالاته مجدداً على «الإدانة الكاملة للاعتداءات الإيرانية التي تستهدف دول الخليج، وعدم تبريرها بأي ذرائع واهية، وضرورة وقفها بشكل فوري»، وأكد «أهمية تضافر جميع الجهود لخفض التصعيد، ودعم مصر الكامل وانخراطها الإيجابي مع جميع المبادرات والمساعي الهادفة لتحقيق التهدئة وإنهاء الحرب».

وفي سياق متصل، نقلت شبكة «سي بي إس» الأميركية عن مسؤول رفيع في «الخارجية الإيرانية» قولَهُ، إنّ بلاده تلقّت نقاطاً للتفاوض، من الولايات المتحدة عبرَ وسطاء، مشيراً إلى أنّ «هذه النقاط قيد الدراسة».

ووفق ما نشره موقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، فإن «مصر وتركيا وباكستان نقلت رسائل متبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث أجرى مسؤولون من الدول الثلاث اتصالات منفصلة مع مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي».

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ضوء تصاعد خطورة الوضع الراهن على كل دول المنطقة والعالم وما تعرضت له سلاسل الإمداد العالمية تحركت عدة دول، ومن بينها مصر وباكستان وتركيا، من أجل وقف التصعيد وتجنيب المنطقة ويلات المزيد من التصادم والفعل ورد الفعل بضرب البنية التحتية».

وقال إن «مصر تستغل درجة المصداقية التي تتمتع بها لدى طهران وواشنطن في التحرك، ونقل رسائل مهمة تركز على الدعم الدبلوماسي والسياسي والمادي لدول الخليج باعتبار أمن الخليج جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، والتأكيد على ضرورة وقف التصعيد».

وأضاف حجازي أن مصر والوسطاء «نقلوا رسائل مهمة لمد جسور التفاهم بين طرفي النزاع، وخفض التصعيد، والتأكيد على أنه ما كان يجب الانخراط في هذه المواجهة التي أدت تفاقم الوضع، وقد تخلف إذا استمرّت، الكثير من الضغائن»، مشيراً إلى أن «مصر تسعى لتقديم مقترحات تراعي مصالح الجميع، وتسمح لكل طرف بالخروج من المعركة، وتجنب المزيد من الخسائر». وقال: «القاهرة تسعى لاتفاق عادل مستدام يراعي مصالح أطرافه، وينهي التصعيد الحالي، ويحمي أمن الخليج».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الباكستاني محمد إسحاق دار في باكستان (الخارجية المصرية)

وأجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جولة خليجية ضمت السعودية وقطر والإمارات والبحرين أعقبت جولة خليجية مماثلة لوزير الخارجية بدر عبد العاطي، تم خلالها التأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي».

وكان الرئيس المصري قد أكد خلال اتصال هاتفي خلال الشهر الحالي مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، بحسب إفادة رسمية للرئاسة المصرية.

بدوره، أكد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير رخا أحمد حسن، أن «مصر تلعب دوراً رئيسياً في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب كل من تركيا وباكستان»، مشيراً إلى أن «القاهرة تريد أولاً احتواء التصعيد وصولاً لوقف إطلاق النار».

وأضاف حسن لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك كثيراً من الشكوك لدى الطرفين، ومصر والوسطاء يحاولون بما لديهم من مصداقية لدى واشنطن وطهران، التوفيق بين وجهات النظر من أجل الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب الحالية»، مشيراً في هذا الصدد، إلى اتصال السيسي وبزشكيان الذي أعربت فيه مصر عن استعدادها للوساطة.

ولم يستبعد حسن ألا تختلف «البنود المقترحة عن تلك التي سبق طرحها في المفاوضات التي جرت قبل الحرب بين الطرفين»، لكنه شكك في «جدية الطرح الأميركي الأخير في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية».

وقال: «الأيام ستكشف إلى أي مدي ستنجح الضغوط الدولية والوضع الاقتصادي العالمي المتأزم في إقناع ترمب وحليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف الحرب».

وتواصلت الغارات الأميركية والإسرائيلية على إيران والهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل، الثلاثاء، رغم إعلان الرئيس ترمب، الاثنين، عبر منصته «تروث سوشيال» أنه سينتظر 5 أيام أخرى قبل تنفيذ الضربات التي هدّد بشنّها على محطات كهرباء وبنى تحتية أخرى في إيران إن لم تفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، مشيراً إلى مفاوضات «جيدة جداً» مع مسؤول إيراني رفيع لم يسمه.

وأوضح ترمب، في تصريحات صحافية، أن الجانبين توصلا إلى نحو 15 نقطة اتفاق. وقال: «أعتقد أن هناك فرصة كبيرة جداً للتوصل إلى اتفاق».


اجتماع وزاري عربي مرتقب يناقش تداعيات الهجمات الإيرانية والتصعيد الإقليمي

اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
TT

اجتماع وزاري عربي مرتقب يناقش تداعيات الهجمات الإيرانية والتصعيد الإقليمي

اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)

تترأس البحرين، يوم الأحد المقبل، اجتماع الدورة العادية الـ165 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية. وقال مصدر دبلوماسي عربي لـ«الشرق الأوسط» إن «الاجتماع سيعقد عن بعد عبر الاتصال المرئي، وسيركز على بند واحد هو الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العربية».

وأوضح المصدر، الذي رفض الكشف عن هويته، أن «الاجتماع سيبحث اتخاذ موقف عربي واحد إزاء الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العربية على غرار الاجتماع الطارئ الذي عقده وزراء الخارجية العرب أخيراً، للسبب نفسه».

وكان وزراء الخارجية العرب أدانوا، في اجتماع طارئ يوم 8 مارس (آذار) الجاري، اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ودعا الوزراء، في الاجتماع الذي عقد بتقنية الاتصال المرئي، طهران إلى الوقف الفوري للهجمات العسكرية العدوانية، ووقف جميع الأعمال المتعلقة بإغلاق مضيق هرمز.

وأشار الدبلوماسي العربي إلى أن «الاجتماع يأتي في سياق الاجتماعات الدورية لمجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري، وكان من المفترض أن يتضمن جدول أعماله عدداً من الموضوعات المتعلقة بالعمل العربي المشترك، لكن حساسية الظرف الراهن دفعت إلى تأجيل مناقشة كل الملفات والاقتصار على ملف الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية».

وقال إن «المناقشات التحضيرية بشأن الاجتماع خلصت إلى أن وجود أكثر من موضوع على جدول الأعمال سيسحب التركيز من الموضوع الرئيسي وهو اعتداءات إيران، لذا كان القرار بتأجيل الملفات الاعتيادية، والاكتفاء بملف واحد مركزي».

وكان من المنتظر أن يناقش الاجتماع التحضير للقمة العربية المقبلة.

وفي هذا الصدد، قال المصدر الدبلوماسي إن «من المفترض أن يتم خلال الاجتماع الاتفاق على موعد القمة المقبلة، لكن الظرف الراهن يجعل من الصعب الاتفاق على موعد محدد».

من اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في 8 مارس 2026 (الخارجية المصرية)

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية مع نظرائه في البحرين والأردن والعراق، تناولت التحضيرات الجارية لانعقاد الاجتماع.

وأكدت الوزارة في بيان «أهمية إطلاق موقف عربي موحد في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية المشتركة والتصعيد الخطير الذي تشهده المنطقة».

بدوره، عوّل المحلل السياسي الدكتور عبد المنعم سعيد على الاجتماع الوزاري «للوصول إلى رؤية عربية موحدة إزاء التعامل مع الوضع الراهن». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع يتحرك ويتطور بصورة متسارعة... وفي ظل موقف أميركي مرتبك، من المهم عقد مشاورات عربية لتحديد الموقف تجاه الوضع الراهن».

واقترح سعيد «تشكيل مجموعة عمل عربية للتفكير فيما سيكون عليه الموقف مستقبلاً في مواجهة المشروعين الإيراني والإسرائيلي، اللذين يتصادمان على الأرض العربية». وقال إنه «يمكن عقد اتفاقات ثنائية في الإطار العربي لتعزيز التعاون في مواجهة أي عدوان».

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، رجّح في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط» أن «تطرح القاهرة قضية الترتيبات الإقليمية الجديدة، في الاجتماع الوزاري العربي، ضمن التوجه المصري الهادف إلى احتواء التصعيد بالمنطقة». وقال إن هناك أولوية مصرية «لوضع تصور شامل لتلك الترتيبات لما بعد الحرب الإيرانية».

وسبق أن تحدث وزير الخارجية عبد العاطي عن «ضرورة بلورة مفهوم عملي للأمن الجماعي العربي والإقليمي، ووضع آليات تنفيذية له». وأشار خلال محادثات مع نظيره السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، في الرياض، منتصف الشهر الحالي، إلى أن «الشروع في وضع ترتيبات أمنية في الإطار الإقليمي سواء بالجامعة العربية، أو بالتعاون مع أطراف إقليمية غير عربية، ضرورة استراتيجية ملحة للتعامل مع التحديات غير المسبوقة التي تستهدف سيادة الدول العربية».