«الخوذ البيضاء».. عندما تكون الحياة ثمنًا لإنقاذ الآخرين

متطوعو المنظمة: نشعر بالحرية أكثر من أي وقت مضى لأننا نعمل لكرامة الإنسان وحريته

خبراء ألغام في الجيش الحر لدى فحصهم عبوات زرعها تنظيم داعش بالقرب من مدينة {الباب} (غيتي)
خبراء ألغام في الجيش الحر لدى فحصهم عبوات زرعها تنظيم داعش بالقرب من مدينة {الباب} (غيتي)
TT

«الخوذ البيضاء».. عندما تكون الحياة ثمنًا لإنقاذ الآخرين

خبراء ألغام في الجيش الحر لدى فحصهم عبوات زرعها تنظيم داعش بالقرب من مدينة {الباب} (غيتي)
خبراء ألغام في الجيش الحر لدى فحصهم عبوات زرعها تنظيم داعش بالقرب من مدينة {الباب} (غيتي)

هم أصحاب «الخوذ البيضاء» الذين لم يعترف بهم وبعملهم رئيس النظام السوري بشار الأسد.
شباب من مختلف المناطق السورية قرروا الانحياز إلى الإنسانية والمخاطرة بحياتهم لإنقاذ حياة الآخرين، لينجحوا خلال نحو ثلاث سنوات في إنقاذ أكثر من 73 ألف مدني من تحت الأنقاض.
وقفتهم إلى جانب الثورة السورية، ومشاركتهم في المظاهرات ضد النظام السوري التي بدأت في عام 2011 لا تتناقضان مع عملهم الذي يرون فيه «انتصارا لكرامة الإنسان وحريته»، بحسب ما يعبر عنه مدير مكتب الموارد البشرية في الدفاع المدني زياد أبو طالب. في حين بات يعيش مدير عمليات الدفاع المدني في حلب عمار سلمو، كل يوم ولحظة مع مشاهد القتل والجثث والأشلاء التي لا يقوى 50 في المائة من المتطوعين على تحمل قسوتها ويتركون المهمة بعد أسبوع من بدء العمل.
ثلاثة مشاهد لا تفارق سلمو، وتشعره بالأسى والندم في الوقت عينه، وهو الذي يمضي أيامه متوقعا في أي لحظة أن يكون أحد ضحايا البراميل المتفجرة التي تسقط على حلب. ويقول سلمو لـ«الشرق الأوسط» متذكرًا «أندم على انسحابي من المكان الذي أصيب فيه زميلي عمر بركات، رئيس نقطة الهلال الأحمر في أورم الكبرى، بريف حلب، حيث كان يصرخ داخل سيارته مستغيثا، وإذا بعمر يفارق الحياة بعد دقائق نتيجة القذائف التي بقيت تنهمر على المنطقة وكانت السبب في تراجعنا». ويضيف «الندم على عدم مساعدة عمر لا يفارقني. كان يفترض أن أنقذه مهما كان الخطر».
إضافة إلى المشاهد المؤلمة التي يعيشها عمار وأصدقاؤه كل لحظة، مشهدان آخران يطبعان ذاكرته: «الأول صورة المرأة المتفحمّة التي رأتها بعدما كانت قد فارقت الحياة وهي تغمر طفلها بين يديها على طريق الكاستيلو في مدينة حلب، وتلك الأم التي كانت تركض نحوي لتسألني عن ابنها العامل في محل الحلاقة الذي قصف في حلب وأنا عاجز عن إجابتها والقول لها إن أشلاء جثّته في داخل الكيس الذي أحمله بين يدي، لتعود بعد ذلك وتقنع نفسها بأن ابنها قد يكون عاد إلى المنزل وتذهب على أمل أن تراه هناك».
عمل عمار، أستاذ اللغة الإنجليزية، في الإغاثة عام 2011 وبدأ كونها «هواية»، كما يصفها، في بلدته السفيرة بريف محافظة حلب الشرقي، حيث بدأ في تأمين المساعدات الغذائية مع عشرات الشباب المتطوعين من المنطقة الذين كانوا قد شاركوا في المظاهرات عند بدء الثورة في سوريا. ويقول: «لم نكن نطالب بأكثر من الكرامة، ولم نكن نريد أن تصل سوريا إلى ما وصلت إليه اليوم. لكن كل ما حصل هو نتيجة أعمال النظام وحلفائه».
وفي عام 2013 بعد تردي الوضع واشتداد القصف على المنطقة وجد عمار و24 شابا آخرين أنفسهم أمام واقع جديد بحيث بات المطلوب منهم القيام بعمليات إنقاذ وإطفاء وانتشال المدنيين والجثث من تحت الأنقاض.
بذلوا كل ما بوسعهم وبحسب القدرات المحدودة التي يمتلكونها في هذا الإطار لتقديم المساعدة لمن يحتاج إليها. في الشهر الثامن من العام نفسه، وتحديدا بعد شهرين من «مجزرة الآبار» في بلدة خناصر المجاورة، وجد المتطوعون أنفسهم أمام مهمة أصعب وهي انتشال عشرات الجثث من الآبار بعدما عمدت قوات النظام إلى قتلهم ورميهم في داخلها. ويروي «كنا ننتشل الجثث ونسلّمها لعائلاتها بعد التعرف إليها من ثيابها ونرقّم تلك المجهولة الهوية». في الشهر العاشر، وجدنا أنفسنا بين سندان النظام ومطرقة «داعش» الذي دخل إلى المنطقة فما كان أمامنا إلا الانتقال إلى مدينة حلب وتحديدا باب النيرب، ومن ثم البدء فعليا بتنظيم عمل «الخوذ البيضاء» عبر إنشاء مراكز في عدد من المحافظات، التي وصل عددها اليوم إلى ثمانية، هي إضافة إلى مركز حلب، مراكز حماه وإدلب وريف اللاذقية وريف حمص وريف دمشق ودمشق ودرعا والقنيطرة، بعد إقفال مركز الرقة التي باتت تحت سيطرة «داعش».
مرحلة الانتقال من «الهواية إلى الاحتراف» بدأت عند انتقالنا إلى باب النيرب وإنشائنا مركزًا خاصًا، بحسب ما يقول سلمو، مضيفا: «هنا بدأ عملنا بصعوبته وقساوته مع مرحلة القصف بالبراميل المتفجرة على حلب، حتى أننا شعرنا بالإحباط وعدم القدرة على تحمّل كل ما يحصل، وبدأنا البحث عن شباب متخصصين للقيام بدورات تدريبية وتوسيع دائرة المتطوعين، ونجحنا في الحصول على دعم من منظمات ألمانية وبريطانية وأميركية تؤمّن لنا المساعدات اللازمة للقيام بعملنا».
يصف سلمو مهمّة المتطوعين في حلب بـ«الامتحان الكبير الذي استطعنا قدر الإمكان تجاوزه، ومن ثم بدأنا في تنظيم العمل بشكل أكبر وأنشأنا مديرية كاملة، وأجرينا في الشهر الرابع من عام 2014 مسابقة لتعيين مدير لها، شارك فيها عدد من الشباب وفزت أنا بها». ويعمل اليوم في حلب 21 مركزا، في كل منها 30 متطوعا، ومركز واحد للتدريب في ريف حلب، كان يرأسه نقيب منشق عن «الدفاع المدني السوري»، قبل تعرضه للقصف قبل أسبوعين؛ ما أدى إلى توقفه عن العمل، ليبقى لغاية الآن مركز تدريب واحد في إدلب، يستقبل الشباب الراغبين بالتطوع إلى صفوف «الخوذ البيضاء» التي تعمل بشكل أساسي في المناطق الخاضعة للمعارضة.
إلا أن اقتصار عملها على هذه المناطق لا يعني رفضها تأدية واجبها الإنساني في مناطق النظام، بحسب ما يؤكد سلمو، ويقول: «لا مانع لدينا من العمل في مناطقه لأن هدفنا إنساني بالدرجة الأولى، لكن لو أن النظام يقبل بالآخر لما كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم».
من هنا، يؤكد سلمو، أن شروط الانتساب إلى «الدفاع المدني»، الذي خسر لغاية الآن 150 شابا من متطوعيه خلال تأدية عملهم، هي بشكل أساسي ألا يكون المتطوع منتسبا إلى أي فصيل سياسي أو عسكري، وأن يكون حسن السمعة، محبا للعمل الإنساني وعمره ما بين 18 و35 سنة. وفيما يخضع متطوعو الإنقاذ لدورات تدريبية، ينتسب الكثير من الشباب إلى الدفاع المدني للعمل بما يتناسب مع اختصاصاتهم، كالإعلام وإدارة الأعمال وغيرها التي تتطلبها الأعمال الإدارية واللوجستية في المنظمة.
ويشرح زياد أبو طارق، مدير مكتب الموارد البشرية في المنظمة، الذي كان يدرس الحقوق قبل اندلاع الثورة في سوريا، عن متطوعي الخوذ البيضاء، قائلا: «نلمس حماسة لدى الكثير من الشباب للانتساب إلى المنظمة، ونتلقى الكثير من الطلبات، ونقبل كل من تنطبق عليه الشروط، ليخضع بعدها إلى دورة تدريبية تشمل الإنقاذ والإسعاف والإطفاء لمدة 12 يوما». ويضيف: «بات اليوم عدد متطوعي الدفاع المدني أكثر من 3 آلاف، بينهم 500 شاب في حلب، بعدما كانوا في البداية نحو 25 معظمهم انشقوا عن (الدفاع المدني السوري) بعدما أراد النظام تغيير هدفه بما يتناقض مع مبادئ الدفاع المدني الإنسانية».
ويلفت أبو طارق إلى أن «الدفاع المدني» في طور العمل لافتتاح مراكز جديدة لتدريب الفتيات الراغبات بالانتساب إلى المنظمة، وتحديدا في مناطق الأتارب وعندان وحي المشهد، بحيث يتم تدريب 8 فتيات للعمل في كل مركز، مشيرا إلى أن التركيز على المتطوعين الشباب يعود إلى أسباب تتعلّق بطبيعة العمل القاسية والصعبة. ويوضح «في المقابل نقوم بدورات تدريبية لفتيات ونساء في بعض القطاعات، كالتعليم والتمريض وغيرها، بحيث يستطعن من خلال عملهن تقديم المساعدة وإسعاف أو إنقاذ من هو في حاجة إليها، ولا سيما أن قصف النظام على حلب لم يعد يميز بين مركز عسكري أو مستشفى ومدرسة».
هذا العمل الإنساني يُشعر أبو طارق القابع تحت القصف بعيدا عن أهله بعدما خسر شقيقه في الثورة، بـ«الحرية»، حسب وصفه، قائلا: «أشعر بالحرية أكثر من أي وقت مضى ولا أندم على كل ما قمت به. أنا صاحب قضية وأؤمن بقضيتي حتى النهاية».
وقضية أبو طارق هي التي أوصلته مع رفاقه إلى «العالمية» وخوّلته تسلّم جائزة «نوبل البديلة» يوم أول من أمس، في وقت كان رئيس النظام السوري بشار الأسد، يتظاهر بعدم معرفته لهم. بل وسخر من عملهم في إحدى المقابلات التي أجرتها معه وكالة «أسوشييتد برس» في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، سائلا: «من هم، وماذا فعلوا لسوريا؟
لتردّ حينها «الخوذ البيضاء» على سؤاله بفيديو، شارحة ماذا قامت به المنظمة، بانتشال عشرات آلاف المدنيين من تحت الأنقاض: «الأنقاض التي تسببت بها براميلك المتفجرة» بحسب ما تقول إحدى الفتيات في الفيديو مذكرة أيضا بالشباب المتطوعين الذي قتلوا وهم يحاولون إنقاذ من استهدف بهذه البراميل والمئات الذين تشوهوا بها.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».