تونس: حكومة «الوحدة الوطنية» في خطر

تستقبل ذكرى «الثورة» في ظل أزمة اجتماعية وسياسية

تونس: حكومة «الوحدة الوطنية» في خطر
TT

تونس: حكومة «الوحدة الوطنية» في خطر

تونس: حكومة «الوحدة الوطنية» في خطر

صعّدت كل الأطراف السياسية والاجتماعية في تونس لهجتها مع بدء مناقشة البرلمان مشروع ميزانية الدولة لعام 2017. بينما لوّحت النقابات العمالية بالإضراب العام رغم تطمينات يوسف الشاهد رئيس حكومة الوحدة الوطنية التي يشارك فيها ممثلون عن 9 أحزاب و3 نقابات. وفي الأثناء تعاقبت مؤشرات على تصدّع التحالف السياسي القائم بين الحزب الحاكم «نداء تونس»، حزب الرئيس الباجي قائد السبسي، وحركة النهضة الإسلامية صاحبة المرتبة الأولى في البرلمان، التي تشارك في الحكومة بـ3 وزراء بينهم الأمين العام الجديد للحركة زياد العذاري.
ويوشك التحالف الاستراتيجي بين الحزبين الكبيرين أن ينهار بعد انطلاق جلسات الاستماع العلنية لضحايا القمع والتعذيب في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، التي يخشى رموز النظام السابق وحلفاؤهم أن يوظفها الإسلاميون سياسيا للإمعان في إضعاف بقية الأحزاب العلمانية ولتشكيك المواطنين في مصداقية المؤسستين العسكرية والأمنية.
فهل تحتفل تونس بالذكرى السادسة لثورة شبابها وهي تغرق في أزمة سياسية اجتماعية غير مسبوقة في تاريخها.. أم ينجح قادة المجتمع المدني والأطراف السياسية الرئيسية كعادتهم في إنقاذ الموقف وترجيح خيار التوافق على القطيعة والصدام؟
لم يكن شباب تونس الذي نزل إلى الشوارع في آخر عهد الرئيس زين العابدين بن علي رافعا شعارات التغيير والإصلاح يتوقع أن يتابع بعد ست سنوات كاملة على شاشات التلفزيون مشاهد عن تحركات اجتماعية سياسية بالجملة، أمام البرلمان ومؤسسات الدولة، تطالب بإسقاط النظام وإقالة عدد من الوزراء والإطاحة بـ«حكومة الوحدة الوطنية» التي شكلتها تسعة أحزاب وثلاث نقابات قبل ثلاثة أشهر فقط.

الطلاب والمحامون والصيادلة
كان من أغرب ما في تلك التحركات مشاركة آلاف المحامين والأطباء والصيادلة فيها، ومطالبتهم بإسقاط وزيرة المالية وبعض مستشاري رئيس الحكومة. وفي الوقت نفسه كان آلاف الطلاب يتظاهرون وسط تونس العاصمة، وفي عدة مدن أخرى، بدعم من نقابات الأساتذة، للمطالبة بإقالة وزير التربية ناجي جلول وتغيير النظام التربوي.
لقد انفجرت الأوضاع في عدة قطاعات ومدن «فجأة» مع تعاقب التهديدات بإضرابات نقابية واعتصامات عمالية احتجاجا على تدهور القدرة الشرائية والظروف المعيشية، وعلى سياسة «التقشف» التي تعتمدها السلطات. وفي حين تواصلت التحركات الدولية والوطنية لإنجاح «المؤتمر الدولي للاستثمار» المقرر يومي 29 و30 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، تعاقبت مؤشرات وصول العلاقة بين الحكومة والنقابات إلى ما يشبه «الأزمة الشاملة والقطيعة النهائية» على حد قياديين زعماء من اليسار التونسي مثل حمّه الهمامي، زعيم الجبهة الشعبية.
بل إن بعض الخبراء الاجتماعيين، بينهم الوزير المستشار السابق لرئيس الحكومة الحبيب الكشو، اعتبر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة قد تتطور إلى ما هو أخطر من الإضراب العام، أي إعلان القيادة النقابية القطيعة مع «العقد الاجتماعي» الذي سبق أن وقعته مطلع 2013 مع الحكومة ونقابات رجال الأعمال بهدف ضمان السلم الاجتماعي.

إضراب عام؟
وعلى الرغم من تنويه سياسيين من قيادات الحزبين الكبيرين «نداء تونس» و«النهضة» بنجاح مسار الإصلاحات التي بدأتها حكومة يوسف الشاهد، فقد تعاقبت مؤشرات التصعيد والقطيعة والصدام بين النقابات والحكومة، كما تكشف تصريحات الأمين العام لـ«الاتحاد التونسي للشغل» حسين العباسي.
والواقع أنه لم يكن أحد قبل أسابيع يتوقع أن يتابع الجمهور التونسي على الشاشات ذاتها حوارات مع رئيسي الجمهورية والحكومة حول تهديد نقابات العمال بالتصعيد الشامل، وبشن إضراب عام في البلاد، إذا لم تستجب الحكومة لمطالبها، وبينها التراجع عن تعهدات قدمتها الدولة العام الماضي إلى صندوق النقد الدولي حول تخفيف أعبائها الاجتماعية ووقف التوظيف والزيادات في الرواتب. وجاءت تلك التعهدات مقابل وعد من صندوق النقد بمنح تونس قرضا قيمته نحو 3 مليارات سيجنبها إعلان العجز المالي والإفلاس.
كذلك لم يتوقع التونسيون أن تصعّد النقابات والأطراف السياسية ضغوطها على الحكومة ورئاسة الجمهورية عشية استضافة البلاد أكبر مؤتمر دولي للاستثمار، كان من المقرر أن تستضيفه منذ 60 سنة بمشاركة آلاف الشركات الأوروبية والأميركية والعالمية والعربية والإسلامية.

المؤتمر الاستثماري
هذا، وسبق لأكثر من 60 رئيس دولة وحكومة أن أعلموا تونس بمشاركتهم في هذا الحدث السياسي الاقتصادي دعمًا لـ«الاستثناء الديمقراطي التونسي»، وكان من بين هؤلاء القادة أو رؤساء الحكومات في فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا وبلجيكا وإسبانيا والدنمارك وكندا واليابان ومصر والجزائر ودول الخليج العربي، إلى جانب عدد من وزراء الخارجية في الدول الكبرى، ومنها الولايات المتحدة وروسيا والصين. بيد أن «تعفن المناخ الاجتماعي» دفع معظم هذه الدول لخفض مستوى مشاركتها، بما في ذلك فرنسا، التي سيرأس وفدها مانويل فالس رئيس الحكومة وليس الرئيس فرنسوا هولاند.
والحال أنه تهجم عدد من الإعلاميين ونشطاء المواقع الاجتماعية على من وصفوهم بـ«الثورجيين» و«الفوضويين» الذين سيتسببون في خسران تونس فرصة ثمينة كانت ستساهم في إحداث ما يشبه «خطة مارشال» الأميركية الشهيرة لفائدة بعض دول أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

حكومة بلا «حزام سياسي»!
وهكذا يتضح من هذه المستجدات، وكذلك تصريحات ممثلي المعارضة والأحزاب المشاركة في الفريق الحكومي في الجلسات العلنية للبرلمان على هامش مناقشة ميزانية الدولة لعام 2007، أن حكومة يوسف الشاهد ليس لها «حزام سياسي»، على الرغم من المشاركة غير المسبوقة في تشكيلتها من قبل رموز سياسية وحزبية من اليسار والنقابات والإسلاميين والليبراليين والقوميين العرب.
وتكشف المناظرات والحوارات في وسائل الإعلام التونسية عن أن رئيس الحكومة، الشاهد، ووزيرة المالية، لمياء الزريبي، يكادان ينفردان بالدفاع عن مشروع قانون المالية الجديد وعن موازنة 2007 وعن الإجراءات التي أغضبت النقابات ومن بينها تجميد التوظيف والزيادات في الأجور.
في المقابل، برّر وزير التربية، ناجي جلول، القيادي في حزب الرئيس، غياب التضامن بين الفريق الحكومي بكون «كل وزير مسؤولا عن القطاع الذي يشرف عليه»! وبذا يتضح صحة كلام البرلماني والقيادي القومي زهير المغزاوي حول «الصبغة الهشة والظرفية» بين كبار صناع القرار في البلاد.
هذا الواقع قد يفيد الأطراف السياسية والنقابية والإعلامية التي أعلنت منذ الصيف الماضي عن معارضتها إقالة حكومة الحبيب الصيد وعن ضعف اقتناعها بـ«حكومة التكنوقراط» الحالية. وتطالب هذه الأطراف بقوة بتغيير الحكومة الحالية مطلع العام الجديد، وتعتبر البلاد في حاجة إلى «حكومة إنقاذ وطني» قادرة على التعامل بشجاعة ووضوح مع التحديات الاقتصادية والأمنية، ومع النقابات، ومع استفحال الرشوة والفساد والتهريب والجريمة المنظمة والمخدرات.

تعثّر برامج الإصلاح
في الأثناء يطالب بعض زعماء المعارضة، بينهم الوزير السابق، محمد عبو، وزعيم التيار الديمقراطي، غازي الشواشي، باستقالة حكومة الشاهد، التي اتهموها بالفشل «بسبب اعتمادها تحالفات هشة بين أطراف سياسية ونقابية متناقضة المرجعيات والتوجهات والسياسات: من الشيوعيين واليساريين إلى القوميين والإسلاميين وصولا إلى الليبراليين».
كما تهجم بعض النواب من المعارضة بعنف شديد على رئاسة الحكومة وطالبوها بالاستقالة. واتهمت البرلمانية سامية عبو، رئيس الحكومة وفريقه بالتنكّر لـ«مطالب شباب الثورة والطبقتين الشعبية والوسطى»، بما في ذلك إعلانها توقيف التوظيف وإلغاء الزيادات في الأجور لمدة سنتين.
وفي السياق نفسه، وجه معظم نواب المعارضة والأحزاب المشاركة في الحكومة انتقادات حادة لأداء الحكومة وحملوها مسؤولية «تعثر» برامج الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وتراكم عجز ميزانية الدولة واستفحال نسب التضخم والبطالة والفقر والإخفاق المدرسي والعنف والجريمة المنظمة وتعاطي المخدرات.. إلخ.
لكن، لعل من أكثر ما أثار استغراب المراقبين وكتّاب الافتتاحيات والمعلقين في وسائل الإعلام التونسية أن بين منتقدي الحكومة والمطالبين بمحاسبتها أو إقالتها، مع أنها ما زالت في الشهر الثالث من عمرها، سياسيين وبرلمانيين من الحزبين الحاكمين الكبيرين: «النداء» الذي يتزعمه الرئيس الباجي قائد السبسي ونجله حافظ و«النهضة» بزعامة راشد الغنوشي. وبذا وجدت الحكومة نفسها تتلقى هجمات من خارجها ومن داخل الحزبين الحاصلين على أكثر من 10 حقائب داخلها. وبالتالي، تبدو عرضة في آن معًا لضغوط الخصوم والمعارضين و«قصف كلامي وسياسي» من «نيران صديقة».
هذه التعقيدات دفعت مسؤولين في الحزب الحاكم، بينهم الوزير السابق، الأزهر العكرمي، لوقف زواج المصلحة الآني بين الحزبين الكبيرين و«الشيخين» قائد السبسي والغنوشي، ووصف التحالف بينهما في حكومة واحدة بـ«المؤقت» و«الهش» و«الفاشل». وهنا يذكر أن المحامي عبد العزيز المزوغي وقياديين آخرين من الحزب حمّلوا الرئيس التونسي ونجله حافظ، مسؤولية إضعاف الحكومة والحزب الحاكم تحالفهما مع «النهضة»، على الرغم من كون حصة هذا الحزب كانت حقيبة واحدة في حكومة الحبيب الصيد وثلاث حقائب فقط في الحكومة الحالية بينها الصناعة والتجارة والتشغيل وتكنولوجيا الاتصال.

استهداف النظام السياسي
هناك قياديون بارزون في الحزبين الكبيرين، بينهم نائب رئيس «النهضة» نور الدين البحيري ورئيس البرلمان الرئيس السابق لحزب «النداء» محمد الناصر، يتمسكون بخيار «التوافق» و«التعايش بين الحزبين الكبيرين» لضمان تمرير مشاريع القوانين في البرلمان والقرارات الحكومية بنسبة لا تقل عن 50 في المائة.
وبالفعل، أدلى الرئيس التونسي وزعيم «النهضة» بتصريحين واضحين بعد لقاء ثنائي بينهما في قصر قرطاج، بضواحي العاصمة، أعلنا فيه أن «مشروع الإصلاح وصل إلى وسط الطريق»، وأن «تونس تحتاج إلى كل أبنائها وأن التوافق كان ولا يزال خيارا وطنيًا» احترامًا للناخبين وللمصالح العليا للبلاد.
ومن ثم، لا يستبعد مراقبون أن يكون الهدف من «افتعال الأزمات السياسية والاجتماعية» في تونس الآن محاولة إسقاط النظام السياسي الذي أفرزته انتخابات 2014 الرئاسية والبرلمانية. وفي هذا السياق يفسرون الحملات الإعلامية والسياسية بأنها تستهدف عمليًا «مهندسيه» الأساسيين قائد السبسي والغنوشي، اللذين جنبا تونس خطر الانقلاب والمواجهات العنيفة خلال توافق سياسي شامل توصلا إليه في أغسطس (آب) 2013 في العاصمة الفرنسية باريس.
ولقد رد قائد السبسي مجددا هذا الأسبوع على الانتقادات الموجهة إليه من قبل حلفائه من رموز النظام السابق وبعض اليسار. وأورد الرئيس في كلمة إلى الشعب أن الأمر لا يتعلق بـ«تحالف بين شيخين» بل باحترام نتائج انتخابات 2014 التي أفرزت «انقساما» في المجتمع التونسي وأوساط الناخبين التونسيين. وكانت حصيلة تلك الانتخابات فوز «النداء» بالمرتبة الأولى بنحو 40 في المائة من مقاعد البرلمان مقابل نحو ثلث الأصوات والمقاعد لحزب «النهضة».
وبما أن النظام المعتمد في الدستور التونسي برلماني، استوجبت البراغماتية تسيير مؤسسات الدولة والبرلمان مشاركة شخصيات من الحزبين ومن أحزاب أصغر حجما في الفريق الحكومي. وبالتالي، برّر قائد السبسي خيار «مشاركة الجميع» في تسيير شؤون البلاد بقناعاته الديمقراطية التعددية من جهة، «وبحاجة البلاد إلى كل قواها الحية وطاقاتها للبرهنة للشعب التونسي وللعالم على نجاح التونسيين مجددا في معالجة أوضاعهم الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة بفضل «التوافق والمشاركة».

منهج غاندي
في الأثناء تتابع رئاسة الحكومة وقيادات عدة أحزاب - بينها «النداء» و«النهضة» و«آفاق تونس» و«مشروع تونس» - تحركاتها دوليًا ومحليًا لتوفير موارد مالية عاجلة للدولة التونسية حتى تغطي عجز الميزانية لعام 2017 الذي ستتسبب فيه عوامل كثيرة، من بينها حلول موعد تسديد نحو 4 مليارات دولار أميركي من الديون وخدمات الدين. وأسفرت تلك الجهود عن تأجيل موعد تسديد مليار دولار من الديون القطرية، وعن تحويل جانب من ديون ألمانيا وفرنسا على تونس إلى استثمارات تنموية تساهم في معالجة ملفات البطالة والهجرة غير القانونية.
كذلك وجهت رسائل إيجابية إلى تونس أخيرًا من عواصم أوروبية وعربية وإسلامية، بينها باريس وروما وأنقرة والجزائر والدوحة وأبوظبي بمناسبة استقبال رئيس الحكومة يوسف الشاهد أو وزير الخارجية، خميس الجهيناوي، أوقياديين من أحزاب «النداء» و«النهضة» و«مشروع تونس». وأيضًا، تتواصل دوليا ظاهرة إسناد جوائز رمزية للسياسيين التونسيين الذين نجّحوا خيار «التوافق» وأنقذوا تونس من «حمامات الدم» التي سجلت في بقية بلدان «الثورات العربية».
وفي هذا السياق، يتابع الغنوشي، زعيم «النهضة»، ورفاقه الترويج لـ«منهج اللاّعنف في التغيير» على طريقة الزعيم الهندي المهاتما غاندي، وهو ما شجع المؤسسة الهندية حقًا على منحه الجائزة السنوية لهذا العام لـ«مساهمته في نشر قيم غاندي خارج الهند».

السيناريو الليبي
على صعيد متصل، دافع الدكتور رفيق عبد السلام، وزير الخارجية التونسي الأسبق ورئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية التونسي، عن خيار «التوافق» وتجنب «سيناريو القطيعة والصدام سياسيا واجتماعيًا». وأورد عبد السلام أن «تونس ليس لها عدة خيارات، بل إن التوافق هو الخيار الأسلم لأن الاختلاف والإقصاء لا يؤديان بنا إلا إلى حرب أهلية، على غرار ما يجري في ليبيا منذ إصدار قانون (العزل السياسي) الذي أقحم البلاد في انقسامات وحروب أهلية قاسية».
وعطفًا على ما تقدم، يعتبر المراقبون في تونس أن فرض مزيد من الضغط على «حكومة الوحدة الوطنية»، بهدف إسقاطها أو إجبارها على تقديم تنازلات مالية جديدة للنقابات، قد يتسبب في إفلاسها وإعلان عجزها عن دفع رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين. وإذا تأكد هذا السيناريو فستنضم تونس كما قال رفيق عبد السلام إلى «قائمة الدول الفاشلة» «بمعنى أن تخليها عن خيار «التوافق» سيدفعها دفعًا نحو «السيناريو الليبي».
لكل هذه الأسباب صعّد الرئيس التونسي مع معارضيه في آخر ظهور تلفزيوني له قبل أيام. وأورد قائد السبسي أنه أدرى من منتقديه بمصلحة البلاد العليا. وحذر من مخاطر استغلال الخلافات مع النقابات، والأزمة الداخلية في حزبه، والانتقادات العنيفة التي وجهها ضحايا القمع في العقود الماضية، من أجل الإساءة إلى البلاد أو الإطاحة برئيس الحكومة، الشاهد، الذي أعلن «اعتزازه» به.



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.