تونس: حكومة «الوحدة الوطنية» في خطر

تستقبل ذكرى «الثورة» في ظل أزمة اجتماعية وسياسية

تونس: حكومة «الوحدة الوطنية» في خطر
TT

تونس: حكومة «الوحدة الوطنية» في خطر

تونس: حكومة «الوحدة الوطنية» في خطر

صعّدت كل الأطراف السياسية والاجتماعية في تونس لهجتها مع بدء مناقشة البرلمان مشروع ميزانية الدولة لعام 2017. بينما لوّحت النقابات العمالية بالإضراب العام رغم تطمينات يوسف الشاهد رئيس حكومة الوحدة الوطنية التي يشارك فيها ممثلون عن 9 أحزاب و3 نقابات. وفي الأثناء تعاقبت مؤشرات على تصدّع التحالف السياسي القائم بين الحزب الحاكم «نداء تونس»، حزب الرئيس الباجي قائد السبسي، وحركة النهضة الإسلامية صاحبة المرتبة الأولى في البرلمان، التي تشارك في الحكومة بـ3 وزراء بينهم الأمين العام الجديد للحركة زياد العذاري.
ويوشك التحالف الاستراتيجي بين الحزبين الكبيرين أن ينهار بعد انطلاق جلسات الاستماع العلنية لضحايا القمع والتعذيب في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، التي يخشى رموز النظام السابق وحلفاؤهم أن يوظفها الإسلاميون سياسيا للإمعان في إضعاف بقية الأحزاب العلمانية ولتشكيك المواطنين في مصداقية المؤسستين العسكرية والأمنية.
فهل تحتفل تونس بالذكرى السادسة لثورة شبابها وهي تغرق في أزمة سياسية اجتماعية غير مسبوقة في تاريخها.. أم ينجح قادة المجتمع المدني والأطراف السياسية الرئيسية كعادتهم في إنقاذ الموقف وترجيح خيار التوافق على القطيعة والصدام؟
لم يكن شباب تونس الذي نزل إلى الشوارع في آخر عهد الرئيس زين العابدين بن علي رافعا شعارات التغيير والإصلاح يتوقع أن يتابع بعد ست سنوات كاملة على شاشات التلفزيون مشاهد عن تحركات اجتماعية سياسية بالجملة، أمام البرلمان ومؤسسات الدولة، تطالب بإسقاط النظام وإقالة عدد من الوزراء والإطاحة بـ«حكومة الوحدة الوطنية» التي شكلتها تسعة أحزاب وثلاث نقابات قبل ثلاثة أشهر فقط.

الطلاب والمحامون والصيادلة
كان من أغرب ما في تلك التحركات مشاركة آلاف المحامين والأطباء والصيادلة فيها، ومطالبتهم بإسقاط وزيرة المالية وبعض مستشاري رئيس الحكومة. وفي الوقت نفسه كان آلاف الطلاب يتظاهرون وسط تونس العاصمة، وفي عدة مدن أخرى، بدعم من نقابات الأساتذة، للمطالبة بإقالة وزير التربية ناجي جلول وتغيير النظام التربوي.
لقد انفجرت الأوضاع في عدة قطاعات ومدن «فجأة» مع تعاقب التهديدات بإضرابات نقابية واعتصامات عمالية احتجاجا على تدهور القدرة الشرائية والظروف المعيشية، وعلى سياسة «التقشف» التي تعتمدها السلطات. وفي حين تواصلت التحركات الدولية والوطنية لإنجاح «المؤتمر الدولي للاستثمار» المقرر يومي 29 و30 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، تعاقبت مؤشرات وصول العلاقة بين الحكومة والنقابات إلى ما يشبه «الأزمة الشاملة والقطيعة النهائية» على حد قياديين زعماء من اليسار التونسي مثل حمّه الهمامي، زعيم الجبهة الشعبية.
بل إن بعض الخبراء الاجتماعيين، بينهم الوزير المستشار السابق لرئيس الحكومة الحبيب الكشو، اعتبر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة قد تتطور إلى ما هو أخطر من الإضراب العام، أي إعلان القيادة النقابية القطيعة مع «العقد الاجتماعي» الذي سبق أن وقعته مطلع 2013 مع الحكومة ونقابات رجال الأعمال بهدف ضمان السلم الاجتماعي.

إضراب عام؟
وعلى الرغم من تنويه سياسيين من قيادات الحزبين الكبيرين «نداء تونس» و«النهضة» بنجاح مسار الإصلاحات التي بدأتها حكومة يوسف الشاهد، فقد تعاقبت مؤشرات التصعيد والقطيعة والصدام بين النقابات والحكومة، كما تكشف تصريحات الأمين العام لـ«الاتحاد التونسي للشغل» حسين العباسي.
والواقع أنه لم يكن أحد قبل أسابيع يتوقع أن يتابع الجمهور التونسي على الشاشات ذاتها حوارات مع رئيسي الجمهورية والحكومة حول تهديد نقابات العمال بالتصعيد الشامل، وبشن إضراب عام في البلاد، إذا لم تستجب الحكومة لمطالبها، وبينها التراجع عن تعهدات قدمتها الدولة العام الماضي إلى صندوق النقد الدولي حول تخفيف أعبائها الاجتماعية ووقف التوظيف والزيادات في الرواتب. وجاءت تلك التعهدات مقابل وعد من صندوق النقد بمنح تونس قرضا قيمته نحو 3 مليارات سيجنبها إعلان العجز المالي والإفلاس.
كذلك لم يتوقع التونسيون أن تصعّد النقابات والأطراف السياسية ضغوطها على الحكومة ورئاسة الجمهورية عشية استضافة البلاد أكبر مؤتمر دولي للاستثمار، كان من المقرر أن تستضيفه منذ 60 سنة بمشاركة آلاف الشركات الأوروبية والأميركية والعالمية والعربية والإسلامية.

المؤتمر الاستثماري
هذا، وسبق لأكثر من 60 رئيس دولة وحكومة أن أعلموا تونس بمشاركتهم في هذا الحدث السياسي الاقتصادي دعمًا لـ«الاستثناء الديمقراطي التونسي»، وكان من بين هؤلاء القادة أو رؤساء الحكومات في فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا وبلجيكا وإسبانيا والدنمارك وكندا واليابان ومصر والجزائر ودول الخليج العربي، إلى جانب عدد من وزراء الخارجية في الدول الكبرى، ومنها الولايات المتحدة وروسيا والصين. بيد أن «تعفن المناخ الاجتماعي» دفع معظم هذه الدول لخفض مستوى مشاركتها، بما في ذلك فرنسا، التي سيرأس وفدها مانويل فالس رئيس الحكومة وليس الرئيس فرنسوا هولاند.
والحال أنه تهجم عدد من الإعلاميين ونشطاء المواقع الاجتماعية على من وصفوهم بـ«الثورجيين» و«الفوضويين» الذين سيتسببون في خسران تونس فرصة ثمينة كانت ستساهم في إحداث ما يشبه «خطة مارشال» الأميركية الشهيرة لفائدة بعض دول أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

حكومة بلا «حزام سياسي»!
وهكذا يتضح من هذه المستجدات، وكذلك تصريحات ممثلي المعارضة والأحزاب المشاركة في الفريق الحكومي في الجلسات العلنية للبرلمان على هامش مناقشة ميزانية الدولة لعام 2007، أن حكومة يوسف الشاهد ليس لها «حزام سياسي»، على الرغم من المشاركة غير المسبوقة في تشكيلتها من قبل رموز سياسية وحزبية من اليسار والنقابات والإسلاميين والليبراليين والقوميين العرب.
وتكشف المناظرات والحوارات في وسائل الإعلام التونسية عن أن رئيس الحكومة، الشاهد، ووزيرة المالية، لمياء الزريبي، يكادان ينفردان بالدفاع عن مشروع قانون المالية الجديد وعن موازنة 2007 وعن الإجراءات التي أغضبت النقابات ومن بينها تجميد التوظيف والزيادات في الأجور.
في المقابل، برّر وزير التربية، ناجي جلول، القيادي في حزب الرئيس، غياب التضامن بين الفريق الحكومي بكون «كل وزير مسؤولا عن القطاع الذي يشرف عليه»! وبذا يتضح صحة كلام البرلماني والقيادي القومي زهير المغزاوي حول «الصبغة الهشة والظرفية» بين كبار صناع القرار في البلاد.
هذا الواقع قد يفيد الأطراف السياسية والنقابية والإعلامية التي أعلنت منذ الصيف الماضي عن معارضتها إقالة حكومة الحبيب الصيد وعن ضعف اقتناعها بـ«حكومة التكنوقراط» الحالية. وتطالب هذه الأطراف بقوة بتغيير الحكومة الحالية مطلع العام الجديد، وتعتبر البلاد في حاجة إلى «حكومة إنقاذ وطني» قادرة على التعامل بشجاعة ووضوح مع التحديات الاقتصادية والأمنية، ومع النقابات، ومع استفحال الرشوة والفساد والتهريب والجريمة المنظمة والمخدرات.

تعثّر برامج الإصلاح
في الأثناء يطالب بعض زعماء المعارضة، بينهم الوزير السابق، محمد عبو، وزعيم التيار الديمقراطي، غازي الشواشي، باستقالة حكومة الشاهد، التي اتهموها بالفشل «بسبب اعتمادها تحالفات هشة بين أطراف سياسية ونقابية متناقضة المرجعيات والتوجهات والسياسات: من الشيوعيين واليساريين إلى القوميين والإسلاميين وصولا إلى الليبراليين».
كما تهجم بعض النواب من المعارضة بعنف شديد على رئاسة الحكومة وطالبوها بالاستقالة. واتهمت البرلمانية سامية عبو، رئيس الحكومة وفريقه بالتنكّر لـ«مطالب شباب الثورة والطبقتين الشعبية والوسطى»، بما في ذلك إعلانها توقيف التوظيف وإلغاء الزيادات في الأجور لمدة سنتين.
وفي السياق نفسه، وجه معظم نواب المعارضة والأحزاب المشاركة في الحكومة انتقادات حادة لأداء الحكومة وحملوها مسؤولية «تعثر» برامج الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وتراكم عجز ميزانية الدولة واستفحال نسب التضخم والبطالة والفقر والإخفاق المدرسي والعنف والجريمة المنظمة وتعاطي المخدرات.. إلخ.
لكن، لعل من أكثر ما أثار استغراب المراقبين وكتّاب الافتتاحيات والمعلقين في وسائل الإعلام التونسية أن بين منتقدي الحكومة والمطالبين بمحاسبتها أو إقالتها، مع أنها ما زالت في الشهر الثالث من عمرها، سياسيين وبرلمانيين من الحزبين الحاكمين الكبيرين: «النداء» الذي يتزعمه الرئيس الباجي قائد السبسي ونجله حافظ و«النهضة» بزعامة راشد الغنوشي. وبذا وجدت الحكومة نفسها تتلقى هجمات من خارجها ومن داخل الحزبين الحاصلين على أكثر من 10 حقائب داخلها. وبالتالي، تبدو عرضة في آن معًا لضغوط الخصوم والمعارضين و«قصف كلامي وسياسي» من «نيران صديقة».
هذه التعقيدات دفعت مسؤولين في الحزب الحاكم، بينهم الوزير السابق، الأزهر العكرمي، لوقف زواج المصلحة الآني بين الحزبين الكبيرين و«الشيخين» قائد السبسي والغنوشي، ووصف التحالف بينهما في حكومة واحدة بـ«المؤقت» و«الهش» و«الفاشل». وهنا يذكر أن المحامي عبد العزيز المزوغي وقياديين آخرين من الحزب حمّلوا الرئيس التونسي ونجله حافظ، مسؤولية إضعاف الحكومة والحزب الحاكم تحالفهما مع «النهضة»، على الرغم من كون حصة هذا الحزب كانت حقيبة واحدة في حكومة الحبيب الصيد وثلاث حقائب فقط في الحكومة الحالية بينها الصناعة والتجارة والتشغيل وتكنولوجيا الاتصال.

استهداف النظام السياسي
هناك قياديون بارزون في الحزبين الكبيرين، بينهم نائب رئيس «النهضة» نور الدين البحيري ورئيس البرلمان الرئيس السابق لحزب «النداء» محمد الناصر، يتمسكون بخيار «التوافق» و«التعايش بين الحزبين الكبيرين» لضمان تمرير مشاريع القوانين في البرلمان والقرارات الحكومية بنسبة لا تقل عن 50 في المائة.
وبالفعل، أدلى الرئيس التونسي وزعيم «النهضة» بتصريحين واضحين بعد لقاء ثنائي بينهما في قصر قرطاج، بضواحي العاصمة، أعلنا فيه أن «مشروع الإصلاح وصل إلى وسط الطريق»، وأن «تونس تحتاج إلى كل أبنائها وأن التوافق كان ولا يزال خيارا وطنيًا» احترامًا للناخبين وللمصالح العليا للبلاد.
ومن ثم، لا يستبعد مراقبون أن يكون الهدف من «افتعال الأزمات السياسية والاجتماعية» في تونس الآن محاولة إسقاط النظام السياسي الذي أفرزته انتخابات 2014 الرئاسية والبرلمانية. وفي هذا السياق يفسرون الحملات الإعلامية والسياسية بأنها تستهدف عمليًا «مهندسيه» الأساسيين قائد السبسي والغنوشي، اللذين جنبا تونس خطر الانقلاب والمواجهات العنيفة خلال توافق سياسي شامل توصلا إليه في أغسطس (آب) 2013 في العاصمة الفرنسية باريس.
ولقد رد قائد السبسي مجددا هذا الأسبوع على الانتقادات الموجهة إليه من قبل حلفائه من رموز النظام السابق وبعض اليسار. وأورد الرئيس في كلمة إلى الشعب أن الأمر لا يتعلق بـ«تحالف بين شيخين» بل باحترام نتائج انتخابات 2014 التي أفرزت «انقساما» في المجتمع التونسي وأوساط الناخبين التونسيين. وكانت حصيلة تلك الانتخابات فوز «النداء» بالمرتبة الأولى بنحو 40 في المائة من مقاعد البرلمان مقابل نحو ثلث الأصوات والمقاعد لحزب «النهضة».
وبما أن النظام المعتمد في الدستور التونسي برلماني، استوجبت البراغماتية تسيير مؤسسات الدولة والبرلمان مشاركة شخصيات من الحزبين ومن أحزاب أصغر حجما في الفريق الحكومي. وبالتالي، برّر قائد السبسي خيار «مشاركة الجميع» في تسيير شؤون البلاد بقناعاته الديمقراطية التعددية من جهة، «وبحاجة البلاد إلى كل قواها الحية وطاقاتها للبرهنة للشعب التونسي وللعالم على نجاح التونسيين مجددا في معالجة أوضاعهم الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة بفضل «التوافق والمشاركة».

منهج غاندي
في الأثناء تتابع رئاسة الحكومة وقيادات عدة أحزاب - بينها «النداء» و«النهضة» و«آفاق تونس» و«مشروع تونس» - تحركاتها دوليًا ومحليًا لتوفير موارد مالية عاجلة للدولة التونسية حتى تغطي عجز الميزانية لعام 2017 الذي ستتسبب فيه عوامل كثيرة، من بينها حلول موعد تسديد نحو 4 مليارات دولار أميركي من الديون وخدمات الدين. وأسفرت تلك الجهود عن تأجيل موعد تسديد مليار دولار من الديون القطرية، وعن تحويل جانب من ديون ألمانيا وفرنسا على تونس إلى استثمارات تنموية تساهم في معالجة ملفات البطالة والهجرة غير القانونية.
كذلك وجهت رسائل إيجابية إلى تونس أخيرًا من عواصم أوروبية وعربية وإسلامية، بينها باريس وروما وأنقرة والجزائر والدوحة وأبوظبي بمناسبة استقبال رئيس الحكومة يوسف الشاهد أو وزير الخارجية، خميس الجهيناوي، أوقياديين من أحزاب «النداء» و«النهضة» و«مشروع تونس». وأيضًا، تتواصل دوليا ظاهرة إسناد جوائز رمزية للسياسيين التونسيين الذين نجّحوا خيار «التوافق» وأنقذوا تونس من «حمامات الدم» التي سجلت في بقية بلدان «الثورات العربية».
وفي هذا السياق، يتابع الغنوشي، زعيم «النهضة»، ورفاقه الترويج لـ«منهج اللاّعنف في التغيير» على طريقة الزعيم الهندي المهاتما غاندي، وهو ما شجع المؤسسة الهندية حقًا على منحه الجائزة السنوية لهذا العام لـ«مساهمته في نشر قيم غاندي خارج الهند».

السيناريو الليبي
على صعيد متصل، دافع الدكتور رفيق عبد السلام، وزير الخارجية التونسي الأسبق ورئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية التونسي، عن خيار «التوافق» وتجنب «سيناريو القطيعة والصدام سياسيا واجتماعيًا». وأورد عبد السلام أن «تونس ليس لها عدة خيارات، بل إن التوافق هو الخيار الأسلم لأن الاختلاف والإقصاء لا يؤديان بنا إلا إلى حرب أهلية، على غرار ما يجري في ليبيا منذ إصدار قانون (العزل السياسي) الذي أقحم البلاد في انقسامات وحروب أهلية قاسية».
وعطفًا على ما تقدم، يعتبر المراقبون في تونس أن فرض مزيد من الضغط على «حكومة الوحدة الوطنية»، بهدف إسقاطها أو إجبارها على تقديم تنازلات مالية جديدة للنقابات، قد يتسبب في إفلاسها وإعلان عجزها عن دفع رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين. وإذا تأكد هذا السيناريو فستنضم تونس كما قال رفيق عبد السلام إلى «قائمة الدول الفاشلة» «بمعنى أن تخليها عن خيار «التوافق» سيدفعها دفعًا نحو «السيناريو الليبي».
لكل هذه الأسباب صعّد الرئيس التونسي مع معارضيه في آخر ظهور تلفزيوني له قبل أيام. وأورد قائد السبسي أنه أدرى من منتقديه بمصلحة البلاد العليا. وحذر من مخاطر استغلال الخلافات مع النقابات، والأزمة الداخلية في حزبه، والانتقادات العنيفة التي وجهها ضحايا القمع في العقود الماضية، من أجل الإساءة إلى البلاد أو الإطاحة برئيس الحكومة، الشاهد، الذي أعلن «اعتزازه» به.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.