تونس: حكومة «الوحدة الوطنية» في خطر

تستقبل ذكرى «الثورة» في ظل أزمة اجتماعية وسياسية

تونس: حكومة «الوحدة الوطنية» في خطر
TT

تونس: حكومة «الوحدة الوطنية» في خطر

تونس: حكومة «الوحدة الوطنية» في خطر

صعّدت كل الأطراف السياسية والاجتماعية في تونس لهجتها مع بدء مناقشة البرلمان مشروع ميزانية الدولة لعام 2017. بينما لوّحت النقابات العمالية بالإضراب العام رغم تطمينات يوسف الشاهد رئيس حكومة الوحدة الوطنية التي يشارك فيها ممثلون عن 9 أحزاب و3 نقابات. وفي الأثناء تعاقبت مؤشرات على تصدّع التحالف السياسي القائم بين الحزب الحاكم «نداء تونس»، حزب الرئيس الباجي قائد السبسي، وحركة النهضة الإسلامية صاحبة المرتبة الأولى في البرلمان، التي تشارك في الحكومة بـ3 وزراء بينهم الأمين العام الجديد للحركة زياد العذاري.
ويوشك التحالف الاستراتيجي بين الحزبين الكبيرين أن ينهار بعد انطلاق جلسات الاستماع العلنية لضحايا القمع والتعذيب في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، التي يخشى رموز النظام السابق وحلفاؤهم أن يوظفها الإسلاميون سياسيا للإمعان في إضعاف بقية الأحزاب العلمانية ولتشكيك المواطنين في مصداقية المؤسستين العسكرية والأمنية.
فهل تحتفل تونس بالذكرى السادسة لثورة شبابها وهي تغرق في أزمة سياسية اجتماعية غير مسبوقة في تاريخها.. أم ينجح قادة المجتمع المدني والأطراف السياسية الرئيسية كعادتهم في إنقاذ الموقف وترجيح خيار التوافق على القطيعة والصدام؟
لم يكن شباب تونس الذي نزل إلى الشوارع في آخر عهد الرئيس زين العابدين بن علي رافعا شعارات التغيير والإصلاح يتوقع أن يتابع بعد ست سنوات كاملة على شاشات التلفزيون مشاهد عن تحركات اجتماعية سياسية بالجملة، أمام البرلمان ومؤسسات الدولة، تطالب بإسقاط النظام وإقالة عدد من الوزراء والإطاحة بـ«حكومة الوحدة الوطنية» التي شكلتها تسعة أحزاب وثلاث نقابات قبل ثلاثة أشهر فقط.

الطلاب والمحامون والصيادلة
كان من أغرب ما في تلك التحركات مشاركة آلاف المحامين والأطباء والصيادلة فيها، ومطالبتهم بإسقاط وزيرة المالية وبعض مستشاري رئيس الحكومة. وفي الوقت نفسه كان آلاف الطلاب يتظاهرون وسط تونس العاصمة، وفي عدة مدن أخرى، بدعم من نقابات الأساتذة، للمطالبة بإقالة وزير التربية ناجي جلول وتغيير النظام التربوي.
لقد انفجرت الأوضاع في عدة قطاعات ومدن «فجأة» مع تعاقب التهديدات بإضرابات نقابية واعتصامات عمالية احتجاجا على تدهور القدرة الشرائية والظروف المعيشية، وعلى سياسة «التقشف» التي تعتمدها السلطات. وفي حين تواصلت التحركات الدولية والوطنية لإنجاح «المؤتمر الدولي للاستثمار» المقرر يومي 29 و30 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، تعاقبت مؤشرات وصول العلاقة بين الحكومة والنقابات إلى ما يشبه «الأزمة الشاملة والقطيعة النهائية» على حد قياديين زعماء من اليسار التونسي مثل حمّه الهمامي، زعيم الجبهة الشعبية.
بل إن بعض الخبراء الاجتماعيين، بينهم الوزير المستشار السابق لرئيس الحكومة الحبيب الكشو، اعتبر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة قد تتطور إلى ما هو أخطر من الإضراب العام، أي إعلان القيادة النقابية القطيعة مع «العقد الاجتماعي» الذي سبق أن وقعته مطلع 2013 مع الحكومة ونقابات رجال الأعمال بهدف ضمان السلم الاجتماعي.

إضراب عام؟
وعلى الرغم من تنويه سياسيين من قيادات الحزبين الكبيرين «نداء تونس» و«النهضة» بنجاح مسار الإصلاحات التي بدأتها حكومة يوسف الشاهد، فقد تعاقبت مؤشرات التصعيد والقطيعة والصدام بين النقابات والحكومة، كما تكشف تصريحات الأمين العام لـ«الاتحاد التونسي للشغل» حسين العباسي.
والواقع أنه لم يكن أحد قبل أسابيع يتوقع أن يتابع الجمهور التونسي على الشاشات ذاتها حوارات مع رئيسي الجمهورية والحكومة حول تهديد نقابات العمال بالتصعيد الشامل، وبشن إضراب عام في البلاد، إذا لم تستجب الحكومة لمطالبها، وبينها التراجع عن تعهدات قدمتها الدولة العام الماضي إلى صندوق النقد الدولي حول تخفيف أعبائها الاجتماعية ووقف التوظيف والزيادات في الرواتب. وجاءت تلك التعهدات مقابل وعد من صندوق النقد بمنح تونس قرضا قيمته نحو 3 مليارات سيجنبها إعلان العجز المالي والإفلاس.
كذلك لم يتوقع التونسيون أن تصعّد النقابات والأطراف السياسية ضغوطها على الحكومة ورئاسة الجمهورية عشية استضافة البلاد أكبر مؤتمر دولي للاستثمار، كان من المقرر أن تستضيفه منذ 60 سنة بمشاركة آلاف الشركات الأوروبية والأميركية والعالمية والعربية والإسلامية.

المؤتمر الاستثماري
هذا، وسبق لأكثر من 60 رئيس دولة وحكومة أن أعلموا تونس بمشاركتهم في هذا الحدث السياسي الاقتصادي دعمًا لـ«الاستثناء الديمقراطي التونسي»، وكان من بين هؤلاء القادة أو رؤساء الحكومات في فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا وبلجيكا وإسبانيا والدنمارك وكندا واليابان ومصر والجزائر ودول الخليج العربي، إلى جانب عدد من وزراء الخارجية في الدول الكبرى، ومنها الولايات المتحدة وروسيا والصين. بيد أن «تعفن المناخ الاجتماعي» دفع معظم هذه الدول لخفض مستوى مشاركتها، بما في ذلك فرنسا، التي سيرأس وفدها مانويل فالس رئيس الحكومة وليس الرئيس فرنسوا هولاند.
والحال أنه تهجم عدد من الإعلاميين ونشطاء المواقع الاجتماعية على من وصفوهم بـ«الثورجيين» و«الفوضويين» الذين سيتسببون في خسران تونس فرصة ثمينة كانت ستساهم في إحداث ما يشبه «خطة مارشال» الأميركية الشهيرة لفائدة بعض دول أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

حكومة بلا «حزام سياسي»!
وهكذا يتضح من هذه المستجدات، وكذلك تصريحات ممثلي المعارضة والأحزاب المشاركة في الفريق الحكومي في الجلسات العلنية للبرلمان على هامش مناقشة ميزانية الدولة لعام 2007، أن حكومة يوسف الشاهد ليس لها «حزام سياسي»، على الرغم من المشاركة غير المسبوقة في تشكيلتها من قبل رموز سياسية وحزبية من اليسار والنقابات والإسلاميين والليبراليين والقوميين العرب.
وتكشف المناظرات والحوارات في وسائل الإعلام التونسية عن أن رئيس الحكومة، الشاهد، ووزيرة المالية، لمياء الزريبي، يكادان ينفردان بالدفاع عن مشروع قانون المالية الجديد وعن موازنة 2007 وعن الإجراءات التي أغضبت النقابات ومن بينها تجميد التوظيف والزيادات في الأجور.
في المقابل، برّر وزير التربية، ناجي جلول، القيادي في حزب الرئيس، غياب التضامن بين الفريق الحكومي بكون «كل وزير مسؤولا عن القطاع الذي يشرف عليه»! وبذا يتضح صحة كلام البرلماني والقيادي القومي زهير المغزاوي حول «الصبغة الهشة والظرفية» بين كبار صناع القرار في البلاد.
هذا الواقع قد يفيد الأطراف السياسية والنقابية والإعلامية التي أعلنت منذ الصيف الماضي عن معارضتها إقالة حكومة الحبيب الصيد وعن ضعف اقتناعها بـ«حكومة التكنوقراط» الحالية. وتطالب هذه الأطراف بقوة بتغيير الحكومة الحالية مطلع العام الجديد، وتعتبر البلاد في حاجة إلى «حكومة إنقاذ وطني» قادرة على التعامل بشجاعة ووضوح مع التحديات الاقتصادية والأمنية، ومع النقابات، ومع استفحال الرشوة والفساد والتهريب والجريمة المنظمة والمخدرات.

تعثّر برامج الإصلاح
في الأثناء يطالب بعض زعماء المعارضة، بينهم الوزير السابق، محمد عبو، وزعيم التيار الديمقراطي، غازي الشواشي، باستقالة حكومة الشاهد، التي اتهموها بالفشل «بسبب اعتمادها تحالفات هشة بين أطراف سياسية ونقابية متناقضة المرجعيات والتوجهات والسياسات: من الشيوعيين واليساريين إلى القوميين والإسلاميين وصولا إلى الليبراليين».
كما تهجم بعض النواب من المعارضة بعنف شديد على رئاسة الحكومة وطالبوها بالاستقالة. واتهمت البرلمانية سامية عبو، رئيس الحكومة وفريقه بالتنكّر لـ«مطالب شباب الثورة والطبقتين الشعبية والوسطى»، بما في ذلك إعلانها توقيف التوظيف وإلغاء الزيادات في الأجور لمدة سنتين.
وفي السياق نفسه، وجه معظم نواب المعارضة والأحزاب المشاركة في الحكومة انتقادات حادة لأداء الحكومة وحملوها مسؤولية «تعثر» برامج الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وتراكم عجز ميزانية الدولة واستفحال نسب التضخم والبطالة والفقر والإخفاق المدرسي والعنف والجريمة المنظمة وتعاطي المخدرات.. إلخ.
لكن، لعل من أكثر ما أثار استغراب المراقبين وكتّاب الافتتاحيات والمعلقين في وسائل الإعلام التونسية أن بين منتقدي الحكومة والمطالبين بمحاسبتها أو إقالتها، مع أنها ما زالت في الشهر الثالث من عمرها، سياسيين وبرلمانيين من الحزبين الحاكمين الكبيرين: «النداء» الذي يتزعمه الرئيس الباجي قائد السبسي ونجله حافظ و«النهضة» بزعامة راشد الغنوشي. وبذا وجدت الحكومة نفسها تتلقى هجمات من خارجها ومن داخل الحزبين الحاصلين على أكثر من 10 حقائب داخلها. وبالتالي، تبدو عرضة في آن معًا لضغوط الخصوم والمعارضين و«قصف كلامي وسياسي» من «نيران صديقة».
هذه التعقيدات دفعت مسؤولين في الحزب الحاكم، بينهم الوزير السابق، الأزهر العكرمي، لوقف زواج المصلحة الآني بين الحزبين الكبيرين و«الشيخين» قائد السبسي والغنوشي، ووصف التحالف بينهما في حكومة واحدة بـ«المؤقت» و«الهش» و«الفاشل». وهنا يذكر أن المحامي عبد العزيز المزوغي وقياديين آخرين من الحزب حمّلوا الرئيس التونسي ونجله حافظ، مسؤولية إضعاف الحكومة والحزب الحاكم تحالفهما مع «النهضة»، على الرغم من كون حصة هذا الحزب كانت حقيبة واحدة في حكومة الحبيب الصيد وثلاث حقائب فقط في الحكومة الحالية بينها الصناعة والتجارة والتشغيل وتكنولوجيا الاتصال.

استهداف النظام السياسي
هناك قياديون بارزون في الحزبين الكبيرين، بينهم نائب رئيس «النهضة» نور الدين البحيري ورئيس البرلمان الرئيس السابق لحزب «النداء» محمد الناصر، يتمسكون بخيار «التوافق» و«التعايش بين الحزبين الكبيرين» لضمان تمرير مشاريع القوانين في البرلمان والقرارات الحكومية بنسبة لا تقل عن 50 في المائة.
وبالفعل، أدلى الرئيس التونسي وزعيم «النهضة» بتصريحين واضحين بعد لقاء ثنائي بينهما في قصر قرطاج، بضواحي العاصمة، أعلنا فيه أن «مشروع الإصلاح وصل إلى وسط الطريق»، وأن «تونس تحتاج إلى كل أبنائها وأن التوافق كان ولا يزال خيارا وطنيًا» احترامًا للناخبين وللمصالح العليا للبلاد.
ومن ثم، لا يستبعد مراقبون أن يكون الهدف من «افتعال الأزمات السياسية والاجتماعية» في تونس الآن محاولة إسقاط النظام السياسي الذي أفرزته انتخابات 2014 الرئاسية والبرلمانية. وفي هذا السياق يفسرون الحملات الإعلامية والسياسية بأنها تستهدف عمليًا «مهندسيه» الأساسيين قائد السبسي والغنوشي، اللذين جنبا تونس خطر الانقلاب والمواجهات العنيفة خلال توافق سياسي شامل توصلا إليه في أغسطس (آب) 2013 في العاصمة الفرنسية باريس.
ولقد رد قائد السبسي مجددا هذا الأسبوع على الانتقادات الموجهة إليه من قبل حلفائه من رموز النظام السابق وبعض اليسار. وأورد الرئيس في كلمة إلى الشعب أن الأمر لا يتعلق بـ«تحالف بين شيخين» بل باحترام نتائج انتخابات 2014 التي أفرزت «انقساما» في المجتمع التونسي وأوساط الناخبين التونسيين. وكانت حصيلة تلك الانتخابات فوز «النداء» بالمرتبة الأولى بنحو 40 في المائة من مقاعد البرلمان مقابل نحو ثلث الأصوات والمقاعد لحزب «النهضة».
وبما أن النظام المعتمد في الدستور التونسي برلماني، استوجبت البراغماتية تسيير مؤسسات الدولة والبرلمان مشاركة شخصيات من الحزبين ومن أحزاب أصغر حجما في الفريق الحكومي. وبالتالي، برّر قائد السبسي خيار «مشاركة الجميع» في تسيير شؤون البلاد بقناعاته الديمقراطية التعددية من جهة، «وبحاجة البلاد إلى كل قواها الحية وطاقاتها للبرهنة للشعب التونسي وللعالم على نجاح التونسيين مجددا في معالجة أوضاعهم الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة بفضل «التوافق والمشاركة».

منهج غاندي
في الأثناء تتابع رئاسة الحكومة وقيادات عدة أحزاب - بينها «النداء» و«النهضة» و«آفاق تونس» و«مشروع تونس» - تحركاتها دوليًا ومحليًا لتوفير موارد مالية عاجلة للدولة التونسية حتى تغطي عجز الميزانية لعام 2017 الذي ستتسبب فيه عوامل كثيرة، من بينها حلول موعد تسديد نحو 4 مليارات دولار أميركي من الديون وخدمات الدين. وأسفرت تلك الجهود عن تأجيل موعد تسديد مليار دولار من الديون القطرية، وعن تحويل جانب من ديون ألمانيا وفرنسا على تونس إلى استثمارات تنموية تساهم في معالجة ملفات البطالة والهجرة غير القانونية.
كذلك وجهت رسائل إيجابية إلى تونس أخيرًا من عواصم أوروبية وعربية وإسلامية، بينها باريس وروما وأنقرة والجزائر والدوحة وأبوظبي بمناسبة استقبال رئيس الحكومة يوسف الشاهد أو وزير الخارجية، خميس الجهيناوي، أوقياديين من أحزاب «النداء» و«النهضة» و«مشروع تونس». وأيضًا، تتواصل دوليا ظاهرة إسناد جوائز رمزية للسياسيين التونسيين الذين نجّحوا خيار «التوافق» وأنقذوا تونس من «حمامات الدم» التي سجلت في بقية بلدان «الثورات العربية».
وفي هذا السياق، يتابع الغنوشي، زعيم «النهضة»، ورفاقه الترويج لـ«منهج اللاّعنف في التغيير» على طريقة الزعيم الهندي المهاتما غاندي، وهو ما شجع المؤسسة الهندية حقًا على منحه الجائزة السنوية لهذا العام لـ«مساهمته في نشر قيم غاندي خارج الهند».

السيناريو الليبي
على صعيد متصل، دافع الدكتور رفيق عبد السلام، وزير الخارجية التونسي الأسبق ورئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية التونسي، عن خيار «التوافق» وتجنب «سيناريو القطيعة والصدام سياسيا واجتماعيًا». وأورد عبد السلام أن «تونس ليس لها عدة خيارات، بل إن التوافق هو الخيار الأسلم لأن الاختلاف والإقصاء لا يؤديان بنا إلا إلى حرب أهلية، على غرار ما يجري في ليبيا منذ إصدار قانون (العزل السياسي) الذي أقحم البلاد في انقسامات وحروب أهلية قاسية».
وعطفًا على ما تقدم، يعتبر المراقبون في تونس أن فرض مزيد من الضغط على «حكومة الوحدة الوطنية»، بهدف إسقاطها أو إجبارها على تقديم تنازلات مالية جديدة للنقابات، قد يتسبب في إفلاسها وإعلان عجزها عن دفع رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين. وإذا تأكد هذا السيناريو فستنضم تونس كما قال رفيق عبد السلام إلى «قائمة الدول الفاشلة» «بمعنى أن تخليها عن خيار «التوافق» سيدفعها دفعًا نحو «السيناريو الليبي».
لكل هذه الأسباب صعّد الرئيس التونسي مع معارضيه في آخر ظهور تلفزيوني له قبل أيام. وأورد قائد السبسي أنه أدرى من منتقديه بمصلحة البلاد العليا. وحذر من مخاطر استغلال الخلافات مع النقابات، والأزمة الداخلية في حزبه، والانتقادات العنيفة التي وجهها ضحايا القمع في العقود الماضية، من أجل الإساءة إلى البلاد أو الإطاحة برئيس الحكومة، الشاهد، الذي أعلن «اعتزازه» به.



رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
TT

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة: «عليّ وعلى أعدائي يا ربّ» (وفي النصّ التوراتي: «لتَمُتْ نَفْسِي مَعَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ»)، ودمّر معبد الإله «داجون» التابع للفلسطينيين القدماء، في مدينة غزة. دمّره بهدم المعبد فوق رأسه ورؤوس أعدائه الفلسطينيين. ومنذ قامت إسرائيل بالردّ على هجوم حماس يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، يشير كثيرون من الإسرائيليين إلى أن الحكومة تدير سياسة دمار ليس فقط ضد الفلسطينيين، بل أيضاً تدمر أموراً كثيرة في إسرائيل نفسها، ويصفون نتنياهو بأنه «جرّافة دي 9» (بلدوزر مصفح يستخدمه الجيش الإسرائيلي) يدوس بلا رحمة كل ما يعترض طريقه. وكذلك ينظر خصوم نتنياهو إلى المعركة الانتخابية القريبة في 27 أكتوبر، كمعركة لإنقاذ إسرائيل من سياسته «الشمشونية».

مع أن بنيامين نتنياهو لا يستسلم لقدره، ويرفض أن يخسر الحكم ويتشبث به، حتى لو أدى به الأمر إلى إلغاء الانتخابات وشن حرب، فإن رفاقه في السلطة يعملون بكل قوتهم على إحداث خراب يسبب لمَن يفوز بالحكم من بعدهم معاناة شديدة، ويجبره على إعمار إسرائيل من جديد. ولذا يراكمون العقبات أمامه ويشوهون كل بقعة بقيت خضراء.

لقد بقي شهران تقريباً على يوم الانتخابات. واستطلاعات الرأي بغالبيتها الساحقة تشير، حتى الأسبوع الماضي، إلى أن الحكومة الحالية ستسقط، في حال إجراء الانتخابات في موعدها. لكن استطلاعات هذا الأسبوع تشير إلى تساوي المعسكرين المتنافسين. والأمر يبعث الأمل في محيط نتنياهو.

تحييد ترمب؟

المعارضة من جهتها، تدير اتصالات حثيثة مع الولايات المتحدة حتى تمنع نتنياهو من شن حرب لخدمة مصالحه الحزبية والشخصية، وتطلب من البيت الأبيض الامتناع عن دعم نتنياهو في الانتخابات، للحفاظ على علاقات سوية بين الدولتين. والرئيس دونالد ترمب لم يعد يتكلم عن نتنياهو كـ«بطل قومي أدار الحرب بقوة وحكمة». بل لقد حاول التهرب من لقائه في البيت الأبيض طيلة تسعة شهور، وعندما رضخ في الزيارة الأخيرة، حاول جعله استقبالاً متواضعاً، من الباب الخلفي للبيت الأبيض، ومن دون صحافيين ومؤتمر صحافي، ومن دون بيان مشترك.

في المقابل، يسعى نتنياهو لالتقاء ترمب مجدّداً عندما يصل إلى نيويورك لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 من الشهر الحالي، وحتى الآن يتضح أن ترمب لن يلتقيه. وستكون زيارة نتنياهو قصيرة للغاية لمدة 30 ساعة.

وفي هذه الحالة، سيضطر نتنياهو إلى الاستمرار في الانتخابات، إلا إذا ساعدته إيران وشنت هجوماً على إسرائيل. والاستمرار في المعركة الانتخابية بلا حرب عسكرية، هو أيضاً حرب لدى نتنياهو بكل ما تعنيه الكلمة، بل هي حرب وجودية... مسألة حياة أو موت سياسي؛ فهو يعتقد أن الهزيمة في الانتخابات لن تكون خسارة سياسية له ولليمين فحسب، بل كارثة شخصية. ويعتقد أن وجوده في المعارضة سيوصل محاكمته إلى حكم بالسجن؛ لذلك يستخدم كل ما لديه من أسلحة للبقاء رئيس حكومة.

ضحية الدولة العميقة

وفي مثل هذه الحروب الداخلية، يعتبر نتنياهو أقدر من كل خصومه. وهدفه الأول هو توحيد صفوف اليمين وتمتين تحالفه ككتلة واحدة... وقد ينجح في ذلك.

الخطوة التالية ستكون تشويه خصومه، وإظهارهم يساريين (مع أنهم بغالبيتهم، خصوصاً نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان هم من اليمين الصلب)، واتهامهم بالتخطيط للتحالف مع العرب. والمقصود بالعرب هنا، الأحزاب العربية في إسرائيل وإقامة حكومة تستند إلى النواب العرب.

ومع أن نتنياهو نفسه كان قد اقترح على منصور عباس، ابن الحركة الإسلامية، أن ينضم إلى حكومته عدة مرات في الماضي، فإنه يُظهر تحالفاً كهذا اليوم «جريمة قومية»، و«دعماً للإرهاب الفلسطيني». وقد كشفت مصادر مقربة منه عن أن حزبه «الليكود» سيطرح مشروع اقتراح لشطب جميع القوائم العربية والإعلان عنها «مشجعةً للإرهاب». وكل من يفكر في ضمّها إلى الائتلاف القادم، يوضع في قفص الاتهام، كما لو أنه يتعامل مع حركة «حماس». وقد استخدم معسكره كلمة «خيانة».

الترويج لفكرة التآمر

لقد شهدنا، هذا الأسبوع، عينة لتكتيك نتنياهو؛ إذ أرسل زوجته، سارة، إلى القناة الـ14 الناطقة بلسانه، لتعزز فكرة التآمر مع «حماس» لإسقاطه عن الحكم. وفي حين تضع المعارضة قضية هجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2023 عنواناً رئيساً لإخفاق الحكومة، ورئيسها، يضع نتنياهو هذا الهجوم بطريقة مقلوبة، بأن هجوم «حماس» كان معروفاً للجيش والمخابرات. وقد غضوا عنه الطرف حتى يظهروا نتنياهو ضعيفاً ويطيحوا به.

لتثبيت هذا الاتهام، ادعت سارة نتنياهو أن قادة الجيش والمخابرات لم يوقظوا نتنياهو ليخبروه بوجود معلومات عن هجوم «حماس»، وأنهم «لو أيقظوه في الوقت المناسب لكانت المعركة أديرت بشكل مختلف تماماً». ثم زعمت أن الجنرال يائير جولان، الذي يترأس اليوم حزب الديمقراطيين اليساري، والذي كان نائباً لرئيس أركان الجيش في العقد الماضي، كان على علم بهجوم «حماس» مسبقاً. وفي ساعة الهجوم، كان يرتدي زيه العسكري المكوي مستعداً للمعركة، لكي يقال إنه بطل قومي.

وهكذا، بدلاً من أن تفرض المعارضة على أجندة المعركة الانتخابية اتهام نتنياهو بالإخفاق، تنشغل في الدفاع عن النفس للبرهنة على أنها ليست شريكة في مؤامرة مع «حماس».

مع هذا، عملت المعارضة وأجهزة الإعلام حثيثاً حتى تظهر نتنياهو فاشلاً، وأنهم لو أيقظوه لما كان عمل شيئاً مختلفاً، وقدمت نماذج تدل على أنه عندما استيقظ في 7 أكتوبر بقي عدة أيام يتصرف كمن أصيب بصدمة نفسية بلا حول ولا قوة.

وحقاً، يُتوقع أن نشهد نماذج أخرى خلال الشهرين المقبلين، تجعل منافسي نتنياهو يدافعون عن أنفسهم، بينما يظهر هو ذلك «البطل القومي القوي الذي يخافه أعداء إسرائيل، ولكن الدولة العميقة في إسرائيل تريد التخلص منه غيرة وحسداً».

سارة نتنياهو قالت في المقابلة: «هناك مؤامرة لقتل نتنياهو. بدأت بعملية قتل شخصيته سياسياً بواسطة التحريض، ومن ثم بواسطة التحقيق معه ومحاكمته، ثم بمحاولة الانقلاب عليه، وحتى بواسطة قتله جسدياً. فقد تعرض بيتنا في قيسارية لهجوم بطائرة مسيرة من (حزب الله)، وتعرّض بيتنا في القدس لحصار من النيران، حيث أشعل المتظاهرون مواقد نار من جميع الجهات». وعندما سئلت عن سبب هذه الحملة ضده قالت: «الحسد. يحسدونه ويغارون منه».

وقد كشفت إحدى مستشارات نتنياهو، د. روت بار، التي عملت معه ثلاث سنوات وحللت شخصيته بعمق طيلة 33 سنة، عن أن السر وراء طريقة عمله للبقاء ينقسم إلى قسمين: الأول أنه يتعامل باستعلاء مع خصومه، ويعتقد جدياً أن الله أكرم به شعب إسرائيل ولم يخلق قائداً بقدراته، ولا حتى الرئيس الأميركي. والثاني إنه لأجل بقائه يسلك كل الوسائل شرعية. وأضافت في مقابلة إذاعية، الخميس، إنه اكتشف أن أقصر الطرق لمواجهة محاولات الإطاحة به هي في إحداث شرخ في المجتمع. ببساطة، التسبب في انقسام عميق بين الجمهور، معه وضده. ولم يتردد في تنفيذ المهمة.

ضمن حسابات حكومة أقصى اليمين أنها إذا خسرت الحكم فستترك وراءها أرضاً خراباً

نتنياهو... مستعد لفعل اي شيء للاحتفاظ بالحكم (آ ب)

المعركة الآيديولوجية

لكن حرب نتنياهو الشخصية تترافق مع حرب أخرى آيديولوجية. فقبل أربع سنوات، اختار نتنياهو حلفاء عقائديين أدركوا الفرصة التاريخية التي يوفرها لهم. هم يؤيدونه في معركة البقاء... وهو يصادق على مشاريعهم الآيديولوجية.

فمن جهة هناك الأحزاب الدينية «الحريدية»، التي طلبت إعفاء أبنائها من الخدمة العسكرية، ومنحهم كل الامتيازات التي يحصل عليها الجنود، والاعتراف بمؤسساتها التعليمية تدار بطريقة الحكم الذاتي من دون تدخل وزارة التعليم، وجعل تمويل أحزابها جزءاً لا يتجزأ من الموازنة العامة. وهناك من جهة أخرى، الأحزاب الصهيونية الدينية، التي تتبنى مبدأ «أرض إسرائيل الكاملة»، للقضاء على «اتفاقيات أوسلو» وتبعاتها، وإسقاط وتفكيك السلطة الفلسطينية وفرض السيادة الإسرائيلية ومنع إقامة دولة فلسطينية. ومع أن نتنياهو نفسه كان في الماضي قد أيد حل الدولتين (شرط أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح)، وهو بنفسه، عندما تولّى رئاسة الحكومة في الدورة الأولى (1996 - 1999) نفذ قسماً من «اتفاقيات أوسلو» (الانسحاب من الخليل ومن 13 في المائة من الضفة الغربية)، فإنه سار وراء حلفائه وصادق على خططهم الكثيرة والمدروسة.

«خطة الحسم»

لكن، أهم وأخطر هذه المشاريع هو «خطة الحسم»، التي وضعها فريق من خبراء اليمين العقائدي ووقع عليها بتسلئيل سموتريتش عام 2017، وراح منذ اليوم الأول لتشكيل الحكومة الحالية ينفذها بشكل منهجي مثابر.

لقد طلب سموتريتش وزارتي المالية والدفاع؛ لكي ينفذ خطته. لكن نتنياهو رفض منحه وزارة الدفاع، وأقنعه بأن يقبل منصب وزير المالية ووضعه وزيراً ثانياً في وزارة الدفاع مسؤولاً عن الاستيطان والمستوطنات. ومنحه حرية شبه مطلقة في توسيع وتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية ببناء 120 مستوطنة جديدة و140 بؤرة استيطان ومزرعة استيطانية، خصّص لها مليون دونم من الأراضي الفلسطينية. ولم يخفِ تأييده لخطط الترحيل للفلسطينيين من قطاع غزة ومن الضفة الغربية، التي وضعها سموتريتش وشريكه إيتمار بن غفير.

ومن يتابع الوقائع على الأرض يجد أن حكومة نتنياهو أحدثت انعطافاً تاريخياً في تمزيق الامتداد الجغرافي الفلسطيني للضفة الغربية، والتمهيد لمشروع مماثل ضد المواطنين العرب في إسرائيل، وتهويد الجليل والنقب. وإلى جانب خطة الانقلاب على منظومة الحكم التي يقودها حزب سموتريتش، من خلال رئيس لجنة الدستور البرلمانية، سمحا روتمان - بهدف إضعاف الجهاز القضائي وصبغه بطابع سياسي، وضرب حرية الإعلام والمؤسسات الأكاديمية - يحدث نتنياهو تغييراً جوهرياً يحطم فيه أركان الحياة السياسية اللبرالية التي قامت عليها إسرائيل وعاشتها طيلة 75 سنة.

في هذه المعركة، تصرّف نتنياهو ورفاقه مثل جرافة «الدي 9»، يدوس كل ما يعترض طريقه. إنه يحارب الجيش وأجهزة الأمن المختلفة، ويعد الشعب بأن يعيش على الحراب إلى أبد الآبدين، ويدير حرباً تلو الأخرى تضمن بقاء إسرائيل في حالة طوارئ لخدمة مصالحه. ولذا تحول بقاؤه إلى كابوس لدى الكثير من الإسرائيليين، الذين جعلوا هدفهم التخلص منه في هذه الانتخابات. وبالفعل، دلت الاستطلاعات على أن غالبية المواطنين، وبينهم قطاعات واسعة في اليمين، تريد إبداله. وما بقي هو أن يعرف خصومه كيف تدار عملية كهذه.

سوء إدارة المعارضةولكن، ما يظهر في أداء المعارضة أنها لا تحسن الإدارة بالشكل المطلوب. فهي لا تتفق حتى الآن على قائد واحد تنضوي تحت كنفه. والاستطلاعات تشير إلى أن الغالبية من معارضي نتنياهو يريدون غادي آيزنكوت رئيساً للحكومة، لكن حلفاءه نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان ويائير لبيد لا يقبلون به. ولقد اقترح عليهم آيزنكوت حلاً منطقياً: مَن يفز بأعلى عدد من المقاعد في الانتخابات فسوف نكلفه باسمنا جميعاً بتشكيل الحكومة، لكنهم لا يوافقون ويفضلون تقاسم رئاسة الحكومة. وهذا في حين يتفق جميع قادة أحزاب اليمين على أن نتنياهو هو القائد.

السيطرة على الآثار... نموذج لفرض السيادة

من أبرز النشاطات التي تقوم بها حكومة اليمين الاستيطاني المتطرفة عشية الانتخابات الإسرائيلية، السيطرة على الآثار القديمة ومحو معالمها العربية وتزييفها لتكرس بها الرواية اليهودية حول «أرض إسرائيل التاريخية». وفي تقرير نشره الصحافيان المحققان في صحيفة «هآرتس»، نوعا شبيغل ونير حسون (الأربعاء 2 سبتمبر «أيلول» 2026)، فإن ما يسمى «وحدة في الإدارة المدنية» كثفت في الأشهر الاخيرة من الاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية، بما في ذلك أراضٍ في «المنطقة ب»، وذلك بحجة «تثبيت الحقائق» على الأرض قبل الانتخابات. الصحافيان يؤكدان أن الحكومة تخشى من السقوط، لذا قررت فرض وقائع على الأرض أمام الحكومة القادمة، واختارت موضوع الآثار أداة من عدة أدوات أخرى لذلك. وبحسب التقرير، فإنه «حتى وقت قريب كانت وحدة الآثار (ضابط في هيئة الأركان) وحدة صغيرة في الإدارة المدنية تعنى بالإشراف على المواقع الأثرية واجراء ما تسميه عمليات تنقيب إنقاذية» – وهي عمليات تنقيب تهدف إلى التأكد من عدم وجود أي مكتشفات أثرية مهمة في المنطقة المخصصة للتطوير. عام 2019 بلغت ميزانية الوحدة 14 مليون شيقل تقريباً (الدولار يساوي 3 دولارات) وكان فيها عشرة موظفين. ولكن منذ ذلك الحين زاد اهتمام المستوطنين بالآثار. وفي الوقت نفسه أدركوا أنه من خلال المواقع الأثرية يمكنهم الاستيلاء على الأراضي وإظهار وجودهم وإبعاد السكان الفلسطينيين. هذه الرؤية أدت إلى تغييرات جذرية في الوحدة. فقد بدأت الميزانيات تتدفق بسخاء، وتحولت من جهة مجرد دائرة ترد على الاستفسارات مثل الشكاوى المتعلقة بتضرر المواقع الأثرية وطلبات المقاولين أو الإدارة المدنية بإجراء «حفريات إنقاذ»، إلى جهة مبادرة، وذراع تنفيذية لوزارة التراث في الضفة الغربية. تبلغ ميزانية دائرة الآثار اليوم تقريباً 124 مليون شيقل، زيادة 800 في المائة خلال سبع سنوات، وارتفع عدد موظفيها إلى نحو 60 موظفاً. وقبل شهر تقريباً أعلنت وزارة التراث في القناة «14» عن تحويل 113 مليون شيقل لأعمال التطوير وتحسين إمكانية الوصول إلى 70 موقعاً أثرياً في الضفة الغربية. ويشير مصدر مطلع إلى أن هذه الميزانية لم تنفق بعد، وهي مخصصة لخمس سنوات. مع ذلك، بحسب موقع إعداد الميزانية، تم في شهر يوليو (تموز) تحويل مبلغين إلى منسق عمليات الحكومة في المناطق لهذا الغرض، أحدهما 35.5 مليون شيقل والثاني 64 مليون شيقل. ويجري العمل حالياً في عشرة مواقع من مجموع سبعين موقعاً. بعض المشاريع التي تروج لها وزارة التراث لا تتعلق بالآثار، مثل بناء مدرج روماني، وبحسب المصدر نفسه، فإن وحدة وزارة التراث تعدّ ذراعاً تنفيذية للوزارة وللمجالس الإقليمية.


إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
TT

إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام

منتصف الشهر الماضي كان عدد الطامحين لمنصب الأمين العام العاشر للأمم المتحدة قد بلغ سبعة مرشحين لخلافة البرتغالي أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته آخر السنة الجارية. وكان مجلس الأمن قد باشر بعقد اجتماعات دورية بهدف «غربلة» الأسماء السبعة، قبل إحالة المُصطَفين منهم إلى الجمعية العامة التي يعود لها القرار النهائي في اختيار من سيتولى قيادة المنظمة الدولية في أصعب المراحل التي مرّت بها منذ تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن، ما كاد أعضاء مجلس الأمن ينتهون من مداولات جلستهم التشاورية الأولى حول المرشحين لمنصب أعلى وظيفة دولية، حتى كانت الأمانة العامة تتسلّم طلب ترشيح ثامن تقدمت به مملكة تونغا لصالح الدبلوماسية والسياسية الإكوادورية - المتحدرة من أصول لبنانية - إيفون عبد الباقي.

جاء في إعلان إيفون عبد الباقي ترشحها للمنصب: «أشعر بالتواضع، وأتشرّف بتقديم ترشيحي رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، الذي ستبته الجمعية العامة للمنظمة بطلب من مملكة تونغا. وإنني أتقدم بالشكر لجلالة الملك توبو السادس، ولولي العهد، ولرئيس الوزراء، ولوزير الخارجية، على ثقتهم برؤيتي وبرنامجي لتجديد الأمم المتحدة». وتابعت عبد الباقي في تغريدتها على منصة «إكس»: «لقد شهدت دمار الحروب، وأنا المرشحة الوحيدة التي تحمل إرثَي أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، والوحيدة التي لعبت دوراً أساسياً في التوصّل إلى اتفاق سلام بين دولتين من أعضاء الأمم المتحدة، وأنا جاهزة لتجديد الوعد المؤسس لميثاق المنظمة، وإنقاذ الأجيال المستقبلية من ويلات الحروب في عالم تتوالى فيه الأزمات».

تساؤلات بديهية

لعل أول سؤال يتبادر إلى الذهن حول هذا الترشيح هو: لماذا تقدّمت به مملكة تونغا وليس الإكوادور؛ البلد الذي وُلدت فيه عبد الباقي وتحمل جنسيته وتولّت فيه عدة مناصب سياسية ودبلوماسية؟

الجواب هو أن الإكوادور، بسبب تخلّفها عن سداد مساهماتها المقرّرة في الأمم المتحدة لفترة طويلة، فقدت حق التصويت، وأيضاً حق الترشح لمنصب في أجهزة المنظمة، بل إن هناك مرشحة أخرى من الإكوادور لمنصب الأمين العام، هي ماريا فرناندا إسبينوسا، تقدّمت بطلب ترشيحها أنتيغوا وباربودا؛ الدولة الجزيرية في البحر الكاريبي.

من جهة ثانية، كانت عبد الباقي قد أعلنت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي أن لبنان سيقدم ترشيحها رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، وأنها تحظى بدعم قويّ من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي نشرت صوراً لها معه في المكتب البيضوي. ولكن مرّت الأسابيع ولم تعلن الحكومة اللبنانية عن تبنّيها هذا الترشيح من دون أن تُعرف الأسباب.

من هي عبد الباقي؟

أبصرت إيفون (ليلى) خويص عبد الباقي النور عام 1951 في مدينة غواياكيل، العاصمة الاقتصادية للإكوادور وكبرى مدنها. وفي غواياكيل تعيش أكبر جالية لبنانية في البلاد؛ إذ يزيد تعدادها على نصف مليون هاجر معظمهم أواسط القرن الماضي. وأكثر من هذا يتعاقب على رئاسة بلديتها منذ عقود متحدّرون من أصول لبنانية.

أما والدا إيفون فيتحدّران من أسرتين من الموحّدين الدروز في جبل لبنان: والدها فؤاد من آل خويص من بلدة بتاتر (قضاء عاليه)، ووالدتها إنعام من آل أبو شقرا من بلدة الهلالية في قضاء المتن الجنوبي (بعبدا).

وعائلياً، أيضاً، اقترنت إيفون وهي في السابعة عشرة من عمرها بالمهندس ورجل الأعمال اللبناني سامي محمد عبد الباقي، وانتقلت للعيش في لبنان حيث أقامت خلال السنوات الأولى من الحرب الأهلية، إلا أنها انتقلت إلى فرنسا في عام 1982، حيث التحقت بجامعة باريس - السوربون لدراسة الفنون، ثم إلى الولايات المتحدة حيث تخرّجت في جامعة هارفارد مجازة في الإدارة والسياسات العامة.

مناصبها الرسمية

تولّت عبد الباقي أول مناصبها الرسمية في الإكوادور كقنصل عام للإكوادور لدى لبنان، ثم في مدينة بوسطن الأميركية. وفي عام 1995 استدعاها رئيس الإكوادور وطلب منها الانضمام إلى الفريق المكلّف التفاوض مع البيرو من أجل التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الصراع المديد بين البلدين حول الحدود. وبالفعل، جرى توقيع ذلك الاتفاق في العاصمة البرازيلية برازيليا عام 1998. في ذلك العام وصل إلى رئاسة الإكوادور جميل معوّض، المتحدّر بدوره من أصل لبناني، وهو الذي قرر تعيين عبد الباقي سفيرة لبلاده لدى الولايات المتحدة، وبذا غدت المرأة الأولى التي تتولى مثل هذا المنصب. وإبان وجودها في واشنطن لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في إبرام عدد من الاتفاقات بين البلدين، كان أبرزها اتفاق المعاملة التفضيلية لصادرات الإكوادور الزراعية إلى الولايات المتحدة.

وبالتوازي استطاعت عبد الباقي بناء علاقات شخصية متينة مع عدد من الوجوه البارزة في الإدارة الأميركية، مثل الرئيس السابق جو بايدن وأسرته، والرئيس الحالي دونالد ترمب، وعدد من الأعضاء النافذين في الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وأيضاً أقامت علاقات وطيدة مع كبار المسؤولين العسكريين الذين تفاوضت معهم لإنشاء قاعدة مشتركة في مقاطعة مانتا الإكوادورية تشرف على أعمال مكافحة تجارة المخدرات في كولومبيا والبيرو والإكوادور وبوليفيا. وبعدما أمضت ست سنوات كسفيرة لبلادها في واشنطن، اختارها الرئيس الحالي دانييل نوبوا لتكون سفيرة لدى فرنسا. ولقد سبق لها أن تولت سفارة بلادها لدى قطر من عام 2017 إلى عام 2020.واشنطن «محطة رئيسة»

تعتبر إيفون عبد الباقي أن مرورها بواشنطن كسفيرة لبلادها كان المحطة الرئيسة في مسيرتها السياسية والدبلوماسية، وتفاخر بأن العلاقات الوطيدة التي بنتها مع الإدارة الأولى لدونالد ترمب، ثم مع إدارة جو بايدن، أعادت تنشيط التعاون التجاري والعسكري بين الولايات المتحدة والإكوادور، ومكّنت الأخيرة من الحصول على مساعدات وموارد مالية من صندوق النقد الدولي والبنك الأميركي للتنمية والبنك الدولي.

الترشح لرئاسة الجمهورية... ثم دخول الوزارة

في عام 2002 قرّرت عبد الباقي خوض معركة رئاسة الجمهورية كأول امرأة تترشح لهذا المنصب، مع أنها قالت: «لقد كنت أعرف أن حظوظي في الفوز معدومة، لكن التجربة كانت غنيّة جداً، أتاحت لي أن أتعرّف على الإكوادور الحقيقية خلال جولاتي الانتخابية على جميع المناطق».

بعد ذلك، أُسندت إليها حقيبة وزارة التجارة الخارجية في عهد الرئيس لوسيو غوتيريز من عام 2003 إلى عام 2005، ثم ترأست برلمان الأنديز الذي يضم برلمانات البلدان التي تتقاسم هذه السلسلة الجبلية من عام 2007 إلى عام 2009.

وإبان شغلها وزارة التجارة الخارجية تعرّفت عبد الباقي على الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب عندما استضافت الإكوادور مسابقة انتخاب ملكة جمال العالم، وكان ترمب يملك الشركة التي تنظم تلك المسابقة.

ويومذاك ردّت على الانتقادات التي تعرّضت لها بسبب التكاليف الباهظة لتلك المسابقة، بالقول إنها كانت «استثماراً لترويج صورة بلادها في الخارج». أيضاً تعرّضت عبد الباقي خلال تلك الفترة إلى انتقادات شديدة من جانب مجموعات السكان الأصليين بسبب شروط «اتفاق التجارة الحرة» الذي تفاوضت عليه وأبرمته مع واشنطن. في المقابل، قبل تولّيها وزارة التجارة الخارجية لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في معالجة الأضرار التي لحقت بمحمية جزر غالاباغوس الشهيرة عقب التلوّث الذي أصابها بسبب تسرّب كميات كبيرة من النفط على سواحلها، وحصلت على مساعدة من صديقها دونالد ترمب لتأسيس مركز لصيانة المحمية والعناية بها.

التناوب الجغرافي على المنصب

اليوم ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام، ومنطقة أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي هي التي يعود إليها هذا المنصب بعد نهاية ولاية الأمين العام الحالي.

أيضاً، ثمة اتجاه قويّ في الأوساط الأممية لإسناد هذا المنصب إلى امرأة لأول مرة منذ تأسيس المنظمة، وهو ما يفسّر كون عدد المرشحات يزيد على عدد المرشحين.

مع هذا، تقول أوساط دبلوماسية مطّلعة في الأمم المتحدة إن حظوظ إيفون عبد الباقي في السباق على منصب الأمين العام ضئيلة جداً، وخاصة أن ثمة مرشحين آخرين يتمتعون بسيرة مهنية أثقل وزناً، ويحظون بدعم سياسي قوي من حكومات بلدانهم، وسبق لهم أن تولوا مناصب عالية.

المرشحون السبعة الذين تتنافس معهم عبد الباقي هم: وزيرة خارجية غيانا السابقة كارولاين رودريغيز بيركيت، والمدير العام الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (من الأرجنتين)، ورئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشيليت، ووزيرة خارجية الإكوادور السابقة ماريا فرناندا إسبينوسا، والأوغندي أولارا أوتونّو الذي تولى سابقاً منصب الأمين العام المساعد في الأمم المتحدة، ورئيس السنغال الأسبق ماكي سال، ونائبة رئيس كوستاريكا السابقة ريبيكا غرينسبان. كذلك، ليس مستبعداً أن تظهر ترشيحات أخرى خلال الأيام المقبلة؛ إذ لا يحدّد نظام المجلس مهلة لتقديم الترشيحات، بل يترك ذلك للتوافق بين الدول الأعضاء.

لا شروط معتمدة رسمياً

من جانب آخر، حتى الآن، ورغم مرور 70 سنة على تأسيس الأمم المتحدة، لا توجد مجموعة شروط معتمدة للترشح لمنصب الأمين العام. لكن استناداً إلى العُرف والتجارب السابقة، توافقت الدول الأعضاء على الشروط التالية:

- أن يتمتع المرشح بخبرة دبلوماسية دولية ومهارات قيادية.

- أن يحظى بموافقة مجلس الأمن المخوّل وحده إحالة ترشيحه إلى الجمعية العامة.

- أن ينال غالبية أصوات البلدان الأعضاء، الحاضرة والمصوّتة، في الجمعية العامة.

- أن يكون قادراً على التصرّف بحياد.- وألّا يكون مواطناً لأي من الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس.


ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
TT

ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)

آخر التسريبات من الأوساط الدبلوماسية في منظمة المنظمة الدولية تفيد بأن ريبيكا غرينسبان، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة، هي التي تتصدّر حالياً قائمة المتنافسين على المنصب بعد الجولات الاستشارية الأولى داخل مجلس الأمن، لكن السباق لا يزال مفتوحاً بين المرشحين الثمانية.

أيضاً، يتردّد الدبلوماسيون المخضرمون في المنظمة ساعة التوقعات، نظراً للانقسام العميق الذي يسود العلاقات بين الدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس، أي الولايات المتحدة والاتحاد الروسي والصين وبريطانيا وفرنسا، الذي يذكّر بأشد فترات الحرب الباردة توتراً.

رافايل غروسّي (آ ب)

وهنا نشير إلى أن أحكام النظام الداخلي لمجلس الأمن تنصّ على أن أسماء المرشحين المتنافسين على منصب الأمين العام يحيلها المجلس إلى الجمعية العامة لاختيار واحد منها، وأن اعتراض أي عضو دائم على مرشح يقضي نهائياً على حظوظه، حتى وإن نال تأييد غالبية الأعضاء.

وهنا، يتوقّف أحد الدبلوماسيين الأوروبيين، الذي واكب انتخاب ثلاثة أمناء عامين للمنظمة عند إصرار المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسّي على الترشّح، في الوقت الذي يسود اعتقاد بأن المنصب سيكون من نصيب امرأة هذه المرة، رغم الاعتراض الشديد الذي تبديه الصين وروسيا على إدارته وكالة الطاقة الذرية في أكثر من ملف حساس، مثل الحرب في أوكرانيا والتعاون النووي بين بريطانيا وأستراليا، ومعالجة التلوث الذي نجم عن حادث مفاعل فوكوشيما في اليابان، والبرنامج النووي الإيراني.

ماكي سال (آ ف ب)

وبحسب هذا الدبلوماسي، فإن غروسّي هو المرشح الذي تفضله الإدارة الأميركية، إلا أنها تحرص على تحاشي كشف أوراقها وراء دعمه. ثم إنه مدعوم بقوة من الحكومة الأرجنتينية اليمينية الحالية التي تعدّها واشنطن الركيزة الأساسية لسياستها الإقليمية.

ثم إن مراقبين كثيرين يزعمون أن أداءه في الوكالة الدولية اتسم بانحياز كامل للمواقف الأميركية والغربية، ما استدعى مراراً انتقادات شديدة من روسيا، وأيضاً من الصين التي شنّت عليه غير مرة هجوماً قاسياً وغير معهود في القاموس الدبلوماسي الصيني. ويضاف إلى ذلك، وفقاً للدبلوماسي المذكور، أن إدارة ترمب لا تحبّذ وصول امرأة إلى منصب الأمين العام مع أنها لن تفصح عن ذلك علناً. ومن ثم، لا يستبعد الدبلوماسي المذكور أن تذهب واشنطن في رهانها غير المعلن على غروسّي إلى حد «مقايضة» رفع «الفيتو» الروسي والصيني على ترشيحه، بتنازلات سخية في مناصب أخرى رفيعة داخل المنظمة الدولية أو الوكالات المتخصصة التابعة لها.