صعّدت كل الأطراف السياسية والاجتماعية في تونس لهجتها مع بدء مناقشة البرلمان مشروع ميزانية الدولة لعام 2017. بينما لوّحت النقابات العمالية بالإضراب العام رغم تطمينات يوسف الشاهد رئيس حكومة الوحدة الوطنية التي يشارك فيها ممثلون عن 9 أحزاب و3 نقابات. وفي الأثناء تعاقبت مؤشرات على تصدّع التحالف السياسي القائم بين الحزب الحاكم «نداء تونس»، حزب الرئيس الباجي قائد السبسي، وحركة النهضة الإسلامية صاحبة المرتبة الأولى في البرلمان، التي تشارك في الحكومة بـ3 وزراء بينهم الأمين العام الجديد للحركة زياد العذاري.
ويوشك التحالف الاستراتيجي بين الحزبين الكبيرين أن ينهار بعد انطلاق جلسات الاستماع العلنية لضحايا القمع والتعذيب في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، التي يخشى رموز النظام السابق وحلفاؤهم أن يوظفها الإسلاميون سياسيا للإمعان في إضعاف بقية الأحزاب العلمانية ولتشكيك المواطنين في مصداقية المؤسستين العسكرية والأمنية.
فهل تحتفل تونس بالذكرى السادسة لثورة شبابها وهي تغرق في أزمة سياسية اجتماعية غير مسبوقة في تاريخها.. أم ينجح قادة المجتمع المدني والأطراف السياسية الرئيسية كعادتهم في إنقاذ الموقف وترجيح خيار التوافق على القطيعة والصدام؟
لم يكن شباب تونس الذي نزل إلى الشوارع في آخر عهد الرئيس زين العابدين بن علي رافعا شعارات التغيير والإصلاح يتوقع أن يتابع بعد ست سنوات كاملة على شاشات التلفزيون مشاهد عن تحركات اجتماعية سياسية بالجملة، أمام البرلمان ومؤسسات الدولة، تطالب بإسقاط النظام وإقالة عدد من الوزراء والإطاحة بـ«حكومة الوحدة الوطنية» التي شكلتها تسعة أحزاب وثلاث نقابات قبل ثلاثة أشهر فقط.
الطلاب والمحامون والصيادلة
كان من أغرب ما في تلك التحركات مشاركة آلاف المحامين والأطباء والصيادلة فيها، ومطالبتهم بإسقاط وزيرة المالية وبعض مستشاري رئيس الحكومة. وفي الوقت نفسه كان آلاف الطلاب يتظاهرون وسط تونس العاصمة، وفي عدة مدن أخرى، بدعم من نقابات الأساتذة، للمطالبة بإقالة وزير التربية ناجي جلول وتغيير النظام التربوي.
لقد انفجرت الأوضاع في عدة قطاعات ومدن «فجأة» مع تعاقب التهديدات بإضرابات نقابية واعتصامات عمالية احتجاجا على تدهور القدرة الشرائية والظروف المعيشية، وعلى سياسة «التقشف» التي تعتمدها السلطات. وفي حين تواصلت التحركات الدولية والوطنية لإنجاح «المؤتمر الدولي للاستثمار» المقرر يومي 29 و30 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، تعاقبت مؤشرات وصول العلاقة بين الحكومة والنقابات إلى ما يشبه «الأزمة الشاملة والقطيعة النهائية» على حد قياديين زعماء من اليسار التونسي مثل حمّه الهمامي، زعيم الجبهة الشعبية.
بل إن بعض الخبراء الاجتماعيين، بينهم الوزير المستشار السابق لرئيس الحكومة الحبيب الكشو، اعتبر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة قد تتطور إلى ما هو أخطر من الإضراب العام، أي إعلان القيادة النقابية القطيعة مع «العقد الاجتماعي» الذي سبق أن وقعته مطلع 2013 مع الحكومة ونقابات رجال الأعمال بهدف ضمان السلم الاجتماعي.
إضراب عام؟
وعلى الرغم من تنويه سياسيين من قيادات الحزبين الكبيرين «نداء تونس» و«النهضة» بنجاح مسار الإصلاحات التي بدأتها حكومة يوسف الشاهد، فقد تعاقبت مؤشرات التصعيد والقطيعة والصدام بين النقابات والحكومة، كما تكشف تصريحات الأمين العام لـ«الاتحاد التونسي للشغل» حسين العباسي.
والواقع أنه لم يكن أحد قبل أسابيع يتوقع أن يتابع الجمهور التونسي على الشاشات ذاتها حوارات مع رئيسي الجمهورية والحكومة حول تهديد نقابات العمال بالتصعيد الشامل، وبشن إضراب عام في البلاد، إذا لم تستجب الحكومة لمطالبها، وبينها التراجع عن تعهدات قدمتها الدولة العام الماضي إلى صندوق النقد الدولي حول تخفيف أعبائها الاجتماعية ووقف التوظيف والزيادات في الرواتب. وجاءت تلك التعهدات مقابل وعد من صندوق النقد بمنح تونس قرضا قيمته نحو 3 مليارات سيجنبها إعلان العجز المالي والإفلاس.
كذلك لم يتوقع التونسيون أن تصعّد النقابات والأطراف السياسية ضغوطها على الحكومة ورئاسة الجمهورية عشية استضافة البلاد أكبر مؤتمر دولي للاستثمار، كان من المقرر أن تستضيفه منذ 60 سنة بمشاركة آلاف الشركات الأوروبية والأميركية والعالمية والعربية والإسلامية.
المؤتمر الاستثماري
هذا، وسبق لأكثر من 60 رئيس دولة وحكومة أن أعلموا تونس بمشاركتهم في هذا الحدث السياسي الاقتصادي دعمًا لـ«الاستثناء الديمقراطي التونسي»، وكان من بين هؤلاء القادة أو رؤساء الحكومات في فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا وبلجيكا وإسبانيا والدنمارك وكندا واليابان ومصر والجزائر ودول الخليج العربي، إلى جانب عدد من وزراء الخارجية في الدول الكبرى، ومنها الولايات المتحدة وروسيا والصين. بيد أن «تعفن المناخ الاجتماعي» دفع معظم هذه الدول لخفض مستوى مشاركتها، بما في ذلك فرنسا، التي سيرأس وفدها مانويل فالس رئيس الحكومة وليس الرئيس فرنسوا هولاند.
والحال أنه تهجم عدد من الإعلاميين ونشطاء المواقع الاجتماعية على من وصفوهم بـ«الثورجيين» و«الفوضويين» الذين سيتسببون في خسران تونس فرصة ثمينة كانت ستساهم في إحداث ما يشبه «خطة مارشال» الأميركية الشهيرة لفائدة بعض دول أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
حكومة بلا «حزام سياسي»!
وهكذا يتضح من هذه المستجدات، وكذلك تصريحات ممثلي المعارضة والأحزاب المشاركة في الفريق الحكومي في الجلسات العلنية للبرلمان على هامش مناقشة ميزانية الدولة لعام 2007، أن حكومة يوسف الشاهد ليس لها «حزام سياسي»، على الرغم من المشاركة غير المسبوقة في تشكيلتها من قبل رموز سياسية وحزبية من اليسار والنقابات والإسلاميين والليبراليين والقوميين العرب.
وتكشف المناظرات والحوارات في وسائل الإعلام التونسية عن أن رئيس الحكومة، الشاهد، ووزيرة المالية، لمياء الزريبي، يكادان ينفردان بالدفاع عن مشروع قانون المالية الجديد وعن موازنة 2007 وعن الإجراءات التي أغضبت النقابات ومن بينها تجميد التوظيف والزيادات في الأجور.
في المقابل، برّر وزير التربية، ناجي جلول، القيادي في حزب الرئيس، غياب التضامن بين الفريق الحكومي بكون «كل وزير مسؤولا عن القطاع الذي يشرف عليه»! وبذا يتضح صحة كلام البرلماني والقيادي القومي زهير المغزاوي حول «الصبغة الهشة والظرفية» بين كبار صناع القرار في البلاد.
هذا الواقع قد يفيد الأطراف السياسية والنقابية والإعلامية التي أعلنت منذ الصيف الماضي عن معارضتها إقالة حكومة الحبيب الصيد وعن ضعف اقتناعها بـ«حكومة التكنوقراط» الحالية. وتطالب هذه الأطراف بقوة بتغيير الحكومة الحالية مطلع العام الجديد، وتعتبر البلاد في حاجة إلى «حكومة إنقاذ وطني» قادرة على التعامل بشجاعة ووضوح مع التحديات الاقتصادية والأمنية، ومع النقابات، ومع استفحال الرشوة والفساد والتهريب والجريمة المنظمة والمخدرات.
تعثّر برامج الإصلاح
في الأثناء يطالب بعض زعماء المعارضة، بينهم الوزير السابق، محمد عبو، وزعيم التيار الديمقراطي، غازي الشواشي، باستقالة حكومة الشاهد، التي اتهموها بالفشل «بسبب اعتمادها تحالفات هشة بين أطراف سياسية ونقابية متناقضة المرجعيات والتوجهات والسياسات: من الشيوعيين واليساريين إلى القوميين والإسلاميين وصولا إلى الليبراليين».
كما تهجم بعض النواب من المعارضة بعنف شديد على رئاسة الحكومة وطالبوها بالاستقالة. واتهمت البرلمانية سامية عبو، رئيس الحكومة وفريقه بالتنكّر لـ«مطالب شباب الثورة والطبقتين الشعبية والوسطى»، بما في ذلك إعلانها توقيف التوظيف وإلغاء الزيادات في الأجور لمدة سنتين.
وفي السياق نفسه، وجه معظم نواب المعارضة والأحزاب المشاركة في الحكومة انتقادات حادة لأداء الحكومة وحملوها مسؤولية «تعثر» برامج الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وتراكم عجز ميزانية الدولة واستفحال نسب التضخم والبطالة والفقر والإخفاق المدرسي والعنف والجريمة المنظمة وتعاطي المخدرات.. إلخ.
لكن، لعل من أكثر ما أثار استغراب المراقبين وكتّاب الافتتاحيات والمعلقين في وسائل الإعلام التونسية أن بين منتقدي الحكومة والمطالبين بمحاسبتها أو إقالتها، مع أنها ما زالت في الشهر الثالث من عمرها، سياسيين وبرلمانيين من الحزبين الحاكمين الكبيرين: «النداء» الذي يتزعمه الرئيس الباجي قائد السبسي ونجله حافظ و«النهضة» بزعامة راشد الغنوشي. وبذا وجدت الحكومة نفسها تتلقى هجمات من خارجها ومن داخل الحزبين الحاصلين على أكثر من 10 حقائب داخلها. وبالتالي، تبدو عرضة في آن معًا لضغوط الخصوم والمعارضين و«قصف كلامي وسياسي» من «نيران صديقة».
هذه التعقيدات دفعت مسؤولين في الحزب الحاكم، بينهم الوزير السابق، الأزهر العكرمي، لوقف زواج المصلحة الآني بين الحزبين الكبيرين و«الشيخين» قائد السبسي والغنوشي، ووصف التحالف بينهما في حكومة واحدة بـ«المؤقت» و«الهش» و«الفاشل». وهنا يذكر أن المحامي عبد العزيز المزوغي وقياديين آخرين من الحزب حمّلوا الرئيس التونسي ونجله حافظ، مسؤولية إضعاف الحكومة والحزب الحاكم تحالفهما مع «النهضة»، على الرغم من كون حصة هذا الحزب كانت حقيبة واحدة في حكومة الحبيب الصيد وثلاث حقائب فقط في الحكومة الحالية بينها الصناعة والتجارة والتشغيل وتكنولوجيا الاتصال.
استهداف النظام السياسي
هناك قياديون بارزون في الحزبين الكبيرين، بينهم نائب رئيس «النهضة» نور الدين البحيري ورئيس البرلمان الرئيس السابق لحزب «النداء» محمد الناصر، يتمسكون بخيار «التوافق» و«التعايش بين الحزبين الكبيرين» لضمان تمرير مشاريع القوانين في البرلمان والقرارات الحكومية بنسبة لا تقل عن 50 في المائة.
وبالفعل، أدلى الرئيس التونسي وزعيم «النهضة» بتصريحين واضحين بعد لقاء ثنائي بينهما في قصر قرطاج، بضواحي العاصمة، أعلنا فيه أن «مشروع الإصلاح وصل إلى وسط الطريق»، وأن «تونس تحتاج إلى كل أبنائها وأن التوافق كان ولا يزال خيارا وطنيًا» احترامًا للناخبين وللمصالح العليا للبلاد.
ومن ثم، لا يستبعد مراقبون أن يكون الهدف من «افتعال الأزمات السياسية والاجتماعية» في تونس الآن محاولة إسقاط النظام السياسي الذي أفرزته انتخابات 2014 الرئاسية والبرلمانية. وفي هذا السياق يفسرون الحملات الإعلامية والسياسية بأنها تستهدف عمليًا «مهندسيه» الأساسيين قائد السبسي والغنوشي، اللذين جنبا تونس خطر الانقلاب والمواجهات العنيفة خلال توافق سياسي شامل توصلا إليه في أغسطس (آب) 2013 في العاصمة الفرنسية باريس.
ولقد رد قائد السبسي مجددا هذا الأسبوع على الانتقادات الموجهة إليه من قبل حلفائه من رموز النظام السابق وبعض اليسار. وأورد الرئيس في كلمة إلى الشعب أن الأمر لا يتعلق بـ«تحالف بين شيخين» بل باحترام نتائج انتخابات 2014 التي أفرزت «انقساما» في المجتمع التونسي وأوساط الناخبين التونسيين. وكانت حصيلة تلك الانتخابات فوز «النداء» بالمرتبة الأولى بنحو 40 في المائة من مقاعد البرلمان مقابل نحو ثلث الأصوات والمقاعد لحزب «النهضة».
وبما أن النظام المعتمد في الدستور التونسي برلماني، استوجبت البراغماتية تسيير مؤسسات الدولة والبرلمان مشاركة شخصيات من الحزبين ومن أحزاب أصغر حجما في الفريق الحكومي. وبالتالي، برّر قائد السبسي خيار «مشاركة الجميع» في تسيير شؤون البلاد بقناعاته الديمقراطية التعددية من جهة، «وبحاجة البلاد إلى كل قواها الحية وطاقاتها للبرهنة للشعب التونسي وللعالم على نجاح التونسيين مجددا في معالجة أوضاعهم الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة بفضل «التوافق والمشاركة».
منهج غاندي
في الأثناء تتابع رئاسة الحكومة وقيادات عدة أحزاب - بينها «النداء» و«النهضة» و«آفاق تونس» و«مشروع تونس» - تحركاتها دوليًا ومحليًا لتوفير موارد مالية عاجلة للدولة التونسية حتى تغطي عجز الميزانية لعام 2017 الذي ستتسبب فيه عوامل كثيرة، من بينها حلول موعد تسديد نحو 4 مليارات دولار أميركي من الديون وخدمات الدين. وأسفرت تلك الجهود عن تأجيل موعد تسديد مليار دولار من الديون القطرية، وعن تحويل جانب من ديون ألمانيا وفرنسا على تونس إلى استثمارات تنموية تساهم في معالجة ملفات البطالة والهجرة غير القانونية.
كذلك وجهت رسائل إيجابية إلى تونس أخيرًا من عواصم أوروبية وعربية وإسلامية، بينها باريس وروما وأنقرة والجزائر والدوحة وأبوظبي بمناسبة استقبال رئيس الحكومة يوسف الشاهد أو وزير الخارجية، خميس الجهيناوي، أوقياديين من أحزاب «النداء» و«النهضة» و«مشروع تونس». وأيضًا، تتواصل دوليا ظاهرة إسناد جوائز رمزية للسياسيين التونسيين الذين نجّحوا خيار «التوافق» وأنقذوا تونس من «حمامات الدم» التي سجلت في بقية بلدان «الثورات العربية».
وفي هذا السياق، يتابع الغنوشي، زعيم «النهضة»، ورفاقه الترويج لـ«منهج اللاّعنف في التغيير» على طريقة الزعيم الهندي المهاتما غاندي، وهو ما شجع المؤسسة الهندية حقًا على منحه الجائزة السنوية لهذا العام لـ«مساهمته في نشر قيم غاندي خارج الهند».
السيناريو الليبي
على صعيد متصل، دافع الدكتور رفيق عبد السلام، وزير الخارجية التونسي الأسبق ورئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية التونسي، عن خيار «التوافق» وتجنب «سيناريو القطيعة والصدام سياسيا واجتماعيًا». وأورد عبد السلام أن «تونس ليس لها عدة خيارات، بل إن التوافق هو الخيار الأسلم لأن الاختلاف والإقصاء لا يؤديان بنا إلا إلى حرب أهلية، على غرار ما يجري في ليبيا منذ إصدار قانون (العزل السياسي) الذي أقحم البلاد في انقسامات وحروب أهلية قاسية».
وعطفًا على ما تقدم، يعتبر المراقبون في تونس أن فرض مزيد من الضغط على «حكومة الوحدة الوطنية»، بهدف إسقاطها أو إجبارها على تقديم تنازلات مالية جديدة للنقابات، قد يتسبب في إفلاسها وإعلان عجزها عن دفع رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين. وإذا تأكد هذا السيناريو فستنضم تونس كما قال رفيق عبد السلام إلى «قائمة الدول الفاشلة» «بمعنى أن تخليها عن خيار «التوافق» سيدفعها دفعًا نحو «السيناريو الليبي».
لكل هذه الأسباب صعّد الرئيس التونسي مع معارضيه في آخر ظهور تلفزيوني له قبل أيام. وأورد قائد السبسي أنه أدرى من منتقديه بمصلحة البلاد العليا. وحذر من مخاطر استغلال الخلافات مع النقابات، والأزمة الداخلية في حزبه، والانتقادات العنيفة التي وجهها ضحايا القمع في العقود الماضية، من أجل الإساءة إلى البلاد أو الإطاحة برئيس الحكومة، الشاهد، الذي أعلن «اعتزازه» به.

