«ورقة اللاجئين».. سلاح تركيا في وجه الاتحاد الأوروبي

أسباب أخرى أهمها اقتصادي تجعل قطع المفاوضات نهائيًا أمرًا مستبعدًا

تراجعت الليرة التركية أمام اليورو والدولار لتصل إلى مستوى قياسي منخفض بعد أن صوَّت البرلمان الأوروبي لتجميد مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد (إ.ب.أ)
تراجعت الليرة التركية أمام اليورو والدولار لتصل إلى مستوى قياسي منخفض بعد أن صوَّت البرلمان الأوروبي لتجميد مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد (إ.ب.أ)
TT

«ورقة اللاجئين».. سلاح تركيا في وجه الاتحاد الأوروبي

تراجعت الليرة التركية أمام اليورو والدولار لتصل إلى مستوى قياسي منخفض بعد أن صوَّت البرلمان الأوروبي لتجميد مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد (إ.ب.أ)
تراجعت الليرة التركية أمام اليورو والدولار لتصل إلى مستوى قياسي منخفض بعد أن صوَّت البرلمان الأوروبي لتجميد مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد (إ.ب.أ)

هدد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في خطاب غاضب في إسطنبول، أمس الجمعة، بفتح حدود بلاده مع الاتحاد الأوروبي أمام اللاجئين، في حال واصل الاتحاد الأوروبي تصعيد إجراءاته ضد أنقرة.
أنقرة أشهرت على الفور ورقة اللاجئين في وجه الاتحاد الأوروبي، ردا على قرار غير ملزم أصدره البرلمان الأوروبي الخميس بتجميد مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لفترة مؤقتة، اعتبرته تركيا لا قيمة له.
ورقة اللاجئين التي لطالما لوَّحت بها أنقرة للضغط من أجل مكتسبات، كإعفاء المواطنين الأتراك من تأشيرة الدخول إلى الاتحاد الأوروبي، باتت هي السلاح الأقوى، وربما الوحيد، في يد أنقرة، كما يرى محللون أتراك. ورد إردوغان على قرار البرلمان الأوروبي مخاطبا الاتحاد الأوروبي: «نحن من نطعم 3 إلى 3.5 مليون لاجئ في هذا البلد. لقد خنتم وعودكم. إذا ذهبتم إلى أبعد من ذلك فسيتم فتح تلك البوابات الحدودية».
وكان إردوغان يشير إلى اتفاق اللاجئين الذي أبرمته تركيا مع الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي، والذي يقضي بإعادة المهاجرين إلى تركيا، في مقابل الحصول على حزمة مساعدات للاجئين السوريين، وتسريع مفاوضات العضوية في الاتحاد الأوروبي، وإعفاء الأتراك من تأشيرة «شنجن»، لكن الاتحاد الأوروبي قال إن تركيا لم تستوف الشروط المطلوبة لإلغاء تأشيرة الدخول بموجب الاتفاق. وحذرت متحدثة باسم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من أن التهديد التركي بورقة اللاجئين «لا يؤدي إلى نتيجة».
وقالت المتحدثة أولريكي ديمير، تعليقا على تهديد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بفتح حدود تركيا مع أوروبا للاجئين: «نعتبر الاتفاق بين تركيا والاتحاد الأوروبي نجاحا مشتركا، والاستمرار فيه يصب في مصلحة كل الأطراف»، لكن «تهديدات من الجانبين لا تؤدي إلى نتيجة».
وكان رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم قد أعلن بدوره بعد ساعات قليلة من قرار البرلمان الأوروبي أنه من دون مساعدة تركيا فإن أوروبا قد «تغمرها» موجات من المهاجرين، وقال إن قطع المحادثات مع الاتحاد الأوروبي سيكون ضارًا لأوروبا أكثر بكثير من تركيا.
وقال يلدريم، في تصريحات بثت على الهواء في التلفزيون الرسمي: «نحن أحد العوامل التي تحمي أوروبا. إذا تُرك اللاجئون يعبرون، فإنهم سيتدفقون على أوروبا ويجتاحونها، وتركيا تحول دون ذلك»، واعترف بأن «قطع العلاقات مع أوروبا سيضر تركيا لكنه سيضر أوروبا بخمسة أو ستة أمثال».
ويعتبر قرار البرلمان نداء للدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية المخولة بإجراء المفاوضات، ولكن هذه المطالبة غير ملزِمة قانونًا وإن كانت ذات دلالة رمزية قوية.
ووصف وزير شؤون الاتحاد الأوروبي التركي عمر جليك تصويت البرلمان الأوروبي الخميس على مشروع قرار غير ملزم بتجميد مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي لفترة مؤقتة، بأنه «لا وزن له».
وتحولت مشكلة اللاجئين منذ توقيع اتفاق اللاجئين وإعادة قبول المهاجرين بين تركيا والاتحاد الأوروبي في 18 مارس الماضي إلى قضية شد وجذب بين تركيا والاتحاد، الذي يخشى من أن تفتح تركيا أبوابها أمام اللاجئين إلى الدول الأوروبية. ونص الاتفاق على أن تتخذ الإجراءات اللازمة من أجل إعادة المهاجرين غير السوريين إلى بلدانهم، بينما سيجري إيواء السوريين المعادين في مخيمات ضمن تركيا، وإرسال لاجئ سوري مسجل لديها إلى بلدان الاتحاد الأوروبي مقابل كل سوري معاد إليها، ومن المتوقع أن يصل عدد السوريين في عملية التبادل في المرحلة الأولى 72 ألف شخص، في حين أن الاتحاد الأوروبي سيتكفل بمصروفات عملية التبادل وإعادة القبول.
ويضمن الاتفاق التركي الأوروبي، الذي دخل حيز التنفيذ في 4 أبريل (نيسان) الماضي بنودا لتشجيع تركيا على أن تقوم بدور الجدار العازل الذي يمنع تدفق اللاجئين على دول أوروبا التي لا تريد أن تنتقل مشكلات الشرق الأوسط إلى عقر دارها، وأن تتحمل مشكلات مزيد من اللاجئين بعدما وصل إليها منهم أكثر من مليون لاجئ العام الماضي، إضافة إلى ما تعانيه من الإرهاب الذي ضرب كثيرا من الأنحاء.
وتعهد الاتحاد الأوروبي بمنح تركيا مبلغا يصل بالتدريج إلى 6 مليارات يورو، لدعمها في تلبية احتياجات اللاجئين، سواء في الإقامة أو الإعاشة أو التعليم. وتخشى أنقرة من استمرار التصعيد من جانب الاتحاد الأوروبي لا سيما بعد أن لوح بعض القادة بالمطالبة بتطبيق عقوبات اقتصادية وتجارية على تركيا. وفي أول بادرة على هذا الاتجاه التصعيدي صادق برلمان النمسا مساء الخميس على مقترح يقضى بمنع تصدير المعدات والتجهيزات العسكرية إلى تركيا.
وينص المقترح على رفض منح تراخيص تصدير الأسلحة والذخائر إلى دول تعيش حالة حرب أو يحتمل أن تشهد حربا، في إطار قانون المعدات الحربية والتجارة الخارجية، موضحا أن «حقوق الإنسان في تركيا، تمارس عليها ضغوط، وأن الأسلحة المذكورة ستستخدم ضد المعارضة».
وترى تركيا أن هناك موقفا متعمدا ضدها من جانب الاتحاد، ولمح إلى ذلك وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بقوله إن «دولاً (لم يذكرها) إلى جانب تركيا بدأت مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي في الماضي القريب، إما انضمت إلى الاتحاد أو فتحت معها فصولا تفاوضية كثيرة، على عكس تركيا التي تتعرض لازدواجية المعايير في هذا الإطار».
وعلى الرغم من ذلك فإن هناك أصواتا ترى أن الموقف الذي تتبعه الحكومة التركية حاليا تجاه الاتحاد الأوروبي خاطئ ويجب العدول عنه، ومنهم الرئيس التركي السابق عبد الله غل، الذي شغل منصب وزير الخارجية في فترة ازدهار العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، والذي أشار إلى أن تركيا هي من بدأت مفاوضات العضوية مع الاتحاد الأوروبي، وأن تركيا شهدت نموا اقتصاديا سريعا خلال تلك المرحلة، مؤكدا أن الوضع الحالي ليس صائبا.
كما انتقد غل موقف الحكومة التركية بشأن مفاوضات العضوية التي بلغت نقطة الجمود قائلا: «الهدف الأساسي لا يكمن في أن تصبح تركيا إحدى الدول الأعضاء في الاتحاد، بل يكمن في بلوغ تركيا ذلك المستوى الذي تمثله الدول الأوروبية بمعاييرها المعروفة».
كما طالبت المعارضة التركية الاتحاد الأوروبي بتقييم علاقته مع تركيا على أساس قيمتها كدولة وليس على أساس شخص من يحكمها.
وقالت نائبة رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض، المتحدثة باسم الحزب سلين سايك بوكا، في تصريحات، «إن تركيا دولة تقدمت أكثر من الغرب في بعض الأحيان، ونأمل ألا يغفل الاتحاد الأوروبي هذه الحقيقة أثناء اتخاذه قرارًا. كما آمل في أن تكون السلطات التركية أجرت دراسة بشأن كل القرارات التي ستُتّخذ».
وتطرقت بوكا أيضا إلى منظمة شنغهاي للتعاون التي طرحها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بديلاً عن الاتحاد الأوروبي، بقولها: «إردوغان يتجه إلى منظمة شنغهاي للتعاون. وهذه لن تحل أبدا محل الاتحاد الأوروبي. الاتحاد الأوروبي يشكِّل 48.5 في المائة من إجمالي صادرات تركيا. والاتحاد الأوروبي يشتري نصف المنتجات التي نبيعها. فنحن نحقق دخلا من الاتحاد. أما صادراتنا لدول منظمة شنغهاي للتعاون فتبلغ 3 في المائة فقط. نحن سنتخلى عن 50 في المائة من دخلنا وسنتجه إلى 3 في المائة فقط. هذا الأمر لن يحدث».
وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قد لوَّح خلال عودته من زيارة لأوزبكستان، الأحد، بانضمام بلاده إلى منظمة شنغهاي للتعاون التي تضم روسيا والصين ودولاً آسيوية أخرى، قائلا إن تركيا ستشعر بالارتياح في حال انضمامها لمنظمة شنغهاي. واستقبلت الصين على الفور تلويح إردوغان بالترحيب، وأعربت عن امتنانها لرؤية أنقرة داخل المنظمة.
وأوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية غينغ شوانغ في مؤتمر صحافي الاثنين، أن بلاده تولي اهتمامًا كبيرًا لرغبة تركيا في الانضمام إلى منظمة شنغهاي، وأن بكين مستعدة لتقديم الدعم اللازم لتحقيق هذه الخطوة.
وكان إردوغان قد تساءل: «لماذا لا تنضم تركيا إلى خماسية شنغهاي؟ وقد أبلغت بذلك الرئيسين الروسي بوتين والكازخستاني نزار باييف».
وأضاف أن العمل ضمن إطار منظمة شنغهاي سيكون أكثر ملاءمة بالنسبة لبلاده، منددا بمماطلة الاتحاد الأوروبي المستمرة على مدى 53 عاما في قبول أنقرة في صفوفه.
وتأسست منظمة شنغهاي للتعاون عام 2001، وتعتبر منتدى سياسيا واقتصاديا وأمنيا إقليميا، يضم روسيا والصين وكازخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان، أعضاءً دائمين.
ووقَّعت الهند وباكستان مذكرة التزام بالمنظمة، في شهر يونيو (حزيران) الماضي، لتبدأ بذلك عملية انضمامهما كمراقبتين إلى المجموعة.
وتقدمت تركيا رسميا بطلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عام 1987، وتحول سعيها إلى الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي في الآونة الأخيرة إلى أبرز نقطة خلافية مطروحة على أجندة العلاقات بين أنقرة وبروكسل، لا سيما بعد إبرام الطرفين في 18 مارس الماضي اتفاقية أتاحت لأوروبا رفع عبء أكبر أزمة هجرة في تاريخها منذ الحرب العالمية الثانية.
وعلى الرغم من أن قرار البرلمان الأوروبي يعد مؤشرا سلبيا على ما يمكن أن يحدث بين تركيا والاتحاد، فإن فيديريكا موغيريني الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي قالت تزامنا مع المناقشات التي بدأت حول وقف المفاوضات مع تركيا، إن «إنهاء أو تعليق مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد سيلحق الضرر بالطرفين، وبإمكانهما التعاون في كثير من المجالات».
وأوضحت موغيريني أن «أنقرة في مرحلة إجراء إصلاحات دستورية كبيرة، والاتحاد مستعد لتقديم الدعم اللازم لها في هذا الخصوص». ودعت إلى وجوب إبقاء قنوات الحوار مفتوحة بين الطرفين.
ورأت موغيريني أن «تركيا لها الحق المشروع في محاسبة الضالعين بمحاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت منتصف يوليو (تموز) الماضي، والذين يقفون وراء العمليات الإرهابية التي تجري في البلاد».
وتابعت: «من الخطأ إنهاء أو تعليق محادثات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، لأن الإقدام على هذه الخطوة سيؤثر سلبًا على الطرفين، فنحن بحاجة إلى حوار مستمر مع تركيا بخصوص مسائل عدة أهمها مكافحة الإرهاب، ومستقبل سوريا والاستقرار في منطقة القوقاز».
في المقابل، قال مانفريد ويبير رئيس كتلة حزب الشعب الأوروبي (أكبر كتلة سياسية في البرلمان الأوروبي)، إن «تركيا والاتحاد في مفترق طرق». وأضاف: «تركيا منشغلة في الأيام الأخيرة بفكرة تعميق العلاقات مع منظمة شنغهاي، وإن اقتراب تركيا من الصين وروسيا أمر يدعو للدهشة».
وبدوره قال جياني بيتيلا، رئيس كتلة الديمقراطيين الاجتماعيين في البرلمان الأوروبي، إن أنصار حزبه «لا يزالون ينظرون بإيجابية إلى مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي».
وأضاف خلال الجلسة نفسها أن «على الاتحاد أن يتخذ مواقف صارمة تجاه عمليات التوقيف التي طالت نوابا من حزب الشعوب الديمقراطي، وحالات فصل مؤيدي الداعية فتح الله غولن، المتهم بالوقوف وراء محاولة الانقلاب من وظائفهم، على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة».
واعتبر جي فيرهوفشتات زعيم حزب «الليبرالي الديمقراطي» في البرلمان الأوروبي، أن ثلاثية «بوتين وإردوغان وترامب» تهدد نموذج الاتحاد الأوروبي، داعيا إلى تعليق مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد حتى أجل مسمى.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.