بعد أسبوعين على انتخاب ترامب.. نيويورك تحاول استيعاب ما حدث

بعد أسبوعين على انتخاب ترامب.. نيويورك تحاول استيعاب ما حدث

لماذا لم يصوت السود في ميلووكي لهيلاري كلينتون؟
الأربعاء - 23 صفر 1438 هـ - 23 نوفمبر 2016 مـ رقم العدد [ 13875]
بدأ العمال بتزيين المباني تحضيرا لأعياد الميلاد ورأس السنة في نيويورك (أ.ف.ب)
نيويورك: «الشرق الأوسط»
مدينة نيويورك التي أصبحت رمزا للتنوع وصوت سكانها بنسبة 79 في المائة لمصلحة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون ما زالت تحاول استيعاب الصدمة بعد أسبوعين من نتيجة الانتخابات، والتي شبهت بالتأثير الناجم عن حصول انفجار.

وأقر رئيس بلدية المدينة الديمقراطي بيل دي بلازيو بأن «كثيرين يعتبرون أن الشعور بالصدمة والفوضى ما زال قائما».

«إنه أمر محبط فعلا ومحزن»، يقول بريان بومبي الأربعيني، قال في تصريحات في تحقيق حول الموضوع للوكالة الفرنسية. بومبي جاء لكتابة رسالة على الجدار الذي بات شهيرا والذي أنشأه فنان شاب في ممرات محطة مترو يونيون سكوير. وأضاف: «إنه شعور يقارن بالشعور الناجم عن اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول).

وبعد أسبوعين على انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، ما زال عدد كبير من سكان المدينة يسعون عبر مختلف الوسائل التي تبدأ باليوغا وتصل إلى الوشم، مرورا بأنشطة مشتركة إلى تبديد ما يعتريهم من قلق وهواجس.

ويختار البعض الوشم. ويقول شيرو أوكي الموظف لدى «فان سيتي تاتو» في حي إيست فيليدج، إن ستة زبائن طلبوا وشما يذكر بالانتخاب، مثال «فليذهب ترامب إلى الجحيم». ويبحث آخرون عن الطمأنينة في اليوغا. وقد اقترح عدد كبير من مراكز اليوغا والتأمل في الأيام الأخيرة، عقد حلقات بعد الانتخاب من أجل تهدئة القلق الذي يساور بعض سكان نيويورك.

وفي عيادته، طرح الطبيب النفسي إدوارد راتوس موضوع الانتخابات مع معظم مرضاه، وقد اضطر كثيرون منهم إلى الموافقة على هذا الطرح مرغمين. وأضاف هذا الطبيب الذي يشكل الشبان الناشطون القسم الأكبر من مرضاه: «لقد تمحور الأسبوع حول الانتخابات، الأمر واضح». وأضاف: «كثيرون منهم يتساءلون ماذا سيحل ببلادنا؟ وبالحرية». ويزيد الانتماء إلى أقلية إثنية أو عرقية من الاضطراب الذي يشعر به المعادون لترامب.

وقال القس كالفين أو. بوتس خلال قداس الأحد في «ابيسيان باتيست تشيرش» التي تتمتع بنفوذ كبير في هارلم «على غرار اغتيال الرئيس كيندي في 1963، سيؤدي انتخاب دونالد ترامب إلى تغيير أميركا».

وقد استقبل هذا القس الاثنين أطفالا من مدرسة ثورغود مارشال الابتدائية في هارلم التي تأسست بدعم من الكنيسة. وأضاف هذا القس «إنهم يشعرون بالصدمة بعد الانتخابات». وقال: «يطرحون أسئلة، مثل هل أن دونالد ترامب رجل شرير؟ هل سيأخذون أهلنا؟ ولماذا يشعر الجميع بالخوف؟».

وقالت هينا خان الأم المسلمة لطفلين إن «الأمر بالغ الصعوبة بالنسبة إلى الأطفال، لأنك تمضي وقتك تعلمهم ألا يعاملوا أحدا بقسوة، وأن يتحلوا باللطف مع الآخرين، ثم ترى شخصا أقنع الناس بانتخابه ويقوم عكس ما نعلمه لأولادنا».

ويعتبر المسلمون في شمال شرقي الولايات المتحدة أن انتخاب دونالد ترامب «يوازي الشعور بالخيانة إلى حد ما»، كما تقول من ميريلاند التي تعيش فيها هذه الكاتبة التي ألفت عددا من الكتب المخصصة للأطفال، وتتطرق إلى عالم الإسلام.

ولم تستثن الأعمال العرقية هذه المدينة العالمية. وقال قائد الشرطة جيمس أونيل، إن «ما يحصل مقلق إلى حد ما»، مشيرا إلى ارتفاع الأعمال العنصرية بنسبة 31 في المائة منذ يناير (كانون الثاني).

وأكد بيل دي بلازيو الاثنين: «من المهم قول الأمور بما تتطلبه من صراحة: الخوف متفش كثيرا في هذا الوقت». ووضع خط هاتف مجاني في خدمة الأشخاص الذين يشعرون بأنهم مهددون. وقد احتشد 300 شخص الأحد في حديقة بحي بروكلين هايتس الذي أعيدت تسميته باسم مغني مجموعة بيستي بويز التي أسسها في الثمانينات ثلاثة شبان موسيقيين يهود من بروكلين. وكانوا يعبرون عن احتجاجهم بعد العثور على صليبين معقوفين في المكان المخصص لألعاب الأطفال، وقد أرفقا بعبارة تأييد لترامب.

وبعد المظاهرات الكبيرة في الأسبوع الأول والتي شارك في إحداها أكثر من 10 آلاف شخص، ما زال عدد كبير من المظاهرات يجرى في أماكن متعددة. ويستعد كثيرون حتى الآن للمشاركة في المظاهرة النسائية الكبيرة المقررة في 21 يناير، غداة تولي ترامب مهام منصبه. وفي انتظار هذه المظاهرة، تستعد عائلات لأن تمضي الخميس عطلة عيد الشكر في أجواء قلق. وأوضح بومبي الذي سيبقى في نيويورك مع عائلته التي تضم جمهوريين: «أنا متأكد أننا لن نتحدث في السياسة». وأضاف: «لست متأكدا أنهم أدلوا بأصواتهم» للجمهوري دونالد ترامب. وخلص إلى القول: «لا أريد أن أسأل. لا أريد أن أعرف».

وفي ميلووكي، من جانب آخر، يرتفع عدد الشبان السود العاطلين عن العمل، وتنتشر المتاجر المهترئة، ويبدو حي نورث افينيو في المدينة الأميركية كئيبا. هنا، لم يؤيد السكان السود الدعم المتوقع لهيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية، لا بل صوت بعضهم لدونالد ترامب.

وميلووكي أكبر مدينة في ولاية ويسكونسن التي تقع غرب بحيرة ميشيغان الشاسعة. وتعد أكثر مدينة مقسمة عرقيا في الولايات المتحدة بحسب دراسة أجريت عام 2011، وشكلت ولاية ويسكونسن المليئة بالأراضي الزراعية والمعقل الصناعي السابق أكبر مفاجأة في الانتخابات الرئاسية في عام 2016: لم يتوقع أي أحد أن تصوت الولاية لترامب، لدرجة أن كلينتون لم تزر الولاية منذ الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وأرسلت ابنتها وزوجها بدلا منها في الحملة الانتخابية. ويقول رونالد روبرتس، وهو رجل أسود يرتدي نظارات سميكة «اعتقدت (كلينتون) على الأغلب أنها ستفوز بويسكونسن». وبحسب الرجل المتقاعد الذي كان يعمل في قطاع صناعة السيارات «يجب عدم اعتبار الناخبين أمرا مفروغا منه، لأنهم عندها، سيبقون في منازلهم». وهذا ما حصل تماما، بحسب استطلاعات الرأي التي أجريت عند خروج الناخبين من مراكز الاقتراع، وما أكده سكان الحي الذي لا يوجد فيه أي شخص أبيض.

وتشير بريتني مايز التي تعمل في صالون تجميل «بالنسبة إلي، فإن هيلاري ليست أفضل من ترامب. ولهذا السبب لم أصوت».

ويطغى الفقر والإهمال والفصل العرقي على نورث افينيو، حيث تشهد مجموعة من المساكن الفارغة على عدم قدرة العائلات على دفع إيجاراتها وعلى الإفلاس. وتظهر نوافذ مهملة في بعض المنازل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعاني منه العائلات. وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما حصل على تأييد الناخبين الذين يصوتون في العادة للديمقراطيين في هذه المنطقة في انتخابات الرئاسة عامي 2008 و2012. ويقول رونالد روبرتس: «هناك أشخاص كثيرون هنا دون عمل. ولا يوجد الكثير من الأموال لتداولها». في ميلووكي، يقيم البيض تقريبا في ضواح ثرية، حيث قام دونالد ترامب بحملة انتخابية. ووصل السود في وقت متأخر إلى المدينة في الستينات مع بدء اندثار العصر الذهبي للصناعة في الولاية. وتركزوا في الجزء الشمالي من المدينة، بينما تركز المهاجرون من أصول لاتينية في الجنوب.

ويبدو الفصل العرقي بين السود والبيض جليا، حيث تبلغ نسبة البطالة اليوم لدى السود أعلى بثلاث مرات من البطالة لدى البيض. ويحمل الطلاب السود أعلى معدل من الفشل الدراسي في الولايات المتحدة كلها.

وفي مقاطعة ميلووكي، دخل أكثر من 50 في المائة من السكان السود في المدينة بين عمر 30 - 40 عاما السجن، ما يعني منعهم من التصويت لفترة معينة. وأقر قانون مؤخرا يفرض تقديم هوية مع صورة للمشاركة في التصويت. وترى منظمات غير حكومية أن القانون تم إقراره للحد من تصويت الأقليات في الانتخابات الرئاسية.

وتقول أندريا كامينسكي، المسؤولة عن فرع ويسكونسن في رابطة الناخبات التي نشرت 250 مراقبا يوم الانتخابات الرئاسية: «في بعض الحالات، تم رد بعض الناخبين دون أسباب مقنعة».

وأضافت: «لا يمكن حتى إحصاء الأشخاص الذين لم يحاولوا أصلا التصويت بسبب هذا القانون حول أوراق هوية الناخبين. ولكن هذا على الأرجح، عدد أكثر بكثير من الذين تم رفض مشاركتهم».

وتقول دريكا ويسلي التي تعمل في محل «والمارت»: «أعرف بعض الأشخاص الذين لا يملكون بطاقة هوية ولم يتمكنوا من التصويت وارى أن الأمر غير عادل».

وترى لاتونيا جونسون، وهي مسؤولة سوداء محلية منتخبة، أن سكان الأحياء في شمال ميلووكي الغارقين في المخدرات والبطالة والعنف وانخفاض أسعار العقارات، فقدوا الأمل. وبحسب جونسون: «الواقع الكئيب هو أن الناس لا يدركون العلاقة بين التصويت وتحسين ظروفهم المعيشية».

وتتابع: «ترامب تحدث عن كل الفساد في السياسة وتزوير الانتخابات. ولهذا كان هناك أناس كثيرون شعروا بأن تصويتهم لن يغير شيئا». بينما اختار بعض السود التصويت للملياردير الجمهوري ترامب. ويقول دينيس جونسون (39 عاما)، سائق شاحنة: «صوتت لترامب لأني أعتقد أن بإمكانه خلق وظائف. نقطة». ويضيف «قال ماذا لديكم لتخسروه، وبالنسبة إلي، الأمر منطقي للغاية».

ويرى الرجل أن الولايات المتحدة ستصمد مع تولي ترامب الرئاسة، قائلا: «البلد سيصمد مع أربع سنوات لترامب. صمدنا ثماني سنوات مع أوباما وثماني سنوات مع (جورج) بوش».

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة