الرئيس الجيبوتي لـ «الشرق الأوسط»: من حق العرب التصدي لدور إيران الهدام بشتى الوسائل الممكنة

إسماعيل عمر غيلة أكد أن علاقة بلاده مع السعودية تقوم على أسس راسخة من الثقة والتفاهم

الرئيس الجيبوتي لـ «الشرق الأوسط»: من حق العرب التصدي لدور إيران الهدام بشتى الوسائل الممكنة
TT

الرئيس الجيبوتي لـ «الشرق الأوسط»: من حق العرب التصدي لدور إيران الهدام بشتى الوسائل الممكنة

الرئيس الجيبوتي لـ «الشرق الأوسط»: من حق العرب التصدي لدور إيران الهدام بشتى الوسائل الممكنة

من وسط مبانٍ بسيطة بُنيت حديثا، وأخرى تاريخية وقديمة، يدير الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر غيلة، شؤون بلاده التي تتطلع للعب دور مهم في العالم الجديد، معتمدة على موقعها الاستراتيجي على مضيق باب المندب والقرن الأفريقي. ويقول إن الدولة، محدودة الموارد، تستعد لفتح أبواب واسعة للتعاون عربيا وأفريقيا ودوليا على الصعيد الاقتصادي والأمني والعسكري، مشددا على عمق علاقة بلاده مع المملكة العربية السعودية والتي تقوم على أسس راسخة من الثقة والتفاهم.
وفي وقت جرى فيه توقيع اتفاقية للتعاون الأمني بين جيبوتي والسعودية، يؤكد الرئيس غيلة على أن البلدين «سيبرمان قريبا اتفاقية أخرى للتعاون العسكري».
ويقول الرئيس الجيبوتي إن بلاده لا تخشى من تنافس عسكري بين الدول الكبرى فوق الأراضي الجيبوتية، لأن وجودها موجه في المقام الأول لمكافحة الإرهاب وضد القرصنة البحرية ولحماية الملاحة الدولية في هذا الموقع الاستراتيجي المهم، مشيرا إلى أن العالم شهد خلال العقد الأخير أزمات معقدة أدت إلى تبلور أوضاع اقتصادية وسياسية وأمنية حرجة. ويضيف أن هذا الأمر أدى لانعكاسات خطيرة للأوضاع الدولية، منها انتشار واسع، لم يسبق له مثيل، للإرهاب والعنف والتطرف.
وقطعت جيبوتي علاقتها بطهران التي تدعم المتمردين الحوثيين، وانضمت للتحالف العربي الذي تقوده السعودية لمساندة الشرعية في اليمن، ودخلت أيضا في التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب. ويقول الرئيس غيلة إن إيران تتدخل بشكل سافر في شؤون عدة دول عربية، من بينها اليمن والبحرين وسوريا والعراق، من خلال إثارة الفتنة الطائفية ودعم الميليشيات المسلحة بالمال والسلاح، ما أدى لزعزعة الأمن والاستقرار في هذه الدول، وحوَّلها لساحات حروب، معربا عن اعتقاده في أنه من حق العرب أن يتصدوا لهذا الدور الهدام الذي تلعبه إيران في المنطقة العربية بشتى الوسائل الممكنة والمتاحة.
ومن خلال حديثه، يبدو أن الرئيس الجيبوتي يضع نصب عينيه تنفيذ خطة شاملة للنهوض بدولته الفقيرة من خلال فتح أبواب التعاون العربي والأفريقي والدولي. ويقول إن أفريقيا سوق استهلاكية ضخمة وستشهد ظهور طبقة متوسطة تتمتع بقوة شرائية تقدر بنحو 1.4 مليار دولار بحلول عام 2020 ما يجعل القارة جاذبة للمستثمرين الأجانب، مشيرا إلى أن التحدي الرئيسي أمام تحقيق التطلعات الإنمائية في القارة يكمن في غياب البنية التحتية الحديثة في مجال الطرق والطاقة وغيرهما.
وإلى نص الحوار..
* فخامة الرئيس.. شاركتم في عدة محافل دولية خلال الشهرين الماضيين، منها الاجتماع السنوي للأمم المتحدة في نيويورك، والقمة العربية في موريتانيا. كيف تنظرون إلى خريطة العالم اليوم، مقارنة بما كان عليه قبل عشر سنوات، خاصة فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب، على الصعيد الدولي، وقضية التضامن والتعاون على الصعيد العربي؟
- شهد العالم خلال العقد الأخير أزمات معقدة أدت إلى تبلور الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية الحرجة التي تسود في الكثير من أنحاء العالم في الظرف الراهن. وكجزء من هذه الانعكاسات الخطيرة للأوضاع الدولية، فإن الإرهاب والعنف والتطرف سجل انتشارا واسع النطاق على نحو لم يسبق له مثيل، ويبذل المجتمع الدولي جهودا متواصلة لمحاربة هذه الظاهرة وتجفيف منابعها. وفي هذا السياق، فإن من الأهمية بمكان، الإشارة إلى أن التصدي بفعالية لهذه الآفة يتطلب تعاونا دوليا وثيقا، كما يتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر فقط على الجانب الأمني والعسكري، بل تتعامل أيضا مع الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تسمح بتنامي الإرهاب. وفيما يتعلق بالجزء الثاني من سؤالك، فإن المنطقة العربية شهدت خلال السنوات الأخيرة أزمات سياسية وأمنية خطيرة تستدعي تعزيز التضامن والتعاون وتكريس كافة الجهود في سبيل وحدة الصف العربي، انطلاقا من وحدة الهدف والمصير، لمواجهة تداعيات هذه الأزمات، والتصدي للتحديات التي تواجه الأمن القومي العربي، والعمل على نشر ثقافة السلم والاعتدال والتسامح، ونبذ كل أشكال الغلو والتطرف والعنف والكراهية، ومعالجة الأزمات العربية بالطرق السلمية، ورفع التحديات التنموية وترسيخ قيم العدل والمساواة، والإسراع في تنفيذ مشروعات التكامل العربي القائمة وتوسيع فرص الاستثمارات بين الدول العربية، وإيجاد آليات لمساعدة الدول العربية الأقل نموًّا وتأهيل اقتصادياتها، ونأمل أن تؤتي الجهود العربية المبذولة في هذا الاتجاه أكلها.
* منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر تشهد حالة من الاضطراب منذ سنوات، وذلك بالنظر إلى القلاقل الموجودة في الصومال والحرب في اليمن والقرصنة البحرية وغيرها. ما الدور الذي تلعبه جيبوتي للمساعدة في جعل هذه المنطقة أكثر أمنا واستقرارا؟
- تعتبر الأزمة الصومالية والحرب في اليمن والقرصنة البحرية والإرهاب والجفاف المتكرر (قلة مياه الأمطار) من التحديات الرئيسية التي تعاني منها هذه المنطقة الحيوية من العالم على الصعيدين الأمني والتنموي. وكما يعلم الجميع فإن جمهورية جيبوتي تضطلع بدور طليعي في الجهود المبذولة لمواجهة هذه التحديات وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، لينعكس ذلك إيجابا على التكامل والتضامن الاقتصادي وتعزيز فرص العيش الكريم لشعوبها.
* كانت لكم زيارة منذ نحو سنة إلى السعودية حيث التقيتم مع الملك سلمان بن عبد العزيز. فإلى أي حد تطورت العلاقات بين البلدين، في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية، خاصة بعد انضمام جيبوتي للتحالف العربي المساند للشرعية في اليمن والتحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب؟
- علاقاتنا مع المملكة العربية والسعودية الشقيقة هي علاقات أخوية تاريخية متينة تقوم على أسس راسخة من الثقة والتفاهم والتنسيق العالي على المستويات كافة. ومنذ زيارتي الرسمية للرياض منذ نحو عام ولقائي بأخي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز، وولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، فإن علاقاتنا مع المملكة شهدت نقلة نوعية كبيرة. وقد أكدنا حينها كقيادتين سياسيتين، على ضرورة الارتقاء بهذه العلاقة إلى المستوى الاستراتيجي. وأستطيع أن أؤكد أن قيادتي البلدين تمكنتا من تحقيق ذلك الهدف. وفي هذا المضمار، وقع البلدان الشقيقان مؤخرا اتفاقية للتعاون الأمني، وسيبرمان قريبا اتفاقية أخرى للتعاون العسكري. كما نترقب في قادم الأيام انعقاد المنتدى الاقتصادي الجيبوتي السعودي الذي سيشهد إطلاق مجلس مشترك لرجال الأعمال الجيبوتيين والسعوديين، وكل ذلك يبرز مدى التطور الذي تشهده العلاقات الأخوية المتميزة بين البلدين الشقيقين على مختلف الأصعدة. أما فيما يتصل بموقف جيبوتي من التحالف العربي المساند للشرعية في اليمن، فإنه يأتي في سياق التنسيق والتعاون الوثيق القائم مع المملكة، كما يعكس في ذات الوقت الواجب الأخوي والأخلاقي الذي يتحتم علينا القيام به حيال أشقائنا اليمنيين الذين تجمعنا بهم روابط القرابة والجوار والتاريخ والحضارة. أما انضمامنا إلى التحالف الإسلامي الذي تقوده المملكة انطلاقا من دورها الريادي والقيادي في العالم الإسلامي، فعلاوة على كونه يندرج في إطار التنسيق الفعال الموجود بيننا وبين المملكة، فإنه يعكس أيضا رؤيتنا بأن إنشاء هذا التحالف كان مطلبا ملحا لشعوب الدول الإسلامية التي عانت أكثر من غيرها من الإرهاب الأعمى الذي يرتكب جرائمه البشعة دون تفريق بين دين أو مذهب أو عرق.
* قطعتم العلاقة الدبلوماسية مع إيران تضامنا مع السعودية عقب الاعتداء الذي تعرضت له سفارة المملكة في طهران وقنصليتها في مدينة مشهد بإيران مطلع هذا العام. في هذا الإطار، كيف تنظرون إلى الاتهامات الموجهة إلى إيران بالتدخل في الشؤون العربية، ومنها اليمن والعراق وسوريا؟
- دور إيران في المنطقة العربية لم يعد سرا، فقد قامت إيران مرارا وتكرارا بالتدخل بشكل سافر في شؤون عدة دول عربية، من بينها اليمن والبحرين وسوريا والعراق من خلال إثارة الفتنة الطائفية ودعم الميليشيات المسلحة بالمال والسلاح، مما أدى إلى زعزعة الأمن والاستقرار في هذه الدول العربية وحولها إلى ساحات حروب. وأعتقد أنه من حق العرب أن يتصدوا لهذا الدور الهدام الذي تلعبه إيران في المنطقة العربية بشتى الوسائل الممكنة والمتاحة.
* تأتي فترة رئاستكم الجديدة في وقت يشهد فيه العالم الكثير من المشاكل السياسية والاقتصادية والأمنية، بينما تزداد الأهمية الدولية لمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر وباب المندب. هل تخشى جيبوتي من مغبة التأثر بالتنافس من عدة دول كبرى، مثل الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والصين، على الاستفادة من موقع بلادكم الجغرافي، خاصة أن مقر القيادة الأفريقية التابعة للقوات المسلحة الأميركية، يوجد في جيبوتي، مع ظهور تسريبات عن رغبة الصين في إيجاد صيغة لتعاون عسكري كبير مع بلادكم؟
- قطعا، لا نخشى من ذلك، لأن الوجود العسكري للدول الكبرى التي ذكرتموها في جيبوتي ليس استقطابا أو تنافسا بين هذه الدول على مصالح اقتصادية واستراتيجية في منطقتنا، ولكنه موجه في المقام الأول لمكافحة الإرهاب والقرصنة البحرية وحماية الملاحة الدولية في هذا الموقع الاستراتيجي المهم من العالم، كما أننا بالمقابل نسعى إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار والتنمية في بلادنا على وجه الخصوص وفي المنطقة على وجه العموم. إذن فإنه يمكنني القول بأنه توجد هناك مصالح مشتركة، كما يوجد هنالك هدف مشترك يصبو إليه الجميع، ويتمثل في الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، وصون السلم والأمن الدوليين.
* كيف ترون مستقبل التعاون في القارة الأفريقية مع الوضع في الاعتبار أن «منظمة الإيقاد» التي تضم دولا أفريقية تأسست في جيبوتي عام 1986، بهدف زيادة التعاون في الأمن الغذائي وحماية البيئة وتعزيز وصون السلم والأمن. كما أن جيبوتي عضو فاعل في منظمة الكوميسا. فما هي العراقيل التي تطمحون إلى التغلب عليها للوصول إلى قوة اقتصادية أفريقية قادرة على سد احتياجات الداخل والمنافسة مع التكتلات الاقتصادية في القارات الأخرى؟
- أفريقيا قارة واعدة، بمواردها الطبيعية والبشرية الهائلة، فقد حققت القارة معدلات نمو اقتصادي سريعة خلال الأعوام الماضية، كما يتوقع أن تحقق معدلات نمو لافتة خلال السنوات القليلة المقبلة، حيث يرى المحللون الاقتصاديون بناء على الحقائق الديموغرافية أن القارة ستشهد ظهور طبقة متوسطة تتمتع بقوة شرائية تقدر بنحو 1.4 مليار دولار بحلول عام 2020، أضف إلى ذلك كونها سوقا استهلاكية ضخمة، ووفرة الأيدي العاملة فيها، كل هذه العوامل تجعل القارة الأفريقية جاذبة للمستثمرين الأجانب. ومع ذلك، فإن غياب البنية التحتية الحديثة في مجال الطرق والطاقة وغيرها يعد التحدي الرئيسي أمام تحقيق التطلعات الإنمائية في أفريقيا بما في ذلك تعزيز القدرة التنافسية للقارة، وتحقيق التكامل الاقتصادي والتصنيع السريع، والتحول الهيكلي لاقتصادها. وهناك مساع تبذل حاليا على المستوى القاري للتغلب على هذا التحدي، ففي جيبوتي على سبيل المثال قمنا باستثمار ملايين الدولارات خلال السنوات القليلة الماضية في تطوير البنية التحتية اللوجستية (كالطرق البرية والسكك الحديدية)، وكذلك البنية التحتية المالية والتجارية والتي تخدم اليوم الاقتصاديين على مستوى المنطقة.
* ما مدى رضاكم عن طريقة عمل الجامعة العربية بوضعها الراهن؟ وما هو تصور جيبوتي لتطوير عمل الجامعة بما يمكنها من لعب دور فاعل في القضايا المتسارعة التي تشهدها المنطقة؟
- جامعة الدول العربية قامت عبر مسيرتها المديدة التي بدأت قبل سبعين عاما ببذل جهود جبارة في حلحلة قضايا عديدة، وإذا نظرنا إليها بوصفها منظمة تجمع بين «دول»، وأخذنا كذلك بعين الاعتبار الطابع التقليدي الذي تميز به الميثاق المنشئ لها، فإنه يمكننا القول بأن ثمة إنجازات وإيجابيات عديدة تحققت، ولكن توجد أيضا في المقابل بعض السلبيات التي لا يمكن أن نغفلها أو نقلل من شأنها. وعلى الرغم من أوجه القصور التي شابت أداءها، فإن جامعة الدول العربية ستبقى الإطار التنظيمي الملائم لتجسيد آمال الأمة العربية. ومع ذلك، فإنني أعتقد أنه توجد هنالك حاجة إلى إصلاح وتطوير آليات عمل الجامعة العربية وتفعيل دورها. وعليه، فإنه لا بد من العمل بجدية من أجل تطوير الجامعة وتدعيم أجهزتها ومؤسساتها، وذلك من خلال تعديل الميثاق على نحو يكفل لها القدرة المناسبة على تحقيق أغراضها وتخويلها السلطات والصلاحيات اللازمة لذلك، حتى يتسنى لها القيام بدور فاعل في القضايا المتسارعة التي تشهدها المنطقة العربية، فضلا عن مواكبة التطورات والمستجدات على الساحة الدولية.
* شاركتم في أعمال الدورة الـ71 للجمعية العمومية للأمم المتحدة وقمة القادة في نيويورك حول أزمة اللاجئين. هل ترى ثمة إجراءات دولية حقيقية لمساعدة جيبوتي في التعاطي مع مشكلة اللاجئين خاصة أولئك القادمين من منطقة القرن الأفريقي ودولة اليمن؟
- جمهورية جيبوتي، منذ استقلالها، استضافت أعدادا كبيرة من اللاجئين من الدول المجاورة الهاربين من ويلات الحرب أو الآثار المدمرة للجفاف. وتشكل الأحداث الطبيعية والأفعال البشرية والتغير المناخي والتدهور البيئي مجتمعة، تهديدات تفاقم ظاهرة النزوح في أفريقيا بشكل عام وفي منطقة القرن الأفريقي على وجه الخصوص. وعلى الرغم من مواردنا المحدودة، فإن التزامنا قوي بمد يد العون لأولئك الذين يلجأون إلينا، حيث فتحنا لهم بيوتنا وقلوبنا، وقدمنا لهم المساعدة الإنسانية اللازمة. وهذا يتماشى مع القيم التي نعتز بها كدولة وكشعب، وفي هذا الصدد، قمنا بإنشاء وكالة خاصة تعنى بتقديم المساعدة للاجئين وضحايا الكوارث، والأزمات الإنسانية التي تضرب المنطقة. وبالإضافة إلى اللاجئين الموجودين منذ سنوات في بلادنا وجلهم من الصومال وإثيوبيا، فقد لجأ إلينا مؤخرا عدد كبير من إخواننا اليمنيين الذين اضطرتهم لذلك الأوضاع التي يشهدها اليمن الشقيق. وقد بادرنا على المستويين الرسمي والشعبي إلى تقديم العون الإنساني اللازم لهم في حدود إمكاناتنا، وساهمت منظمات دولية وإنسانية أيضا في المهمة، وإن كنا نعتقد أن هذه المساهمة لم تكن ترقى إلى المستوى المأمول. ومهما يكن من أمر، فإن الجهات الدولية والهيئات الإنسانية التي تعنى بشؤون اللاجئين تواكب جهود الحكومة الجيبوتية وتقدم إسهامات معتبرة، ولكن في ظل حرصنا الشديد على توفير كافة المتطلبات للاجئين الموجودين في بلادنا، فإننا نأمل أن نحظى بدعم أكبر من هذه الجهات والهيئات.
* لبلادكم تجربة مهمة في التعامل مع مشكلة اللاجئين.. فوفقا لتقرير البنك الدولي كان عدد اللاجئين في جيبوتي نحو 77.6 ألف في عام 1990، لكنه انخفض إلى أقل من 10 آلاف في عام 2007، إلا أن العدد ارتفع مرة أخرى إلى نحو 14.5 ألف لاجئ حسب إحصاء 2014. فما هو عدد اللاجئين حاليا في جيبوتي وما هي البلاد التي ينتمون إليها، وكيف تتعامل جيبوتي مع هذه المشكلة، وتأثير ذلك على الاستقرار والأمن وخطط التنمية في البلاد؟
- عدد اللاجئين الموجودين حاليا في جيبوتي يصل إلى 21.412 لاجئا حسب إحصائية أكتوبر (تشرين الأول) 2016، وينتمون في غالبيتهم العظمى إلى اليمن والصومال وإثيوبيا، كما توجد بينهم قلة تنحدر من بلدان أخرى من قبيل العراق وسوريا وإريتريا. وتتعاطى جيبوتي مع هذه القضية من منطلق إنساني بحت، وكما ذكرت آنفا، فإن التزامنا قوي حيال مساعدة كل من يلجأ إلينا هاربا من ويلات الصراع في بلده، وتوفير الحماية له وضمان احترام حقوقه. وفي هذا الصدد، تبنت جيبوتي في عام 1977 تشريعات قانونية لضمان احترام حقوق اللاجئين. وتعززت هذه التشريعات بعد إنشاء المكتب الوطني لغوث اللاجئين والمنكوبين الذي يعتبر الآلية الرئيسية في مجال التعاطي مع شؤون اللاجئين. ومهما يكن من أمر، فإن التشريعات والآليات بشأن اللاجئين ساعدتنا على تنظيم عملية إدارة أوضاع اللاجئين وتوفير المتطلبات والاحتياجات لهم، بما في ذلك الحماية وعدم الإعادة القسرية. وفي ظل حرصنا على التعامل مع هذه المسألة بحكمة وبكل إنسانية، فإنه لا يوجد تأثير سلبي لوجود اللاجئين على الاستقرار والأمن وخطط التنمية في البلاد.
* هل كنتم تتوقعون أن ينتهي ما يعرف بـ«الربيع العربي» الذي ضرب المنطقة العربية في 2011، بهذه الطريقة التي نشهدها من فوضى ولاجئين واقتتال أهلي في دول مثل ليبيا وسوريا؟ وما هي الدروس المستفادة مما جرى بالنظر إلى الخسائر الكبيرة التي أصيبت بها شعوب هذه الدول؟
- إنه لأمر مؤلم، أن نرى كل هذه الفوضى والأزمات السياسية والأمنية الخطيرة التي أعقبت ما يعرف بالربيع العربي. وعموما، فإنني أعتقد أنه من المهم أن يتم رصد مثل هذه الحالات وتقييمها والإعداد لها ووضع الخطط والبرامج لاستيعابها والتعامل معها في سبيل الأمن والاستقرار والرخاء للمواطنين وتعزيز فرص المشاركة السياسية وخلق الأجواء الاقتصادية الملائمة لرفاهية المواطن الذي وجدت وانتخبت الحكومات في كل مكان في الدنيا من أجل خدمته ورعايته الرعاية اللائقة والكريمة بتوفير الغذاء والطعام والعلاج والتعليم ومحاربة الفقر والبطالة والعمل على تحقيق التنمية المستدامة، بالإضافة إلى حرية التعبير عن الرأي بانضباط في إطار النظام والقانون.
* تتمتعون بخلفية دينية من خلال دراستكم كطالب في «المعهد الديني»، وتتمتعون أيضا بخلفية أمنية من خلال عملكم في السابق كـ«مفتش في الشرطة». في رأيكم وبخبرتكم الطويلة، وبالنظر إلى ما تتعرض له عدة دول من أحداث عنف في الغرب والشرق، ما هي الحدود الفاصلة بين الإرهاب والعمل السياسي. وما هي الطريقة المثلى في رأيكم للقضاء على التشدد والتطرف في العالم؟
- أعتقد أنه توجد هنالك أوجه تقاطع بين المفهومين، فالإرهاب مرتبط بالعقائد والأفكار. والعمل السياسي يمثل في حقيقته مجموعة من المبادئ والرؤى والتصورات التي تبنى من خلالها الظاهرة السياسية. وبالتالي، فإنه قد يكون هنالك إرهاب سياسي وعنف سياسي، وكلاهما يعتبران شكلين من أشكال الإرهاب ويندرجان في إطار العمل السياسي بمفهومه الشامل، وقد يكون هنالك كذلك توظيف سياسي للإرهاب. ومع ذلك، فإن مصطلح ممارسة العمل السياسي كثيرا ما ينصرف عند إطلاقه إلى القيام بهذه الممارسة وفق الأطر الديمقراطية والقانونية وفي ظل تكريس الشفافية والعلانية ونبذ الإرهاب والعنف. أما التشدد أو التطرف فقد يكون ناجما عن أسباب اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو تربوية أو دينية أو سياسية أو طائفية أو نفسية، ومن ثم فإن الطريقة الأنسب للقضاء عليه تكمن، في اعتقادي، في معالجة أسبابه ومواجهته بفكر معاكس ومضاد، وتحقيق القدر الكافي من العدالة وتحسين ظروف العيش والعمل على ترسيخ مبادئ التسامح والاعتراف بالآخر والحوار واللاّعنف.
* هل كانت هناك قرارات لم يسعفكم الوقت لاتخاذها وتنفيذها خلال فترة رئاستكم الماضية، وترون أنه يمكن إصدارها وتفعيلها في فترة الولاية الجديدة، سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي والدولي؟
- أعتقد أن النجاح والإخفاق من الأمور البديهية في الحياة، وأستطيع القول إننا اتخذنا الكثير من القرارات الناجحة في المرحلة الماضية، لكننا لم نتمكن من القيام بكل ما كنا نود القيام به، وبالتأكيد فإننا سنسعى في المرحلة المقبلة إلى إنجاز ما لم نتمكن من إنجازه، وآمل أن يحالفنا التوفيق والسداد.
* هذه هي السنة الأولى لكم في فترة ولايتكم الجديدة للرئاسة، والتي بدأت بنشاط للقضاء على البطالة وإعادة البناء وإحلال المساكن العصرية بدلا من المساكن العشوائية للارتقاء بالعاصمة والمدن المجاورة، بالإضافة إلى مشاريع أخرى لمد خطوط السكك الحديدية إلى إثيوبيا، وتحديث الطيران الجيبوتي وتحديث الموانئ البحرية وتعبيد الطرق.. السؤال: هل الموارد المالية للحكومة في جيبوتي قادرة على تنفيذ كل هذه المشروعات الطموحة، أم أنها ستكون في حاجة إلى الدخول في شراكات مع القطاع الخاص المحلي والعربي والأجنبي؟
- نحن نحرص دائما على تعزيز وتحسين إدارة مواردنا المحدودة وتكريسها لتلبية احتياجاتنا التنموية، وقد نجحنا في إنجاز الكثير في مسيرة بناء هذا البلد، أما الشراكات سواء مع القطاع الخاص المحلي أو العربي والأجنبي فهي تمثل بعدا هاما في استراتيجيتنا التنموية، خاصة في تنفيذ المشاريع العملاقة من قبيل الموانئ والمطارات والسكك الحديدية، وسنمضي قدما في هذه الشراكات خلال المرحلة المقبلة لا سيما وأننا قمنا بتنفيذ الإصلاحات المؤسسية والفنية اللازمة لتوفير المناخ الملائم لهذه الشراكات.
* ماذا تقولون للشارع السياسي الجيبوتي وهو يستعد لخوض الاستحقاقات الانتخابية المحلية التي تجري مطلع العام المقبل، والانتخابات التشريعية في العام التالي؟
- الانتخابات المحلية والتشريعية القادمة جزء من مسيرة العملية الديمقراطية المستمرة في بلادنا منذ أكثر من عقدين، وشعبنا بات الآن ناضجا بعد تجربته الطويلة في ممارسة هذه العملية، وأنا على يقين بأنه سيخوض الانتخابات المحلية والتشريعية القادمة بحماس أقوى أكثر من أي وقت مضى لإثراء العملية الديمقراطية ودفعها نحو الأمام.
* ما هو «الحلم الكبير» الذي تتمنون أن يتحقق لجيبوتي بحلول عام 2030، وهو، كما تعلمون، العام الذي حددته الأمم المتحدة لتحقيق التنمية المستدامة للبشرية والكوكب.
- في الواقع فإن «الحلم الكبير» الذي أتمنى أن يتحقق لجيبوتي بحلول عام 2030 يحمل في طياته أهدافا طموحة من أبرزها ما يلي: القضاء على الفقر بجميع أشكاله في عموم التراب الوطني. وضمان تمتّع جميع المواطنين بمختلف فئاتهم العمرية بأنماط عيش صحية وبالرفاهية. وضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع. وضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع. وحصول الجميع بتكلفة ميسورة على خدمات الطاقة الحديثة الموثوقة والمستدامة. وإقامة بنى تحتية متطورة وقادرة على الصمود، وتعزيز التصنيع الشامل والمستدام، وتشجيع الابتكار. وتوفير السكن اللائق لجميع المواطنين. واتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي لتغير المناخ وآثاره.

الرئيس إسماعيل عمر غيلة في سطور
* ولد في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) في بلدة ديرة داوا في إثيوبيا عام 1947. وتلقى تعليمه في المعهد الديني في كل من إثيوبيا وجيبوتي. والتحق بعد ذلك بسلك الشرطة حتى وصل إلى رتبة مفتش.
* ترك العمل الشرطي وانخرط في العمل السياسي، وقاد «حركة استقلال الشعب الأفريقي». وشغل عضوية فريق التفاوض للاستقلال عن فرنسا عام 1977. وعُيِّن عقب الاستقلال رئيسا لمجلس الوزراء الرئاسي.
* بعد عامين من الاستقلال اندمجت «حركة استقلال الشعب الأفريقي» مع أحزاب جيبوتية أخرى. وتشكل من هذا الاندماج «حزب التجمع الشعبي للتقدم». وفي عام 1983 انتخب للجنة المركزية للحزب. وفي عام 1996 انتخب للمرة الثالثة نائبا لرئيس الحزب.
* في فبراير (شباط) عام 1999 رشحه الحزب لرئاسة جيبوتي، وذلك بعد أن قرر حسن غوليد (1916 - 2006) أول رئيس للبلاد منذ استقلالها، عدم ترشحه للانتخابات. وبذلك أصبح غيلة منذ ذلك الوقت ثاني رئيس للبلاد، حيث فاز لولاية رابعة في الانتخابات التي جرت في ربيع هذا العام.



الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.


الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

تشهد المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، تصاعداً في وتيرة الإنفاق على الفعاليات ذات الطابع الآيديولوجي، وفي مقدمتها المناسبة المرتبطة بما يُعرف بذكرى «الصرخة الخمينية»، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة، ويجد ملايين اليمنيين أنفسهم عالقين بين الجوع، وانقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات الأساسية، وتآكل ما تبقى من قدرتهم على الصمود في مواجهة واقع معيشي بالغ القسوة.

وفي مقابل الانكماش الاقتصادي الحاد، واستمرار التدهور في قيمة الدخول، والارتفاع المتواصل في معدلات الفقر والبطالة، تمضي الجماعة في تخصيص موارد مالية كبيرة لتمويل الفعاليات التعبوية، بما يشمل الحشد الإعلامي، وطباعة الشعارات، وتنظيم الأنشطة الجماهيرية، في مشهد يثير تساؤلات واسعة بشأن أولويات الإنفاق في مناطق تعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق مصادر مطلعة، فقد رصدت الجماعة الحوثية، عبر ما تُسمى اللجنة العليا للاحتفالات، ما يقارب مليون دولار لتمويل فعاليات ذكرى «الصرخة الخمينية»، ضمن مساعٍ متواصلة لترسيخ خطابها الآيديولوجي وتعزيز حضورها التعبوي داخل المجتمع، خصوصاً بين فئة الشباب، عبر سلسلة من الأنشطة المكثفة التي شملت المدارس والمعاهد والجامعات، إلى جانب مهرجانات جماهيرية ومحاضرات تعبوية أُقيمت في عدد من المدن والمناطق الواقعة تحت سيطرتها.

أطفال في محافظة حجة حشدتهم الجماعة الحوثية لإحدى فعالياتها (إكس)

وعلى امتداد الأيام الماضية، شهدت مناطق سيطرة الجماعة أكثر من 150 فعالية واحتفالية مرتبطة بهذه المناسبة، وهو ما فجّر موجة استياء واسعة بين السكان الذين يرون أن الأولوية يجب أن تُمنح لمعالجة الملفات المعيشية الملحة، وفي مقدمتها صرف الرواتب المتوقفة، وتحسين خدمات الكهرباء والمياه، والحد من التدهور الاقتصادي الذي يدفع مزيداً من الأسر نحو دائرة الفقر المدقع.

وتعكس شهادات السكان حجم الفجوة بين ما يُصرف على الأنشطة التعبوية وبين الاحتياجات الأساسية للمواطنين؛ فهناك موظفون حكوميون يؤكدون أنهم لم يتسلموا رواتبهم منذ سنوات، فيما تعتمد أسر كثيرة على الديون، أو على مساعدات متقطعة بالكاد تكفي لسد الرمق.

ولا يقتصر أثر الأزمة على جانب واحد من الحياة اليومية؛ إذ تمتد تداعياتها إلى التعليم والصحة وفرص العمل، مع اتساع رقعة العجز داخل الأسر عن تأمين الاحتياجات الأساسية، واضطرار كثير من الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة، في حين يواجه المعلمون والعاملون في القطاع العام ظروفاً معيشية خانقة نتيجة توقف المرتبات وغياب أي معالجات اقتصادية ملموسة.

أولويات طائفية

يرى مراقبون يمنيون أن استمرار توجيه الموارد نحو هذه الفعاليات الحوثية، يعكس طبيعة الأولويات التي تحكم سياسات الجماعة، حيث تتقدم الاعتبارات الآيديولوجية والسياسية على الملفات الخدمية والمعيشية الأكثر إلحاحاً بالنسبة للسكان.

وبحسب هذه القراءة، فإن الاستثمار في المناسبات التعبوية لا يُنظر إليه بوصفه حدثاً موسمياً فحسب؛ بل بوصفه جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل الوعي العام وترسيخ خطاب الجماعة في المجال الاجتماعي والتعليمي والثقافي.

فعالية تعبوية أقامها الحوثيون في صعدة حيث معقلهم الرئيسي (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن هذا النمط من الإنفاق، في ظل الموارد المحدودة والاقتصاد المنهك، يسهم بصورة مباشرة في تعميق الاختلالات القائمة، ويزيد الضغوط على المجتمع الذي يواجه أصلاً مستويات غير مسبوقة من الفقر، في وقت تتراجع فيه فرص العمل، وتتآكل القدرة الشرائية بوتيرة متسارعة، وسط غياب أي مؤشرات على انفراج اقتصادي قريب.

كما يربط بعض المراقبين هذه المناسبة بسياقات رمزية تتجاوز البعد المحلي، باعتبارها جزءاً من منظومة شعارات وطقوس جرى إدخالها إلى خطاب الجماعة منذ سنوات، لتصبح لاحقاً ركناً ثابتاً في نشاطها العام، وأداة متكررة للحشد والتعبئة، بما يعكس استمرار توظيف البعد الآيديولوجي بوصفه أولوية تتقدم على متطلبات الحياة اليومية للمواطنين.

خطر المجاعة يقترب

في موازاة هذا المشهد، تتزايد التحذيرات الدولية من انزلاق اليمن نحو مستويات أشد خطورة من الأزمة الإنسانية؛ إذ حذرت «منظمة الأغذية والزراعة» التابعة للأمم المتحدة، من التدهور المستمر في الوضع الغذائي.

الحوثيون يحرمون الموظفين من الرواتب ويبددون الأموال لإحياء مناسبة طائفية (إكس)

وأكدت المنظمة أن اليمن بواجه خطراً حقيقياً بالانزلاق نحو المجاعة خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار القيود على إيصال المساعدات، وتراجع التمويل الإنساني، وتأثيرات التصعيد الإقليمي على الوضع الاقتصادي والإنساني.

ووفق أحدث التقديرات، يعاني نحو 18.3 مليون شخص في اليمن، من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي مع بداية عام 2026، وهو رقم يعكس حجم الكارثة المتفاقمة، ويضع البلاد ضمن أعلى المعدلات العالمية في مستويات الطوارئ المرتبطة بالجوع وسوء التغذية.


اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.