هل يقضي ترامب على مستقبل التجارة العالمية؟

أكد أنه سينسحب من أكبر اتفاق شراكة إقليمي على وجه الأرض

هل يقضي ترامب على مستقبل التجارة العالمية؟
TT

هل يقضي ترامب على مستقبل التجارة العالمية؟

هل يقضي ترامب على مستقبل التجارة العالمية؟

في خطوة مفاجئة، وغير مفاجئة في آن واحد، أعلن الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب أمس أنه سيتخذ في اليوم الأول من ولايته الرئاسية قرارا بانسحاب بلاده من اتفاقية «الشراكة عبر المحيط الهادي»، وهو أحد الإجراءات الستة التي أعلن عنها في إطار اعتماد برنامج «أميركا أولا».
إعلان ترامب لا يبدو مفاجئا لمتابعيه خلال حملته الانتخابية، حيث اتسمت تلك الحملة بعدائية شديدة مع حركة التجارة الحرة، مستندا في رأيه إلى أن أميركا هي المتضرر الأكبر من حرية التجارة مع الدول الأخرى على غرار الصين بل وبعض الدول الأوروبية أيضا.
لكن تلك الخطوة كانت مفاجئة للمراقبين الذين كانوا يراهنون على تغير مواقف ترامب منذ لحظة إعلانه فائزا بالانتخابات، كون المعارك الانتخابية ربما تفرض حماسا بالغا يفضي إلى وعود لا تهدف إلا إلى تصفيق الجماهير وإلهاب حماسهم للتصويت له، لكنها لا تصلح كخطط اقتصادية لرئيس أكبر اقتصاد في العالم.
وتعد «الشراكة عبر المحيط الهادي» أكبر اتفاق تجاري إقليمي في العالم، والتي أقرت العام الماضي لكنها لم تدخل بعد حيز التنفيذ، وذلك في انتظار التصديق عليها من الكونغرس الأميركي، الذي أصبح في حوزة سيطرة الجناح الجمهوري، الذي يرفض بغالبيته الاتفاقية.. لكن كان هناك أمل في أن يمررها ترامب إذا تراجع عن وعوده الانتخابية.
وتضم الاتفاقية 12 دولة، هي بترتيب الأسماء الإنجليزية أستراليا وبروناي وكندا وتشيلي واليابان وماليزيا والمكسيك وبيرو ونيوزيلندا وسنغافورة والولايات المتحدة وفيتنام. ويبلغ عدد سكان هذه الدول مجتمعة 800 مليون نسمة، وتغطي ما يقرب من 40 في المائة من الاقتصاد العالمي، ومن المفترض أن تقضي الشراكة - حال تنفيذها - على أكثر من 98 في المائة من الرسوم الجمركية في منطقة الشراكة، وإزالة الضرائب على الواردات.
وكدلالة على أهمية هذه الشراكة، قال الرئيس الأميركي المنتهية ولايته باراك أوباما، خلال كلمته مطلع الأسبوع الحالي أمام قمة «أيبك» (منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي)، إنه يأمل في المضي قدما في خطوات تنفيذها، داعيا خليفته إلى عدم عرقلتها، كما دعا «الشركاء» الآخرين إلى التعامل مع ترامب.

دوافع ترامب

وبحسب ترامب، فقد أوضح أمس في تسجيل فيديو قصير «الإجراءات الستة» الأساسية التي سيتخذها في أول مائة يوم له في السلطة، مؤكدا أنها تعتمد كلها على «مبدأ أساسي: أميركا أولا».
وتتعلق هذه الإجراءات «بإصلاح» الطبقة السياسية، و«إعادة بناء الطبقة الوسطى»، و«جعل أميركا أفضل للجميع». كما قال ترامب الذي سيتولى مهامه رسميا في 20 يناير (كانون الثاني) المقبل، إنه سيبدأ في اليوم الأول من رئاسته، إجراءات سحب الولايات المتحدة من اتفاقية «الشراكة عبر المحيط الهادي»، وبدلا منها يريد ترامب التفاوض حول اتفاقيات «ثنائية» يرى أنها «ستعيد الوظائف والصناعة إلى الأرض الأميركية».

فوائد الاتفاق لأميركا

ومن أبرز الملامح التي تضمنتها الاتفاقية لصالح الولايات المتحدة، بالإضافة إلى إلغاء التعريفة الجمركية على كل الصادرات الأميركية إلى الدول الأعضاء، فإن توفير أسواق جديدة وحيوية في منطقة آسيا والمحيط الهادي لعمال الولايات المتحدة والأعمال التجارية والمزارعين ومربي الماشية، من شأنه أن يزيد من معدل التوظيف، في حين سيتم إلغاء الضرائب على الواردات بنحو 59 في المائة في الولايات المتحدة.
وصدرت الولايات المتحدة إلى بلدان الاتفاقية بنحو 56 مليار دولار من منتجات الماكينات في 2014. كما ستلغي الاتفاقية الضرائب على الصادرات الأميركية من السيارات ومنتجاتها بنحو 70 في المائة، حيث صدرت الولايات المتحدة منتجات سيارات بنحو 89 مليار دولار في 2014، فعلى سبيل المثال تواجه محركات السيارات المصنعة في ميتشغان ضرائب تقدر بنحو 55 في المائة، وبفضل الاتفاقية ستتقلص إلى «صفر».
وستلغي الضرائب على منتجات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الأميركية والتي كانت تصل إلى 35 في المائة، وصدرت الولايات المتحدة ما قيمته 36 مليار دولار إلى بلدان الاتفاقية في 2014، والتي تشمل على سبيل المثال الهواتف الذكية والمعدات وأجهزة التوجيه وأجهزة الكومبيوتر.
كما ستلغي الاتفاقية على ضرائب صادرات أميركا من المحاصيل الزراعية والتي كانت تبلغ أكثر من 50 في المائة، أما الألبان فاليابان على سبيل المثال لديها تعريفة جمركية على مصنعات الألبان الأميركية كالجبن وخلافه بنحو 40 في المائة وصدرت الولايات المتحدة بما قيمته 3.6 مليار دولار من الألبان ومشتقاتها لدول الاتفاقية الـ11 في 2014.

فوائد «الشركاء»

ومن أبرز ملامح الاتفاقية لصالح الدول الأخرى، أنه للمرة الأولى منذ 20 عاما منحت اليابان إعفاءات جمركية على السكر، كما ألغت كندا التعريفية الجمركية، إضافة إلى التخلص من الرسوم الجمركية على القمح والشعير في المكسيك وكندا. وكذلك القضاء على التعريفات الجمركية على المشتقات النفطية، مثل البيوتينات والبروبان والغاز الطبيعي المسال في فيتنام، والإلغاء الفوري للتعريفة الجمركية على الحديد والنحاس والنيكل في بيرو. بالإضافة إلى إلغاء التعريفية الجمركية على الأدوية والآلات والأجهزة الميكانيكية والكهربائية وقطع غيار السيارات في المكسيك، وفيتنام.

ما مصدر قوة الاتفاقية؟

وبصرف النظر عن سهولة الوصول إلى السوق المشتركة بين دول الاتفاقية، فإن الشراكة عبر المحيط الهادي، تخلق مجموعة واحدة من قواعد التجارة والاستثمار بين أعضائها، مما يجعلها أسهل وأبسط الشركات التجارية في العالم. وتلغي الاتفاقية الرسوم الجمركية على 18 ألف منتج، بما في ذلك لحوم البقر ومنتجات الألبان والحبوب والسكر والبستنة والمأكولات البحرية والمواد الأولية للصناعة وغيرها، كما تتناول الاتفاقية قضايا التجارة والاستثمار الحديثة مثل المنافسة والتجارة الإلكترونية ومكافحة الفساد والمساواة بين قطاع الأعمال الخاص والشركات المملوكة للدولة.

آثار طويلة المدى

ومع انسحاب ترامب من الاتفاقية، قدم الرئيس المنتخب انعكاسات كبيرة على المدى الطويل لاستراتيجية الولايات المتحدة الموصوفة بـ«القوة الناعمة»، وكان منها الانخراط في آسيا ومنطقة المحيط الهادي.
وكان كثير من قادة المنطقة وافقوا بشكل غير رسمي على هامش مؤتمر التعاون الاقتصادي لدول آسيا المحيط الهادي، بضرورة المضي قدما للتصديق على الاتفاقية بين 11 دولة المتبقية.
وأدى إعلان ترامب إلى تهديد الاتفاقية وتجدد الاهتمام في المنطقة التي تقودها الصين تجاريا، وتسعى أن تكون منطقة تجارة حرة من خلال هيكل جديد للتجارة والتكامل الاقتصادي في المنطقة.
ودون تصديق الولايات المتحدة، فإن الاتفاق يصعب أن يدخل حيز التنفيذ، فيجب أن يصدق على الاتفاقية ما لا يقل عن 6 أعضاء لتدخل الاتفاقية حيز التنفيذ أو ما يمثل 85 في المائة من حجم الكتلة الاقتصادية للمجموعة.
وبما أن الولايات المتحدة تعد أكبر اقتصاد في الكتلة، وهو ما يمثل 60 في المائة من إجمالي حجم الكتلة الاقتصادية للمجموعة، فيرى بعض الاقتصاديين إنه دون توقيع الولايات المتحدة على الاتفاقية فإنها إما ستفقد من قيمتها وإما ستنهار من الأساس.
ويرى رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي أن «اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي لن يكون لها معنى من دون الولايات المتحدة»، معلقا أن الدول الـ12 الموقعة للاتفاقية التجارية لم تبحث في إمكانية خروج الأميركيين بعدما كانوا من أشد المدافعين عن هذه المعاهدة في عهد باراك أوباما. وصرح آبي بأنه «من المستحيل إعادة التفاوض حول الاتفاقية، ففي هذه الحالة سيؤدي ذلك إلى زعزعة التوازن الأساسي للمصالح».

الصين أكبر المستفيدين من انهيار الاتفاقية

وأكد أوباما مرارا أن الشراكة عبر المحيط الهادي بمثابة الإطار الذي يسمح للولايات المتحدة بكتابة قواعد التجارة في المنطقة، بدلا من ترك الصين للقيام بذلك، وقد عزز هذا التركيز على أهمية الاتفاق بين الولايات المتحدة وحلفائها ضد الصين. وانتهزت الصين الفرصة التي سنحت وقدمت على هامش مؤتمر التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي، نموذجا لاتفاقية تجارة حرة «الشراكة الإقليمية الاقتصادية الشاملة»، وهي اتفاق تجاري إقليمي يضم 19 دولة ويشمل الصين وكمبوديا والهند وإندونيسيا ولاوس وميانمار والفلبين وكوريا الجنوبية وتايلاند، فضلا عن أعضاء شراكة المحيط الهادي، أستراليا وبروناي واليابان وماليزيا ونيوزيلندا وسنغافورة وفيتنام؛ من دون الولايات المتحدة.
ويمثل مقترح الصين ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع ما يقرب من نصف سكان العالم، الأمر الذي يجعل الاتفاقية «مغرية» خاصة مع الوصول إلى أسواق الاقتصادات الكبرى مثل اليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية وأستراليا وإندونيسيا. في حين يبدو أن مقترح الصين كقالب سياسي أسهل للتفاوض لحكومات البلدان مقارنة مع الشراكة عبر المحيط الهادي، كما سيكون من السهل المضي قدما كإطار أكثر قبولا لدمج كامل آسيا والمحيط الهادي مع قواعد التجارة المشتركة، نظرا للتنوع الاقتصادي في المنطقة والتعايش بين الاقتصادات المتقدمة ذات الدخل المرتفع (أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا)، مع البلدان متوسطة الدخل العليا والدنيا (الصين وإندونيسيا وماليزيا وتايلاند والفلبين).
ومن المتوقع أن تضغط الصين على وضع نهاية مبكرة لمقترحها، بصرف النظر من «الوصول الحر» إلى أسواق البلدان التي لم يكن لديها اتفاقيات تجارة حرة ثنائية من قبل مثل اليابان والهند، الأمر الذي سيؤدي إلى محادثات مجدية من شأنها أن تسمح بإنشاء مكانة للصين كصانع قرار في المنطقة، مما سيفعل دورها لتغطية الولايات المتحدة باعتبارها الجهة المنظمة والأكثر فاعلية من النظام الاقتصادي الإقليمي.
لكن أكبر التحديات التي ستواجهها الصين في رحلتها المقبلة، أنها لا تمتلك للنفوذ السياسي الذي تمتلكه الولايات المتحدة على دول آسيا المحيط الهادي، فلا تزال هناك صعوبات مع بعض البلدان كاليابان وفيتنام والهند، الأمر الذي يزيد صعوبة وضوح اتفاق تجاري حر قبل وجود حلول سياسية.



خام برنت يتجاوز الـ90 دولاراً مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط

ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)
ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)
TT

خام برنت يتجاوز الـ90 دولاراً مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط

ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)
ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)

ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ يوم الجمعة بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «الاستسلام غير المشروط» لإيران هو السبيل الوحيد لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، وذلك في ظلّ تجدد الهجمات على إيران.

وارتفع سعر خام برنت بحر الشمال، المعيار الدولي، بأكثر من 5 في المائة ليصل إلى 90.25 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ أبريل (نيسان) 2024. كما ارتفع سعر خام غرب تكساس الوسيط، العقد الرئيسي في الولايات المتحدة، بنسبة 8.1 في المائة ليصل إلى 87.56 دولار للبرميل.


الاقتصاد الأميركي يفقد وظائف في فبراير... والبطالة تقفز لـ4.4 %

لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)
لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)
TT

الاقتصاد الأميركي يفقد وظائف في فبراير... والبطالة تقفز لـ4.4 %

لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)
لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)

شهد الاقتصاد الأميركي انخفاضاً غير متوقع في عدد الوظائف خلال شهر فبراير (شباط)، نتيجة إضراب العاملين في قطاع الرعاية الصحية والظروف الشتوية القاسية، في حين ارتفع معدل البطالة إلى 4.4 في المائة.

وذكر مكتب إحصاءات العمل الأميركي في تقريره السنوي الذي يحظى بمتابعة دقيقة، أن الوظائف غير الزراعية انخفضت بمقدار 92 ألف وظيفة الشهر الماضي، بعد تعديل بيانات يناير (كانون الثاني) نزولاً من زيادة قدرها 126 ألف وظيفة. وكان خبراء اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا زيادة في الوظائف بمقدار 59 ألف وظيفة، بعد زيادة بلغت 130 ألف وظيفة في يناير وفقاً للإعلانات السابقة.

وتراوحت توقعات الخبراء بين خسارة 9 آلاف وظيفة وزيادة 125 ألف وظيفة. إلى جانب إضراب 31 ألف عامل في مؤسسة «كايزر بيرماننت» في قطاع الرعاية الصحية وسوء الأحوال الجوية، جاء الانخفاض الأخير في التوظيف بمثابة تصحيح بعد المكاسب الكبيرة المسجلة في يناير.

وأشار الخبراء إلى أن مكاسب يناير كانت مدعومة بتحديث نموذج المواليد والوفيات الذي يستخدمه مكتب الإحصاءات لتقدير عدد الوظائف المكتسبة أو المفقودة نتيجة فتح أو إغلاق الشركات. وقد انتهى الإضراب في ولايتي كاليفورنيا وهاواي منذ ذلك الحين.

واستقر سوق العمل بعد تعثره في عام 2025 في ظل حالة من عدم اليقين الناجمة عن الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب بموجب قانون للطوارئ الوطنية. وعلى الرغم من إلغاء المحكمة العليا الأميركية لهذه الرسوم، رد ترمب بفرض رسوم استيراد عالمية بنسبة 10 في المائة، ثم أعلن لاحقاً رفعها إلى 15 في المائة.

وأدرج مكتب إحصاءات العمل ضوابط جديدة للنمو السكاني، تأخرت بسبب إغلاق الحكومة الأميركية لمدة 43 يوماً العام الماضي. كما ساهمت تشديدات إدارة ترمب على الهجرة في انخفاض المعروض من العمالة، مما أبطأ من حركة سوق العمل.

وقدّر المكتب أن عدد سكان الولايات المتحدة ارتفع بمقدار 1.8 مليون نسمة فقط، أي بنسبة 0.5 في المائة، ليصل إلى 341.8 مليون نسمة في السنة المنتهية يونيو (حزيران) 2025. وقد أثّرت ضوابط النمو السكاني على بيانات مسح الأسر لشهر يناير فقط، ما يعني أن مستويات التوظيف والبطالة والقوى العاملة الشهرية لا يمكن مقارنتها مباشرة. وبلغ معدل البطالة 4.3 في المائة في يناير. ورغم ارتفاعه في فبراير، يبقى المعدل منخفضاً تاريخياً، حيث أشار الاقتصاديون إلى أنهم لن يشعروا بالقلق إلا إذا تجاوز 4.5 في المائة.

ومع تهديد الحرب في الشرق الأوسط بإذكاء التضخم، يرى الاقتصاديون أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي لن يكون في عجلة لاستئناف خفض أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات جمعية السيارات الأميركية ارتفاع أسعار البنزين بالتجزئة بأكثر من 20 سنتاً للغالون منذ الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية على إيران الأسبوع الماضي، وردت طهران، مما وسّع نطاق النزاع نحو صراع إقليمي أوسع وفق المحللين.

ويحذر الخبراء من المخاطر السلبية على سوق العمل جراء استمرار الحرب؛ إذ تتسبب التقلبات في سوق الأسهم في دفع الأسر ذات الدخل المرتفع، المحرك الرئيسي للاقتصاد عبر الإنفاق الاستهلاكي، لتقليص نفقاتها.

ومن المتوقع أن يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال اجتماعه المقبل يومي 17 و18 مارس (آذار) سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة.


الأسواق الناشئة تختبر «حرب إيران»... والمستثمرون يراهنون على تعافٍ محتمل

بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)
بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة تختبر «حرب إيران»... والمستثمرون يراهنون على تعافٍ محتمل

بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)
بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)

أحدثت موجة خروج الأموال من الأصول عالية المخاطر اضطراباً في الأسواق الناشئة منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، غير أن بعض المستثمرين يراهنون على أن قوة الأسس الاقتصادية وتغير التوازنات الجيوسياسية قد يسمحان باستئناف موجة الصعود التي استمرت نحو عام.

وقد دفع القصف الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران عملات وأسهم الأسواق الناشئة نحو تسجيل أكبر خسائر أسبوعية لها منذ جائحة كوفيد-19، في حين تعرضت السندات أيضاً لتراجعات حادة، وفق «رويترز».

وقام بنك «جي بي مورغان» بخفض توصيته بزيادة الوزن النسبي لاستثمارات العملات الأجنبية والسندات المقومة بالعملات المحلية في الأسواق الناشئة إلى مستوى «محايد للسوق»، مشيراً إلى حالة عدم اليقين. كما قلّص بنك «سيتي» انكشافه على عملات الأسواق الناشئة إلى النصف.

لكن مستثمرين مخضرمين يرون أن اقتصادات الأسواق الناشئة، ما لم تتعرض لصدمات كبيرة إضافية أو لفترة مطوّلة من ارتفاع أسعار الطاقة، قادرة على التعافي، مع بروز مؤشرات أولية على ذلك بالفعل.

وقالت كاثي هيبورث، رئيسة فريق ديون الأسواق الناشئة في «بي جي آي إم» للدخل الثابت: «لا أعتقد أننا شهدنا بعد ما يمكن وصفه بخروج الأموال الاستثمارية الحقيقية أو الأموال العابرة بين الأسواق. لا يزال هناك مستثمرون على الهامش كانوا ينتظرون تصحيحاً في الأسواق للدخول أو لزيادة مستوى انكشافهم».

متداول يراقب الأسهم في بورصة باكستان بكراتشي (إ.ب.أ)

نهاية الاتجاه أم مجرد توقف مؤقت؟

فمن الأسهم إلى السندات والعملات، كانت الأسواق الناشئة قد فاقت التوقعات جميعها حتى هذا الأسبوع.

وقد تضخمت التدفقات إلى هذه الأصول منذ بدء الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب في يناير (كانون الثاني) 2025. وأصدرت الدول الناشئة حجماً قياسياً من الديون في يناير، في وقت ارتفعت فيه الأسهم بقوة، بينما ضخ المستثمرون الباحثون عن العوائد أموالاً في ديون الأسواق الحدودية المقومة بالعملات المحلية.

ومع ذلك، كان المستثمرون قد حذروا مسبقاً من أن بعض «الأموال الساخنة» المقبلة من صناديق التحوط ومستثمرين غير متخصصين قد تغادر الأسواق سريعاً إذا تغير اتجاهها.

وقد أدى القصف الأميركي–الإسرائيلي لإيران إلى حدوث ذلك بالفعل، مع اندفاع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة؛ إذ ارتفع الدولار إلى جانب الذهب، بينما تزايدت التدفقات نحو السيولة النقدية.

وقال جيمس لورد، الرئيس العالمي لاستراتيجيات العملات والأسواق الناشئة في «مورغان ستانلي»: «لقد شهدنا صدمة كبيرة في الأسواق... وقد نشهد المزيد إذا ارتفعت أسعار النفط أكثر».

وأظهرت البيانات أن مؤشر «إم إس سي آي» لأسهم الأسواق الناشئة فقد أكثر من تريليون دولار من قيمته السوقية منذ بلوغه الذروة يوم الخميس الماضي وحتى إغلاق الأربعاء.

وكان أحد أبرز التراجعات في مؤشر «كوسبي» الكوري للأسهم، الذي خسر نحو 20 في المائة خلال يومي الثلاثاء والأربعاء في أكبر هبوط بتاريخ المؤشر. وكان هذا المؤشر، المتأثر بشدة بالاندفاع نحو الذكاء الاصطناعي وصناعة الرقائق، قد سجل أفضل أداء بين أسهم الأسواق الناشئة.

وقال جوناس غولترمان، نائب كبير اقتصاديي الأسواق في «كابيتال إيكونوميكس»: «هذا بيع بدافع الذعر إلى حد ما»، مضيفاً أن ذلك يعكس سيطرة آلة السوق على العوامل الأساسية للاقتصاد.

لكن المؤشر استعاد جزءاً من خسائره يوم الخميس، مرتفعاً بنحو 10 في المائة، ولا يزال مرتفعاً بأكثر من 30 في المائة منذ بداية العام.

يعمل متداولون كوريون جنوبيون أمام الشاشات في بنك «هانا» بسيول (إ.ب.أ)

أسس قوية... ودرع في مواجهة الاضطرابات

ويرى مستثمرون أن السنوات التي قضتها العديد من الأسواق الناشئة والحدودية في تعزيز أوضاعها المالية وترسيخ الثقة في بنوكها المركزية قد تزيد أيضاً من جاذبيتها خلال أزمة مطوّلة.

وأشار لورد إلى أن العديد من البنوك المركزية اتبعت «نهجاً حذراً وموثوقاً للغاية في دورات التيسير النقدي»، ما ساعد على كبح التضخم ودعم العملات المحلية أمام الدولار.

كما أجرت دول مثل مصر ونيجيريا، حيث كان من الصعب سابقاً إعادة تحويل الأموال إلى الخارج، إصلاحات لتحسين وصول المستثمرين إلى أسواقها. ويرى بعض المحللين أن التدفقات الخارجية في الأيام الأخيرة تُظهر أنها أصبحت وجهة استثمارية موثوقة.

وقالت إيفيت باب، مديرة المحافظ الاستثمارية في «ويليام بلير»: «الأسواق الحدودية التي تلقت تدفقات كبيرة تُظهر الآن قدرتها على تلبية الطلب على العملات الأجنبية، كما تُظهر مرونة في أسعار الصرف، وهو ما نراه عنصراً إيجابياً في مثل هذه الظروف لإدارة الصدمات الخارجية من هذا النوع».

وأضافت: «نعتقد أن الأسس الاقتصادية في الأسواق الناشئة قوية بما يكفي لتحمّل صدمة خارجية، طالما أن التطورات الحالية لا تعرقل مسار النمو العالمي».

ووفقاً لبنك «باركليز»، سجلت صناديق السندات والأسهم في الأسواق الناشئة تدفقات داخلة خلال الأسبوع المنتهي في 4 مارس (آذار)، رغم الاضطرابات.

تهديد النفط

ويظل ارتفاع أسعار النفط أكبر مصدر تهديد. فاستمرار الأسعار فوق مستوى 100 دولار للبرميل لفترة طويلة قد يؤدي إلى تسارع التضخم العالمي، وإضعاف النمو، كما قد يحد من قدرة بعض البنوك المركزية في الأسواق الناشئة على مواصلة خفض أسعار الفائدة.

وقالت ليلى فوري، الرئيسة التنفيذية لبورصة «جوهانسبرغ»، في تصريح لـ«رويترز»: «إن مدة وشدة الأزمة الجيوسياسية في إيران ستحددان إلى أي مدى سيستمر التحول بعيداً عن الأسواق الناشئة».

في المقابل، قال إلياس أ. إلياس، مدير المحافظ الاستثمارية في شركة «تمبلتون للاستثمارات العالمية»، إن مُصدِّري السلع الأولية في أميركا اللاتينية قد يستفيدون من ارتفاع الأسعار، في حين أن التقييمات المنخفضة لأسهم الأسواق الناشئة تعزز جاذبيتها رغم الاضطرابات الحالية.

وأضاف: «نحن متفائلون للغاية بأسهم الأسواق الناشئة كفئة أصول»، مشيراً إلى أن هذه الأسهم لا تزال تُتداول بخصم يقارب 28 في المائة مقارنة بالأسواق المتقدمة، مع توقعات بنمو أرباح أعلى.