صداع بنغازي.. تأخر الرواتب وانقطاع الكهرباء وشح المواد الغذائية

بنغازي تصارع الإرهاب 4 من 5 : المحال التجارية تعود للحياة.. والأجانب يتوافدون لاقتناص الفرص

صداع بنغازي.. تأخر الرواتب وانقطاع الكهرباء وشح المواد الغذائية
TT

صداع بنغازي.. تأخر الرواتب وانقطاع الكهرباء وشح المواد الغذائية

صداع بنغازي.. تأخر الرواتب وانقطاع الكهرباء وشح المواد الغذائية

انقطعت الكهرباء مجددًا في متجر إبراهيم صاحب الشركة الحديثة للمواد الغذائية. هذا أمر شائع في ضاحية الهواري في بنغازي، ثاني أكبر المدن الليبية. الكهرباء تنقطع في عموم البلاد لعدة ساعات في كل يوم. وأحيانا تنقطع لعدة أيام في الأسبوع. بكل هدوء وسلاسة نهض إبراهيم البالغ من العمر 65 عاما من فوق مقعده وشغل مولد الكهرباء الخاص الذي اشتراه قبل شهرين بما قيمته 150 ألف دينار (نحو 30 ألف دولار). لديه سبعة عمال في متجره المطل على الشارع الرئيسي، لكن كلما انقطعت الكهرباء قام بتشغيل المولد بنفسه، لعدة أسباب.. أولا: السعر الباهظ للمولد. وثانيا: لقطع الطريق على أي تذمر قد يبديه العمال صغار السن قليلو الصبر على مثل هذه المشاكل.
على منوال هذه الطريقة الهادئة في معالجة الأمور والتغلب على العراقيل والمصاعب، يعمل غالبية التجار الكبار والمسؤولون في المنطقة الشرقية من البلاد والتي تمتد من مدينة إمساعد على الحدود مع مصر، إلى منطقة الموانئ النفطية في الشمال الأوسط من ليبيا قرب مدينة سرت. أما في الجانب الغربي من البلاد والذي تسيطر عليه الميليشيات، فتعم الفوضى ويسود الغموض دون أن تلوح في الأفق بوادر للثقة في المستقبل مثل تلك التي يتميز بها إبراهيم وقادة الشرق الذين يتأهبون لافتتاح مشروعات أمام المستثمرين الأجانب بمليارات الدولارات.

بعد نحو خمس سنوات من العذاب، تخلصت مدينة بنغازي وكل مدن الشرق الليبي من الميليشيات المتطرفة التي هيمنت عليها عقب سقوط نظام معمر القذافي في 2011. وفي الوقت الراهن يحاصر الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر بقايا المتطرفين في عدة ضواحٍ في غرب بنغازي. ووفقا لتقديرات محلية عاد ما لا يقل عن خمسين ألفا من أبناء المدينة التي هجروها هربا من تسلط الجماعات المتشددة. وتسود روح التفاؤل من خلال عملية واسعة لترميم مباني المدينة التي خربتها الحرب، وافتتاح المراكز التجارية والمؤسسات الخدمية. ومثل غالبية تجار بنغازي، وجد إبراهيم شركته منهوبة. ويقول: استولى المتطرفون على مخازن الطحين ونهبوا كراتين الزيت والصلصة والمياه المعدنية.
وفي الوقت الراهن تستيقظ بنغازي كل يوم من أجل إعادة بناء نفسها وترميم الكسور وتلوين الجدران التي غطاها سخام الحرائق لشهور، استعدادا لاستقبال الوفود الاقتصادية الأجنبية التي تسعى إلى الاستفادة من الثروات النفطية ومن إعادة الإعمار ومن استكمال مشروعات أخرى تبلغ قيمتها مليارات الدولارات كانت متوقفة منذ اندلاع الانتفاضة المسلحة ضد القذافي، وتشمل استئناف عملية ازدواج الطرق الصحراوية الطويلة وبناء مدن سكنية ومشاريع سياحية وغيرها.
تتحرك بنغازي قدما وهي تشكو من صداع انقطاع الكهرباء وتأخر الرواتب وشح المواد الغذائية. ومع ذلك نشطت حركة الأسواق ومنها أقدم سوق لبيع وشراء السيارات المستعملة. كانت مكتظة. ووقف المنادي جوار سيارة يابانية الصنع موديل 2013، تعمل بالدفع الرباعي، وقطعت مسافة، وفقا للعداد، قدرها 20 ألف كيلومتر، وقال إن سعرها 60 ألف دينار ليبي. وارتفع صوت مناد آخر على سيارة كورية موديل 2012 قطعت مسافة 50 ألف كيلومتر وبدأ السعر بـ50 ألف دينار. وعلى المقاهي المجاورة يمكن ملاحظة ارتفاع أسعار المشروبات وأسعار تقديم خدمة الدخول على الإنترنت.
وعلى الجانب الآخر بدأت سوق العقارات تنتعش مع دخول مقاولين عالم ترميم المنازل والمحال التجارية. كما انتشر عمال البناء، معظمهم من مصر والسودان، تحت الكباري وعلى جانب الطرق في انتظار فرصة عمل، دون خوف من تعرضهم للخطف على يد التنظيمات المتطرفة كما كان يحدث قبل شهور.
ويقول إبراهيم: «مقارنة بما كانت عليه بنغازي فإننا الآن في وضع جيد. في كل يوم الأمور تتحسن عن اليوم السابق. في العام الماضي اقتحم المتطرفون المتاجر الكبرى في بنغازي. وأضرموا النيران في قاعات أفراح وفي مسارح وفي بيوت للفنون والشعر. ونسفوا مبنى مديرية الأمن الضخم بالسيارات المفخخة حتى تحول إلى كومة تراب. وتعرضت العديد من المصانع والدور الحكومية إلى دمار. ومع دخول الجيش إلى المدينة وفرض سيطرته عليها، وتعيين حكام عسكريين للمدن في شرق البلاد، بدأ نبض الحياة يظهر من خلال اللافتات الملونة وفاترينات عرض السلع وأضواء الكهرباء حتى لو كان مصدرها مولدات خاصة باهظة الثمن».
وانتهى إبراهيم قبل يومين من إعادة رسم لوحات دعائية على واجهة متجره الذي كان يطلق عليه في عهد القذافي «تشاركية». وجاءت شاحنة قادمة من مصر محملة بكراتين البطاطس المقلية. ثم أفرغت شاحنة أخرى قادمة من واحات الجنوب حمولة من مياه الشرب المعبأة من الآبار الجوفية. وبدأ المتجر يمتلئ.
في بداية دخول الجيش إلى المدينة وطرد المتطرفين من غالبية ضواحيها، كانت متاجر بنغازي تفتح في نحو الساعة الحادية عشرة صباحا وتغلق أبوابها قبل أذان العصر خوفا من طلقات الرصاص الطائشة ومن القذائف الصاروخية. لكن الوضع تغير الآن. وتسهر غالبية المتاجر والمقاهي حتى وقت متأخر من الليل. وفي الدواوين الحكومية التي عادت للعمل يستقبل المسؤولون الزوار الأجانب الذين بدأوا يتوافدون لاقتناص الفرص. جاء صينيون وفرنسيون وعرب وإيرانيون أيضا.
ويجري في الوقت الراهن بحث عودة فرع شركة شلمبرجير الفرنسية للعمل مع شركة الخليج العربي للنفط، وهذه الأخيرة شركة ليبية كبيرة تضررت بشدة من الفوضى التي أحدثتها الجماعات المتطرفة بعد مقتل القذافي. ويقول مسؤول في الشركة إن انتشار الجيش أخيرا خاصة في المنطقة الشرقية، فتح الشهية لاستئناف العمل. وكرمت الشركة أحد شيوخ القبائل ممن لعب دورا في دعم الجيش واستعادة الموانئ النفطية من الميليشيا التي كانت تسيطر عليها. وهي، مثل العديد من الشركات التي تسعى لاستئناف العمل بعد طول غياب، تنظر بعين الاحترام للدور الذي تقوم به إدارة الاستخبارات العسكرية ومديرها العميد شعيب الصابر، لبسط الأمن في عموم ليبيا.
ويجري العمل في كل مكان على قدم وساق. واستقبل العميد الصابر وفدا من لجنة الأمن القومي في مجلس النواب، برئاسة النائب طلال الميهوب. وفي الجانب الآخر من الشارع كان عشرات الشبان المتطوعون يرافقون شاحنة رفع القمامة وركام الحرب، للمساعدة في تنظيف الشوارع وتزيينها. ورفع عامل في شركة الخدمات العامة في المدينة، يدعى حسين، ذراعيه عاليا محييا موكبا عسكريا تابعا للجيش يتكون من ثلاث سيارات مدرعة لتفقد أحوال بنغازي. وهذه هي المرة الأولى التي تستأنف فيها شركة الخدمات العامة أعمالها في رفع قمامة المدينة منذ عام 2011.
وبسبب كثرة المخلفات التي تركتها الصدامات بين الجيش والمتطرفين، جاءت عدة شاحنات أخرى ومعها متطوعون، وعلى رأسها مدير شركة الخدمات نفسه، محمد البرغثي. ودخلت إلى الشوارع الرئيسية في منطقتي سيدي يونس والوحيشي. وأخذت المعاول تزيل أكوام الإسمنت والطوب والحديد للمباني المهدمة.. هناك أيضا حاويات بضائع مثقوبة وأجهزة مدمرة ومقاعد ومكاتب لم تعد تصلح للاستخدام بعد أن طالتها قذائف المتحاربين لشهور.
هذه مجرد عملية لبعث الحياة في المدينة وإغراء السكان والتجار الذين هجروها للعودة إليها مرة أخرى. عملية يشارك فيها الجميع. ووفقا للمسؤولين في بنغازي فإن الخطة الكبيرة لإعادة إعمار المدينة ستبدأ خلال الشهور المقبلة على أيدي الشركات المتخصصة سواء شركات ليبية أو عربية أو أجنبية. وجرى وضع تخطيط لجانب كبير من بنغازي في ستينات القرن الماضي على يد شركة دوكسيادس اليونانية، وتبعتها في العمل في هذا الاتجاه شركات أخرى من روسيا وتركيا ومصر. واستمر التطوير فيها لأكثر من ثلاثة عقود.
ثم شهدت المدينة طفرة نمو كبيرة منذ بداية الألفية، غيرت معالمها وحولتها إلى واحدة من المدن التجارية المهمة في شمال أفريقيا. وقاوم أصحاب المراكز التجارية الضخمة العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي على نظام القذافي في ذلك الوقت. وبعد انتفاضة 2011، دخلت المدينة في موجة نمو جديدة أكثر طموحا، لكنها لم تستمر إلا لمدة 18 شهرا. وتعثر كل شيء بعد ذلك بسبب الفوضى والحرب مع المتطرفين. وظلت قوانين القذافي الاقتصادية هي القائمة حتى الآن. وخلال جولة قامت بها «الشرق الأوسط» خلال اليومين الماضيين في قلب المدينة، بدا أن المناقشات تجري على قدم وساق بين كبار المسؤولين للتعجيل باتخاذ خطوات عملية تعيد بنغازي إلى الواجهة.
وتحاول السلطات في بنغازي الحد من ارتفاع أسعار السلع الأساسية. ولديها رجال يمرون على الأسواق الرسمية (الجمعيات الاستهلاكية). لكن المشكلة تكمن في أن معظم هذه السلع متوفرة في الأسواق الموازية بضعف الثمن. مثلا السعر الرسمي لفئات لتر الزيت النباتي أقل من دينارين، لكنه يباع بشكل غير رسمي بأربعة دنانير وخمسة دنانير.
وفي الجهة الأخرى من بنغازي تجمع عدد من المسؤولين وقاموا بافتتاح مبنى بلدية المدينة الجديد. ووقفوا لأكثر من نصف ساعة في الهواء الطلق أمام المبنى. وتوقف المارة لتحيتهم. فقبل شهور قليلة كان يسيطر على هذه المنطقة المتطرفون. ولم يكن أحد من أهالي بنغازي، ولا من الجيش ولا من الشرطة، يمكنه العبور من هنا. وما زالت فلول المتطرفين تعرقل وصول السلطات إلى ميناء المدينة البحري. وهو ميناء تجاري هام. ويقول رئيس البلدية، العميد أحمد العريبي: «نتعاون مع الأطراف المعنية لاستعادة ميناء بنغازي البحري من أيدي المتطرفين، وتشغيل مطار بنينا الدولي».
وفي المساء عاد من طريق المطار الذي جرى تنظيفه من بقايا الحرب، وفد لشركات قادمة من الصين تبدو متعطشة لاستئناف العمل وجني الأرباح من المشروعات الجديدة. ويتكون المطار من جزأين.. الجزء القديم وهذا أصبح جاهزا للعمل ويمكن افتتاحه لاستقبال الطائرات خلال الفترة المقبلة. والجزء الحديث الذي شرع نظام القذافي في بنائه لكنه لم يكتمل بسبب انتفاضة 2011، مثله مثل المئات من المشاريع الأخرى التي تنتظر استئناف العمل بها بعد توقف دام أكثر من خمس سنوات.
ظهور الأجانب في بنغازي التي تعرضت فيها القنصلية الأميركية للهجوم في أواخر 2012، بدا لافتا للنظر. الفريق الصيني مطمئن وهو يتجول في الضواحي الشرقية من المدينة. والفريق الطبي الأميركي يتسوق من وسط بنغازي دون خوف. لقد وصل وفد جديد من هؤلاء الأميركيين التابعين لجمعية «نوفك» لجراحات القلب للأطفال. وظهرت مواكب أخرى لرجال أعمال أوروبيين وآسيويين وهم يتفقدون المجمعات السكنية الضخمة وغير المكتملة. الجميع يبحث استئناف أعمال التنقيب عن النفط وبناء العمارات ورصف الطرق ومد خطوط المياه وتحديث محطات الكهرباء والمستشفيات وغيرها.
وبما أن البلاد تعتمد على النفط، فإن الصراع السياسي والعسكري يبدو أنه يدور حول هذه النقطة. وشعرت بنغازي بالارتياح بعد أن سيطر الجيش على موانئ تصدير النفط في سبتمبر (أيلول) الماضي. لكن ما هي الجهة إلى ستقوم بتصديره ولمن ستذهب العائدات المالية، وكيف سيجري تقاسمها مع السلطات المتنافسة التي تحكم طرابلس ممثلة في المجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج وحكومة الإنقاذ برئاسة خليفة الغويل. ويقول أحد المسؤولين العسكريين ممن جرى تعيينهم ضمن فريق من الجيش لحكم بنغازي، بدلا من مجلسها المنتخب: «نحن في حالة حرب. في الحرب لا يمكن الانتظار».
وبينما يجري الحوار السياسي بين عدة أطراف ليبية برعاية الأمم المتحدة لتوحيد السلطات في هذا البلد الغارق في الفوضى، تبدو بنغازي محورا مهما في إعادة هيبة الدولة من جديد إلى ليبيا بعيدا عن المفاوضات السياسية الأممية. تحركات سريعة. معروف أن الانقسام السياسي في البلاد، تسبب في انقسام المصرف المركزي إلى مصرفين، والمؤسسة الوطنية للنفط (المعنية بتصدير البترول للخارج) إلى مؤسستين. وعلى وقع تقدم الجيش في عدة محاور ليس في بنغازي فقط ولكن في العديد من البلدات بما فيها الجنوب والغرب، بدأ البرلمان الذي يعقد جلساته في طبرق، ويعد خصما لمجلس السراج الرئاسي، يشعر بالقوة.
ومن مظاهر قوة الجيش والبرلمان، بدء مناقشات جادة بين مؤسستي النفط المنقسمتين من أجل إعادة توحيدهما في جسم واحد يعمل انطلاقا من بنغازي. ويقول مسؤول في الاستخبارات العسكرية: هذا مصير الليبيين.. هذه قوتهم.. هذه مسألة أمن قومي. وفي حال نجحت عملية نقل المؤسسة، موحدة، إلى بنغازي، سوف يزيد إنتاج النفط إلى نحو 700 ألف برميل يوميا. وحول كيفية معالجة النزاع القائم بين رئيس المؤسسة في طرابلس ورئيس المؤسسة في بنغازي، يضيف المسؤول العسكري الذي يراقب عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة: «ما توصلنا إليه حتى الآن هو أن ينتقل مصطفى صنع الله رئيس المؤسسة في طرابلس للقيام بعمله كرئيس للمؤسسة نفسها انطلاقا من بنغازي.. على أن يكتفي ناجي المغربي، رئيس المؤسسة في بنغازي، بموقع عضو مجلس إدارة في هذه المؤسسة.. توجد مساعٍ إيجابية لإقناعه بذلك. الهدف استئناف تصدير النفط للتغلب على نقص الأموال في عموم ليبيا».
وفي مصفاة طبرق التي تبلغ قدرتها نحو 20 ألف برميل في اليوم، اصطف عدد من الموظفين لاستقبال الوفود الرسمية التي تأتي إلى هنا لتفقد أحوال موانئ التصدير، بينما كانت عدة ناقلات نفط ترابط داخل البحر. وانتهت الأطقم الفنية، وكلهم مختصون ليبيون، داخل المصفاة، من تنفيذ عملية ترميم كبيرة استمرت ثلاثة أسابيع استعدادا لقابل الأيام. ويتوقع أن يزيد إنتاج المصفاة إلى الضعف مقارنة بما كانت عليه في السابق.
حالة الانتعاش والأمل في صلاح الأحوال تسيطر أيضا على مهندسي البترول في العديد من الحقول وموانئ التصدير. وفي موقع حقل الحمادة لإنتاج البترول الذي تديره شركة الخليج العربي للنفط ويبعد نحو 400 كيلومتر إلى الجنوب من العاصمة طرابلس، اجتمع مديرو عدة مواقع مماثلة من عموم البلاد، منها حقول «السرير» و«النافورة» و«مسلة»، وتعهدوا بتقديم المساعدة التي تسهم في سرعة وتيرة العمل. ويأمل المسؤولون الليبيون في أن يؤدي هذا إلى التغلب على مشاكل انقطاع الكهرباء ونقص الوقود وارتفاع أسعار الدولار أمام العملة المحلية، ونقص السيولة المالية في المصارف.
وتتنافس كل من سلطات الشرق والغرب على محاولات استرضاء الليبيين.. وتعيش طرابلس العاصمة وعدة بلدات مجاورة لها مأساة أكبر مما هو موجود في المناطق الشرقية الأكثر استقرارا. وفي كل من الجانبين يبدو الوضع الاقتصادي صعبا على السكان. ووصل سعر الدولار في السوق السوداء إلى أكثر من خمسة دنانير، بعد أن كان سعره في السابق 1.3 دينار.
وقام المصرف المركزي في طرابلس باعتماد ميزانية طوارئ قدرها 1.5 مليار دينار ووفر سيولة قدرها 9.4 مليار دينار، لكن المردود يبدو أنه ليس مرضيا بالشكل الكافي. فالزحام على المصارف في عموم ليبيا أصبح من المظاهر المعتادة بالإضافة إلى نقص الخدمات وارتفاع الأسعار إلى الضعف والضعفين، خاصة مع حلول موسم الشتاء. الكيلوغرام من الفحم أصبح سعره يزيد على خمسة دنانير. وملء أسطوانة غاز الطهي وصلت في بعض المناطق إلى نحو 70 دينارا. وارتفعت أسعار مولدات الكهرباء الخاصة.. بعض البيوت والدكاكين الصغيرة تضطر لشراء المولد المستعمل بما لا يقل عن ستة آلاف دينار. وهو مولد ذو صوت مرتفع. أما المولدات الضخمة التي يبلغ حجمها حجم حاوية وذات ضجيج أقل، فتبدأ أسعارها من مائة ألف دينار وحتى مائتي ألف دينار. ومثل هذه تجدها في المنازل والمتاجر الكبيرة مثل متجر إبراهيم.



عيدروس الزبيدي يواجه تحقيقات فساد ونهب عقارات

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
TT

عيدروس الزبيدي يواجه تحقيقات فساد ونهب عقارات

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)

قرَّر القاضي قاهر مصطفى، النائب العام اليمني، السبت، تكليف لجنة قضائية بالتحقيق في وقائع الفساد والإثراء غير المشروع وجميع الجرائم المنسوبة إلى المتهم عيدروس الزبيدي، والتصرف وفقاً للقانون.

وستُحقِّق اللجنة في أعمال الفساد واستغلال السلطة ونهب الأراضي وتجارة النفط والشركات التجارية من قِبل الزبيدي، التي أسهمت تداعياتها الخطيرة، وفق مراقبين، في خلق حالة من الانقسام السياسي والشعبي في المحافظات الجنوبية اليمنية نتيجة الفساد المالي والإداري والمظالم.

استغلال الصلاحيات

يرى الدكتور فارس البيل، رئيس مركز المستقبل اليمني للدراسات، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «عيدروس الزبيدي شخصية ليست صاحبة رصيد سياسي ولا نضالي ولا خبرة إدارية مطلقاً، لكن الصدفة والدور الخارجي دفعا به إلى أعلى المناصب في سلطة يمنية تعيش أسوأ الظروف الاقتصادية والسياسية، ومع ذلك استغل مناصبه وصلاحياته للاستحواذ على المال العام، وإفساد الوظيفة العامة والتآمر مع طرف خارجي ضد الوطن».

وثيقة الاستحواذ على حوش النقل البري

وأشار البيل إلى فساد كبير مارسه الزبيدي، مستغلاً الصلاحيات الممنوحة له إبان رئاسته لجنة الموارد السيادية، وهي أعلى سلطة تدير المال العام في اليمن، وقال إنه «استحوذ باسم (المجلس الانتقالي) على ميزانيات ضخمة خارج القانون لصالح المجلس وأفراده تُقدّر بـ10 مليارات ريال شهرياً. كما سخّر كثيراً من الموارد لصالحه مثل إيرادات المواني (عدن)، والجمارك، والضرائب، دون توريدها إلى البنك المركزي»، وقام بـ«توظيف هذه الإيرادات في تمويل تشكيلات عسكرية وأمنية خارج إطار الدولة».

وأضاف البيل أن عيدروس «فرض رسوماً غير قانونية على التجار والمواطنين، وخلق تعدد نقاط الجباية التابعة لتشكيلات مختلفة محسوبة على (الانتقالي)»، ناقلاً أمثلة لفساده أوردتها تقارير، منها «الاستحواذ على نحو 6 مليارات ريال شهرياً ضرائب على القات لا تُورّد إلى الخزينة العامة، وما يقارب 9 مليارات ريال شهرياً ضرائب على الوقود، وكذلك جبايات على الأسمنت والنقل، والمشاريع السياحية والنقاط الأمنية بموارد ضخمة، وكذلك الاستثمارات الخاصة والشركات وغيرها».

وتمثّل الفساد الإداري والمؤسسي للزبيدي، وفق البيل، في «تفكيك مؤسسات الدولة وإحلال كوادر موالية له بدلاً من الكفاءات، وكذلك تعطيل مؤسسات خدمية (الكهرباء، والمياه، والقضاء) لصالح إدارته الموازية، وخلق أزمات خدمية لابتزاز الحكومة وإثارة سخط المواطنين، فضلاً عن خلق أجهزة أمنية متعددة بمرجعيات مختلفة لا تتبع الدولة، مما أنتج فوضى إدارية وانعداماً للمساءلة»، وانتهاكه لحقوق الإنسان «عبر إنشائه السجون السرية وما شملته من انتهاكات واتهامات موثّقة بالتعذيب، والإخفاء القسري، والاعتقالات خارج القانون بحق معارضين وصحافيين».

وثيقة تملك عيدروس لأحد مباني الدولة في التواهي

احتكار سياسي

من الناحية السياسية فيقول رئيس «مركز المستقبل»، إن الزبيدي «اختزل (القضية الجنوبية) في شخصه وطموحه وحوّلها إلى أداة احتكار سياسي ومكاسب نخب محدودة، ومارس باسمها ابتزازاً للدولة والمجتمع الدولي»، منوهاً إلى تورطه بـ«تهمة العمالة وخيانة الوطن» التي «تكاد تكون الجريمة الأكثر فظاعة في الدستور والقانون»، وهي «جزء من قائمة اتهامات طويلة ارتكبها عيدروس بحق الوطن والدولة والمواطن اليمني».

من جانبه، عدَّ إبراهيم جلال، الباحث والاستشاري في الأمن وتحليل النزاعات والاقتصاد السياسي، خلال حديث لـ«الشرق الأوسط»، الفساد الذي مارسه الزبيدي انعكاساً لمنطق الغلبة وأنماط الاستئثار بالثروة والسلطة، بما في ذلك على نحو غير قانوني، وعلى حساب معاناة الناس ومصالحهم المعيشية.

بدوره، رأى عادل شمسان، الباحث الاقتصادي اليمني، أن بدء الإجراءات القضائية من النائب العام بالتحقيق فيما نُسب إلى عيدروس الزبيدي بالفساد والإثراء غير المشروع ومخالفة القانون وقضايا تمسّ سيادة الدولة بمثابة خطوة تحمل دلالات قانونية وسياسية مهمة. ونوَّه شمسان بأن «الإسراع في فتح التحقيق يعكس توجيهاً لتعزيز مبدأ المساءلة وسيادة القانون، واحتواء تداعيات القضية قبل اتساعها سياسياً»، لافتاً إلى أنه «سيُسهم في إعادة ضبط المشهد وتخفيف حدة الاستقطاب وإثارة التوتر الذي يسعى له عيدروس وأطراف داعمة من خلال إجراءات شفافة ومستقلة».

ومن الناحية الاقتصادية، يقول الباحث شمسان إن «هذا التحرك السريع يبعث برسالة طمأنة إلى الأسواق والمانحين حول جدية المؤسسات، بما يدعم الاستقرار المالي، ويحدّ من المخاطر المرتبطة التي يشوبها عدم اليقين».

وثيقة تملك عيدروس لأحد مباني الدولة في التواهي

أراضٍ وعقارات

وحسب وثائق اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، استحوذ الزبيدي على مساحة شاسعة من أراضي المنطقة الحرة في عدن والمخصصة بوصفها مخازن ومستودعات للميناء، حيث تم توثيق الأرض الممتدة من جولة كالتكس في المنصورة إلى محطة الحسوة بمدينة الشعب، وتوثيق الأرض باسم صهره جهاد الشوذبي.

وكشفت الوثائق عن استحواذ الزبيدي أيضاً على مساحة أرض في جزيرة العمال مطلة على البحر مباشرة وتتبع هيئة مواني عدن، وتم تسجيل الأرض باسم الشوذبي، بحيث يقسمها إلى مجموعة أراضٍ، وتُوزع على عيدروس ومجموعة من المقربين منه.

ووفقاً لمراقبين، استحوذ الزبيدي على نحو 100 فدان في بئر فضر بعدن، تابعة لشخص من أبناء المحافظات الشمالية يُدعى (الدفيف)، وتجري مساومته وابتزازه للتنازل عنها أو الدخول معه في شراكة من قِبل الشوذبي لعمل مدينة سكنية أو بيع هذه المساحة بوصفها أراضي نقداً.

وأشارت الوثائق إلى استحواذ عيدروس على 4 آلاف فدان بمنطقة راس عمران في عدن وتوثيقها باسم محمد قاسم الزبيدي، وكذلك على حوش النقل البري بمنطقة الدرين في الشيخ عثمان بعقد إيجار ومبلغ زهيد جداً يتم دفعه إلى الدولة، والمستفيد من هذه العملية عماد أبو الرجال مدير مكتب عيدروس، بالإضافة إلى حوش تابع لشركة النفط اليمنية في خور مكسر بتوجيهات من عيدروس، وعلى نحو 1000 فدان في محافظة لحج وتوثيقها باسم وسيط لمصلحة عيدروس، والمعهد الهندسي في التواهي المخصص لتأهيل الطلبة والمهندسين، وقطع أراضٍ بالقرب منه في جبل هيل.

وثيقة تأجير منتجع خليج الفيل لأحد أقارب عيدروس الزبيدي

النفط والشركات التجارية

أفاد مراقبون بأنه تم الضغط على شركة النفط اليمنية، ومديرها طارق الوليدي، بمنع استيراد البترول إلا عبر شركة تتبع الشوذبي ووزير النقل عبد السلام حميد، مشيرين إلى أنه منذ نحو عامَين، والأول هو من يورّد فقط بفوائد كبيرة تذهب إلى خزينة عيدروس. كما تم من وقت إلى آخر خلال الفترة ذاتها توريد شحنات نفطية إلى ميناء قنا بمحافظة شبوة لمصلحة الزبيدي والشوذبي، إلى جانب كميتين من النفط كان معهما فيها محمد الغيثي.

وأشار مراقبون إلى رصد قضايا فساد أيضاً على الشركة الأهلية للصرافة والتحويلات، والشركة العربية «إيكا» للأثاث، ومقرهما الرئيسي عدن، وتتبعان للشوذبي، بدعم من عيدروس.


«درع الوطن» تعزّز وجودها على الشريط الحدودي شرق اليمن

وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
TT

«درع الوطن» تعزّز وجودها على الشريط الحدودي شرق اليمن

وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)

عزّزت قوات درع الوطن اليمنية انتشارها العسكري، والأمني في الشريط الحدودي لمحافظة المهرة مع سلطنة عُمان، بالتوازي مع استعادة كميات من الأسلحة التي كانت قد نُهبت من مخازن عسكرية خلال عملية إخراج قوات المجلس الانتقالي المنحل من المحافظة، في إطار حملة أمنية متواصلة تشمل أيضاً محافظة حضرموت.

ووفق بلاغ عسكري حديث، نفذت وحدات من قوات «درع الوطن» في محافظة المهرة مهام تأمين استراتيجية في مديرية شحن، والمنفذ الحدودي الدولي مع سلطنة عُمان، ضمن خطة تهدف إلى تعزيز التنسيق الأمني، وحماية المواقع الحيوية، والمرافق السيادية، وضمان استقرار الحدود الشرقية للبلاد.

وشاركت في تنفيذ هذه المهام وحدات من اللواء الرابع – الفرقة الثانية بقيادة عبد الكريم الدكام، واللواء الخامس – الفرقة الأولى بقيادة منصور التركي، وذلك في سياق جهود توحيد العمل بين التشكيلات العسكرية، ورفع مستوى الجاهزية، والانضباط الأمني، بما يعكس توجه القيادة العسكرية نحو تعزيز حضور الدولة، وبسط سلطتها في المناطق المحررة.

وأكدت القيادات العسكرية أن هذه الخطوة تمثل صمام أمان لحماية المقدرات الاقتصادية، والاستراتيجية، وتؤكد التزام قوات درع الوطن بمسؤولياتها الوطنية في حفظ الأمن، والاستقرار، وبالتنسيق الكامل مع مجلس القيادة الرئاسي، والحكومة اليمنية، وبدعم وإسناد من المملكة العربية السعودية، في إطار مساعٍ إقليمية ودولية لتعزيز الاستقرار، وترسيخ مؤسسات الدولة في المحافظات المحررة من سيطرة جماعة الحوثي.

ضبط أسلحة في المهرة

ضمن حملتها لجمع السلاح، واستعادة ما نُهب من المعسكرات، تمكنت قوات «درع الوطن» اليمنية من ضبط كمية من الأسلحة، والذخائر في منطقة نشطون بمحافظة المهرة، في إطار جهودها الأمنية الرامية إلى مكافحة تهريب السلاح، ومنع انتشاره.

وأفادت السلطات المحلية في المحافظة بأن عملية الضبط جرت أثناء إجراءات تفتيش روتينية في النقطة الأمنية، حيث تم الاشتباه بإحدى المركبات، ليُعثر بداخلها على أسلحة وذخائر، جرى التحفظ عليها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المتورطين، وفقاً للقوانين النافذة.

وأكدت قيادة قوات «درع الوطن» في المهرة أن هذه الجهود تأتي ضمن مهامها الأساسية لحفظ الأمن، وحماية المواطنين، ومنع تسرب السلاح، مشددة على استمرارها في أداء واجبها الوطني بكل حزم، ومسؤولية، وبالتنسيق مع الجهات الأمنية والعسكرية ذات العلاقة، بما يسهم في تعزيز حالة الأمن والاستقرار في المحافظة الحدودية.

استعادة بعض الأسلحة التي نُهبت من مخازن قوات «الانتقالي» المنحل (إعلام حكومي)

من جهتها، أشادت قيادة السلطة المحلية في المهرة بأداء قوات «درع الوطن» العاملة في ميناء نشطون، مثمنة جهود قائد أمن الميناء ملازم أول عبد القادر السليمي، وقائد نقطة التفتيش محفوظ علي بن جعرة، ودورهما في تثبيت الأمن، والاستقرار، وحماية المنفذ البحري من أي أنشطة غير مشروعة.

وفي موازاة ذلك، أكد مواطنون في المحافظة أن ما تحقق مؤخراً في المحافظات المحررة يمثل فرصة تاريخية ينبغي الحفاظ عليها، وتعزيزها، عبر اتخاذ قرارات شجاعة تعيد الثقة بمؤسسات الدولة، والاستفادة الجادة من أخطاء المرحلة السابقة، والاعتراف بها، وضمان عدم تكرارها.

وشدد المواطنون على أهمية استكمال دمج جميع التشكيلات العسكرية تحت قيادة وطنية واحدة تخضع لسلطة القائد الأعلى للقوات المسلحة، ووزارتي الدفاع، والداخلية، باعتبار ذلك ضرورة وجودية لبناء دولة قوية، ومستقرة.

كما طالبوا، في الوقت ذاته، بتشكيل حكومة قائمة على الكفاءات، بعيداً عن المحاصصة السياسية، ومنح السلطات المحلية صلاحيات كاملة لإدارة شؤون محافظاتها، مع تكثيف جهود مكافحة الفساد.

نفي مهاجمة المحتجين

في سياق متصل بتطبيع الأوضاع الأمنية في محافظات شرق وجنوب اليمن، نفت قيادة الفرقة الثانية من قوات «العمالقة»، بقيادة العميد حمدي شكري، نفياً قاطعاً صحة بيان متداول تضمّن اتهامات باستهداف مشاركين في مظاهرة نظمها أنصار المجلس الانتقالي المنحل، مؤكدة أن البيان مفبرك ومحرّف.

وأوضح المركز الإعلامي لقوات «درع الوطن» أن الفرقة الثانية عمالقة لم تستهدف أي متظاهرين، ولم تستخدم السلاح ضد المدنيين، وأن مهامها في النقاط الأمنية تقتصر على تنظيم الحركة، وتأمين الطرق، ومنع أي اختلالات أمنية قد تهدد سلامة المواطنين. وأكد أن الادعاءات حول سقوط قتلى أو جرحى نتيجة أعمال منسوبة للقوات عارية تماماً عن الصحة.

«درع الوطن» تواصل حملة جمع الأسلحة في حضرموت (إعلام محلي)

وحملت قيادة الفرقة مروّجي هذه الادعاءات المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن نشر معلومات مضللة، والتحريض على العنف، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في ملاحقة كل من يقف خلف فبركة البيانات، أو الترويج لها، باعتبار ذلك تهديداً للسلم الاجتماعي، ومحاولة لخلط الأوراق، واستهداف المؤسسة العسكرية.

وجددت قيادة الفرقة التزامها بحماية المواطنين، واحترام النظام والقانون، وتنفيذ مهامها وفق التعليمات العسكرية، وبما يخدم الأمن والاستقرار في المحافظات المحررة.


حزمة إضافية من العقوبات الأميركية تحاصر اقتصاد الحوثيين وتسليحهم

الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
TT

حزمة إضافية من العقوبات الأميركية تحاصر اقتصاد الحوثيين وتسليحهم

الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)

في موجة جديدة من العقوبات الأميركية منذ إدراج الحوثيين في اليمن على لوائح الإرهاب، فرضت وزارة الخزانة الأميركية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية حزمة عقوبات جديدة استهدفت البنية الاقتصادية الخفية للجماعة، من النفط والسلاح، إلى الطيران والتهريب البحري.

القرار، الذي شمل 21 فرداً وكياناً وسفينة واحدة، لا يكتفي بتجفيف الموارد، بل يسعى إلى خنق شبكات التمويل العابرة للحدود التي تربط الحوثيين بإيران، مروراً بالإمارات وسلطنة عمان، وصولاً إلى مواني البحر الأحمر.

وتقول واشنطن إن هذه الإجراءات تأتي في سياق استراتيجية أوسع لحرمان الحوثيين من القدرة على تمويل أنشطتهم العسكرية، وهجماتهم على الملاحة الدولية، واستخدام الاقتصاد سلاحاً ضد اليمنيين أنفسهم.

وعلى الرغم من مرور سنوات من الضغوط الدولية، فإن وزارة الخزانة الأميركية تكشف عن أن الحوثيين ما زالوا يجنون أكثر من مليارَي دولار سنوياً من مبيعات نفطية غير مشروعة. هذه الإيرادات لا تُستخدَم لتحسين الأوضاع المعيشية، بل تُحوَّل مباشرة إلى خزائن الحرب، بينما يُفرض على اليمنيين شراء الوقود بأسعار باهظة.

تمثال للسيناتور السابق ألبرت غاليتين أمام وزارة الخزانة في واشنطن (رويترز)

العقوبات الجديدة استهدفت شبكة شركات واجهة لعبت دور الوسيط بين النفط الإيراني والحوثيين، أبرزها شركات مقرها الإمارات العربية المتحدة، مثل «الشرفي لخدمات النفط»، و«أديما للنفط»، و«أركان مارس للبترول».

وتقول واشنطن إن هذه الشركات تلقت دعماً مباشراً من الحكومة الإيرانية، وسهّلت شحنات نفط شهرية، بينها شحنات مجانية، مخصصة لتعزيز القدرات المالية للحوثيين.

كما برزت شركات صرافة وبورصات مالية في صنعاء ودبي بوصفها حلقة وصل لتحويل الأموال، من بينها «جنات الأنهار للتجارة العامة»، التي أُعيدت تسميتها بعد إدراجها سابقاً تحت اسم آخر، في محاولة للالتفاف على العقوبات.

وتشير «الخزانة» إلى أن هذه الشبكات لم تكن تجارية بحتة، بل كانت جزءاً من منظومة سياسية - عسكرية هدفها إبقاء الجماعة قادرة على تمويل التصعيد، داخلياً وإقليمياً.

تهريب الأسلحة

الضربة الأميركية لم تقتصر على النفط، بل طالت شبكات تهريب الأسلحة التي تعتمد على شركات لوجيستية وهمية، ومستودعات، ومسارات معقّدة عبر البر والبحر.

ومن بين أخطر القضايا التي كشفتها «الخزانة»، محاولة تهريب 52 صاروخ «كورنيت» مضاداً للدبابات داخل مولدات كهربائية مزيفة، عبر سلطنة عمان إلى صنعاء، قبل أن تتم مصادرتها.

كما أُدرجت شركات صرافة حوثية، أبرزها شركة «الرضوان للصرافة والتحويل»، التي وُصفت بأنها «الخزنة المالية» لعمليات شراء السلاح، حيث استُخدمت أموال المودعين لتمويل شبكات التهريب، ودفع أثمان مكونات صواريخ وأنظمة عسكرية متقدمة.

الجماعة الحوثية تستغل العقوبات داخلياً لقمع السكان وإجبارهم على مناصرتها (أ.ب)

وفي تطور لافت، كشفت العقوبات عن محاولة الحوثيين دخول مجال الطيران التجاري ليس لأغراض مدنية، بل كأداة مزدوجة لتهريب البضائع وتوليد الإيرادات. فقد تعاونت قيادات حوثية مع رجال أعمال موالين للجماعة لتأسيس شركتَي «براش للطيران» و«سما للطيران» في صنعاء، مع مساعٍ لشراء طائرات تجارية، بعضها بالتواصل مع تاجر أسلحة دولي مدان.

وترى واشنطن أن هذا التوجه يكشف عن انتقال الحوثيين من اقتصاد حرب محلي إلى اقتصاد تهريب إقليمي، يستخدم واجهات مدنية لتغطية أنشطة عسكرية.

الشحن البحري

كان البحر الأحمر، الذي تحوّل خلال الأشهر الماضية إلى بؤرة توتر دولي، حاضراً بقوة في لائحة العقوبات الأميركية الجديدة، فبعد انتهاء التراخيص الإنسانية التي سمحت بتفريغ شحنات نفطية لفترة محدودة، واصلت بعض السفن نقل الوقود إلى موانٍ يسيطر عليها الحوثيون، في خرق صريح للقيود الأميركية.

العقوبات طالت شركة «البراق للشحن»، وسفينتها «ALBARRAQ Z»، إضافة إلى عدد من قباطنة السفن الذين أشرفوا على تفريغ شحنات نفطية في ميناء رأس عيسى. وتؤكد «الخزانة» أن هذه العمليات وفَّرت دعماً اقتصادياً مباشراً للحوثيين، بعد تصنيفهم «منظمةً إرهابيةً أجنبيةً».

هجمات الحوثيين البحرية أدت إلى غرق 4 سفن شحن وقرصنة خامسة خلال عامين (أ.ف.ب)

الأخطر، وفق واشنطن، هو التحذير من العقوبات الثانوية، التي قد تطال مؤسسات مالية أجنبية تُسهّل «عن علم» معاملات كبيرة لصالح أشخاص أو كيانات مدرجة. فمكتب «OFAC» يملك صلاحية حظر أو تقييد الحسابات المراسلة داخل الولايات المتحدة، ما يعني عملياً عزل أي بنك مخالف عن النظام المالي العالمي.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية أدرجت الحوثيين «منظمةً إرهابيةً عالميةً مصنفةً تصنيفاً خاصاً»، بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224، بصيغته المعدلة، اعتباراً من 16 فبراير (شباط) 2024، ثم صنّفتها لاحقاً أيضاً «منظمةً إرهابيةً أجنبيةً» بموجب المادة 2019 من قانون الهجرة والجنسية في 5 مارس (آذار) 2025.