حين كان في بحر عمره العشرين، جرى تعيينه أميرا للرياض بالنيابة، عن شقيقه، خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (الذي كان أميرا حينها)، فتوسد الإمارة في عام 1957 ليكون من ضمن كوكبة القادة، الذين زرعت مؤسسة الحكم السعودية ثقتها الكبرى.
شقيق الملكين: فهد، رحمه الله، وسلمان، وشقيق قادة التطوير السياسي والإداري في البلاد: الأميران الراحلان سلطان ونايف، والأميران عبد الرحمن، وأحمد.. وجميعهم مدارس عالية في العمل الحكومي في وزارات البلاد السيادية.
تركي الثاني، كما هو الاسم، الذي حمله بعد وفاة شقيقه تركي الأول، أكبر أبناء الملك المؤسس.. عاش لوطنه وفي قلبه عروبة لا تُقاس، أحد أركان القيادة في السعودية، حمل معه وطنه في كل حياته، وكان نقطة اجتماع ووحدة في أسرته الكبيرة، فقدم نفسه وأبناءه لخدمة بلادهم، وتحقيق تطورها في أكثر من خمسين عاما، كان اسمه فيها بارزا وإن غاب جسدا.
حاضر في ترتيب الأبناء في سلم القادة في الترتيب الحادي والعشرين، معايشا أشقاءه؛ ستة من الذكور، وسبعا من الإناث، هم الأشقاء، ومعهم آخر غير شقيق، جميعهم أولو قوة ونفوذ وحضور بين أبناء الملك عبد العزيز، يحظون بالقبول والرأي السديد في الأسرة الحاكمة، وكانوا انعكاسا لتربية الأميرة حصة السديري، التي كان وجودها مدرسة تعليم وحياتها أفق ممارسة حياتية، وتربيتها قدوة تحكى وتكتب.
ولد الأمير الراحل في الرياض عام 1932، وتربى في كنف والده الملك المؤسس ومثل كل أبنائه، تربية حسنة، ووالدته هي الأميرة حصة بنت أحمد السديري، وهو شقيق كل من: خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والملك الراحل فهد بن عبد العزيز، والأمير الراحل سلطان بن عبد العزيز، والأمير الراحل نايف بن عبد العزيز، والأمير عبد الرحمن بن عبد العزيز، والأمير أحمد بن عبد العزيز.
أحاط به خيرة المعلمين من السعوديين والفقهاء، وكان أبرزهم الشيخ عبد الرزاق القشعمي، الذي كان إماما في صلوات الملك عبد العزيز، قبل أن يصبح إماما في قصر الملك المؤسس لزوجته الأميرة حصة.
فكان تركي الثاني ممن حفظوا أجزاء القرآن الكريم في مراحله العمرية الأولى، حريصا وملازما لمجالس والده وتنقلاته وأشقائه وإخوته الكبار، ليس على النطاق الخارجي، بل وحتى الداخلي في قصر والده ومقر سكن أسرته وبين الإخوة جميعا
درس الأمير الراحل في مدرسة الأمراء في الرياض، التي أسسها الملك عبد العزيز عام 1356هـ، بعد سنتين من تأسيس مدرسة الأمراء في مكة المكرمة التي عرفت باسم المدرسة المحمدية، والتي كلف بإدارتها المربي أحمد العربي، وظلت المدرسة تحت إشراف الملك عبد العزيز، وتعد في وقتها أشبه بالجامعة، حيث جمعت مناهجها بين علوم الدين والعلوم الحديثة، وتولى إدارة المدرسة في الرياض، والتدريس فيها، الشيخ الراحل عبد الله عبد الغني خياط، واشتهرت بتعليم طلابها فنون الخطابة والإلقاء، حيث يتم تكليف الطالب بإعداد خطاب يقوم بإلقائه في المناسبات المدرسية، وذلك مثل الاحتفال بتخرج أحد الطلبة وبختم القرآن الكريم يلقيه أمام الملك عبد العزيز.
وجاء في جريدة «أم القرى»: «في يوم الأحد 12 شعبان عام 1364هـ احتفلت (مدرسة الأمراء) بختم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (الأمير آنذاك) القرآن الكريم، وحضر الحفل (في حينه) ولي العهد الأمير سعود، وتلا الأمير سلمان في هذا الحفل آخر حزب بقي عليه من القرآن، ثم تلا الأمير الراحل تركي بن عبد العزيز، شيئا من دعاء ختم القرآن، ثم تقدم للخطابة الأمراء: عبد الرحمن، ومتعب، وطلال، ومشاري، وبدر، وتركي، ونايف، معبرين عن سعادتهم بختم أخيهم تلاوة القرآن الكريم».
تتلمذ وبزغ نجمه، حتى أصبح في وثاق الرجل الأول لإمارة الرياض لأشهر عدة «أميرا بالنيابة»، ولتقوده المجالات الإدارية الخاصة نحو الثقة العليا، التي منحها له الملك فيصل بن عبد العزيز، رحمه الله، ليكون نائبا لوزير الدفاع الطيران والمفتشية العامة، بعد مراحل التأسيس الأولى التي جاءها بعد أكثر من عشرة أعوام من استقلاليتها كونها وزارة آخذة في التطوير، فكان سندا لشقيقه الراحل ولي العهد الأسبق، الأمير سلطان بن عبد العزيز، رحمه الله.
اتجه ومعه القوة وروح الشباب، نحو وزارة الدفاع والطيران، بصحبة الشقيق الأكبر الأمير سلطان، ولم تمض أشهر عدة حتى كان أحد قادة ورموز الانتصار السعودي في حرب الوديعة أواخر عام 1969، حيث كان ممن أشرفوا على استعادة موقع الوديعة على الحدود الجنوبية مع اليمن بالقرب من مدينة شرورة.
يقول عن ذلك اللواء المتقاعد محمد الزهراني، الذي كان أحد جنود القوة السعودية، بعد أن هاجمت القوات اليمنية الجنوبية مركز الوديعة السعودي في الربع الخالي، فخاض الجيش السعودي معركة مهمة لتحرير منطقة الوديعة، كما اتجه جزء منها إلى مدينة شرورة في محاولة لاحتلالها، إلا أنها أجبرت على التوقف والتراجع، بعدما دحرتها قوات سعودية برية وجوية، ومن ثم خاضت معركة كبرى تكللت باستعادة مركز الوديعة خلال يومين بقوة سعودية خالصة، كان عتادها الطيران والقوات البرية المتمثلة في سلاح المدفعية.
يعلق اللواء الزهراني، في حديثه مع «الشرق الأوسط»: إن «الأمير تركي الثاني، كان قائدا عسكريا دون لباسه العسكري، وكان أحد رجالات الجيش السعودي الذي سعى إلى تطويره»، وعن سماته القيادية أوجز في حديثه عن الراحل تركي بن عبد العزيز، بأن «مسيرته وقيادته تعتبر من النوع الخاص في تعامله، حيث كان في سيرته العسكرية قائدا من نوع خاص، يتعامل بقوة الإنسانية مع مرؤوسيه من عامة العسكريين، وموجها بحزم ودراية جنوده على جبهات القتال».
مضيفا أن «الأمير الراحل صاحب البعد التطويري في العقيدة العسكرية السعودية، فكان ممن أولوا جانب التدريب أهمية خاصة، بالتعاقد مع مدارس عسكرية من مختلف دول العالم، خصوصا مدارس التدريب الأميركية، فساند البعثات خارجيا وداخليا لتحمل عقيدة بلادها في تأهيلها العسكري وصياغة منظمة دفاع سعودية حمل حضوره التطويري فيها بريقا مختلفا».
ولم تكن سنوات الأمير الراحل تركي بن عبد العزيز، الخمس عشرة التي قضاها نائبا لوزير الدفاع والطيران بعيدة عن التحديات الجمة، فعلاوة على مشاركته في القيادة والإشراف على حرب الوديعة، كان أحد الرموز السعودية في عهد الملك فيصل الذين انتصروا وساندوا مصر في حرب النصر خلال أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1973.
ففي عام 1956 خاض الجيش السعودي معارك ضارية إثر مشاركته في الحرب المعروفة تاريخيا بـ«العدوان الثلاثي»، حيث شاركت القوات المسلحة بجميع فروعها بجانب القوات الأردنية للدفاع عن مصر ضد العدوان الإسرائيلي والفرنسي والبريطاني، حيث قامت القوات السعودية بحماية الطائرات المصرية عند تعرضها للغارات الجوية الكثيفة، وقدمت للقوات المصرية نحو 20 مقاتلة نفاذة من طراز (فامبير)، واستمرت القوات المسلحة السعودية مرابطة حتى انتهى العدوان الثلاثي على مصر، إضافة إلى معركة «تل مرعي» الشهيرة التي خاض الجيش السعودي معارك طاحنة مع الوحدات الإسرائيلية.
وكانت أدوار الأمير تركي بن عبد العزيز، رحمه الله، على الصعيد العسكري ذات مسار متنوع مصاغة بالمرحلة السياسية والاقتصادية، بعد أن قطعت السعودية إمداداته النفطية عن أميركا، فكان أحد الرجال الذين ساهموا بتعزيز العمل التدريبي العسكري مع الولايات المتحدة، متماهيا كذلك مع القرار السيادي السعودي.
عرف عن الأمير الراحل تركي بن عبد العزيز، كرمه وهدوؤه، وتقديره للعاملين معه، وكان منزله في الرياض، ثم مقر إقامته في مصر، يعجان بالزوار ومحبيه، كما كان مجلسه عامرًا بالأحاديث والأطروحات في المشهدين، السياسي والأدبي، حيث يرتاده المثقفون والأدباء والإعلاميون وبعض طالبي الحاجة. وكان للأمير حضور في الأعمال الإنسانية والخيرية، وخصص من ماله الخاص منحًا للطلاب من السعوديين والعرب، للدراسة خارج أوطانهم.
ساهم الأمير تركي في قيادة تفوق السعودية في مراحل كثيرة من مسيرتها الدفاعية، ونال ثقة صانع كيان الجيش السعودي وتطوره القوي من التسليح، الأمير سلطان بن عبد العزيز، لينطلق متجاوزا حضوره بصفته نائبا في مناسبات كثيرة.
مدرسة الحكم التي تعلم منها، وصقله الشخصي عبر وزارة الدفاع والطيران، وملازمة أشقائه وإخوته، جعلته أحد القادة في مسيرة تطوير الجيش السعودي بفروعه الأربعة، جاء من العمل الإداري بعد تسلحه بالعلم، ليدخل معتركا مختلفا في وزارة القوة السعودية، حيث غالب من تولاها يصعد نجمه نحو أفق الحضور، ليكون من مقاعد الإمارة مشرفا على وضع لبنات وزارة الدفاع والطيران، فهو ممن أخذ على عاتقه تحقيق الثقة التي أوليت له عبر إخوته، وليساهم في تأسيس القوات البرية، والجوية، والبحرية، والدفاع الجوي، حتى أصبحت من أكبر وأقوى الجيوش العربية، ويجعل منها أكثر القطاعات الحيوية في المملكة لما أبرزته من إنجازات على الصعيد الوطني داخليا وخارجيا، حيث تركز على إعداد العسكريين داخليا وتطوير قدراتهم خارجيا، من خلال الكليات العسكرية التابعة لها حتى بلغ عددها 5 كليات، هي كلية القيادة والأركان، وكلية الملك عبد العزيز الحربية، وكلية الملك فيصل الجوية، وكلية الملك فهد البحرية، وكلية الملك عبد الله للدفاع الجوي.
يعرف عن الأمير الراحل تركي الثاني، حرصه على تقوية أواصر التعاون بين أبناء العائلة المالكة، وهو ما يفسر ديمومة وشدة العلاقة بين الإخوة وتكاتفهم مع بعضهم بعضا، وفقا للتربية التي زرعها الملك المؤسس، فكان ممن يسلط عليهم الضوء ويُعرف بالأمر الخدمي القيادي في النواحي المدنية والعسكرية.
تركي بن عبد العزيز.. شقيق الملكين و«درع» تطوير الدفاع الوطني
كان ممن أشرفوا على استعادة «الوديعة» على الحدود الجنوبية مع اليمن
تركي بن عبد العزيز.. شقيق الملكين و«درع» تطوير الدفاع الوطني
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


