تحدي ترامب.. توحيد الأميركيين

أنصاره يحتفون بـ«استعادة البلاد».. ومهاجرون: نشعر برعب شديد ونفكر في الرحيل

تحدي ترامب.. توحيد الأميركيين
TT

تحدي ترامب.. توحيد الأميركيين

تحدي ترامب.. توحيد الأميركيين

أدلى الأميركيون بأصواتهم في انتخابات الرئاسة يوم الثلاثاء باعتبارهم شعبا واحدا، واستيقظوا الأربعاء دولة من أمتين؛ إحداهما مبتهجة ومفعمة بالأمل، والثانية يتملكها التشاؤم والرعب الشديد. كان هذا من أهم نتائج فوز الجمهوري دونالد ترامب على منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، بعد حملة شرسة وغير مسبوقة، احتدم فيها التنافس إزاء قضايا سياسية واقتصادية كثيرة، وأثيرت خلالها فضائح أخلاقية ومالية وفتحت تحقيقات من قبل المباحث، مما زاد الجو المشحون أصلا مزيدا من التوتر والترقب.
والآن بعد إعلان الفائز بالسباق الرئاسي، وجد ترامب نفسه أمام شعب مقسم، مما دفعه للتخفيف من تصريحاته المثيرة للجدل. وتعهد، خلال خطاب النصر، بالسعي لتوحيد الأميركيين، هو تحد ربما لم يتوقعه ترامب نفسه خلال حملته. ومن خلال مقابلات أجرتها الصحافة مع مواطنين من شرائح وخلفيات مختلفة، اتضح أن عددا ممن اختاروا ترامب ازدادوا ابتهاجا وتشبثا بخيارهم، بينما أطاح الصعود غير المتوقع، للمرشح الجمهوري، بمفهوم الولايات المتحدة لديهم وأجبرهم على النظر في أمرهم وفيما إذا كانوا يعيشون في البلاد التي لم تعد مثلما كانوا يعتقدون.
في ميدلتاون بولاية أوهايو، استيقظت زوجة قس الكنيسة ذات الـ26 عاما وهي مبتهجة ومفعمة بالآمال في إمكانية أن يحقق ترامب التحول الاقتصادي المنشود ويعمل على معارضة وتجريم الإجهاض. وفي دالاس، تلقى محامي الهجرة، البالغ من العمر 51 عاما، اتصالات هاتفية مذعورة من العملاء الذين يخشون من الترحيل القسري من البلاد، معتقدين أن طلبات الحصول على حق اللجوء السياسي قد تعطلت وباتوا يفقدون الأمل في إمكانية لم شمل الأزواج والأطفال.
وفي منزلها في منطقة راذرفورد الريفية من ولاية نورث كارولينا، كانت تلك المرأة البالغة من العمر 55 عاما تقضي صباحها في ألم وندم شديدين على قرارها الذي اتخذته في آخر لحظة عندما أدلت بصوتها الانتخابي لصالح المرشح ترامب.
وتقول سيندي أدير، وهي مهندسة للديكور: «إنني في حالة عصبية شديدة. إننا منقسمون بشدة، وهناك الكثير من الكراهية في كل مكان». وكانت في كل صباح تعيد النظر في قرارها برفض المؤسساتية، وكانت تشعر بالقلق حول ما يقولونه عنها. «أعني أنني أميل للإدماج. إنني لا أوافق أن نذهب ونقول لجماعة معينة من الناس، مثل المسلمين، إنكم غير مسموح لكم بالبقاء هنا».
وقد تردد هذا السؤال كثيرًا في الكثير من المقابلات الشخصية التي عقدت مع الناخبين في طول البلاد وعرضها: ما الذي يعنيه بالضبط فوز دونالد ترامب بالنسبة للولايات المتحدة كأمة؟ تقول زينب الحسني، 30 عاما، من هامترامك في ولاية ميتشيغان، وهي ضاحية في مدينة ديترويت التي تضم مجلس المدينة الوحيد ذا الأغلبية المسلمة: «إنني أشعر بالرعب الشديد»، حيث كانت تنتظر تناول الإفطار في أحد المطاعم بالمدينة، وكانت تنظر بعينين قلقتين إلى طفلتها البالغة من العمر 15 شهرا فقط. وأضافت الحسني تقول وهي تضبط حجابها على رأسها: «إن بلادنا تريد طردنا إلى الخارج. إنهم يكرهون المسلمين. هذا ما قالوه بالأمس. إنهم يكرهوننا أكثر مما يحبون أميركا نفسها».
وأردفت الحسني تقول وهي تشير نحو طفلتها الرضيعة وتقاوم دموعها بشدة: «كيف يمكنني الرحيل، فلتشرحوا لها. الرجل الذي يقول مثل تلك الأشياء الحقيرة عن الجميع قد أصبح اليوم نموذجا يحتذى به؟ لماذا لم تعد مسألة كهذه مهمة عند الناس المحترمين؟».
وعلى مسافة بضعة أميال إلى الشمال، كان جيمس ماكدانيالز البالغ من العمر 27 عاما يطعم طفله البالغ من عمره 4 شهور فقط في مقهى ستاربكس الشهير، حيث قال: «إنني متحمس للغاية!»، وهو يرتدي سترته على كتفيه ومكتوب عليها «أرسلوا هيلاري إلى السجن». وأضاف ماكدانيالز يقول وهو يحتسي قهوته المفضلة في ماونت كليمينت بولاية ميتشيغان – وهي من مناطق الطبقة البيضاء العاملة في الولاية: «لم أعد أهتم بما يقولونه عن الرجل. إنه الإعلام الذي يحاول تشويه صورته لدينا. إننا لا نكره المسلمين، ولكن لا يمكنهم تطبيق قانونهم وشريعتهم في بلادنا. إن كانوا يحبون هذه البلاد بحق، فعليهم مساعدتنا في التخلص من الإرهابيين الإسلاميين الموجودين في مساجدهم هنا». ويتابع ماكدانيالز، الذي فقد وظيفته في عام 2015 عندما أغلق متجر بيع قطع غيار السيارات الذي كان يعمل به أبوابه: «لقد كان الوضع حرجًا للغاية هنا ولسنوات كثيرة ولم يكن أحد يعبأ بنا»، وقال: إنه تمكن في نهاية الأمر من العثور على وظيفة نادل في أحد المطاعم. وقال مضيفا: «لقد استعاد الشعب الأميركي بلاده بالأمس أخيرًا». وقال الرئيس المنتخب ترامب صباح الأربعاء إن الأمة تدين لهيلاري كلينتون بدين عظيم للخدمات الجليلة التي أدتها للبلاد، وأضاف قائلا: «إنني أعني ذلك بكل إخلاص وأمانة».
ولم يصدق ماكدانيالز من ذلك شيئا، حيث كان يعول على أن يعمل ترامب في الواقع على سجن كلينتون كما وعد بذلك في حملته الانتخابية، ووصفها ماكدانيالز بأنها «امرأة محتالة وكاذبة».
وتقدم الرئيس باراك أوباما إلى حديقة الورود في البيت الأبيض بعد ظهيرة يوم الأربعاء، وتحدث عن الانتقال السلمي للسلطة، مقرًا بخلافاته مع ترامب، ومضيفا أن الجميع معترف بنجاحه.
في لوس أنجليس، كانت باتي غيجانز، 72 عاما، تحاول استدراك الأمر، حيث قالت: «لا أزال مصدومة حتى أكون مصدقة لما يحدث». وكانت غيجانز تعمل منذ ثلاثة عقود في منظمة غير هادفة للربح معنية بمساعدة النساء اللاتي تعرضن للاعتداءات الجنسية. وقالت مضيفة: «تعرضنا للكثير من النقد اللاذع طيلة العام الماضي: لقد وصفت النساء بالكاذبات. وانتقص من قدرهن لأنهن فقط نساء. وكان الخطاب العام نحونا عنيفا ورخيصا للغاية، وكان إقصائيا بدرجة كبيرة».
وكما شاهدت نتائج الانتخابات مساء الثلاثاء، قالت: إنها كانت مضطرة إلى إجبار نفسها على التوقف عن متابعة الأخبار حيث إن التصويت لصالح ترامب كان بمثابة استفتاء على العنف الجنسي نحو النساء. وقالت: «لو سمحت لنفسي بالتفكير في ذلك لكنت أقدمت على الانتحار على الفور».
بدلاً من ذلك، قالت غيجانز، عندما بدأت في رؤية الانتخابات كما لو كانت تحذيرًا مدويًا الذي تجاهله الكثيرون أو رفضوا الاستماع بشكل غير منصف لشكاوى رفاقهم من المواطنين الأميركيين الساخطين على الأوضاع، أولئك الذين اتضح أنهم اندفعوا ذرافات ووحدانًا في مسيرات تأييد ترامب. وتقول غيجانز: «في مجال عملي، نتعمد الاستماع إلى الآخرين، ولدينا مستشارون وخط هاتفي ساخن. نستخدم قلوبنا وعقولنا لمحاولة فهم الآخرين، وهذا ما يتعين علينا القيام به إذا أردنا المضي قدما».
ولكن كيف يمكنك الاستماع من دون نسيان ما قاله ترامب لتوه؟ كما يقول فيكتور إيبارا. فمن اليوم الأول لترشح ترامب – عندما وصف الشعب المكسيكي بأنهم مغتصبون وتجار مخدرات ومجرمون – كان إيبارا من أشد المنتقدين.
وإيبارا من المهاجرين غير الموثقين، كان غادر بلدته راينوسا في المكسيك قبل 20 عامًا للفرار بحياته من العنف المتفشي في بلاده محاولا العثور على الراحة والسلام. وقد ظن أنه عثر عليه في هيوستن، حيث يكتسب رزقه من تنظيف السجاد لتربية ولده المولود في الولايات المتحدة الأميركية. ويعمل إيبارا الآن كناشط في مجال حقوق المهاجرين اللاتينيين، ويقول إن هاتفه لم يتوقف عن الرنين منذ مساء الثلاثاء الماضي. «إنهم يبكون، إنهم يعانون، إنهم خائفون. بعضهم من الصبيان بأعمار تناهز 14 و15 عاما، ومنهم الأطفال لآباء لا يحملون وثائق الهجرة القانونية، إنهم يبكون كثيرا ويقولون: إنهم خائفون للغاية من ترامب، ويتساءلون: ما الذي سوف نفعله الآن؟».
وقالت ميتزي ميلر إنها كانت تكافح من أجل محاولة رأب الصدع مع أولئك الذين، من خلال أصواتهم، صادقوا على سخريات ترامب من الكثير من الناس. وتضيف أن ابنها كايسي يعاني من مرض الشلل الدماغي، والاضطرابات العقلية، وأمراض الكلى. وعندما شاهدت هي وابنها، البالغ من العمر 19 عاما، ترامب، يسخر من أحد المراسلين من ذوي الإعاقة، قالت: إنها شعرت بإعياء شديد وأجهشت بالبكاء. وتابعت ميلر: «إن كل ما تذكره ولدي هو كل أنواع السخرية والآلام التي مرت به في حياته. ألا تسمعوا، إننا مدمرون، فقط مدمرون، ولا يفهم أحد ما الذي سوف يحدث في بلادنا ولأطفالنا». في وقت مبكر من صباح الأربعاء، كانت ناجا نيلسون (18 عاما) تتجول في شوارع واشنطن، مركز الزلزال الذي كشف عن كافة أشكال الحقد والانقسامات الحزبية التي مزقت البلاد إربا، وقالت: إنها شاهدت تداعي كل المثل منهارة أمام عينيها.
وبعد الإثارة الأولى للتصويت لأول مرة في حياتها، تتساءل الطالبة في عامها الأول بجامعة جورج واشنطن إن كان لصوتها الانتخابي أهمية تذكر. كما تساءلت ما إذا كانت كافة الاحتجاجات والمشاجرات التي وقعت في السنوات الأخيرة لصالح الدفاع عن حقوق المرأة والأقليات لها، أيضا، أهمية تُذكر. وتقول ناجا نيلسون: «لقد بدأت أشكك في كل شيء»، وأضافت أنها تحمل ترامب مسؤولية تطبيع الكراهية، وكره النساء، والإسلاموفوبيا، وكراهية الأجانب. وحتى أنصار ترامب واجهوا مشكلة في التخلي عن معتقداتهم كذلك. ومع انتظار سي جيه لويس (74 عاما) في غرفة معيشتها للاستماع إلى خطاب التنازل من هيلاري كلينتون، تحدثت كيف أنها كانت تشعر بالخزي من قبل غيرها من السكان في بلدتها لأنها فقط من مؤيدي دونالد ترامب.
وتقول لويس الديمقراطية المؤيدة لترامب: «كنت خائفة من وضع علامة ترامب في فناء منزلي أو على خلفية سيارتي. لم أكن أريد أي شيء أن يحدث لمنزلي أو سيارتي. والأمر هو أنني لن أتحدث عنهم بالطريقة التي تحدثت بها هيلاري عنا، لقد وصفتنا بأننا يُرثى لنا». وتضيف لويس أن أكبر آمالها، بعد أن انتهت الحملة الانتخابية، هي أن يتوقف الناس في النهاية عن كراهية بعضهم البعض. وحتى الآن، ومع مشاهدتها للتلفزيون في انتظار ما ستقوم به كلينتون، لم تتوقف لويس عن تعداد إخفاقات كلينتون في الحكم على الأمور وفي شخصيتها الذاتية.
وأدلى ترامب بعد فوزه بتصريحات طمأنة تجاه خصومه، إذا قال ضاحكا أمام حشد من أنصاره في نيويورك: «بالنسبة لأولئك الذين اختاروا عدم مساندتي في الماضي، وهم عدد قليل من الناس، فإنني أحاول التواصل معكم من أجل الاستفادة من توجيهاتكم ومساعدتكم بحيث يمكننا العمل سويا من أجل وحدة بلادنا العظيمة». وأعرب الكثير من الناخبين المؤيدين لترامب عن التفاؤل المطلق حيال رغبته وقدرته على القيام بذلك.
وما يفتقر إليه ترامب في الخبرة السياسية، يحاول تعويضه في مجال المال والأعمال والتجارة، كما يقول دياموند مايك آلن، 55 عاما، وهو المصارع المحترف الذي تحول إلى مجال الكوميديا والترفيه ومن أنصار ترامب منذ اليوم الأول.
ويقول آلن من مدينة دولستون بولاية بنسلفانيا، في المقاطعة التي أيدت هيلاري كلينتون: «إن رجل الأعمال الناجح دائما ما يقرب منه الشخصيات المناسبة. فعندما يبدأ في بناء أحد المباني الكبيرة، فإنه لا يصب الخرسانة بنفسه أبدا». ويقول مايكل بارنت، وهو من المواطنين الأميركيين الأفارقة المؤيدين لدونالد ترامب ورئيس مقاطعة بالم بيتش في ولاية فلوريدا، ومن أعضاء الحزب الجمهوري هناك: «لا أعتقد أنه بمقدوره القضاء على العنصرية، لأنني لا أعتقد أنه بإمكانه تغيير الطبيعة البشرية. ولكنني أعتقد أن دونالد ترامب، ومن واقع خبراتي السابقة، يعرف كيف يعمل مع كافة الناس من كافة الأعراق».
ولكن بالنظر إلى حالة الانقسام الكبيرة والمؤلمة التي تجتاح البلاد اليوم، حتى بعض من الناخبين المؤيدين لترامب قد أعربوا عن شكوكهم ومخاوفهم.
وتقول جوليا سميث، التي صوتت لصالح ترامب من إحدى الضواحي في مدينة شيكاغو: «إنه مدفع هائج، ولا أدري ما الذي سوف يفعله». وسميث، التيس تعمل في مجال تحليل تكنولوجيا المعلومات، قد وجدت بعض العزاء في فكرة مفادها أن شخصا واحدا وانتخابات وحيدة ليس بإمكانهما تحديد مسار ومصير البلاد بأسرها، بصرف النظر عن الصدمات والتحولات الناجمة عنها. وتضيف سميث: «سوف يتطلب الأمر من الناس الذين يحبون بعضهم البعض، ويحبون مجتمعاتنا، ويحبون جيراننا، عما إذا كانوا من أبناء هذا الوطن أم لا، وهل عندهم المقدرة على التضحية من أجل أن نكون الدولة التي تتمتع بالنزاهة والمصداقية مرة أخرى. إنه كشعلة مضيئة في مكان مظلم».



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.