مهرجان ثيسالونيكي اليوناني في عامه الـ57

أفلامه تعكس أزمات اقتصادية عاصفة

رحلة بحث عن الذات في مدينة المرأة الميتة.. وفي الاطار لقطة من {أميركان سكوير}
رحلة بحث عن الذات في مدينة المرأة الميتة.. وفي الاطار لقطة من {أميركان سكوير}
TT

مهرجان ثيسالونيكي اليوناني في عامه الـ57

رحلة بحث عن الذات في مدينة المرأة الميتة.. وفي الاطار لقطة من {أميركان سكوير}
رحلة بحث عن الذات في مدينة المرأة الميتة.. وفي الاطار لقطة من {أميركان سكوير}

في الدقيقة الأولى من فيلم «ثلاثة أقدار»، يطلب منا المخرج تيوكروس ساكلاروبولوس أن ننسى الصوت. يضع ثلاثة أسطر في وسط الشاشة تقول: «ليس هناك صوت. استمع فقط لهمسات روحك».
الدعوة يصاحبها أكثر من تعليق مطبوع على الصور التي يطالعنا بها الفيلم لشخصياته ومواقعه. إحدى الشخصيات الأولى رجل يمشي تتبعه الكاميرا على جدار مبنى في قرية ما. إنه يتحدث إلى نفسه والبطاقة المصاحبة تعلن: «يريد تغيير قدره. لم يعد يستطيع التحمل. لقد اكتفى مما هو محيط به. من الناس حوله… من حياته هو».
تقودنا المقدمة هذه إلى عمل تجريبي بالأبيض والأسود. صامت من أي حوار أو مناجاة وبل من أي مؤثرات صوتية. لا رياح ولا أصوات خطوات على الطريق ولا أصوات أدوات الحياة المختلفة.
«ثلاثة أقدار»، الذي كتبه وأنتجه وصوّره وقام بمونتاجه المخرج نفسه هو من بين الأفلام التي سيعرضها مهرجان ثيسالونيكي اليوناني ما بين الثالث والثالث عشر من الشهر القادم. دورته الجديدة ستحتوي على عشرات الأفلام القادمة من الشرق والغرب ومن كل مكان ساعية للتجمع في تظاهراته المختلفة: العروض الرسمية الموزعة في تسع دوائر من بينها الفيلم القصير والأفلام التي لم تعرض من قبل والأفلام اليونانية التي نالت جوائز ما هذا العام في مناسبات أو مهرجانات أخرى. هناك أيضًا قسم يشهد رواجا اسمه «تقرير البلقان» وثالث عن «سينما الشباب» ورابع ينتخب فيه النقاد اليونانيون أفلاما أعجبتهم.
عمر المهرجان اليوم 57 سنة، وهذا يجعله من الجيل المخضرم من المهرجانات الأوروبية كحال سان سابستيان ولوكارنو وفينيسيا وكان. وهو أفضل منصّـة لتقديم السينما اليونانية للحاضرين الذين يلتمّـون من حوله قادمين من مختلف أرجاء العالم خصوصًا من الدول البلقانية والشرق متوسطية والبحر الأبيض المتوسط كما من مختلف الدول الأوروبية.

لمحات كوميدية

الرجل في حياة اليوم موضوع يستأثر بعدد من الأفلام التي سيتم عرضها في هذا المهرجان والتي سنحت لي فرصة مشاهدة بعضها مسبقًا، رغم أنها لم تعرض بعد في مهرجانات أخرى. إنها حالة إنسانية معظمها يقع في إطار الحياة اليونانية الراهنة التي تبدو، إذا ما تابعناها من فيلم يوناني إلى آخر، وقد توقفت عن الاتجاه وإن لا تزال ماضية. تسير كما اعتادت أن تفعل لكنها تراوح مكانها تبعًا لأوضاع وظروف البلاد الاقتصادية والاجتماعية.
ها هو بطل فيلم «أفترلف» لا يجد سوى استعادة الماضي كسبيل للمواصلة. يتصل بصديقته التي تركته قبل نحو سنة ليدعوها لزيارته في قريته الجميلة. يذكرها بأنهما خلال فترح حياتهما معًا لم يقدما على تمضية عطلة ما لأنهما لا يملكان المال للتحوّل إلى سائحين. الآن هو يعلم أنها تعيش في غرفة تحت مستوى الأرض ويجدها فرصة لأن يعرض عليها العودة إلى الماضي ولو لأسبوع.
في فيلم سترغيوس باخوس لمحات كوميدية أكيدة يعالج بها موضوعه العاطفي - الاجتماعي، وهذا أيضًا حال فيلم يانيس ساكاريديس «أميركا سكواير» فهو معالجة ساخرة لموضوع يتعامل والوضع الاقتصادي والعائلي والسياسي في اليونان اليوم وكل ذلك من خلال حبكة محورها الوطن والمحيط المتشابك. بطله يانيس ستانكوغلو يقرر في مطلع الفيلم أنه كان يؤمن سابقًا بالحدود كفواصل بين بلد وآخر. الآن، وقد أصبح اليونان وسواه مختلطًا خصوصًا بعد أزمة المهاجرين القادمين من أفريقيا ومن الدول العربية، بات يؤمن بأن الحدود تجارة يستطيع استثمارها لأن بضاعتها هي الناس أنفسهم.
بعيدًا عن ذلك كله يتقدّم يانيس سترافولاموس، عبر فيلمه الأول «يقظة»، بعمل مختلف حول صبي كان يشعر بالخجل كون والدته مصابة بداء يجعلها عينها اليمنى تبدو جاحظة. يترعرع في هذا الشعور بأنه كان محط سخرية التلاميذ. الأيام وحدها تجعله قادرا على التغلب على ذلك الشعور خصوصًا بعد مقتل والديه في حادثة سيارة. بعد سنوات سيكتشف سرًا سيعمق من فهمه لما حدث لعين والدته.
المنحى الذي يقدم المخرج عليه هنا ينتمي إلى مزيج بصري من الروحانيات والميتافيزيقيات. امرأة تتحول إلى نار. رجل يمشي فوق سطح البحر، عوالم متداخلة. وفي الصميم أيضًا هناك مزيج من المسائل المطروحة حول الدين والطفولة والعائلة والشعور بالندم. بعض ما نراه يشبه أفكار المخرج الفرنسي ليو كاراكاس، لكن الفيلم، كوحدة خاصة، لديه دربه المنفصل في ذلك العالم الجامع بين الحقيقة والخيال.
فيلم آخر من الخيالات الممتزجة هو «عواطف» لكوستاس نيكولوبولوس وهو أيضًا مخرج جديد يميل، كحال «ثلاثة أقدار» أعلاه إلى التجريب وبل يزيد عليه. عبر الموسيقى وأنواع الألحان المتماوجة والمعبرة عن أكثر من ثقافة وأكثر من تاريخ، يحاول المخرج دفع بطله إلى الخروج من عالمه، زمانًا ومكانًا، ليدخل عالما يعتبره الفيلم أرحب بكثير وهو عالم الموسيقى غير المحدد لا بالمكان ولا بالزمان. والموسيقى لها مكان مهم في «مدينة المرأة الميتة» للمخرجة أنجيلا إسماعيلوس بطلتها مغنية أوبرا سابقة تلتقي براهب وبمصارع ثيران والثلاثة يقررون التحوّل من السلب إلى الإيجاب فيما يتعلق ببحثهم حول منعطف للحياة الجديدة. الرحلة هي بحث آخر عن الهوية المفقودة بين شخصيات اليوم والمآزق النفسية التي يمر بها شخوص هذا البحث.
وهو الضياع نفسه، إنما على مستوى شبابي، الذي يعصف بشخصيات فيلم «بارك» الذي سبق له أن عرض في مهرجان سان سابستيان قبل أسابيع وخرج بجائزته الخاصة بالمخرجين الجدد (عرضه أيضًا مهرجان تورونتو).
ضمن هذا التيار الباحث هناك فيلمان عن رجلين خسر كل منهما وظيفته بسبب الأزمة الاقتصادية العاصفة. في «المدينة الفاضلة» لنيكوس كورو نجد أخيليس وقد قرر، وبعض أصحابه، عدم الاستسلام للأمر الواقع والقيام بما من شأنه مقاومة الجشع والفساد الذي يعلم أنهما مسؤولان عن هذا الوضع أساسًا.
أما الموظف المطرود من عمله من جراء الوضع الاقتصادي ذاته في فيلم كليو فانوراكي «أكزامو» فيلجأ إلى العزلة أولاً ثم إلى القيام برحلة بحث تعيده إلى الريف اليوناني لربما وجد فيه الأصالة المفقودة.
لكن هناك ما هو بعيد عن كل تلك الاهتمامات مثل فيلم سوتيريس تزافولياس «أنا الآخر» الذي يدور حول عالم جرائم يعيش في أثينا اليوم يستعين به البوليس للكشف عن مرتكب خمس جرائم قتل. على الأقل هناك ما يلبي رغبة البعض في أفلام لا ترتبط كثيرًا مع الواقع وإن فعلت تحاول إخفاء ذلك تحت جثث ضحاياها.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز