مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط»: ضمانات أميركية لأنقرة بشأن المنطقة الآمنة

الأكراد سيقترحون على أهل الرقة ضمّها إلى «الإدارة الذاتية» بعد تحريرها

مقاتلتان من قوات الحماية الشعبية الكردية على سطح أحد الأبنية مع أسلحتهما في قرية «مزرعة خالد» (أ.ف.ب) - مقاتلات من قوات الحماية الشعبية الكردية بين زملائهن أمس قرب قرية «مزرعة خالد» 
التي تبعد 40 كلم عن الرقة التي يسيطر عليها تنظيم داعش (أ.ف.ب)
مقاتلتان من قوات الحماية الشعبية الكردية على سطح أحد الأبنية مع أسلحتهما في قرية «مزرعة خالد» (أ.ف.ب) - مقاتلات من قوات الحماية الشعبية الكردية بين زملائهن أمس قرب قرية «مزرعة خالد» التي تبعد 40 كلم عن الرقة التي يسيطر عليها تنظيم داعش (أ.ف.ب)
TT

مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط»: ضمانات أميركية لأنقرة بشأن المنطقة الآمنة

مقاتلتان من قوات الحماية الشعبية الكردية على سطح أحد الأبنية مع أسلحتهما في قرية «مزرعة خالد» (أ.ف.ب) - مقاتلات من قوات الحماية الشعبية الكردية بين زملائهن أمس قرب قرية «مزرعة خالد» 
التي تبعد 40 كلم عن الرقة التي يسيطر عليها تنظيم داعش (أ.ف.ب)
مقاتلتان من قوات الحماية الشعبية الكردية على سطح أحد الأبنية مع أسلحتهما في قرية «مزرعة خالد» (أ.ف.ب) - مقاتلات من قوات الحماية الشعبية الكردية بين زملائهن أمس قرب قرية «مزرعة خالد» التي تبعد 40 كلم عن الرقة التي يسيطر عليها تنظيم داعش (أ.ف.ب)

بعد أيام من انطلاق «قوات سوريا الديمقراطية» في عملية تحرير مدينة الرقة الواقعة في الشمال السوري بدعم جوي أميركي، من تنظيم داعش، برزت تصريحات لقياديين أكراد رجحوا فرضية ضم المدينة ذات الغالبية السنية إلى ما يُعرف بـ«منطقة الإدارة الذاتية الكردية»، وهو ما أثار مخاوف المعارضة السورية وناشطين في المنطقة وجعلهم يتساءلون عن مغزى الدعم الأميركي للمقاتلين الأكراد في هذه المعركة وما إذا كانت واشنطن باتت تؤيد حقيقة قيام دولة كردية أو أقله اعتماد نظام فدرالي في سوريا. بينما أكدت مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط»، أن أنقرة حصلت على ضمانات كاملة من واشنطن باستكمال عملية درع الفرات ومنع الربط بين جرابلس وجيب عفرين الكردي القريب من مدينة هطاي الحدودية التركية مع سوريا. كذلك دخول الجيش السوري الحر إلى مدينة منبج، التي لا يزال يوجد فيها 200 من عناصر الوحدات الكردية تريد أنقرة إخراجهم إلى شرق الفرات. فضلا عن تسريع عملية إخراج «داعش» من مدينة الباب.
وقالت مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط»، إن خطة تركيا لإقامة منطقة آمنة على مساحة 5 آلاف كيلومتر مربع بطول 98 كيلومترا بين جرابلس وأعزاز وبعمق 45 كيلومترا في عمق الأراضي السورية، باتت محل توافق مع واشنطن وموسكو من أجل عودة اللاجئين السوريين المنتمين إلى القرى والبلدات التي تقع ضمن هذه المنطقة إلى أراضيهم.
في الوقت نفسه واصل الجيش التركي تعزيز قواته على الحدود مع سوريا والعراق وقام رئيس الأركان التركي بزيارة لمواقع القوات التركية على الحدود السورية أعقبها أمس بزيارة للقوات التركية على حدود العراق.
من جانبه أكد وزير الدفاع التركي فكري إيشيك أن الجيش التركي سيتقدم إلى كل مكان ضروري لحماية الأمن التركي.
وتخشى تركيا من تحول المواجهات مع «داعش» إلى حرب عرقية أو طائفية تهدد المنطقة وتهدد تركيا نفسها، وهذا ما يدفع تركيا إلى التمسك بعدم دخول القوات الكردية ضمن قوات سوريا الديمقراطية إلى داخل الرقة، والإصرار على أن يتم ذلك من خلال قوات عربية تقوم بتدريبها على غرار ما حدث في درع الفرات حتى الآن.
في سياق آخر، نقلت صحيفة «إيزفيستيا» الروسية عن ممثل حزب «الاتحاد الديمقراطي» الكردي السوري في موسكو عبد سلام علي، أمس، قوله إن الكرد، بعد الانتهاء من «تطهير المدينة من الإرهابيين، قد يضمونها إلى منطقتهم الذاتية الحكم»، لافتا إلى أنه بإمكان «قوات سوريا الديمقراطية»، التي يشكل الأكراد عمودها الفقري، تشكيل مجلس عسكري لإدارة المدينة بعد «تطهيرها»، وضمها إلى النظام الفيدرالي الذي أعلنوه في شهر مارس (آذار) الفائت. وأضاف أن «هذه المسألة يقررها سكان المدينة، فإذا وافقوا على بقاء القوات الكردية في المدينة، فسوف تبقى القوات. وطبعا، فإن الجزء الرئيسي من هذه القوات سوف ينسحب من المدينة في جميع الأحوال، أي سيبقى فيها ما يلزم لحفظ النظام. أما من الناحية الإدارية، فإن من الممكن تكليف مجلس عسكري للقيام بهذه المهمة، على غرار ما جرى في مدينة منبج بعد تحريرها».
وبينما اعتبرت نوروز كوباني، من المكتب الإعلامي لوحدات حماية المرأة YPJ، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنّه «من الطبيعي أن يتم إنشاء مجالس وبلدية ومحاكم تكون على صلة بمدن محررة أخرى من أجل بت مسألة إدارة الرقة بعد تحريرها»، لافتة إلى أنه «لا شيء محسوم أو واضح حتى الساعة»، شدّد قيادي كردي على أنه «لا وجود لمصطلح (ضم) لدى قوات سوريا الديمقراطية وحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب، باعتبار أنه لا يمكن فرض أي شيء من هذا القبيل على أي منطقة أو مدينة»، مشيرا إلى أن «أهلها هم من يقررون مصيرها». وقال القيادي المذكور الذي فضّل عدم الكشف عن هويته لـ«الشرق الأوسط»: «من المستغرب سعي الإعلام الروسي المستمر لطرح الموضوع من هذه الزاوية، خاصة أن الأمور لا تزال أصلا بعيدة طالما لم يتم حتى الساعة تحرير مدينة الرقة».
ولا توحي تصريحات المسؤولين الأميركيين بتأمينهم غطاء للأكراد لضم الرقة إلى «منطقة الحكم الذاتي»، وهو ما عبّر عنه أخيرا المتحدث باسم الخارجية الأميركية مارك تونر، لافتا إلى أن «الولايات المتحدة تعتقد أن التشكيلات الكردية المسلحة المشاركة في عملية تحرير مدينة الرقة سوف تنسحب من المدينة بعد تحريرها وتطهيرها»، ولكنه لم يحدد ما إذا كانت القوات الكردية ستنسحب بكاملها أم سيبقى جزء منها في المدينة لإدارتها وللمحافظة على الأمن فيها.
ولا تقتصر الإشكالية المطروحة على الرقة باعتبار أن ملف مدينة منبج التي حررتها «قوات سوريا الديمقراطية» بوقت سابق من تنظيم داعش عاد ليُفتح مع إعلان مقاتلي المعارضة المنضوين في عملية «درع الفرات» نيتهم التوجه إلى المدينة بعد سيطرتهم على الباب، وهو ما يؤكد المسؤول الكردي أنه «غير ممكن على الإطلاق، من منطق أن هذه المجموعات من المقاتلين تابعة مباشرة لتركيا»، لافتا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «لن يُسمح لهذه المجموعات بالتقدم في أي منطقة حررتها قوات سوريا الديمقراطية كي تكون الكلمة فيها لأنقرة».
بالمقابل، يحسم أحد القياديين في «درع الفرات» بأن خطة عملهم تقضي بالتوجه إلى منبج بعد السيطرة على الباب، لافتا إلى أنهم تلقوا وعودا من الأميركيين بانسحاب المقاتلين الأكراد إلى شرقي الفرات، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لكن إذا لم يتجاوب هؤلاء مع المطالب الأميركية فإننا لن نتردد بخوض مواجهة مباشرة معهم.. والصدام سيكون قادما لا محالة».
وفي التطورات الميدانية التي شهدتها الرقة ومحيطها يوم أمس، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان باستمرار الاشتباكات العنيفة بين «قوات سوريا الديمقراطية» من جهة، وتنظيم داعش من جهة أخرى في الريف الشمالي للمدينة، وسط تمكن قوات سوريا من التقدم والسيطرة على قرية جديدة ليرتفع إلى 17 قرية ومزرعة على الأقل عدد المناطق التي تقدمت إليها هذه القوات منذ بدء معركة «غضب الفرات» قبل أيام والتي تهدف لعزل مدينة الرقة عن ريفيها الشمالي والشرقي، لافتا إلى أن الاشتباكات تترافق مع قصف للتحالف الدولي على قرية خنيز ومناطق أخرى في الريف الشمالي.
وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية» فإن عاصفة من الغبار أعاقت تقدم «قوات سوريا الديمقراطية» في المنطقة الصحراوية نحو مدينة الرقة، كما شلت قدرة طائرات التحالف الدولي على رصد تحركات عناصر تنظيم داعش.
من جهتها، أشارت المتحدثة باسم حملة «غضب الفرات» جيهان شيخ أحمد إلى أن «قواتنا تقترب من الالتقاء، وتعتمد استراتيجيتنا على التقدم وفق مراحل ومحاصرة العدو ضمن مناطق واسعة تمهيدا لبدء عمليات التمشيط». وأضافت أنه «بعد السيطرة على 15 قرية والكثير من المزارع منذ بدء الهجوم، استطعنا قطع ثلث المسافة نحو مدينة الرقة، إذ أحرزنا تقدما باتجاهها بمسافة 15 كيلومترا ولا يزال يفصلنا عنها ثلاثون كيلومترا».
ودفعت المعارك والغارات الآلاف من سكان القرى الواقعة في ريف الرقة الشمالي إلى النزوح خشية من استخدامهم كدروع بشرية. وأحصت قوات سوريا الديمقراطية الخميس نزوح أكثر من خمسة آلاف شخص منذ بدء الهجوم السبت، من مناطق الاشتباك باتجاه مدينة عين عيسى. وقالت إنهم يعيشون في ظروف صعبة جراء النقص في المساعدات.
ولا تقتصر التحديات التي يعيشها المدنيون في الرقة ومحيطها على نقص المساعدات والحصار الذي يفرضه «داعش» بل وبشكل أساسي على القصف الذي يتعرضون له من طيران التحالف الذي لا يميز في الكثير من الأحيان بين الأهداف العسكرية وتلك المدنية، وهو ما أدّى يوم الثلاثاء إلى مقتل 20 منهم في قرية الهيشة الواقعة تحت سيطرة التنظيم المتطرف في ريف الرقة الشمالي.



قمة مصرية - صينية مرتقبة لتعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

قمة مصرية - صينية مرتقبة لتعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

تترقب القاهرة زيارة للرئيس الصيني شي جينبينغ، لبحث تعزيز التعاون والملفات الإقليمية.

وتحمل تلك الزيارة، التي تعد الأولى إلى مصر منذ 10 سنوات، فرصة لتعزيز الشراكة بين البلدين وفتح مسار جديد في علاقات بكين والقاهرة، وفق عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، لـ«الشرق الأوسط».

وأفادت الرئاسة المصرية، في بيان الأربعاء، بأنه «في إطار العلاقات الثنائية المتميزة مع بكين، فمن المقرر أن يقوم الرئيس الصيني شي جينبينغ بزيارة إلى مصر خلال الأيام القليلة القادمة».

ومن المقرر أن يلتقي خلال الزيارة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، لبحث سبل تعزيز علاقات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مختلف المجالات، فضلاً عن تبادل الآراء بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية.

ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، يتوجه الرئيس الصيني الأحد إلى قرغيزستان بدءاً لجولته التي تستمر إلى الثالث من سبتمبر (أيلول)، للمشاركة في قمة «منظمة شنغهاي للتعاون» في العاصمة بيشكيك، حيث يقوم بزيارة دولة، تعقبها زيارة أخرى إلى مصر، وفقاً لما أعلنته وزارة الخارجية الصينية في بيان الأربعاء.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، أن المحادثات في مصر تهدف إلى «الإسهام الإيجابي في صون السلام والاستقرار في المنطقة»، لافتاً إلى أن زيارة شي هي «الأولى إلى مصر منذ 10 سنوات، كما تحمل أهمية خاصة لتطوير العلاقات الثنائية».

توقيت بالغ الدلالة

ويشير مساعد وزير الخارجية الأسبق محمد حجازي، إلى أن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني «تأتي في توقيت بالغ الدلالة بالنسبة للعلاقات بين القاهرة وبكين، وفي لحظة دولية تشهد إعادة تشكيل عميقة في موازين القوة والاقتصاد والسياسة».

وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة لأنها تأتي في عام 2026، الذي تحتفل فيه مصر والصين بمرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، حيث أصبحت مصر في 30 مايو (أيار) 1956 أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين، وفق حجازي.

السيسي والرئيس الصيني خلال المشاركة في احتفالات «عيد النصر» بالعاصمة الروسية موسكو 9 مايو 2025 (الرئاسة المصرية)

وانتقلت العلاقات المصرية - الصينية خلال العقود السبعة الماضية من مرحلة «التضامن السياسي ودعم قضايا التحرر الوطني»، إلى مرحلة التعاون الاقتصادي والتنموي، ثم إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» التي أُعلنت عام 2014، وخلال العقد الأخير اتسعت مجالات التعاون لتشمل البنية الأساسية والطاقة والنقل والصناعة والتعليم⁠، بحسب حجازي.

وعن مستقبل الشراكة المصرية - الصينية خلال السنوات المقبلة، يرى حجازي، أن «المصلحة المصرية تقتضي الانتقال من نموذج يقوم بدرجة كبيرة على التجارة والاستثمار، إلى نموذج يقوم على الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات وتوطين الصناعة».

وقال إن «أحد أهم أهداف المرحلة المقبلة ينبغي أن يكون تحويل مصر إلى قاعدة صناعية ولوجستية صينية موجهة إلى الأسواق الأفريقية والعربية، وليس مجرد سوق للمنتجات الصينية. كما أن التعاون في مجال الأمن الغذائي، يستحق اهتماماً خاصاً، في ضوء التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي واضطراب سلاسل الإمداد الدولية، ويمكن لمصر والصين تطوير مشروعات مشتركة في الزراعة والتصنيع الغذائي والتخزين والنقل وسلاسل الإمداد، ليس فقط لخدمة السوق المصرية، وإنما لفتح آفاق أوسع في أفريقيا».

ويشير حجازي إلى أنه «سياسياً ودولياً، يمكن تطوير مستوى التشاور المصري - الصيني حول أزمات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وإعادة إعمار غزة، وأمن البحر الأحمر، وحرية الملاحة، وأمن الطاقة، ومستقبل النظام الإقليمي».

ويخلص، إلى أن الزيارة «ينبغي أن تكون مناسبة لإطلاق رؤية مصرية - صينية مشتركة للعقد المقبل، وليس فقط لتوقيع مجموعة جديدة من مذكرات التفاهم ودعم الشراكة واستقرار المنطقة».


رسوم حوثية جديدة على الأسمنت تخنق قطاع البناء

مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)
مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)
TT

رسوم حوثية جديدة على الأسمنت تخنق قطاع البناء

مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)
مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)

عمَّقت الجماعة الحوثية الأزمة الاقتصادية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، عبر إقرار زيادتين متتاليتين في الرسوم الجمركية وضريبة المبيعات المفروضة على الأسمنت المستورد، في خطوة يرجَّح أن تزيد تكلفة مواد البناء، وتضغط على قطاع لا يزال يستوعب شريحة من العمالة اليدوية.

وحسب تعميم صادر عن مصلحتي الضرائب والجمارك اللتين تديرهما الجماعة، يبدأ تطبيق الزيادة الأولى في 26 أغسطس (آب) الحالي، على أن تدخل الزيادة الثانية حيز التنفيذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وتأتي الإجراءات في وقت يعاني فيه الاقتصاد في مناطق سيطرة الحوثيين من الركود وتراجع فرص العمل، بالتزامن مع اتساع الفقر والاحتياجات الإنسانية، وهروب رؤوس أموال، وازدياد أعباء الرسوم والجبايات المفروضة على الأنشطة التجارية.

وحدد التعميم الرسوم الجمركية على الأسمنت الجاهز، سواء كان سائباً أو معبأ في أكياس، عند 20 في المائة، وضريبة المبيعات عند 10 في المائة، على أن ترتفع الرسوم الجمركية في المرحلة الثانية إلى 30 في المائة، وضريبة المبيعات إلى 15 في المائة.

أسواق صنعاء تعاني الركود والجبايات الحوثية المتعددة (إعلام محلي)

وتبرر وزارة المالية ومصلحتا الضرائب والجمارك التابعتان للحوثيين القرار بأنه يهدف إلى حماية المنتج المحلي ودعم الإنتاج الوطني، مع زعمها أن إنتاج الأسمنت المحلي وصل إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي.

غير أن هذا التبرير يأتي في وقت توقفت فيه غالبية المصانع الحكومية الثلاثة التي سيطرت عليها الجماعة عن العمل، بعد تعرضها للاستهداف بالصواريخ أو الغارات الإسرائيلية.

وفرضت الجماعة -في إطار ما تسميه حماية المنتج المحلي- حصة تعادل 50 في المائة من الرسوم الجمركية وضريبة المبيعات، واشترطت توريد ضريبة المبيعات نقداً، وبنسبة تحصيل كاملة في جميع المنافذ، إلى جانب احتساب الرسوم على كامل القيمة الجمركية.

ويشير ذلك إلى أن السلع التي تدخل عبر المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية ستواجه رسوماً جمركية كاملة، بدلاً من النسبة البالغة 50 في المائة المفروضة على بقية السلع القادمة من تلك المناطق.

سلسلة زيادات

تأتي الزيادة الجديدة ضمن سلسلة من الإجراءات والرسوم التي فرضتها الجماعة الحوثية خلال السنوات الماضية على السلع المستوردة، ما أثار انتقادات من التجار والمستوردين، بسبب انعكاساتها على تكاليف الاستيراد والأسعار.

وفي أغسطس 2023، أصدرت وزارة المالية التابعة للحوثيين قراراً برفع الرسوم الضريبية والعوائد الأخرى على السلع المستوردة عبر المنافذ البرية وميناء الحديدة، لتصل نسبة التحصيل إلى مائة في المائة من إجمالي القيمة الجمركية.

وأبقت الجماعة الرسوم على السلع الواردة إلى المراكز البرية من مناطق الحكومة اليمنية عند 50 في المائة، رغم أن المستوردين يدفعون الرسوم الجمركية كاملة في المنافذ الواقعة تحت سيطرة الحكومة.

الحوثيون دمَّروا مصنع البرح في تعز ونهبوا معداته (إعلام محلي)

وشهدت الفترة اللاحقة زيادات أخرى طالت قطاعات وسلعاً مختلفة. وأشار تقرير لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى أن سلطات الحوثيين رفعت خلال عام 2024 الرسوم المفروضة على مجموعة من السلع الأساسية المستوردة، بينها الملابس والأحذية والحقائب، إلى جانب فرض مساهمات مالية إضافية على التجار.

وفي يناير (كانون الثاني) 2026، فرضت الجماعة رسوماً إضافية على الأسمنت المحلي تحت اسم «دعم المؤسسة اليمنية للأسمنت»، ورفعت الرسوم بنسبة 50 في المائة، حسب تقارير محلية، وسط تحذيرات من تأثير ذلك على أسعار مواد البناء وتعطيل مشاريع الإنشاء.

تكلفة إضافية على البناء

في ظل هذه الأعباء، انتقد الخبير الاقتصادي اليمني علي التويتي الزيادة الحوثية الجديدة، وقال إنها جاءت بعد فترة قصيرة من قرار سابق رفع الرسوم المحصلة على كيس الأسمنت من نحو 480 ريالاً إلى 700 ريال، في حين يبلغ سعر الدولار في مناطق سيطرة الحوثيين نحو 500 ريال.

ووصف التويتي القرار بأنه «مهزلة»، محذراً من أنه سيؤدي إلى «مزيد من الركود والجوع والبطالة»، في وقت يعاني فيه العاملون في قطاع البناء والمهن المرتبطة به من تراجع فرص العمل وانكماش النشاط الاقتصادي.

منافذ جمركية حوثية على خطوط التماس مع المناطق الخاضعة للحكومة (إعلام محلي)

وأشار إلى أن ارتفاع تكلفة الأسمنت سينعكس على مشاريع البناء ويقلص الطلب على العمالة، متسائلاً عن جدوى حماية المصانع المحلية عبر فرض مزيد من الرسوم على الأسمنت المستورد، بدلاً من معالجة تكاليف الإنتاج، وتحسين قدرة المصانع الوطنية على المنافسة.

وتتزامن الإجراءات الجديدة مع استمرار الجماعة في فرض رسوم وجبايات متعددة على الأنشطة التجارية، في وقت يعاني فيه معظم السكان في مناطق سيطرتها من انعدام الأمن الغذائي وتدهور القدرة الشرائية.

كما أفضت الأعباء المالية المتزايدة، وفقاً للمادة، إلى إفلاس عدد من التجار وإغلاق آخرين محالهم بعد عجزهم عن تحمل الجبايات المفروضة خارج الرسوم الضريبية والزكوية المحددة قانوناً.


تصعيد الحوثيين العسكري يعيد إنتاج أزمة النزوح في اليمن

عائلة في الحديدة أجبرها القصف الحوثي على النزوح إلى جرف صخري (إكس)
عائلة في الحديدة أجبرها القصف الحوثي على النزوح إلى جرف صخري (إكس)
TT

تصعيد الحوثيين العسكري يعيد إنتاج أزمة النزوح في اليمن

عائلة في الحديدة أجبرها القصف الحوثي على النزوح إلى جرف صخري (إكس)
عائلة في الحديدة أجبرها القصف الحوثي على النزوح إلى جرف صخري (إكس)

أعاد التصعيد العسكري للجماعة الحوثية إنتاج النزوح داخل اليمن في صورة موجات صغيرة ومتعددة، ويجد النازحون أنفسهم محاصرين بين الجبهات بعد أن دفع القصف الذي استهدف القرى والأحياء السكنية العديد من العائلات في مناطق متفرقة إلى النزوح القسري وسط مخاوف من موجة تشرد واسعة قد تشهدها الأشهر المتبقية من العام الحالي.

وبينما ينذر التصعيد الذي انتهجته الجماعة الحوثية خلال الأسابيع الأخيرة بتوسيع الأزمة الإنسانية التي يعيشها ملايين اليمنيين، تتزايد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية متفاقمة مع اقتراب عام 2026 من ثلثه الأخير، وسط مؤشرات على أن الأوضاع الميدانية تتجه نحو نقطة اللا عودة.

وأجبرت الجماعة الحوثية أكثر من 104 عائلات على النزوح من منازلها شمال مديرية حيس ومشارف المديريات المجاورة لها جنوب محافظة الحديدة، واضطرارها للمبيت في الجروف الصخرية والمناطق الجبلية الوعرة.

واتهمت مصادر حكومية في محافظة الحديدة، تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، الجماعة الحوثية باستهداف المدنيين في محيط المناطق الواقعة جنوب المحافظة بالمدفعية والطيران المسيّر وزراعة الألغام، لدفع السكان إلى النزوح، إلى جانب تحويل المنازل في خطوط التماس إلى مأوى للمقاتلين بالإكراه، لاستخدام السكان كدروع بشرية وتجنب هجمات الطيران المسيّر التابع للجيش اليمني.

استهداف الحوثيين ميناء المخا يفاقم من الأزمة الإنسانية في اليمن (أ.ف.ب)

وكشفت المنظمة الدولية للهجرة عن تصاعد أعداد حالات النزوح في المحافظات التي تشهد تصعيداً عسكرياً بين القوات الحكومية والجماعة الحوثية، حيث رصدت نزوح 218 أسرة تضم 1308 أفراد حتى الأسبوع الماضي، أغلبها في محافظات تعز والحديدة ومأرب، وهي المحافظات التي شهدت أعنف عمليات التصعيد العسكري الحوثي.

وبحسب بياناتها، سجلت المنظمة الأممية خلال الشهر الحالي أعلى معدل نزوح أسبوعي منذ مطلع العام، بعد اضطرار مئات الأسر إلى الفرار تحت وطأة القصف الصاروخي والمدفعي المتواصل، وبذلك بلغ عدد الأشخاص الذين رصدت المنظمة تعرضهم للنزوح مرة واحدة على الأقل منذ بداية العام 11.928 شخصاً، أي نحو 1.988 أسرة.

نزوح بلا إغاثة

وتتصدر محافظة مأرب قائمة المحافظات التي تشهد حالات النزوح، بنسبة تتجاوز 53 في المائة من إجمالي أرقام النزوح طبقاً لإحصاءات حكومية.

وتعرضت المدينة (مركز محافظة مأرب) التي تضم أكبر تجمع لمخيمات النازحين في البلاد لقصف مكثف بالصواريخ والطائرات المسيّرة من طرف الجماعة الحوثية، وطال القصف بشكل مباشر مناطق قريبة من مخيمات مكتظة مثل مخيم «جو النسيم»، وأسفر عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة 14 آخرين.

آثار قصف حوثي في مخيم «سائلة الميل» للنازحين في مأرب (أ.ف.ب)

ولا يقتصر أثر التصعيد على حركة السكان، إذ تحذر الأمم المتحدة من أن التصعيد العسكري الحوثي واستهداف المدنيين والمنشآت والموانئ والسفن التجارية ينذر بمضاعفة الأزمة الإنسانية والاقتصادية في اليمن في وقت كثفت فيه الحكومة اليمنية تحركاتها لرفع جاهزية قطاعات النقل والتجارة وتأمين سلاسل الإمداد والمخزون الغذائي في المناطق المحررة.

وفي موازاة ذلك أظهر بيان المنظمة الإنسانية الدولية (ACAPS) الخاص باليمن، أن الفترة بين 2 و8 أغسطس (آب) الحالي شهدت نزوح 300 شخص جديد بسبب النزاع، وربطت ذلك مباشرة بالتصعيد في الجبهات، مشيرة إلى أن أكثر احتياجات النازحين إلحاحاً هي المأوى والغذاء ودعم سبل المعيشة.

وبينت المنظمة أن معظم الأسر النازحة لا تتناول ثلاث وجبات يومياً، وأنها بدأت تعتمد على استراتيجيات تأقلم سلبية مثل الاقتراض، وتقليل استهلاك الغذاء، وتقليص الإنفاق على الاحتياجات غير الغذائية.

نازحة يمنية في تعز تغلي أوراق النباتات لإطعام عائلتها (أ.ف.ب)

ويبدو النزوح الأخير أقل عددياً لكنه أكثر ارتباطاً بالتصعيد العسكري في ظل تراجع شديد للمعونات الإغاثية الأممية والدولية، وتفاقم الأوضاع المعيشية واستمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية رغم المحاولات الحكومية لدعم العملة على استعادة قدرتها الشرائية.

بين النار والتشرد

وبدأت الجولة الأخيرة من التصعيد العسكر الحوثي نهاية يونيو (حزيران) وبداية يوليو (تموز) الماضيين، عقب إعلان الجماعة الحوثية تصعيدها البحري وتهديدها للملاحة في البحر الأحمر، إذ أتبعت ذلك بعمليات عسكرية برية وجوية ضد مواقع الجيش اليمني ومناطق سكنية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وشهدت الأيام الأخيرة مئات العمليات الهجومية والدفاعية بين الجماعة الحوثية والجيش اليمني.

جنود في الجيش اليمني يعاينون آثار قصف حوثي على مسجد في مأرب قبل 5 أعوام (رويترز)

وتشير التقارير الأممية إلى أن الخوف من وقوع المناطق السكنية في مرمى النيران والتعرض للقصف المباشر كان من أبرز دوافع النزوح الأخير، إلى جانب الاحتمالات القائمة بتعرضهم للحصار نتيجة المواجهات وانقطاع وصول المواد الأساسية إليهم، وانهيار الخدمات الأساسية وتدهور الوضع المعيشي.

وتأتي موجات النزوح الجديدة في وقت تعاني فيه خطط الاستجابة الإنسانية في اليمن من عجز تمويلي حاد تخطى 80 في المائة، بعد أن أعلنت الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، أن خطة الاستجابة الإنسانية لليمن للعام الحالي لم تحصل سوى على 20 في المائة من التمويل المطلوب.

وطلبت الأمم المتحدة، مطلع العام الحالي، نحو 2.16 مليار دولار لتقديم المساعدة إلى 12 مليون يمني، من أصل أكثر من 22 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية والحماية في مختلف أنحاء البلاد.

وتواجه المنظمات الإغاثية صعوبات بالغة في الوصول إلى مناطق النزاع الجديدة بسبب استمرار الهجمات العسكرية واستهداف الطرق الحيوية من جهة، وممارسات الجماعة الحوثية من جهة أخرى.

أكثر من 320 أسرة يمنية نزحت حديثاً في مأرب (الأمم المتحدة)

وخلال الأعوام الأخيرة أقدمت الجماعة الحوثية على اعتقال العشرات من عمال الإغاثة والموظفين الأمميين أو في المنظمات الدولية، ووجهت لهم تهماً بالتجسس والتخابر، وعرضتهم لمحاكمات غير عادلة.

وتبدي جهات الإغاثة قلقها من أن المخيمات الحالية لم تعد قادرة على استيعاب موجات جديدة، حيث تفتقر الأسر الفارة إلى أبسط مقومات الحياة من مأوى، ومياه صالحة للشرب، ورعاية طبية طارئة.

وبناء على المؤشرات الميدانية الحالية، فإن استمرار التصعيد بالوتيرة الحالية قد يفتح الباب أمام موجة نزوح أوسع خلال الأشهر المتبقية من العام الحالي، ويزيد من دفع الملايين إلى حلقة مفرغة جديدة من الجوع والتشرد.