«إعصار ترامب»: القلق والخسائر يسيطران على أسواق العالم.. عدا موسكو

أسعار الذهب تقفز والدولار يتراجع والنفط يتجاوز الكبوة

حالة الأسواق العالمية بعد إعلان النتيجة (بلومبيرغ)
حالة الأسواق العالمية بعد إعلان النتيجة (بلومبيرغ)
TT

«إعصار ترامب»: القلق والخسائر يسيطران على أسواق العالم.. عدا موسكو

حالة الأسواق العالمية بعد إعلان النتيجة (بلومبيرغ)
حالة الأسواق العالمية بعد إعلان النتيجة (بلومبيرغ)

كأثر العاصفة، ومع الإعلان أمس رسميا عن فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب في منافسات الانتخابات الأميركية، في الساعات الأولى من الصباح، شهدت الأسواق العالمية موجة واسعة من الخسائر، وتزايدت حدة القلق العالمي مع اتجاه واسع لشراء الذهب؛ ما قفز بأسعاره بنسبة كبيرة، فيما تراجع الدولار أمام سلة العملات، بينما نجح النفط في عكس خسائره الصباحية والاتجاه إلى الصعود مجددا مع نهاية اليوم.
ويرى أغلب المحللين والمراقبين، أن فوز ترامب «المفاجئ» سيسفر عن اضطرابات واسعة في أسواق المال حول العالم، ربما تصل إلى حد «الفوضى الاقتصادية العارمة»، خصوصا أن هذا الوضع يشبه كثيرا «في غرابته» ما أحدثه قرار الناخبين البريطانيين «غير المتوقع» بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء الشهير الذي جرى في نهاية يونيو (حزيران) الماضي، الذي لا تزال أصداؤه تتردد في الأسواق والاقتصادات العالمية حتى اليوم.
- موسكو تربح.. «على أمل»
وكان من اللافت تسجيل أسواق المال الروسية أمس ارتفاعات عقب الإعلان عن فوز ترامب، على عكس أغلب البورصات العالمية، خصوصا بعد إعراب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أمله في «العمل المشترك لإخراج العلاقات الأميركية - الروسية من حالتها الصعبة»، بحسب بيانه لتهنئة ترامب، مؤكدا أن «إقامة حوار بناء سيكون في مصلحة البلدين والمجتمع الدولي». وبعد انخفاض أولي طفيف، عوضت أسواق المال الروسية خسائرها بسرعة لتتجه إلى الارتفاع، حيث ارتفع مؤشر بورصة «آر تي إس» المسعرة بالدولار بنسبة 1.17 في المائة نحو الساعة التاسعة بتوقيت غرينتش، كما ارتفع مؤشر «ميسيكس» المسعر بالروبل بنسبة 1.02 في المائة. أما الروبل، فقد استقر سعره مقابل العملة الأميركية عند مستوى 68.86 للدولار الواحد، لكنه سجل تراجعا طفيفا مقابل اليورو الذي بات يعادل 70.93 روبلا.
وقال كبير الاقتصاديين في مصرف «رينيسانس كابيتال» لوكالة الصحافة الفرنسية إن «روسيا يمكن أن تكون السوق الناشئة التي ستجني أكبر فائدة من فوز ترامب، مع الأمل في إمكانية أن يخفف العقوبات المفروضة على روسيا خلال العام المقبل».
- القلق يعزز الذهب
لكن على عكس الوضع الروسي، تراجعت أغلب مؤشرات الأسواق العالمية خلال تعاملات الأمس، حتى قبل الإعلان رسميا عن فوز ترامب، وبمجرد اقترابه من حسم السباق الرئاسي لصالحه، كما هبطت أسعار النفط بشكل حاد؛ الأمر الذي دفع المستثمرين إلى الإقبال على الذهب.
وسجلت أسعار الذهب ارتفاعا كبيرا خلال تعاملات الأربعاء، بعد أن لجأ المستثمرون إلى المعدن الأصفر بصفته ملاذا آمنا بعد فوز ترامب. وقفز الذهب نحو 5 في المائة، لكن المكاسب تقلصت بعد ذلك لينزل الذهب دون 1300 دولار للأوقية (الأونصة) مع استقرار الأسواق الأوسع نطاقا بعد خطاب النصر المعتدل الذي ألقاه ترامب، لكن المعدن الأصفر ظل مرتفعا بنسبة 2 في المائة، متجها نحو تحقيق أعلى ارتفاع في يوم واحد منذ قرار بريطانيا بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي في يونيو. وارتفع الذهب في المعاملات الفورية لأعلى مستوى في ستة أسابيع إلى 1337.40 دولار للأوقية، بزيادة 5 في المائة تقريبا، وبلغ 1300.80 دولار للأوقية بحلول الساعة 0930 بتوقيت غرينتش.وجرى تداول الذهب في العقود الأميركية الآجلة تسليم ديسمبر (كانون الأول) على ارتفاع بمقدار 26.90 دولار للأوقية، ليصل إلى 1301.40 دولار للأوقية، بعدما وصل لأعلى مستوى خلال الجلسة أمس عند 1338.30 دولار للأوقية. ومن بين المعادن النفيسة الأخرى، ارتفعت الفضة إلى 18.65 دولار للأوقية، بزيادة 1.6 في المائة، بعد وصولها لأعلى مستوى منذ الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) عند 18.996 دولار للأوقية. وزاد البلاتين بنسبة 0.1 في المائة، ليصل إلى 1003.31 دولار للأوقية، في حين صعد البلاديوم بنسبة 0.1 في المائة إلى 663.40 دولار للأوقية.
- الدولار يفقد 2 %
فقد الدولار الأميركي نحو 2 في المائة من قيمته أمام سلة من العملات الرئيسية خلال تعاملات أمس، في أعقاب الإعلان عن فوز ترامب.
وفي التعاملات الصباحية، ارتفع اليورو أمام الدولار بنسبة 1.58 في المائة، ليعادل 1.1200 دولار، وهو أعلى مستوى للعملة الأوروبية أمام الدولار منذ 8 سبتمبر (أيلول) الماضي، كما خسرت العملة الخضراء 2.66 في المائة من قيمتها أمام الين الياباني، لتعادل 102.35 ين، وارتفع الجنيه الإسترليني أمام الدولار بنسبة 0.7 في المائة ليعادل 1.2471 دولار. لكن تقارير لاحقة أشارت إلى تفاقم خسائر الدولار، وبلوغها حاجز 2 في المائة أمام سلة العملات الرئيسية. وكان ذلك حتى وقت متأخر أمس, ثم بدأ الدولار بالتعافي.
- النفط يصلح من أوضاعه
وبعد بداية شهدت تراجعات حادة في أسعار النفط الخام، خصوصا خلال التعاملات الآسيوية، حسّن النفط من أوضاعه مع انتصاف اليوم. وصباحا، هوت العقود الآجلة لخام غرب تكساس المتوسط بنسبة 4 في المائة لتسجل 43.07 دولار للبرميل، كما تراجعت العقود الآجلة لمزيج برنت بما يوازي 2.43 في المائة لتصل إلى مستوى 44.92 دولار للبرميل. لكن النفط تمكن من تعويض خسائره الأولية، إذ صعد بنسبة نحو 4 في المائة، ليجري تداوله فوق 46 دولارًا للبرميل. وزاد خام القياسي العالمي برنت في العقود الآجلة سبعة سنتات، إلى 46.11 دولار للبرميل، بعد تراجعه إلى أدنى مستوى منذ 11 أغسطس (آب) الماضي، وزاد الخام الأميركي سنتًا واحدًا، ليصل إلى 44.99 دولار للبرميل.
وقال محللون إن فوز ترامب ربما يكون له بعض النتائج الداعمة لأسعار النفط، مفسرين ذلك بأن أحد الأسباب أن الرئيس الأميركي الجديد انتقد اتفاق الغرب مع إيران بشأن برنامجها النووي، والذي سمح بدوره لطهران بزيادة صادرات النفط الخام بشكل حاد في العام الحالي.. لكن هناك أيضا من المحللين من يرى أن النفط ربما يعاني أكثر مع «حقبة ترامب»، خصوصا في ظل إعلانه المتكرر خلال حملته عن تعهده بفتح جميع الأراضي والمياه الاتحادية أمام أنشطة التنقيب عن النفط والغاز.
وجاء تحسن النفط أمس رغم ظهور عامل ضغط جديد، حيث أظهر تقرير لمعهد البترول الأميركي أن مخزونات الخام الأميركية زادت بمقدار 4.4 مليون برميل في الأسبوع الماضي؛ مما أثر على أسعار النفط، ويزيد هذا على توقع المحللين لزيادة 1.3 مليون برميل.
- يوم سيئ لاقتصاد العالم
بعد سويعات من إعلان فوز ترامب، قال عضو مجلس حكام البنك المركزي الأوروبي أيوالد نووتني إن فوزه المفاجئ بالرئاسة الأميركية «ليس يوما جيدا للاقتصاد العالمي».
وصرح للصحافيين في فيينا بأن المركزي الأوروبي «مستعد للتدخل»، محذرا من «مشاعر واسعة بانعدام الأمن» بعد أن تسببت نتيجة الانتخابات الأميركية في «صدمة» بالأسواق العالمية. مضيفا أن «المراقبة الشديدة ضرورية في الوقت الحالي». ونووتني عضو في مجلس حكام البنك المخول اتخاذ قرارات السياسة النقدية، كما أنه محافظ البنك المركزي النمساوي. وأكد أن انتعاش أوروبا الاقتصادي يمكن أن يتأثر كذلك إذا اتخذت رئاسة ترامب «منحنى سيئا».
وأضاف نووتني إنه يتوقع «فترة من انعدام الاستقرار على المدى المتوسط»، كما حدث بعد قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي. وقال: إنه من المبكر جدا التكهن بما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (المركزي الأميركي) سيرفع نسبة الفائدة في ديسمبر (كانون الأول) المقبل كما كان متوقعا. مضيفا أن «ذلك سيعتمد على كيفية رد فعل الاقتصاد الأميركي بشكل عام».
ودعا كبير الخبراء الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي بيتر بريت كذلك إلى الهدوء، وقال «أعتقد أن علينا التزام الهدوء، وأن نكون أهدأ من الأسواق بالتأكيد». وأضاف على هامش مؤتمر مصرفي في بروكسل: «من المبكر إصدار رد فعل على مثل هذه الأحداث، ونحن نراقب الوضع عن كثب»، و«أعتقد أن كل الاتصالات بشأن السياسة المالية لم تتغير، ولن تتغير نتيجة الانتخابات».
- الإعصار بدأ في أميركا
وفي الولايات المتحدة، انخفضت أسواق المال الأميركية صباح أمس وبورصة نيويورك أكثر من 5 في المائة مساء الثلاثاء مع تقدم ترامب على كلينتون، ثم بدأت المؤشرات في التحسن عند منتصف اليوم. حيث هبط مؤشر «ستاندرد آند بورز» الأوسع نطاقا بنسبة 5.01 في المائة، فيما تهاوى مؤشر «ناسداك» الذي تغلبت عليه أسهم شركات التكنولوجيا بنسبة 5.08 في المائة. وبالأمس، ومع افتتاح التعاملات بالأسواق الأميركية عقب إعلان النتائج، واصلت الأسهم تراجعها، حيث تراجع مؤشر «داو جونز» الصناعي بنسبة 25.55 نقطة، بما يعادل 0.14 في المائة، ليصل إلى مستوى 18307.19 نقطة.
وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 10.84 نقطة، أو بنسبة 0.51 في المائة، ليصل إلى 2128.72 نقطة، كما نزل مؤشر «ناسداك المجمع» بمعدل 41.65 نقطة، أو بنسبة 0.8 في المائة، ليسجل 5151.84 نقطة.
- خسائر بالأسواق الأوروبية
من جانبها، استهلت مؤشرات الأسواق الأوروبية تعاملات أمس بتراجع جماعي كبير، بعد فوز ترامب. وهوى مؤشر «يورو ستوكس 600» في مستهل التعاملات بما يوازي 3.8 في المائة، كما تراجع مؤشر «فايننشال تايمز» في بريطانيا بنسبة 3.1 في المائة ليصل إلى مستوى 6607.50 نقطة.
وفي ألمانيا، تراجع مؤشر «داكس» بنسبة 3.4 في المائة مسجلا 10093 نقطة، كما هبط مؤشر «كاك 40» في فرنسا بما يوازي 3.9 في المائة ليصل إلى مستوى 4302.50 نقطة.
وبعد دقائق من بدء التعاملات، تراجع مؤشر «فايننشيال تايمز إم آي بي» في إيطاليا بنسبة 2.77 في المائة مسجلا 16352.78 نقطة، كما هبط مؤشر «إيبكس 35» في إسبانيا بما يوازي 2.78 في المائة ليصل إلى مستوى 8687.80 نقطة.
أيضا، انخفضت بورصات الدول الاسكندنافية أمس متأثرة بفوز ترامب، فقد انخفض مؤشر «أو إم إكس ستوكهولم 30» في بداية التداول. وبعد مرور نصف ساعة، ارتفع المؤشر الذي يضم 30 سهما من الأسهم الأكثر تداولا في بورصة استوكهولم، لكنه تراجع بعد ذلك بنسبة 1.8 في المائة. وانخفض أيضا مؤشر «أو إم إكس كوبنهاغن» في الدنمارك، ومؤشر «هلسنكي» الفنلندي عند بداية التداول.
- أفريقيا أيضا تأثرت
ولم تسلم القارة السمراء من آثار فوز ترامب؛ إذ انخفضت الأسهم في أكبر بورصة بأفريقيا بنسبة 1.43 في المائة أمس. وقد انخفض مؤشر البنوك في بورصة جوهانسبرغ بنحو 3 في المائة، لتكون البنوك الأكثر تضررا من فوز ترامب، وذلك بحسب ما ذكرته صحيفة «بيزنس توداي» المحلية.
وقال محللون بشركة «مومينتوم إس بي ريد» للسندات في جنوب أفريقيا إنه من المحتمل أن يتسبب فوز ترامب في حدوث مستويات مرتفعة من الغموض والتضارب في البورصات الأفريقية، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات التذبذب، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الألمانية.
- آسيا أكبر المتضررين
وربما كان الأثر الأكبر لإعلان فوز ترامب على الجانب الشرقي للعالم، خصوصا أن الأسواق افتتحت وأغلقت في وقت ساد فيه الترقب لإعلان النتائج؛ ما ترك الأسواق والمستثمرين في حالة من «عدم اليقين» بأكثر من باقي أرجاء العالم، التي ربما أسهم في تهدئتها خطاب ترامب الذي كان «سياسيا» و«أكثر حنكة» من ذي قبل، لكنه صدر عقب إغلاق أغلب الأسواق الشرق آسيوية.
وتكبد مؤشر «نيكي» الياباني أكبر خسارة يومية منذ استفتاء خروج بريطانيا؛ إذ هبطت الأسهم اليابانية أكثر من 5 في المائة مسجلة أكبر انخفاض يومي منذ «البريكسيت»، متأثرة بمرحلة «فرز النتائج» في الانتخابات الأميركية.
وهبط المؤشر «نيكي» القياسي بنسبة 5.4 في المائة، مغلقا عند مستوى 16251.54 نقطة، بعدما تأرجح بين الانخفاض والارتفاع مع توالي نتائج فرز الأصوات في الانتخابات الرئاسية الأميركية.
وهوى المؤشر «توبكس» الأوسع نطاقا بنسبة 4.6 في المائة، ليصل إلى مستوى 1301.16 نقطة، مع هبوط جميع مؤشراته الفرعية. وانخفض المؤشر «جيه.بي.إكس - نيكي 400» بنسبة مماثلة، ليهبط إلى مستوى 11662.18 نقطة.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...