افتتاح نفق تحت {البوسفور} يكمل رحلة بالقطار بين لندن وبكين بلا توقف

«مرمراي» يوصل القارتين الأوروبية والآسيوية.. وتركيا تسميه «مشروع العصور»

رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيس التركي عبد الله غل ورئيس الوزراء الياباني شينزو ابي  والرئيس الصومالي حسن شيخ محمد داخل القطار أثناء حضورهم حفل الافتتاح أمس (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيس التركي عبد الله غل ورئيس الوزراء الياباني شينزو ابي والرئيس الصومالي حسن شيخ محمد داخل القطار أثناء حضورهم حفل الافتتاح أمس (إ.ب.أ)
TT

افتتاح نفق تحت {البوسفور} يكمل رحلة بالقطار بين لندن وبكين بلا توقف

رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيس التركي عبد الله غل ورئيس الوزراء الياباني شينزو ابي  والرئيس الصومالي حسن شيخ محمد داخل القطار أثناء حضورهم حفل الافتتاح أمس (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيس التركي عبد الله غل ورئيس الوزراء الياباني شينزو ابي والرئيس الصومالي حسن شيخ محمد داخل القطار أثناء حضورهم حفل الافتتاح أمس (إ.ب.أ)

سواء اتفقت أو اختلفت مع ما يقال بأن تقدم أي بلد يقاس بطول شبكته من السكك الحديدية، إلا أن هذه الوسيلة من المواصلات تبقى الأفضل والأكبر والأكثر أمانا في النقل والأسرع في الربط السكاني. العوامل الاقتصادية، وأحيانا العسكرية والسيطرة السياسية (مشروع خط برلين - بغداد) كانت دائما المحرك الأساسي لتلك المشاريع.
إلا أن مشاريع الربط الحديدي تصطدم في بعض الأحيان بعقبات بسبب التضاريس الأرضية، مثل الوديان والجبال والممرات المائية مثل القنال الإنجليزي (بحر المانش) أو مضيق البوسفور الذي نحن بصدده هنا، والذي تم في الأمس افتتاح نفق أسفله ربط ولأول مرة القارتين الأوروبية والآسيوية بخط حديدي يتيح للقطارات مغادرة لندن في رحلة غير متقطعة ودون توقف تأخذك إلى العاصمة الصينية بكين.
مضيق البوسفور الذي يفصل مدينة إسطنبول إلى جزءين، أحدهما في أوروبا والآخر في آسيا، ويصل بين البحر الأسود وبحر مرمرة، كان الممر المائي الوحيد والعقبة التي كانت تعترض مشروع ربط القارتين بقطارات سريعة، خصوصا بعد بناء النفق الأوروبي الذي ربط بين بريطانيا وإنجلترا وافتتح عام 1994.
وأصبحت أوروبا وآسيا على بعد دقائق معدودات من بعضهما البعض ابتداء من يوم أمس مع افتتاح النفق رسميا بمناسبة الذكرى التسعين لتأسيس الجمهورية التركية.
رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، قال إن «مشروع مرمراي لا ينحصر ضمن أسوار مدينة إسطنبول، بل هو مشروع ضمن مشروع أكبر يربط بين العاصمة الصينية بكين والعاصمة البريطانية لندن»، وذلك أثناء قيامه بالرحلة التجريبية الأولى لقطار مرمراي. وأضاف أردوغان، أن «المشروع يدرس منذ 150 عاما» مضيفا «مخطئ من يقول عن مشروع مرمراي أنه مشروع العصر، بل هو مشروع العصور، لأننا لأول مرة نقوم بمثل هذا المشروع».
كانت فكرة إنشاء نفق تحت مضيق البوسفور موجودة بالفعل منذ عام 1860 عندما فكر مهندسون متخصصون في إنشاء ماسورة تستند إلى دعائم في أعماق الماء ولكن فوق قاع البحر، ولكن هذا المشروع ظل منذ ذلك الحين حلما بسبب ضعف الإمكانيات الفنية المتوفرة آنذاك. ثم كانت هناك بعد أكثر من مائة عام دراسات جديدة بشأن إمكانية تنفيذ المشروع وبدأ العمل بالفعل في تنفيذ مشروع مرمرة ري.
ونوه أردوغان إلى أن المشروع سوف ينقل حوالي 75 ألف شخص في الساعة، وباتجاه واحد، قائلا: إنه «مشروع الأجداد، ولكن الله أكرمنا بأن يتم في زماننا وبأيدينا».
ويشمل النفق الذي يبلغ طوله 6.‏13 كيلومتر جزءا مغمورا تحت الماء طوله 4.‏1 كيلومتر وهو الأعمق من نوعه إذ شق على عمق 56 مترا ويمر تحت مضيق البوسفور. وأنه بربطه «لندن - بكين» لا يخدم فقط سكان إسطنبول أو تركيا. والنفق جزء من مشروع مرمرة الذي كلف خمسة مليارات دولار وبدأ العمل به 2004 ويشمل كذلك تحديث خطوط سكك حديد قائمة لمد خطوط بطول 76 كيلومترا تقول الحكومة إنها ستنقل 5.‏1 مليون شخص يوميا بين شطري المدينة.
وبدأت أعمال الإنشاءات في النفق عام 2004 ونفذه كونسورتيوم ياباني تركي بتمويل من بنك اليابان للتعاون الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي. يشار إلى أن حجر أساس مشروع «مرمراي» وضع عام 2004، وستتوفر فيه محطات ارتباط مع خط المترو في إسطنبول، ويهدف المشروع إلى توفير الوقت لنحو مليون شخص، فضلا عن التوفير في الطاقة، وتقليل حركة السيارات، وتلوث الجو، وتخفيف أعباء حركة المرور على الجسرين المعلقين في إسطنبول. واصطدم المشروع ببعض العقبات، بعد أن أسفرت أعمال الحفر عن العثور في الإجمال على 40 ألف قطعة أثرية، خصوصا على الضفة الأوروبية لبحر مرمرة. ومنها مقبرة استثنائية لنحو 30 سفينة بيزنطية تشكل أكبر أسطول معروف حتى اليوم من القرون الوسطى.
وأكد المدير العام لشركة السكك الحديدية التركية، سليمان قارامان، هو الآخر أن مشروع السكة الحديدية «مرمراي»، سيصل بين مدينتي بكين ولندن. وفى تصريح أدلى به إلى مراسل وكالة الأناضول حول تطورات قطاع السكك الحديدية في الآونة الأخيرة في تركيا، أوضح قارامان، أن المشروع سيوفر إمكانية الوصول من لندن إلى بكين عبر خط سك حديد متواصل، فضلا عن تخفيفه أعباء كبيرة عن حركة السير داخل المدينة، ودمجه مع شبكات المواصلات الأخرى.
ولفت إلى أن تركيا تتمتع بقطاع سكك حديدية قوي، مشيرا إلى أنها ستحقق، من خلال مشروع «مرمراي»، ثورة في مجال المواصلات، علاوة على توفيرها طريقا بديلا إلى آسيا الوسطى والشرق الأقصى والشرق الأوسط، الذي يعد مركز الاقتصاد والطاقة العالمي.
وقال سليمان قارامان، إن «الخط سيصل عبر بلغاريا إلى شمال غربي أوروبا، وسيمر في تركيا من محافظات أديرنة في الغرب إلى قارس في الشرق ومنها إلى تبليسي في جورجيا، ليصل إلى باكو في أذربيجان وآسيا الوسطى». وأضاف قارامان أن «هذا الخط الحديدي سيكون جزءا من طريق الحرير بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا». ويمر هذا الطريق بين آسيا وأوروبا عبر جبال الأورال، ولكن الطريق الجديد سيكون بديلا محتملا له. وفي الأمس دشن القادة الأتراك في إسطنبول النفق. وقال وزير النقل التركي بن علي يلدريم، إن «طريق مرمرة يمكن أن ينقل ما يصل إلى 5.‏1 مليون راكب يوميا إلى إسطنبول. ويضم النفق سكة حديدية للقطارات العادية وأخرى للقطارات الداخلية السريعة تربط عددا من أحياء إسطنبول الواقعة في القارتين، الأوروبية والآسيوية، ولكن سيتم البدء أولا بتشغيل خط السكك الحديدية الداخلية السريعة غدا مع البدء في تشغيل خط السكك الحديدية السريعة اعتبارا من عام 2015 ليصبح هذا الخط هو أول خط سكك حديدية في اتجاهين عاديين بين آسيا وأوروبا».
وتأمل الحكومة التركية في تشغيل نفق السكك الحديدية مستقبلا بشكل تجاري لنقل البضائع والأشخاص بين الصين وأوروبا. وتزيد تكلفة النفق عن 5.‏2 مليار يورو وتم تنفيذه من خلال اتحاد شركات تركية ويابانية. وقال مصممو النفق إنه آمن ضد الزلازل. وتم العثور أثناء أعمال تشييد النفق على الكثير من الآثار الحفرية والتي تسبب اكتشافها في تعثر أعمال الإنشاء.
وشارك أمس رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في افتتاح المشروع، وتم تنفيذ المشروع باستخدام التقنية اليابانية الفائقة وبمساعدة الأيدي العاملة التركية. وساهمت شركة «سيمنس» الألمانية في المشروع بتقنيات الإشارات في حين شاركت شركة «بي إيه إس إف» للصناعات الكيماوية بمادة خاصة تدخل في صناعة الخرسانة. وأكد مصممو المشروع أن النفق مؤمن ضد الزلازل وذلك في ظل حقيقة أن خط التصدع الجيولوجي شمال الأناضول لا يبعد سوى 20 كيلومترا فقط عن مسار المشروع. بل إن وزير المواصلات التركي رأى أن هذا المشروع هو الأكثر أمانا في إسطنبول على الإطلاق.
واشتقت كلمة «مرمرة ري» من كلمتين، الأولى كلمة «مرمرة» والتي تشير لبحر مرمرة الداخلي الذي يربط بين البحر الأسود وبحر إيجه، والكلمة الثانية هي «ري» التي تعني بالتركية سكة حديدية. وتعتزم الحكومة التركية من خلال خطوة ثانية توسيع نفق السكة الحديدية ليشمل أيضا سكة حديدية للمواصلات البعيدة وليس فقط للمواصلات داخل مدينة إسطنبول، حيث يرى بعض منفذي مشروع النفق أنه هو أول طريق يربط آسيا وأوروبا ولكن هذا خطأ لأنه من الممكن من الآن بالفعل ركوب قطار من لندن عبر برلين وموسكو إلى بكين، لكن الخط الجديد سيكون أقصر وأسرع.



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».