سباق المال في انتخابات أوكرانيا

«ملك الشوكولاته» يتقدم على «ملكة الغاز» للوصول إلى القصر

سباق المال في انتخابات أوكرانيا
TT

سباق المال في انتخابات أوكرانيا

سباق المال في انتخابات أوكرانيا

لقوة المال تأثير كبير في أي انتخابات، بل قد تلعب الدور الرئيس في تحديد نتائج استحقاقات انتخابية، إذا اقترنت تلك القوة بقوة التخطيط والكاريزما وامتلاك خيوط سياسية وإعلامية مؤثرة في الناخبين، وهذا هو حال رجل الأعمال الأوكراني الملياردير بيوتر بوروشينكو الملقب بملك الشوكولاته الذي يعد أكثر المرشحين حظا للفوز في سباق الانتخابات الرئاسية في أوكرانيا المقرر عقدها في الـ25 من مايو (أيار) المقبل.
وقد أعلنت اللجنة الانتخابية المكلفة بتنظيم الانتخابات في أوكرانيا أنها قلصت عدد المرشحين للانتخابات إلى 23 شخصا من أصل 46 مرشحا، من أبرزهم رئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشينكو التي رشحها حزب الوطن (باتكيفشينا) الذي تتزعمه.
أما بقية من المرشحين هم وجوه غير معروفة وثقلها السياسي محدود، تسعة مرشحين تم ترشحهم من قبل أحزابهم السياسية المسجلة، منهم وزير الدفاع السابق أناتولي جريتسينكو المدعوم من حزب الحقوق المدنية، ووزير الموارد السابق ألكسندر كليمنكو الذي رشحه حزب الشعب الأوكراني، ووزيرة الشؤون الاجتماعية نتالي كورولفيسكي التي رشحها حزب أوكرانيا للأمام، وفيزلي كيوبيديا الذي رشحه حزب الحركة الشعبية الأوكرانية، وأوليج ليشاكو من الحزب الراديكالي، وبيتر سيمونيمكو عن الحزب الشيوعي الأوكراني، وأوليج تايجنبوك عن حزب الحرية «سفوبودا» الذي يشمل قوميين مواليين لأوروبا، وديمتري ياروش من الجناح اليميني للمنظمات الراديكالية لكن الأشهر والأكثر نفوذا هي رئيسة الوزراء السابقة.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن المنافسة ستكون بين الملياردير بيوتر بوروشينكو (48 عاما) الملقب بملك الشوكولاته (الذي جمع ثروته من تجارة الحلويات والشوكولاته)، ورئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشينكو (53 عاما) الملقبة بملكة الغاز (نظرا لثروتها التي كونتها من تجارة النفط والطاقة)، التي تعد أكثر المرشحين إثارة للجدل بسبب تهم بالفساد في صفقة للغاز مع روسيا، بالإضافة إلى مكالمات هاتفية مسربة منسوبة إليها تتحدث فيها عن تصفية الأوكرانيين الناطقين بالروسية.
وقد قضت تيموشينكو ثلاث سنوات في السجن، وأطلق سراحها في شهر فبراير (شباط) الماضي خلال الاحتجاجات.
ويأتي بورشينكو في صدارة الاهتمامات وفي صدارة استطلاعات الرأي التي تشير إلى أنه الأكثر احتمالا للفوز بانتخابات الرئاسة الأوكرانية حيث تشير الإحصاءات إلى أنه يحظى بتأييد 28 في المائة من أصوات الناخبين.
وتحتل الانتخابات الأوكرانية أهمية خاصة هذه المرة، فهي تأتي في أعقاب الاحتجاجات التي شهدها ميدان الاستقلال في العاصمة كييف بداية العام اعتراضا على سياسات الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش لتعزيز العلاقات مع روسيا والتراجع عن اتفاقية تجارية وسياسية مع الاتحاد الأوروبي.
وقد تابع العالم الاحتجاجات الأوكرانية التي جمعت الزعماء السياسيين من المناصرين لفكرة الانضمام للاتحاد الأوروبي والزعماء القوميين والمتشددين في صراعهم مع الحكومة. وأدت الحملة القمعية التي شنتها الحكومة على المحتجين إلى تصاعد أعمال العنف وسقوط مئات القتلى في المصادمات.
وبعد عزل الرئيس يانوكوفيتش وهروبه إلى روسيا في 23 فبراير الماضي، قامت موسكو بإرسال قوات عسكرية إلى إقليم شبه جزيرة القرم ذي الغالبية من ذوي الأصول الروسية بحجة حمايتهم، ثم إقرار برلمان القرم تصويتا بالانضمام إلى روسيا، وهو ما اعتبرته واشنطن تحركا وتصويتا غير شرعي.
واكتفى الرئيس الأميركي باراك أوباما بالتنديد بخروقات روسيا للاتفاقات الدولية، وبفرض عقوبات اقتصادية على مسؤولين أوكرانيين وروس، والتلويح بإبعاد روسيا من مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبار.
واستبعد الرئيس الأميركي أي إجراءات عسكرية أو مواجهات مباشرة يقودها الحلف الأطلسي. وتركزت الجهود الأميركية في سعي دبلوماسي دولي وعقوبات اقتصادية، وتعزيز الدفاعات الأمنية لدول البلطيق خاصة إيتونا ولتوانيا أقدم مستعمرات الاتحاد السوفياتي.
بينما لعب الاتحاد الأوروبي دور المتفرج خوفا من التبعات الاقتصادية إذا قام بخطوات تغضب الدب الروسي الذي يمد الاقتصادات الأوروبية بالنفط، وأدار الاتحاد الأوروبي ظهره للتضحيات التي قام بها الشعب الأوكراني منذ فجر الثورة البرتقالية ولا تتعلق أزمة أوكرانيا بتدخلات عسكرية روسية تضرب أسس العلاقات الدولية فقط، أو بقضية استقلال دولة وضرورة الحفاظ على وحدة أراضيها وفقا للقانون الدولي، بل تتعداها إلى رصد مواجهات القوى العظمى في هذا البلد الصغير، ورسم خريطة جديدة للقوى الدولية والمصالح الاقتصادية بفرض روسيا للأمر الواقع.
ويقبع الخبراء والمحللون على دراسة تبعات هذا الأمر الواقع الذي فرضته روسيا على أوكرانيا التي تعد المعبر بين روسيا والأسواق الأوروبية وأكبر مصدر للذرة والقمح في العالم، وتمر بها أنابيب الغاز الروسي إلى أوروبا. ويدرس الخبراء إعادة رسم خريطة الطاقة في أوروبا حيث يحصل الاتحاد الأوروبي على ثلث احتياجاته من النفط والغاز من روسيا، وتتزايد المخاوف من تعاون روسي - صيني وشراكة في مجال الطاقة. وتتطلع أوروبا للتوسع في توليد الكهرباء من الطاقة النووية والاستفادة من احتياطات الغاز الصخري.
من جانب آخر فأزمة أوكرانيا لها شق اقتصادي حاد حيث تعاني الحكومة من أزمة ديون تقدر بأكثر من 13 مليار دولار إضافة إلى 16 مليار دولار يجب تسديدها قبل نهاية عام 2015 وتحتاج أوكرانيا لعصا سحرية اقتصادية وأموالا طائلة حتى تتجنب انهيارا كاملا وتعتمد أوكرانيا على مباحثات مع صندوق النقد الدولي لبحث توفير 35 مليار دولار لكييف.
وسيواجه الرئيس الجديد تركة من المشكلات المتفاقمة أبرزها ضرورة استعادة الأمن بعد الاضطرابات والفوضى التي خلفها صعود اليمين المتطرف ومواجهة الفساد المتجذر في هياكل الدولة وسيكون على الرئيس الجديد مهمة تلبية شروط صندوق النقد المتمثل في خفض إنفاق الحكومة، ووقف دفع رواتب التقاعد إضافة إلى ارتفاع أسعار الغاز بعد أن قامت روسيا برفع أسعاره إلى أكثر من 80 في المائة.
كل تلك الأحداث والظروف تفرض اهتماما دوليا بمستقبل تلك الدولة التي تتحكم جغرافيتها في مستقبلها السياسي، لكن وجوه المرشحين لقيادة البلاد هي نفسها الوجوه التي رسمت ملامح أوكرانيا الحالية باقتصادها المتأزم ووضعها الأمني المضطرب.
المعروف عن بوروشينكو أنه رجل أعمال عصامي انطلق من الصفر حتى أصبح من أغنى عشرة أشخاص في أوكرانيا بثروة قدرتها مجلة «فوربس» بنحو 1.3 مليار دولار. ويشتهر بعزيمته الفولاذية وخبرته السياسية والاقتصادية رفيعة المستوى، كما يشتهر بمواقفه البراغماتية فقد خدم بحكومات موالية لروسيا وحكومات موالية للغرب، وفي الاحتجاجات الأخيرة كان مؤيدا قويا للثورة ضد الديكتاتور المخلوع فيكتور يانوكوفيتش، ومناديا قويا لتوسيع التجارة مع أوروبا خاصة بعد أن حظرت روسيا استيراد منتجاته من الحلوى والشوكولاته.
ويحظى بوروشينكو (48 عاما) باحترام وشعبية كبيرة، وقد شغل منصب وزير الاقتصاد في حكومة الرئيس فيكتور يانوكوفيتش ومنصب وزير الخارجية وشغل منصب رئيس البنك المركزي في عهد فيكتور يوتشينكو.
ويعد بوروشينكو من الشخصيات الثورية التي دعمت الاحتجاجات في ساحة ميدان الاستقلال في كييف والثورة البرتقالية عام 2004 وانتقدت الفساد في عهد الرئيس فيكتور يانوكوفيتش وهو السياسي الوحيد الذي حاول التفاهم مع القرم والقوات الموالية لروسيا التي كانت تحاصر البرلمان المحلي بعد سقوط يانوكوفيتش.
بدا بوروشينكو - الذي ينحدر من مدينة بولغراد بالجنوب - حياته ببيع حبوب الكاكاو ونجح في تجارته ثم اشترى عددا من مصانع الحلويات في ظل نظام لخصخصة الشركات، وأسس مصانع «روشن» العملاقة للشوكولاته التي تنتج 450 ألف طن من الشوكولاته سنويا وتباع في جميع أنحاء آسيا وشمال أفريقيا وأوروبا. وتحتل شركة «روشن» التي تأسست عام 1995 المرتبة 18 بين أكبر شركات الحلوى في العالم بإيرادات تتجاوز المليار دولار.
وتوسع بوروشينكو في أعماله واشترى شركة لصنع السيارات والحافلات وشركات زراعية وأخرى لبناء السفن إضافة إلى امتلاكه لقناة «5» التلفزيونية التي كانت في صدارة الشبكات التلفزيونية المؤيدة للاحتجاجات.
دخل بورشينكو المعترك السياسي عام 1998 وشارك عام 2000 في تأسيس حزب الأقاليم التي كان يرأسه فيكتور يانوكوفيتش لكنه انضم عام 2002 إلى فريق يوتشينكو بطل الثورة البرتقالية.
وتولى منصب رئيس البنك المركزي من عام 2997 إلى عام 2012 حيث عينه يانوكوفيتش وزيرا للاقتصاد كما انتخب في العام نفسه نائبا في البرلمان كمرشح مستقل وكان ينوي الترشح في منصب عمدة العاصمة كييف قبل اندلاع الاحتجاجات.
ولد بوروشينكو في مدينة بولغراد أوديسا في 26 سبتمبر (أيلول) 1965 وعاش مع أسرته في مدينة فينتسيا بوسط أوكرانيا وحصل على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد عام 1989 من كلية العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة كييف. ومع بداية التسعينات بدأ رحلته مع تجارة الكاكاو وصناعة الحلويات وتوسع في استثماراته التجارية بشركات للسيارات وبناء السفن
بدا بوروشينكو حياته السياسة عام 1998 عندما فاز بمقعد في البرلمان الأوكراني كعضو في الحزب الديمقراطي الاشتراكي وهو الحزب الأكثر ولاء للرئيس السابق ليونيد كوتشما وترك بوروشينكو الحزب الديمقراطي الاشتراكي عام 2000 لينشا تضامن يمين وسط وكان له دور أساس في إنشاء حزب الأقاليم الموالي للرئيس كوتشما، لكنه انقلب عليه، وانضم إلى زعيم المعارضة فيكتور يوشينكو في كتلة أوكرانيا لنا. وفي مارس (آذار) 2002 فاز حزب أوكرانيا لنا بأكبر حصة في الأصوات الشعبية وشغل بوروشينكو منصب رئيس لجنة الميزانية في البرلمان.
وبعد فوز يوشينكو في الانتخابات الرئاسية عام 2004 تم تعيين بوروشينكو في مجلس الأمن القومي والدفاع فيما تم تعيين منافسته يوليا تيموشينكو رئيسة للوزراء. وفي سبتمبر 2005 اندلعت حرب اتهامات ما بين بوروشينكو وتيموشينكو عن تهم فساد وخصخصة شركات مملوكة للدولة.
ورشح الرئيس الأوكراني يوشينكو بوروشينكو لتولي منصب وزير الخارجية في أكتوبر (تشرين الأول) 2009 إضافة إلى عضويته بالبرلمان ومنصبه في مجلس الأمن والدفاع الوطني. وفي عام 2012 تولي بوروشينكو منصب وزير التجارة والتنمية الاقتصادية في حكومة أزاروف.
ولمح قبل الاحتجاجات عن نيته الترشح لمنصب عمدة كييف وبعد الاحتجاجات في ثورة ميدان الاستقلال وتقرير موعد الانتخابات الرئاسية في مايو 2014 تقدم بوروشينكو سباق الترشح للانتخابات متصدرا جميع المرشحين في استطلاعات الرأي.
ترى واشنطن في بوروشيكو سياسيا مخضرما كما أنها ترى فيه خصما قويا أمام النفوذ الروسي فقد حظرت روسيا استيراد منتجات بوروشينكو من الشوكولاته الصيف الماضي كوسيلة للضغط على رجال الأعمال المواليين للاتحاد الأوروبي لكن رجل الشوكولاته لم يخضع للضغوط، ورمى أمواله وراء المعارضة الأوكرانية الموالية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مما اكسبه شعبية كبيرة، ولم يكتف بوروشينكو بالدعم المالي بل وقف بنفسه لمنع العنف خلال الاحتجاجات، وظهرت صورته في الصحف الأميركية وهو يتعلق بجسده في «لودر» لمنع المتظاهرين من قيادته والهجوم ضد قوات الشرطة في محاولة منه لوقف العنف.
أما عن سياساته فهي تميل للغرب مع الاحتفاظ باتزان العلاقات مع روسيا، وقد كان الملياردير بوروشينكو من الداعمين لانضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي استنادا إلى إرادة سياسية ورغبة شعبية قوية وله عدة تصريحات يشير فيها إلى فرص أوكرانيا في الانضمام للحلف في غضون عام أو عامين، وتصريحات أخرى يشير فيها إلى أن عضوية حلف شمال الأطلسي لا ينبغي أن تكون هدفا في حد ذاته وإنما أن يكون الهدف هو إجراء الإصلاحات وتحسين مستويات المعيشة.
وفي تصريحات نقلتها صحيفة «نيويورك تايمز» يقول بوروشينكو عن ترشحه لسباق الانتخابات الرئاسية «لدي خبرة في بناء مناخ جيد للاستثمار وأعرف كيف أضع استراتيجية لعدم التسامح مع الفساد، أعرف كيف أبني نظاما قضائيا، وكيف أفتح صفحة جديدة من تاريخ أوكرانيا».
أيد ترشحه الملاكم السابق فيتالي كليتشكو الذي تنازل عن ترشحه لصالح بوروشينكو، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الناخبين في أوكرانيا يرون فيه الرجل القادر على تحقيق إنعاش اقتصادي بخبرته في العلاقات الاقتصادية الدولية ونجاحه في المناصب السياسية التي تولاها.
ويحمل بوروشينكو شعار «طريقة جديدة للحياة» وهو يشن حملة ضد الفساد وتطبيق إصلاحات اقتصادية، ويتحدث إلى ناخبيه رافضا ضم روسيا لشبه جزيرة القرم قائلا «هدفنا أن نعيش بطريقة جديدة لنجعل أوكرانيا غنية وحرة ويحظى الأوكرانيون بالحياة في بلد يحترمه العالم كله».
ووعد خلال إعلان ترشحه على العمل من أجل دمج أوكرانيا في منظومة الاتحاد الأوروبي خلال 10 سنوات. وقد تعهد رئيس الوزراء المؤقت أرسيني باتسينبوك - المقرب من بوروشينكو - بأن تكون الانتخابات حرة ونزيهة.
وترصد صحيفة «نيويورك تايمز» أن لبوروشينكو 72 ألفا من الأصدقاء على شبكة «فيسبوك» وما يربو على 14 ألف متابع على «تويتر».
ويقول المحلل السياسي فولوديمير فسينكو بمركز بنتا للدراسات السياسية بالعاصمة كييف إن «الناخبين يرون في بوروشينكو أملا كبيرا في تحقيق انتعاش اقتصادي، ويرون فيه شخصا متمرسا في إدارة الأزمات ويجمعون على تاريخه وشخصيته أكثر من منافسته يوليا تيموشينكو المثيرة للجدل، وأكثر من رجال سياسيين آخرين من الأحزاب السياسية».
ويرى المحلل السياسي الأوكراني إيفان لوزوي أن بوروشينكو من أغنى الشخصيات في السباق الانتخابي ولا يوجد دلائل على شبهات فساد في طريقة بوروشينكو لتكوين ثروته، لكنه يشير إلى تأثير الأموال في شراء الكثير في أوكرانيا، ويقول بعض الناخبين إن ثروته الكبيرة جانب مشرق، ويقول «يعتقد الناخبون أن لديه الكثير من المال ولا يحتاج لسرقة أي أموال أخرى».
ويرى المحلل السياسي فلاديمير فيسينكو في براغماتية بوروشينكو جانبا مفيدا، ويقول إن «جزءا كبيرا من الناخبين في أوكرانيا يرون فيه بديلا جيدا للمرشحين المتشددين أو المثيرين للجدل أو المرشحين الأقل خبرة، فهم يريدون رئيسا معتدلا قادرا على إدارة الأزمات ولا يريدون شخصا متشددا يمكن أن يثير المشكلات مع الناخبين من الأصول الروسية».
ويشيد عدد من المحللين بأسلوب بوروشينكو الرزين وعلاقاته السياسية والاقتصادية المتشعبة ويرونه المرشح المعتدل الذي يحاول سد الفجوة بين الشرق والغـــــرب ويملك الكثير من المال والمكانة الشعبية التي تمكنه من تحقيق استقرار للسياسة الداخلية الأوكرانية المتأرجحة بعد إحباطات الغزو الروسي للقرم والتهديدات بحروب عسكرية محتمله في أوروبا.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.