المشنوق لـ«الشرق الأوسط»: فرق كبير بين عون «التيار» وعون «الرئيس»

وزير الداخلية اللبناني قال إن الرئيس الجديد ملتزم بـ«الطائف» وحياد لبنان.. واتصال الأسد به بروتوكولي

وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق
وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق
TT

المشنوق لـ«الشرق الأوسط»: فرق كبير بين عون «التيار» وعون «الرئيس»

وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق
وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق

قبل أشهر من انتهاء الفراغ الرئاسي في لبنان، الذي استمر أكثر من عامين ونصف العام، أعلن وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، أن «انتخاب الرئيس سيتم قبل نهاية العام الحالي». وردد هذا التوقع في معظم خطاباته وتصريحاته، وأمام السفراء العرب والأجانب. تصريح أصر عليه المشنوق، فيما اعتبره كثيرون تفاؤلا زائدا في ظل واقع قاتم، أو أنه على طريقة «تفاءلوا بالخير تجدوه». لكن المشنوق كان يستند إلى حصيلة ضخمة من المعلومات وتبادل الآراء في الداخل والخارج، وعلى شبكة كبيرة من العمل والجهد السياسي. وكان مفاجئا لمعظم اللبنانيين أن ما وعد به المشنوق قد حصل بالفعل في 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قبل شهرين من نهاية العام. وها هو لبنان قد «استعاد نصابه الدستوري». ولا يخفي نهاد المشنوق دوره في دعم مبادرة رئيس تيار المستقبل، الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري، لإنهاء الفراغ الرئاسي، وقال في حوار مع «الشرق الأوسط» إن لبنان كان محتاجا لعملية «إنقاذ» وأشار إلى أن الرئيس الجديد ميشال عون ملتزم بحياد لبنان، وباتفاق الطائف، وأكد وجود فرق كبير بين عون زعيم التيار وعون الرئيس لكل اللبنانيين.
* كنت أول المبشرين بإنهاء الفراغ الرئاسي قبل نهاية العام الحالي، هل كان لك دور في كواليس الاتفاق بين الرئيسين عون والحريري؟
- أنا صاحب رأي ولست صاحب قرار، لكنني كنت من أكبر الداعمين لمبادرة الرئيس الحريري إلى العمل على اكتمال النصاب الدستوري؛ وذلك نظرًا للمعطيات السياسية والاقتصادية التي أملكها، إضافة إلى مرورنا في واحدة من أصعب الأزمات النقدية. وكنت أعلنتها قبل عام بالتمام والكمال، وحينها برزت ردود فعل كبيرة. لكن بفضل شجاعة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وهندسته المالية المبدعة، رغم اختلاف كثيرين معه، استطعنا تجاوز تلك الأزمة. فلبنان كان ولا يزال في حاجة إلى عملية إنقاذ حقيقية. فوجدنا أنفسنا في موقع الاختيار بين مرشحين، الأول هو الجنرال ميشال عون، والمرشح الثاني هو استمرار الفراغ، على حد تعبير الرئيس الحريري. لكن مخاطر الفراغ في ظل حساسية تكوين النسيج اللبناني كانت مصدر خوف وقلق لدينا، فكانت مبادرة الرئيس الحريري.
* هذه المبادرة «الإنقاذية» أوصلت مرشح «حزب الله» إلى قصر بعبدا وترافقت مع معارضة حادة من بعض نواب كتلة المستقبل وكوادر في قوى 14 آذار. فراح بعضهم بعيدًا إلى حد وصف المبادرة بأنها «تسليم لبنان إلى المحور الإيراني» و«هزيمة لتيار المستقبل»، فما رأيك؟
- لا يوجد انتصار أو هزيمة لأي تيار سياسي، في السياسة لا يوجد انتصارات أو هزائم في مثل هذه القضايا. الانتصار الحقيقي هو للبنان كدولة استعادت نصابها الدستوري، أما تيار المستقبل فهدفه الأساسي كان ولا يزال وسيظل هو الحفاظ على لبنان وعلى وحدته وسيادته، ونظامه الدستوري واتفاق الطائف، ووصولنا إلى التوازن داخل المؤسسات الدستورية هو انتصار لمشروعنا.
نحن نعرف أن السياسة الإيرانية لم ولن تكون جزءًا من الاستقرار؛ فالسياسة الإيرانية في المنطقة «مبتكرة» في تحقيق عدم الاستقرار والدفع نحو الانقسامات بين الشعوب التي تعمل داخل دولها، وهذا ما نشهده في سوريا واليمن والعراق وسوريا. هذا تماما على عكس السياسة السعودية التي تعتبر جزءًا من الاستقرار في معظم الدول التي تحتاج إلى دعمها. وحيث تكون المملكة العربية السعودية حاضرة نجد مشروع استقرار ومسعى للإجماع. في هذا السياق، كانت زيارة الموفد السعودي الوزير ثامر السبهان أكبر دليل على اهتمام المملكة العربية السعودية بالحفاظ على الاستقرار في لبنان. فقد اجتمع الوزير السبهان مع عشرات الشخصيات السياسية في لبنان قبل الاستحقاق الرئاسي، واجتمع بهم، ولم يسمع أحد منه كلاما خارج سياق الدولة ولمّ الشمل. وهو قام بمشاورات موسعة نجحت في التأسيس لعودة العلاقات اللبنانية – السعودية إلى طبيعتها السابقة.
* وماذا عن الاتهامات بأن «14 آذار» تخلى عن مبادئه؟
- هذا غير صحيح. لنتذكر أن 14 آذار هي فكرة أولا. والرئيس الحريري عمل على تكريس هذه الفكرة من خلال مبادرته. فهو يملك شجاعة الإقدام على التسوية. هو لم يرشح النائب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، ثم العماد ميشال عون، ليكون داعمًا للسياسة الإيرانية، إنما من أجل السعي إلى قيام دولة. ولأن مشروع 14 آذار هو قيام الدولة، فإن انتخاب رئيس، أيا كان، يحد من الفوضى ويمنع التخريب ويوقف سياسات الانقسام بين اللبنانيين. هكذا، فإذا كانت فكرة 14 آذار هي قيام الدولة، فقد جاء انتخاب عون جزءا من قيام الدولة، وهذا ما لا تريده السياسات الإيرانية لا في لبنان ولا في الدول العربية الأخرى رغم كل التصريحات اللاحقة لانتخاب الرئيس.
* شهدنا ترحيبًا بخطاب القسم الذي وصفه الجميع بالإيجابي فهل سيستطيع عون لعب دور الرئيس الجامع؟ خصوصًا أنه الحليف لـ«حزب الله» الذي دخل في الصراع المذهبي في سوريا والعراق واليمن؟
- كما قلت سابقًا لا يُفتى والجنرال عون في الرابية، أقول اليوم، لا يُفتى والرئيس عون في بعبدا. وهذا ليس من باب الحماسة أو المحبة، بل لأن للجنرال تاريخا مخالفا للواقع الحالي، وهناك جانب مسكوت عنه في تاريخه السياسي وفي شخصيته الحقيقية. علينا ألا ننسى أنه كان أحد أبرز المقاتلين في سبيل استقلال لبنان من الوصاية السورية. أهم ميزة في الرئيس عون أنه أتى إلى الرئاسة وزعامته المسيحية معه، وبالتالي لن يكون كما الرؤساء السابقين الذين سعوا لاكتساب شعبية مسيحية خلال وجودهم في السلطة. هو ليس في حاجة إلى اتخاذ مواقف شعبوية لزيادة شعبيته في الوسط المسيحي. والدليل الأبرز هو خطاب القسم، الذي تميز بثلاثة عناصر رئيسية، الأول التأكيد على الالتزام بقرارات جامعة الدول العربية، خصوصا في البند الثامن الذي ينص على عدم السماح لأي دولة عربية بالتدخل في شؤون أي دولة أخرى، والعنصر الثاني هو الالتزام بالقرارات الدولية، أما العنصر الثالث فهو الالتزام باتفاق الطائف، والدعوة إلى تنفيذه دون انتقائية. فلو أعلن أي رئيس مسيحي آخر، لا يملك شعبية الرئيس عون، لو أعلن التزامه ب«الطائف»، لكان سيتلقى الكثير من الانتقادات، بينما عندما قالها عون تبناها الجميع وأثنوا عليها، كما لو أنها موقف المسيحيين، لكن في الحقيقة هذا القرار ليس موقفا مسيحيا شعبيا، بل هو موقف متوازن مسؤول يجتمع عليه اللبنانيون. فعون الذي اتهِمَ بأنه يسعى إلى الفيدرالية ويقف بوجه عروبة لبنان، إضافة إلى اتهامه بالسعي لإقامة نظام جديد بديل عن اتفاق الطائف، عند وصوله إلى موقع المسؤولية، كان خطابه مخالفًا لكل الاتهامات السابقة. وبدا نقطة لقاء والتقاء لبنانية لجميع القوى. حتى معارضوه وصفوا خطاب القسم بأنه ممتاز.
* وماذا عن التزام الرئيس ميشال عون بورقة تفاهم مع «حزب الله»؟
- ورقة التفاهم هي التزام وقعه التيار الوطني الحر مع «حزب الله»، وليست ورقة تفاهم بين رئيس الجمهورية ميشال عون وبين «حزب الله». اليوم ميشال عون هو رئيس للجمهورية اللبنانية، وليس رئيس حزب. وبالتالي دوره أن يسعى للجمع بين اللبنانيين وليس التفريق بينهم. وعلينا أن نفرق من اليوم وصاعدا بين الجنرال ميشال عون، وبين الرئيس ميشال عون.
* سمير جعجع صرح أكثر من مرة بأن الاستحقاق الرئاسي وللمرة الأولى هو لبناني، في حين شهدنا حراكا دوليا وإقليميا للرئيس سعد الحريري قبل إعلانه تأييد ترشيح عون للرئاسة، فهل للدول الإقليمية والدولية دور في إنهاء الفراغ الرئاسي؟
- حراك الرئيس الحريري كان لتسويق فكرة انتخاب عون، والحصول على ضمانات بألا يُترك لبنان وحيدًا إن تم انتخابه. وقد لاقى الحريري تجاوبًا كبيرًا في فرنسا وروسيا، مع وعود في المجالين الاقتصادي والسياسي بالحشد لدعم دولي. وبالطبع السعودية جزء من هذا الدعم، تمثل ذلك في اتصال أجراه خادم الحرمين الشريفين، جلالة الملك سلمان بن عبد العزيز، لتهنئة الرئيس عون. وقبلها زيارة الوزير السبهان قبيل الانتخابات بيومين. وهو دليل قبول بما اتفقت عليه الأحزاب الرئيسية في لبنان؛ لأن السعودية حريصة دومًا على استقرار لبنان وسلامته. وأتوقع أن تشهد العلاقة اللبنانية – السعودية تطورًا كبيرًا؛ فالجميع باتوا مدعوين إلى تشجيع الرئيس عون لتطبيق ما جاء في خطاب القسم. أما الفرنسيون فقد وعدوا بأن يعملوا على مؤتمر «باريس – 4» لدعم لبنان، خلال أشهر قليلة.
* في العام الأخير شهدنا توترا للعلاقات بين لبنان ودول الخليج، وذلك بعد سلسلة مواقف اتخذها الوزير جبران باسيل في جامعة الدول العربية، فهل وصول عون إلى الرئاسة سيرمم هذه العلاقات، أم أن ورقة التفاهم مع «حزب الله» هي التي ستدير علاقات لبنان مع الخارج؟
- أفضل عدم العودة إلى الوراء.. موقف باسيل جاء حينها في ظل فراغ رئاسي، وخلاف حاد داخل الحكومة حول موقفه، وقد تصادمت معه بسبب كلامه في ذلك الوقت. أما اليوم، ومع وجود رئيس للجمهورية ورئيس للحكومة، هما سيكونان ضابطين لإيقاع السياسة الخارجية التي ينتهجها لبنان كدولة. وهي لا يمكن أن تكون من خارج نص خطاب القسم، وهو ملزم للرئيس. وعمليا الرئيس عون أجاب على سؤالكِ في البند الذي تحدث عن حياد لبنان، والتزامه بـ«الطائف» وعدم التدخل في شؤون الدول العربية الأخرى. هذه هي سياسة لبنان الخارجية في العهد الجديد.
* الخارجية الأميركية رحبت بإنهاء الفراغ الرئاسي بحذر، وذكرت بقراراتها ضد «حزب الله» كمنظمة إرهابية، واضعة العهد الجديد في فترة امتحان للحكم عليه، فهل سينجح هذا العهد بالحفاظ على علاقات لبنان بالمجتمع الدولي؟
- موقف الخارجية الأميركية من انتخاب الرئيس عون لا أرى فيه أي جديد أو غير تقليدي. الاستثناء الوحيد هو الترحيب، رغم كل الاتهامات التي وجهت إلى الرئيس عون. فالدبلوماسية الأميركية تعرف أن الرئيس عون هو غير الجنرال عون، والدليل مرة أخرى خطابه. أما التذكير بموقفها تجاه «حزب الله» كمنظمة إرهابية فهو تذكير تقليدي في السياسة الخارجية الأميركية. ولبنان لا يستطيع أن يوافق المجتمع الدولي على اتهام مجموعة لبنانية كاملة، لها فريق سياسي لبناني كامل، ومنتخب، كمنظمة إرهابية.
* تحدث الرئيس الحريري في خطابه عن ضمانات واتفاق لتحييد لبنان عن الأزمات الإقليمية، وخصوصًا السورية، فكيف سيترجم هذا التحييد، خصوصًا أننا شهدنا اتصال تهنئة من رئيس النظام السوري إلى الرئيس عون؟
- الحرب السورية أحرقت كل القوى الدولية التي دخلت فيها، من إيران وروسيا وأميركا و«حزب الله». فور دخولهم البازار السوري تعرضوا لحسومات فورية على أحجامهم وأدوارهم. لا يوجد قوة بقيت على حجمها. أو تأثيرها. وحياد لبنان اختصره الرئيس الحريري بقوله إنه عندما يقرر الشعب السوري شكل نظامه، حينها سنتعامل معه. أما اتصال التهنئة الذي تلقاه الرئيس عون من الرئيس (النظام) السوري السابق بشار الأسد، فهو بروتوكولي لا يؤسس لأي علاقة في المستقبل، ولا لأي تطور دراماتيكي لصالح النظام السوري في لبنان. هذا لن يحصل لأنه موضع خلاف شديد وحاد بين اللبنانيين، ورئيس الجمهورية مهمته وطبيعته، وما أعلن عنه، هو أنه سيعمل وفق سياسة يتفق عليها اللبنانيون. ولنكن صادقين وواعين أن تحييد لبنان ليس قرارًا داخليًا وحسب. فهذا «النعيم» الذي نعيش فيه اليوم سببه قرار كل القوى الدولية بحفظ لبنان وتحييده.
* هناك أشياء كثيرة في لبنان تؤثر في استقراره مثل اللاجئين كيف سيمكن تجاوزها؟
- جزء كبير من الاستقرار اللبناني سببه وجود النازحين السوريين فيه. فالمجتمع الدولي يعمل على إبعاد هذا الكأس المر عنه، وتعرض لبنان لأي انهيارات كبيرة سيدفع النازحين إلى الهجرة ولو عن طريق البحر. وشهدنا حالات كثيرة من الهجرة غير الشرعية إلى الدول الغربية. ولأن المجتمع الدولي حريص على عدم وصول أي نازح جديد إلى الغرب؛ لذلك يسعى إلى الحفاظ على الاستقرار في لبنان والأردن، وتركيا. من جهة أخرى، فإن إيران حريصة هي أيضًا على حياد لبنان واستقراره؛ لأنه أرض إمداد وقاعدة لوجيستية للحرب الإيرانية في سوريا، وهو الطريق البري الوحيد المفتوح باتجاه سوريا، كي تستمر في أعمالها العدوانية عبر «حزب الله» ضد الشعوب العربية. لكن على الرغم من أن الحفاظ على استقرار لبنان ينطلق من قواعد سلبية، فإن نتائجه إيجابية على لبنان عامة وعلى اللبنانيين.
* هل عادت العلاقة بين الرئيس بري وحركة أمل إلى سابقاتها، بعد التوتر الذي أصابها بسبب ترشيح الاتفاق بين عون والحريري؟
- على الصعيد الشخصي، عادت الأمور إلى سابق عهدها، والدليل أن بري سمى الحريري في الاستشارات النيابية. أكرر هنا: نحن لا نتخلى عن الرئيس بري. وما فيه من لبنانية وعروبة ليستا موضع نقاش أو انقسام، وبالتالي خيارنا هو التفاهم معه بشكل دائم، أما المفاوضات بشأن تشكيل الحكومة فهي مفاوضات عادية وتقليدية، وهي حرب حقائب، وليست حرب مبادئ، لكن هناك قوة اندفاع نحو تشكيل حكومة بسرعة، وأظن أنها ستتشكل في غضون أسابيع قليلة.
وأنا هنا أتفهم موقف بري الذي استاء من حصول الاتفاق بين عون والحريري من دون علمه.. فلو كانت المفاوضات علنية حينها لكانت تحولت إلى اشتباك. فدخول عشرات القوى السياسية إليها لكانت ستحولها إلى حرب داحس والغبراء، والرئيس بري أخذ وقته لكي يثق ويصدق بأن قواعد الاتفاق ليست تفصيلية ولا وزارية ولا وظائفية، بل هي اتفاق عريض يتعلق بسلامة لبنان وتقدمه.
* ما تحديات العهد الجديد؟
- أهم تحديات العهد الجديد هي تنموية واقتصادية. فهناك امتحان كبير أمام العهد الجديد في مسألة الخدمات التي يحتاج إليها الناس، من كهرباء وطرقات ومعالجة أزمة النفايات التي باتت جزءًا من هوس اللبنانيين رغم حلها مرحليًا.
* قرارات تيار المستقبل تأتي دائمًا بعكس تطلعات قاعدته الشعبية، وشهدنا في الانتخابات البلدية تراجعا في طرابلس وبيروت، فما هي حسابات تيار المستقبل في اتخاذ قرارات تؤثر في شعبيته، خصوصًا مع اقتراب مود الانتخابات النيابية؟
- تراجع شعبية تيار المستقبل لم يكن من أسبابه المبادرات التي أطلقها الرئيس الحريري، بل الأصح أن سببها الأساسي كان غياب الرئيس الحريري لسنوات عن لبنان. ما ترك إحساسًا لدى مناصري تيار المستقبل بأنهم متروكون في غرفة الانتظار، لا هم مقبلون على تسوية، ولا هم ذاهبون على مواجهة.
ما حدث الآن بات واضحًا: نحن مقبلون على تسوية، والثابت أن التسوية تحتاج إلى شجاعة أكبر من المواجهة؛ لأن المواجهة لا تستلزم أكثر من التعبئة الشعبوية بالكلام الكبير، بينما التسوية تحتاج إلى حديث يومي وإقناع يومي ونقاش يومي، لكي يتقبلها الناس. وقد رأينا يوم إعلان تكليف الرئيس الحريري تشكيل الحكومة كيف شهدنا احتفالات عمت المناطق المناصرة لتيار المستقبل. إذا هناك رابط عاطفي وود كبير وواضح بين الرئيس الحريري وبين مناصريه، ولديه شعبية حقيقية. ولو اختلف معه كثيرون في السياسة الود يبقى قائمًا. والطائفة السنية في لبنان بشكل عام هي من أهل الدولة، وخيار أهلها الدائم هو الدولة، وعندما تلوح لهم الدولة في أي مكان ما تراهم يلجأون إليها ويركضون نحوها، بأخطائها وسلبياتها، وهذا ثابت في تاريخ لبنان.



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.