ترى أنقرة في ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» التي تحظى بدعم قوي ومباشر من الولايات المتحدة تهديدا للأمن القومي التركي؛ وذلك بحكم أن ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية تشكل عمودها الفقري. ولقد تمكنت عملية «درع الفرات» التي أطلقتها السلطات التركية من تطهير نحو 1400 كيلومتر مربع من مساحة 5 آلاف كيلومتر مربع، بعمق 20 كيلومترا، داخل سوريا؛ بما يعني أن العملية ستستمر في التوغل بعمق 25 كيلومترا بعدما تم تأمين المنطقة طوليًا من مدينة جرابلس إلى مدينة أعزاز. ومنذ بعض الوقت، رأى نفر المحللين أن هدف تركيا من عملية «درع الفرات» لم يكن «داعش» بقدر ما هو قطع الطريق على الأكراد؛ كي لا يكون هناك أي تواصل بين «جيب» عفرين ومناطق الكثافة السكانية الكردية في شمال سوريا وشمال شرقها.
فجر 24 أغسطس (آب) الماضي أطلقت تركيا عملية «درع الفرات» التي تدعم فيها عناصر من قوات المهام الخاصة في الجيش التركي مقاتلين من «الجيش السوري الحر» بتنسيق مع قوات التحالف الدولي ضد «داعش» بقيادة الولايات المتحدة.
في البداية، أعلنت تركيا أن هدفها هو حماية حدودها من تنظيم داعش الإرهابي بعدما نسبت إليه أنقرة مسؤولية الاعتداء المسلح على حفل زفاف في مدينة غازي عنتاب قرب الحدود السورية في 21 من الشهر نفسه، أي قبل إطلاق عملية «درع الفرات» بثلاثة أيام. ومع تطور العملية عدّلت تركيا أهدافها لتشمل «داعش» وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وذراعه العسكرية ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية الحليفة لأميركا في القتال ضد «داعش»، التي تعتبرها أنقرة تنظيما إرهابيا وامتدادا لحزب العمال الكردستاني.
وواقع الأمر، أن تركيا تخشى من تشكيل «حزام كردي» على طول حدودها الجنوبية يلتحم مع إقليم «كردستان العراق»، ومن ثم يغري الأكراد في جنوب شرقي تركيا على الانفصال وإعلان «كردستان الكبرى» على أراض مأخوذة من كيانات العراق وسوريا وتركيا وإيران الحالية.
واليوم، ترى أنقرة في ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» تهديدا للأمن القومي التركي بحكم أن «وحدات حماية الشعب» الكردية تشكل العمود الفقري فيها، وما يعنيه ذلك من مخاوف للأتراك من أن يقيم الأكراد وطنًا قوميًا خالصًا لهم على الحدود التركية.
معركة الباب
دخلت القوات التركية مع عناصر «الجيش السوري الحر»، التي دربتها تركيا من قبل في غازي عنتاب، إلى جرابلس الواقعة على نهر الفرات في ريف محافظة حلب الشمالي الشرقي. وتقدمت عملية «درع الفرات» بسرعة كبيرة في جرابلس على حساب «داعش». إلا أنه سرعان ما بدا من سير المعركة أن الهدف لم يقتصر على «داعش»؛ إذ حقق «الجيش السوري الحر» خلال المرحلة الأولى من المعركة تقدمًا كبيرًا على حساب «قوات سوريا الديمقراطية» التي كانت قد احتلت مناطق عدة بشمال غربي سوريا أكثر منه على حساب «داعش». ولكن في المرحلة الثانية من المعركة، وتحديدًا في أواخر أغسطس الماضي، تأكد أن معظم المساحات التي سيطر عليها «الجيش الحر» كان يحتلها التنظيم الإرهابي المتطرف. ومن ثم تمكن من وصل مدينتي جرابلس والراعي إحداهما بالأخرى بعد سيطرته على جميع القرى الممتدة على الحدود مع تركيا بطول 90 كيلومترا من جرابلس إلى أعزاز. ومنذ الثالث من سبتمبر (أيلول) الماضي انطلقت المرحلة الثالثة من العملية بهدف السيطرة على مدينة الباب وريفها بعد سقوط دابق، ذات القيمة الرمزية الكبيرة لـ«داعش» في يد «الجيش الحر». وللمرة الأولى خلال هذه المرحلة استهدف الطيران الحربي التركي مواقع لميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية؛ ما دفع النظام السوري إلى تحذير تركيا باستهداف طائراتها.
بعد ذلك، جرى استهداف مدينة الباب (شمال شرقي مدينة حلب) وريفها، انطلاقًا من محوري جرابلس والراعي. ويسعى «الجيش السوري الحر»، بحسب أحمد عثمان، قائد «لواء السلطان مراد» المدعوم من تركيا، لمواصلة التقدم إلى أن يصبح على تماس مع قوات النظام المتمركزة في محيط بلدة كويرس ومطار كويرس بريف حلب الشرقي، لافتا إلى أنه «لم ولن يتم إسقاط ما تسمى (قوات سوريا الديمقراطية) من حساب معركة درع الفرات، ونحن نطلب من تلك القوات الانسحاب إلى شرق نهر الفرات دون استخدام السلاح».
وحتى اللحظة لا تزال المرحلة الثالثة من عملية «درع الفرات» تعمل على محاور منبج والباب وشرقي بلدة مارع. ويتوقع أن تشهد الفترة المقبلة انسحابًا متسارعًا لتنظيم داعش ليتلافى عملية حصاره، مع أن المرحلة الثالثة تسير بوتيرة أبطأ من سابقتيها في حين تستمر التحضيرات لعملية تحرير مدينة الرقّة، معقل «داعش» الرئيس في شمال سوريا.
أهداف تركيا
بعد نحو الشهر من إطلاق عملية «درع الفرات» قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان: إن هدف تركيا هو إقامة «منطقة آمنة» على مساحة 5 آلاف متر مربع في شمال سوريا. ومعلوم أن الحديث كان منذ البداية يجري عن «المنطقة الآمنة» على استحياء بسبب الرفض المسبق من حلفاء تركيا في الغرب وحلف شمال الأطلسي «ناتو»، وحتى روسيا أيضًا، لكن مع انطلاق «درع الفرات» بدا أن الهدف هو بناء هذه «المنطقة» وتسليمها لقوات موالية لأنقرة. وكذلك إعادة سكان المناطق الجاري تطهيرها من «داعش» والميليشيات الكردية على السواء إلى مناطقهم.
في هذا الصدد، لفت المحلل السياسي التركي بكير أتاجان إلى أن تركيا «تبدو مصممة على الاستمرار في عملية درع الفرات حتى تحقيق المنطقة الآمنة في الشمال السوري، التي تمتد على طول 89 كيلومترا وبعمق 45 كيلومترا». وهذه المنطقة، حسب أتاجان، مرتبطة بأمن تركيا القومي، «ويردد القادة الأتراك في كل مناسبة إعلامية أنهم ماضون باتجاه تحقيقها».
وبالفعل، حتى الآن، وفق بيانات رئاسة هيئة أركان الجيش التركي، تمكنت عملية «درع الفرات» من تطهير نحو 1400 كيلومتر مربع من المساحة المطلوبة 5 آلاف كيلومتر مربع، بعمق 20 كيلومترا؛ بما يعني أن العملية ستستمر في التوغل بعمق 25 كيلومترا إضافية بعد تأمين المنطقة طوليا من جرابلس إلى أعزاز.
ووفق خبراء استراتيجيين تتحدد أولويات تركيا في شمال غربي سوريا اليوم بأولويتين، هما:
- تعزيز الدعم الذي تقدمه للمعارضة السورية المعتدلة التي تؤيدها لمنع وضعها تحت الضغط نتيجة الهجوم الأخير لقوات نظام الأسد وللضربات الجوية الروسية.
- منع ميليشيا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي «وحدات حماية الشعب» الكردية المتحالفة مع حزب العمال الكردستاني، الذي تحاربه تركيا حاليا، من ربط «جيب» عفرين الذي يقع شمال غربي سوريا إلى الغرب من أعزاز، بالمناطق الأخرى التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي في شمال سوريا. وفيما يتعلق بهذه النقطة، تريد أنقرة إعاقة تشكيل «حزام كردي» مكوّن من حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني يمتد على طول حدودها الجنوبية.
وبطبيعة الحال، تضاف إلى الأولويتين الآنفتي الذكر أولوية ثالثة، هي القضاء على «داعش» في سوريا.
جدير بالذكر، أن الأراضي الواقعة في شمال غربي سوريا، وبالذات في حزام أعزاز، جرابلس من الأراضي الأثمن في البلاد، فضلاً عن كونها من الناحية الاستراتيجية «بوابة» مدينة حلب، كبرى مدن سوريا قبل الحرب الأهلية، ولا بد من تأمينها في الحرب. وراهنًا، هذه المنطقة موضع صراع ما بين «وحدات حماية الشعب» الكردية وقوات نظام الأسد المدعومة من روسيا، و«جبهة فتح الشام» (النصرة سابقا) التابعة لتنظيم القاعدة، وتنظيم داعش، إضافة إلى فصائل المعارضة السورية المدعومة من تركيا.
منبج.. وعفرين
يشكل وجود نحو 200 من عناصر الميليشيات الكردية في منبج «نقطة توتر» بين أنقرة وواشنطن، ولقد صعّدت أنقرة من لهجتها ضد حليفتها واشنطن، واتهمتها على لسان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بأنها لا ترغب في دفع هذه العناصر الكردية إلى شرق الفرات كما كانت قد وعدت بذلك من قبل. وتابع، بلهجة تحذير، أنه «إذا لم تكن أميركا قادرة على إخراج هذه العناصر من منبج فإننا نعرف كيف نخرجهم».
وجاء هذا الكلام التحذيري بعد سلسلة تصريحات من الرئيس التركي إردوغان، ورئيس الوزراء بن علي يلدريم، ومسؤولين آخرين في حكومته، مؤداه أن واشنطن لم تف بوعودها بإخراج العناصر الكردية من منبج إلى شرق الفرات. كذلك، قال جاويش أوغلو منذ أيام قليلة إن الجيش التركي سيقدم الدعم لـ«الجيش السوري الحر» لتطهير مدينة منبج من هذه العناصر.
من جهة ثانية، تشكل مدينة عفرين، الواقعة في أقصى الزاوية الشمالية الغربية من الحدود السورية – التركية، التي سيطرت عليها «وحدات حماية الشعب» الكردية، هدفًا أساسيا من أهداف تركيا في عملية «درع الفرات»؛ لأن عزل «جيب» عفرين ثم ووضعه تحت سيطرة «الجيش الحر» سيكفلان تمامًا قطع الصلة بين مناطق الكثافة الكردية المتاخمة للجنوب التركي.
ونظرًا لأهمية عفرين بالنسبة للخطط التركية؛ فقد قصفها الجيش التركي مرارًا في فبراير (شباط) ومايو (أيار) الماضيين بالمدفعية الثقيلة والصواريخ، مع إصرار أنقرة على رفض أي وجود كردي مسلح غربي نهر الفرات.
هذا، ويعتقد بعض المحللين المنتقدين لسياسة أنقرة أن غاية إردوغان من عملية «درع الفرات» لم تكن في الأساس ضد «داعش». ويشددون على أن هدفها هو قطع الطريق على الأكراد كي لا يكون هناك أي تواصل بين كتلة أكراد محافظة الحسكة و«جيب» عفرين، وبالتالي لمنع قيام كيان كردي كبير ومتواصل في شمال سوريا.
في المقابل، حدّدت ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» ذات الغالبية الكردية بعد ضرب مسلحي «داعش» في منبج، مدينة الباب هدفها التالي، والوصول بعد ذلك إلى «الجيب» الكردي في عفرين. وهذا أيضًا يعني أن الغاية الأساسية لهذه الميليشيا إنما هي إنشاء «حزام كردي» على امتداد الحدود التركية - السورية، وقطع الاتصال بين تركيا وبلدات التركمان وقراهم في سوريا، وليس قتال «داعش». وهذا الأمر بالذات، أي عزل بلدات التركمان السوريين وقراهم عن تركيا، أجبر أنقرة على إطلاق عملية «درع الفرات» في جرابلس، ثم جنوبا نحو مدينة الباب التي ما زال «داعش» يسيطر عليها وعلى ضواحيها لمنع وصل أكراد الشمال الشرقي بأكراد الشمال الغربي لسوريا.
عملية الرقّة
على صعيد آخر، في الوقت الذي تسعى تركيا للسيطرة على مدينة الباب تتابعت تصريحات المسؤولين عن تحرير مدينة الرقّة، وهي تتراوح تارة ما بين الحديث عن دخول «درع الفرات» الرقّة بعد الباب كما أعلن ذلك الرئيس إردوغان، وكلام مسؤولين أتراك آخرين حول استمرار اللقاءات والمباحثات مع واشنطن حول «المشاركة في تحرير» الرقّة.
أنقرة تتمسّك بشرط أساسي هنا، هو ضرورة ألا تشارك الميليشيات الكردية في عملية تحرير الرقّة بعد انتهاء معركة تحرير الباب؛ وذلك لأن سيطرة قوات «درع الفرات» على الباب سيضمن قطع الصلة بين المناطق التي تسيطر عليها ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية»، الكردية واقعيًا، في الشمال السوري. ولكن في الوقت نفسه، أعلنت «قوات سوريا الديمقراطية» أنها اتفقت مع واشنطن على المشاركة في عملية الرقّة، وعلى أن تركيا لن تشارك في هذه العملية.
ووسط هذا اللغط ادعى وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر، أن «اللقاءات ما زالت مستمرة» مع تركيا بوصفها حليفا لواشنطن حول الدور الذي يمكنها القيام به في عملية تحرير الرقّة. وفي هذا الإطار، حسب مصادر تركية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن تركيا جهزت عناصر من القوات العربية في الرقّة للمشاركة في تحريرها بهدف تعزيز قوات «الجيش السوري الحر» في عملية «درع الفرات»، وأن هذه العناصر ستبقى في المدينة بعد تحريرها.
تركيا وحلب
في هذه الأثناء، حددت تركيا أهدافها في «المنطقة الآمنة» التي تخطط لإعادة السوريين إليها خلال سنتين بعد بناء مساكن مزوّدة بالمرافق والخدمات الصحية والتعليمية. وأوضحت أنها لا تهدف إلى دخول مدينة حلب، وجاء ذلك بوضوح تام على لسان الرئيس إردوغان خلال الأسبوع الماضي عندما قال: «عملية درع الفرات لن تدخل إلى حلب، وأن حلب لأهل حلب». ومفهوم أن إردوغان قصد من هذا التصريح تهدئة موسكو التي أبدت اعتراضات على إعلان تركيا التقدم بعملية «درع الفرات» إلى الباب ثم الرقّة، من منطلق أن وضع قوات «الجيش الحر» في هذه المناطق سيؤثر بالسلب في دفاعات «حليف موسكو» النظام السوري في حلب. وتدعم أنقرة جهود وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية للمحاصرين في المدينة وتجري اتصالات مع موسكو في هذا الصدد.
تركيا.. والدور الجديد
وفي تعليق للخبير السياسي التركي مصطفى أوغلو حول أسباب تحرك تركيا بعد 5 سنوات من الأزمة في سوريا للتدخل بقواتها، رأى أن تركيا «تسعى للعب دور جديد في المنطقة؛ ولذلك فإن التدخل العسكري جاء ضمن معطيات جديدة على الأرض تختلف عن السابق. إن تركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، تختلف عن تركيا ما قبلها؛ إذ إن السياسة التركية الحالية تخلصت من معارضة الجيش لأي تدخّل عسكري في سوريا، وهو الذي كان يحد من إمكانية التدخّل في السابق».
ورأى أوغلو أن من أسباب تحرّك تركيا للتدخل في هذا الوقت بالذات هو «اعتقادها بأن هناك حلولاً تلوح في الأفق، وهو ما ظهر في تصريحات القيادة التركية أخيرًا، وبالتالي، تخشى تركيا من أي محاولة لفرض حالة أمر واقع يتعلق بالأكراد في شمال سوريا؛ ما يدفعها إلى التدخل السريع لضمان مصلحتها العسكرية».
وكان الرئيس التركي قد أكّد حقًا بعد انطلاق عملية «درع الفرات» أن بلاده تتمسّك بالحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وأنها ستتولى الأمر بنفسها إذا اقتضى الأمر لحماية وحدة أراضي سوريا، وأن تركيا لا تريد سوى مساعدة شعب سوريا وليست لها نوايا أخرى. كذلك، أكد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أن تركيا لن تقبل بتشكيل كيان كردي جديد داخل سوريا، وأنه يتعين الحفاظ على سلامة الأراضي السورية.
حائط الصد الأميركي
من ناحية ثانية، تستند تركيا في تحرّكها ضد أكراد سوريا إلى «اتفاقية أضنة» الأمنية الموقّعة مع سوريا عام 1998، التي تسمح لتركيا بالتحرك داخل الحدود السورية من أجل محاربة أي نشاطات لحزب العمال الكردستاني.
في المقابل، يعتقد الأكراد الانفصاليون في سوريا أن واشنطن ستمارس ضغوطًا على أنقرة لمنعها من التمدد داخل سوريا، وقد تسمح لها بمساحة محدودة فقط من أجل ضمان أمن المقاتلين الأتراك فقط. وهنا يشير مراقبون إلى الموقف الأميركي المُلتبس من مشاركة تركيا في عملية تحرير الرقّة، والإصرار على إشراك «وحدات حماية الشعب» الكردية فيها، كتأكيد على أن واشنطن لن تترك لتركيا حرية التقدم كيفما شاءت في سوريا.
وفي هذا الصدد، يقول محللون إن «تركيا تستغل اليوم الفراغات الأمنية وتفتت الجيش السوري على جبهات عدة، وتغاضيه عن الجبهة الشمالية التي تُركت للأكراد الانفصاليين، لإحراز تقدّم ميداني كبير». وإن كان جيش النظام السوري يعي أيضًا حجم التحدي، كما كشفته معارك الحسكة والصدام الحاصل مع العناصر الكردية هناك، وما أعقبه من تهديد أميركي بفرض منطقة حظر للطيران السوري بحجة وجود قوات أميركية هناك.
يأتي ذلك في ظل استمرار الخلافات بين واشنطن وموسكو بشأن التعاون العسكري ووقف العمليات القتالية في سوريا، وأضيفت إليها أخيرًا أيضا الخلافات بينهما بشأن مفاوضات الحل السياسي التي أعلنت موسكو أنها أرجئت إلى أجل غير مسمى، بينما قالت واشنطن إنه لا يمكن تعطيلها بسبب محاولات الإبقاء على الأسد.
أهمية «المنطقة الآمنة»
لا تنبع أهمية «المنطقة الآمنة» في شمال سوريا التي تطالب تركيا بها منذ سنتين دون استجابة حقيقة من الأطراف الدولية وحلفاء الغرب و«ناتو» فقط من كونها حماية لتركيا من تهديدات «داعش» والحزام الكردي. لكن من وجهة نظر الخبراء، فإن الطريقة الأكثر فعالية لمراقبة محور جرابلس – أعزاز هي ضمان ملء الجانب السوري بـ«القوات الصديقة» لتركيا، أو على الأقل تلك المناهضة لتنظيم داعش. ومن أهمهم من تركمان سوريا الذين يرتبطون عرقيًا بتركيا، وتتولى أنقرة تدريبهم بصفتهم قوة قتالية في شمال غربي سوريا، وكذلك العرب السنة.
ويمكن لهذه المنطقة أن تخدم أغراضا متعددة، مثل توفير المزيد من الأمن الشخصي للفارين من نظام الأسد أو «داعش»، كما تشكل منطقة انطلاق استراتيجية للقوات المناهضة للأسد، ومنطقة استيعاب للحد من تدفق اللاجئين إلى تركيا، ومن ثم إلى أوروبا.
وخلال الأشهر الأخيرة، ومع انطلاق عملية «درع الفرات» أيضًا، حدث نوع من التراجع غير المعلن عن الرفض الشديد لفكرة إقامة «منطقة آمنة» في شمال سوريا على حدود تركيا، وتُرك لتركيا بعض الحرية في تأسيسها كـ«أمر واقع» بسبب شعور البلدان الأوروبية بالضغط المتزايد بسبب اللاجئين السوريين الوافدين إليها.
ويمكن لهذه المنطقة، بالإضافة إلى ما سبق، أن تشكل «نقطة اعتراض» تمنع نقل الموارد إلى تنظيم داعش، وبالتالي إضعافه. وأن تسمح لتركيا بعرقلة حركة انتقال أعضائه إلى أراضيها من أجل استهداف مواردها الاقتصادية مثل السياحة.
وأخيرًا، من شأن إقامة هذه المنطقة الإثبات للشعب التركي والدول الحليفة، من وجهة نظر الخبراء، جدية تركيا في إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش حتى في الوقت الذي تواصل أنقرة سعيها إلى اتخاذ إجراءات أقوى ضد نظام الأسد.

