غاية تركيا من «درع الفرات» في شمال سوريا

«المنطقة الآمنة» وقطع الصلة بين مناطق الكثافة السكانية الكردية رأس أولوياتها

غاية تركيا من «درع الفرات» في شمال سوريا
TT

غاية تركيا من «درع الفرات» في شمال سوريا

غاية تركيا من «درع الفرات» في شمال سوريا

ترى أنقرة في ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» التي تحظى بدعم قوي ومباشر من الولايات المتحدة تهديدا للأمن القومي التركي؛ وذلك بحكم أن ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية تشكل عمودها الفقري. ولقد تمكنت عملية «درع الفرات» التي أطلقتها السلطات التركية من تطهير نحو 1400 كيلومتر مربع من مساحة 5 آلاف كيلومتر مربع، بعمق 20 كيلومترا، داخل سوريا؛ بما يعني أن العملية ستستمر في التوغل بعمق 25 كيلومترا بعدما تم تأمين المنطقة طوليًا من مدينة جرابلس إلى مدينة أعزاز. ومنذ بعض الوقت، رأى نفر المحللين أن هدف تركيا من عملية «درع الفرات» لم يكن «داعش» بقدر ما هو قطع الطريق على الأكراد؛ كي لا يكون هناك أي تواصل بين «جيب» عفرين ومناطق الكثافة السكانية الكردية في شمال سوريا وشمال شرقها.
فجر 24 أغسطس (آب) الماضي أطلقت تركيا عملية «درع الفرات» التي تدعم فيها عناصر من قوات المهام الخاصة في الجيش التركي مقاتلين من «الجيش السوري الحر» بتنسيق مع قوات التحالف الدولي ضد «داعش» بقيادة الولايات المتحدة.
في البداية، أعلنت تركيا أن هدفها هو حماية حدودها من تنظيم داعش الإرهابي بعدما نسبت إليه أنقرة مسؤولية الاعتداء المسلح على حفل زفاف في مدينة غازي عنتاب قرب الحدود السورية في 21 من الشهر نفسه، أي قبل إطلاق عملية «درع الفرات» بثلاثة أيام. ومع تطور العملية عدّلت تركيا أهدافها لتشمل «داعش» وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وذراعه العسكرية ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية الحليفة لأميركا في القتال ضد «داعش»، التي تعتبرها أنقرة تنظيما إرهابيا وامتدادا لحزب العمال الكردستاني.
وواقع الأمر، أن تركيا تخشى من تشكيل «حزام كردي» على طول حدودها الجنوبية يلتحم مع إقليم «كردستان العراق»، ومن ثم يغري الأكراد في جنوب شرقي تركيا على الانفصال وإعلان «كردستان الكبرى» على أراض مأخوذة من كيانات العراق وسوريا وتركيا وإيران الحالية.
واليوم، ترى أنقرة في ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» تهديدا للأمن القومي التركي بحكم أن «وحدات حماية الشعب» الكردية تشكل العمود الفقري فيها، وما يعنيه ذلك من مخاوف للأتراك من أن يقيم الأكراد وطنًا قوميًا خالصًا لهم على الحدود التركية.

معركة الباب
دخلت القوات التركية مع عناصر «الجيش السوري الحر»، التي دربتها تركيا من قبل في غازي عنتاب، إلى جرابلس الواقعة على نهر الفرات في ريف محافظة حلب الشمالي الشرقي. وتقدمت عملية «درع الفرات» بسرعة كبيرة في جرابلس على حساب «داعش». إلا أنه سرعان ما بدا من سير المعركة أن الهدف لم يقتصر على «داعش»؛ إذ حقق «الجيش السوري الحر» خلال المرحلة الأولى من المعركة تقدمًا كبيرًا على حساب «قوات سوريا الديمقراطية» التي كانت قد احتلت مناطق عدة بشمال غربي سوريا أكثر منه على حساب «داعش». ولكن في المرحلة الثانية من المعركة، وتحديدًا في أواخر أغسطس الماضي، تأكد أن معظم المساحات التي سيطر عليها «الجيش الحر» كان يحتلها التنظيم الإرهابي المتطرف. ومن ثم تمكن من وصل مدينتي جرابلس والراعي إحداهما بالأخرى بعد سيطرته على جميع القرى الممتدة على الحدود مع تركيا بطول 90 كيلومترا من جرابلس إلى أعزاز. ومنذ الثالث من سبتمبر (أيلول) الماضي انطلقت المرحلة الثالثة من العملية بهدف السيطرة على مدينة الباب وريفها بعد سقوط دابق، ذات القيمة الرمزية الكبيرة لـ«داعش» في يد «الجيش الحر». وللمرة الأولى خلال هذه المرحلة استهدف الطيران الحربي التركي مواقع لميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية؛ ما دفع النظام السوري إلى تحذير تركيا باستهداف طائراتها.
بعد ذلك، جرى استهداف مدينة الباب (شمال شرقي مدينة حلب) وريفها، انطلاقًا من محوري جرابلس والراعي. ويسعى «الجيش السوري الحر»، بحسب أحمد عثمان، قائد «لواء السلطان مراد» المدعوم من تركيا، لمواصلة التقدم إلى أن يصبح على تماس مع قوات النظام المتمركزة في محيط بلدة كويرس ومطار كويرس بريف حلب الشرقي، لافتا إلى أنه «لم ولن يتم إسقاط ما تسمى (قوات سوريا الديمقراطية) من حساب معركة درع الفرات، ونحن نطلب من تلك القوات الانسحاب إلى شرق نهر الفرات دون استخدام السلاح».
وحتى اللحظة لا تزال المرحلة الثالثة من عملية «درع الفرات» تعمل على محاور منبج والباب وشرقي بلدة مارع. ويتوقع أن تشهد الفترة المقبلة انسحابًا متسارعًا لتنظيم داعش ليتلافى عملية حصاره، مع أن المرحلة الثالثة تسير بوتيرة أبطأ من سابقتيها في حين تستمر التحضيرات لعملية تحرير مدينة الرقّة، معقل «داعش» الرئيس في شمال سوريا.

أهداف تركيا
بعد نحو الشهر من إطلاق عملية «درع الفرات» قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان: إن هدف تركيا هو إقامة «منطقة آمنة» على مساحة 5 آلاف متر مربع في شمال سوريا. ومعلوم أن الحديث كان منذ البداية يجري عن «المنطقة الآمنة» على استحياء بسبب الرفض المسبق من حلفاء تركيا في الغرب وحلف شمال الأطلسي «ناتو»، وحتى روسيا أيضًا، لكن مع انطلاق «درع الفرات» بدا أن الهدف هو بناء هذه «المنطقة» وتسليمها لقوات موالية لأنقرة. وكذلك إعادة سكان المناطق الجاري تطهيرها من «داعش» والميليشيات الكردية على السواء إلى مناطقهم.
في هذا الصدد، لفت المحلل السياسي التركي بكير أتاجان إلى أن تركيا «تبدو مصممة على الاستمرار في عملية درع الفرات حتى تحقيق المنطقة الآمنة في الشمال السوري، التي تمتد على طول 89 كيلومترا وبعمق 45 كيلومترا». وهذه المنطقة، حسب أتاجان، مرتبطة بأمن تركيا القومي، «ويردد القادة الأتراك في كل مناسبة إعلامية أنهم ماضون باتجاه تحقيقها».
وبالفعل، حتى الآن، وفق بيانات رئاسة هيئة أركان الجيش التركي، تمكنت عملية «درع الفرات» من تطهير نحو 1400 كيلومتر مربع من المساحة المطلوبة 5 آلاف كيلومتر مربع، بعمق 20 كيلومترا؛ بما يعني أن العملية ستستمر في التوغل بعمق 25 كيلومترا إضافية بعد تأمين المنطقة طوليا من جرابلس إلى أعزاز.
ووفق خبراء استراتيجيين تتحدد أولويات تركيا في شمال غربي سوريا اليوم بأولويتين، هما:
- تعزيز الدعم الذي تقدمه للمعارضة السورية المعتدلة التي تؤيدها لمنع وضعها تحت الضغط نتيجة الهجوم الأخير لقوات نظام الأسد وللضربات الجوية الروسية.
- منع ميليشيا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي «وحدات حماية الشعب» الكردية المتحالفة مع حزب العمال الكردستاني، الذي تحاربه تركيا حاليا، من ربط «جيب» عفرين الذي يقع شمال غربي سوريا إلى الغرب من أعزاز، بالمناطق الأخرى التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي في شمال سوريا. وفيما يتعلق بهذه النقطة، تريد أنقرة إعاقة تشكيل «حزام كردي» مكوّن من حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني يمتد على طول حدودها الجنوبية.
وبطبيعة الحال، تضاف إلى الأولويتين الآنفتي الذكر أولوية ثالثة، هي القضاء على «داعش» في سوريا.
جدير بالذكر، أن الأراضي الواقعة في شمال غربي سوريا، وبالذات في حزام أعزاز، جرابلس من الأراضي الأثمن في البلاد، فضلاً عن كونها من الناحية الاستراتيجية «بوابة» مدينة حلب، كبرى مدن سوريا قبل الحرب الأهلية، ولا بد من تأمينها في الحرب. وراهنًا، هذه المنطقة موضع صراع ما بين «وحدات حماية الشعب» الكردية وقوات نظام الأسد المدعومة من روسيا، و«جبهة فتح الشام» (النصرة سابقا) التابعة لتنظيم القاعدة، وتنظيم داعش، إضافة إلى فصائل المعارضة السورية المدعومة من تركيا.

منبج.. وعفرين
يشكل وجود نحو 200 من عناصر الميليشيات الكردية في منبج «نقطة توتر» بين أنقرة وواشنطن، ولقد صعّدت أنقرة من لهجتها ضد حليفتها واشنطن، واتهمتها على لسان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بأنها لا ترغب في دفع هذه العناصر الكردية إلى شرق الفرات كما كانت قد وعدت بذلك من قبل. وتابع، بلهجة تحذير، أنه «إذا لم تكن أميركا قادرة على إخراج هذه العناصر من منبج فإننا نعرف كيف نخرجهم».
وجاء هذا الكلام التحذيري بعد سلسلة تصريحات من الرئيس التركي إردوغان، ورئيس الوزراء بن علي يلدريم، ومسؤولين آخرين في حكومته، مؤداه أن واشنطن لم تف بوعودها بإخراج العناصر الكردية من منبج إلى شرق الفرات. كذلك، قال جاويش أوغلو منذ أيام قليلة إن الجيش التركي سيقدم الدعم لـ«الجيش السوري الحر» لتطهير مدينة منبج من هذه العناصر.
من جهة ثانية، تشكل مدينة عفرين، الواقعة في أقصى الزاوية الشمالية الغربية من الحدود السورية – التركية، التي سيطرت عليها «وحدات حماية الشعب» الكردية، هدفًا أساسيا من أهداف تركيا في عملية «درع الفرات»؛ لأن عزل «جيب» عفرين ثم ووضعه تحت سيطرة «الجيش الحر» سيكفلان تمامًا قطع الصلة بين مناطق الكثافة الكردية المتاخمة للجنوب التركي.
ونظرًا لأهمية عفرين بالنسبة للخطط التركية؛ فقد قصفها الجيش التركي مرارًا في فبراير (شباط) ومايو (أيار) الماضيين بالمدفعية الثقيلة والصواريخ، مع إصرار أنقرة على رفض أي وجود كردي مسلح غربي نهر الفرات.
هذا، ويعتقد بعض المحللين المنتقدين لسياسة أنقرة أن غاية إردوغان من عملية «درع الفرات» لم تكن في الأساس ضد «داعش». ويشددون على أن هدفها هو قطع الطريق على الأكراد كي لا يكون هناك أي تواصل بين كتلة أكراد محافظة الحسكة و«جيب» عفرين، وبالتالي لمنع قيام كيان كردي كبير ومتواصل في شمال سوريا.
في المقابل، حدّدت ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» ذات الغالبية الكردية بعد ضرب مسلحي «داعش» في منبج، مدينة الباب هدفها التالي، والوصول بعد ذلك إلى «الجيب» الكردي في عفرين. وهذا أيضًا يعني أن الغاية الأساسية لهذه الميليشيا إنما هي إنشاء «حزام كردي» على امتداد الحدود التركية - السورية، وقطع الاتصال بين تركيا وبلدات التركمان وقراهم في سوريا، وليس قتال «داعش». وهذا الأمر بالذات، أي عزل بلدات التركمان السوريين وقراهم عن تركيا، أجبر أنقرة على إطلاق عملية «درع الفرات» في جرابلس، ثم جنوبا نحو مدينة الباب التي ما زال «داعش» يسيطر عليها وعلى ضواحيها لمنع وصل أكراد الشمال الشرقي بأكراد الشمال الغربي لسوريا.

عملية الرقّة
على صعيد آخر، في الوقت الذي تسعى تركيا للسيطرة على مدينة الباب تتابعت تصريحات المسؤولين عن تحرير مدينة الرقّة، وهي تتراوح تارة ما بين الحديث عن دخول «درع الفرات» الرقّة بعد الباب كما أعلن ذلك الرئيس إردوغان، وكلام مسؤولين أتراك آخرين حول استمرار اللقاءات والمباحثات مع واشنطن حول «المشاركة في تحرير» الرقّة.
أنقرة تتمسّك بشرط أساسي هنا، هو ضرورة ألا تشارك الميليشيات الكردية في عملية تحرير الرقّة بعد انتهاء معركة تحرير الباب؛ وذلك لأن سيطرة قوات «درع الفرات» على الباب سيضمن قطع الصلة بين المناطق التي تسيطر عليها ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية»، الكردية واقعيًا، في الشمال السوري. ولكن في الوقت نفسه، أعلنت «قوات سوريا الديمقراطية» أنها اتفقت مع واشنطن على المشاركة في عملية الرقّة، وعلى أن تركيا لن تشارك في هذه العملية.
ووسط هذا اللغط ادعى وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر، أن «اللقاءات ما زالت مستمرة» مع تركيا بوصفها حليفا لواشنطن حول الدور الذي يمكنها القيام به في عملية تحرير الرقّة. وفي هذا الإطار، حسب مصادر تركية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن تركيا جهزت عناصر من القوات العربية في الرقّة للمشاركة في تحريرها بهدف تعزيز قوات «الجيش السوري الحر» في عملية «درع الفرات»، وأن هذه العناصر ستبقى في المدينة بعد تحريرها.

تركيا وحلب
في هذه الأثناء، حددت تركيا أهدافها في «المنطقة الآمنة» التي تخطط لإعادة السوريين إليها خلال سنتين بعد بناء مساكن مزوّدة بالمرافق والخدمات الصحية والتعليمية. وأوضحت أنها لا تهدف إلى دخول مدينة حلب، وجاء ذلك بوضوح تام على لسان الرئيس إردوغان خلال الأسبوع الماضي عندما قال: «عملية درع الفرات لن تدخل إلى حلب، وأن حلب لأهل حلب». ومفهوم أن إردوغان قصد من هذا التصريح تهدئة موسكو التي أبدت اعتراضات على إعلان تركيا التقدم بعملية «درع الفرات» إلى الباب ثم الرقّة، من منطلق أن وضع قوات «الجيش الحر» في هذه المناطق سيؤثر بالسلب في دفاعات «حليف موسكو» النظام السوري في حلب. وتدعم أنقرة جهود وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية للمحاصرين في المدينة وتجري اتصالات مع موسكو في هذا الصدد.

تركيا.. والدور الجديد
وفي تعليق للخبير السياسي التركي مصطفى أوغلو حول أسباب تحرك تركيا بعد 5 سنوات من الأزمة في سوريا للتدخل بقواتها، رأى أن تركيا «تسعى للعب دور جديد في المنطقة؛ ولذلك فإن التدخل العسكري جاء ضمن معطيات جديدة على الأرض تختلف عن السابق. إن تركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، تختلف عن تركيا ما قبلها؛ إذ إن السياسة التركية الحالية تخلصت من معارضة الجيش لأي تدخّل عسكري في سوريا، وهو الذي كان يحد من إمكانية التدخّل في السابق».
ورأى أوغلو أن من أسباب تحرّك تركيا للتدخل في هذا الوقت بالذات هو «اعتقادها بأن هناك حلولاً تلوح في الأفق، وهو ما ظهر في تصريحات القيادة التركية أخيرًا، وبالتالي، تخشى تركيا من أي محاولة لفرض حالة أمر واقع يتعلق بالأكراد في شمال سوريا؛ ما يدفعها إلى التدخل السريع لضمان مصلحتها العسكرية».
وكان الرئيس التركي قد أكّد حقًا بعد انطلاق عملية «درع الفرات» أن بلاده تتمسّك بالحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وأنها ستتولى الأمر بنفسها إذا اقتضى الأمر لحماية وحدة أراضي سوريا، وأن تركيا لا تريد سوى مساعدة شعب سوريا وليست لها نوايا أخرى. كذلك، أكد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أن تركيا لن تقبل بتشكيل كيان كردي جديد داخل سوريا، وأنه يتعين الحفاظ على سلامة الأراضي السورية.

حائط الصد الأميركي
من ناحية ثانية، تستند تركيا في تحرّكها ضد أكراد سوريا إلى «اتفاقية أضنة» الأمنية الموقّعة مع سوريا عام 1998، التي تسمح لتركيا بالتحرك داخل الحدود السورية من أجل محاربة أي نشاطات لحزب العمال الكردستاني.
في المقابل، يعتقد الأكراد الانفصاليون في سوريا أن واشنطن ستمارس ضغوطًا على أنقرة لمنعها من التمدد داخل سوريا، وقد تسمح لها بمساحة محدودة فقط من أجل ضمان أمن المقاتلين الأتراك فقط. وهنا يشير مراقبون إلى الموقف الأميركي المُلتبس من مشاركة تركيا في عملية تحرير الرقّة، والإصرار على إشراك «وحدات حماية الشعب» الكردية فيها، كتأكيد على أن واشنطن لن تترك لتركيا حرية التقدم كيفما شاءت في سوريا.
وفي هذا الصدد، يقول محللون إن «تركيا تستغل اليوم الفراغات الأمنية وتفتت الجيش السوري على جبهات عدة، وتغاضيه عن الجبهة الشمالية التي تُركت للأكراد الانفصاليين، لإحراز تقدّم ميداني كبير». وإن كان جيش النظام السوري يعي أيضًا حجم التحدي، كما كشفته معارك الحسكة والصدام الحاصل مع العناصر الكردية هناك، وما أعقبه من تهديد أميركي بفرض منطقة حظر للطيران السوري بحجة وجود قوات أميركية هناك.
يأتي ذلك في ظل استمرار الخلافات بين واشنطن وموسكو بشأن التعاون العسكري ووقف العمليات القتالية في سوريا، وأضيفت إليها أخيرًا أيضا الخلافات بينهما بشأن مفاوضات الحل السياسي التي أعلنت موسكو أنها أرجئت إلى أجل غير مسمى، بينما قالت واشنطن إنه لا يمكن تعطيلها بسبب محاولات الإبقاء على الأسد.

أهمية «المنطقة الآمنة»
لا تنبع أهمية «المنطقة الآمنة» في شمال سوريا التي تطالب تركيا بها منذ سنتين دون استجابة حقيقة من الأطراف الدولية وحلفاء الغرب و«ناتو» فقط من كونها حماية لتركيا من تهديدات «داعش» والحزام الكردي. لكن من وجهة نظر الخبراء، فإن الطريقة الأكثر فعالية لمراقبة محور جرابلس – أعزاز هي ضمان ملء الجانب السوري بـ«القوات الصديقة» لتركيا، أو على الأقل تلك المناهضة لتنظيم داعش. ومن أهمهم من تركمان سوريا الذين يرتبطون عرقيًا بتركيا، وتتولى أنقرة تدريبهم بصفتهم قوة قتالية في شمال غربي سوريا، وكذلك العرب السنة.
ويمكن لهذه المنطقة أن تخدم أغراضا متعددة، مثل توفير المزيد من الأمن الشخصي للفارين من نظام الأسد أو «داعش»، كما تشكل منطقة انطلاق استراتيجية للقوات المناهضة للأسد، ومنطقة استيعاب للحد من تدفق اللاجئين إلى تركيا، ومن ثم إلى أوروبا.
وخلال الأشهر الأخيرة، ومع انطلاق عملية «درع الفرات» أيضًا، حدث نوع من التراجع غير المعلن عن الرفض الشديد لفكرة إقامة «منطقة آمنة» في شمال سوريا على حدود تركيا، وتُرك لتركيا بعض الحرية في تأسيسها كـ«أمر واقع» بسبب شعور البلدان الأوروبية بالضغط المتزايد بسبب اللاجئين السوريين الوافدين إليها.
ويمكن لهذه المنطقة، بالإضافة إلى ما سبق، أن تشكل «نقطة اعتراض» تمنع نقل الموارد إلى تنظيم داعش، وبالتالي إضعافه. وأن تسمح لتركيا بعرقلة حركة انتقال أعضائه إلى أراضيها من أجل استهداف مواردها الاقتصادية مثل السياحة.
وأخيرًا، من شأن إقامة هذه المنطقة الإثبات للشعب التركي والدول الحليفة، من وجهة نظر الخبراء، جدية تركيا في إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش حتى في الوقت الذي تواصل أنقرة سعيها إلى اتخاذ إجراءات أقوى ضد نظام الأسد.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.