الناخب الأميركي محبط من الحملات الانتخابية

وصفت بالقبيحة.. وستلقي بظلالها على ولاية الرئيس الجديد

ناخبو هيلاري كلينتون في فعالية انتخابية بنورث كارولينا أول من أمس («واشنطن بوست»)
ناخبو هيلاري كلينتون في فعالية انتخابية بنورث كارولينا أول من أمس («واشنطن بوست»)
TT

الناخب الأميركي محبط من الحملات الانتخابية

ناخبو هيلاري كلينتون في فعالية انتخابية بنورث كارولينا أول من أمس («واشنطن بوست»)
ناخبو هيلاري كلينتون في فعالية انتخابية بنورث كارولينا أول من أمس («واشنطن بوست»)

تشعر الأغلبية العظمى من الناخبين الأميركيين بالاشمئزاز حيال السياسات الأميركية الحالية، ويشكك كثير منهم في إمكانية أي من مرشحي الحزبين الكبيرين لإعادة توحيد كلمة البلاد بعد حملة الانتخابات الرئاسية القبيحة، التي لم يشهد تاريخ البلاد مثيلا لها من قبل، وذلك وفقا لآخر استطلاع رأي أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» وشبكة «سي بي إس» الإخبارية، قبل الانتخابات الرئاسية.
وفي استعراض قاتم لمشاعر الاستياء الواضحة، والتي قد تلقي بظلالها على بداية ولاية الرئيس الأميركي الجديد، يعتقد أغلبية الناخبين من المشاركين في استطلاع الرأي، أن هيلاري كلينتون ودونالد ترامب من غير المرجح لهما النجاح في توحيد كلمة البلاد، بعد موسم الانتخابات المرير والسيئ للغاية.
حيث قال 8 من كل 10 ناخبين، إن الحملة الانتخابية تركتهم مرتبكين، بدلا من أن يكونوا متحمسين، والعداء الشديد والمتصاعد بين الحزبين أصبح يهدد المرشح المنتصر في نهاية المطاف. ويصف الناخبون هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي ودونالد ترامب مرشح الحزب الجمهوري، بأنهما غير أمينين وغير شريفين، وغير مرغوب فيهما من جانب أغلبية الناخبين.
وعلى الرغم من أن نقاط تقدمها قد ضاقت منذ منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، فإن كلينتون لا تزال تتمتع بميزة في استطلاع الرأي، بسبب شعبيتها العالية بين النساء والناخبين من غير البيض. فهي تتمتع بدعم وتأييد 45 في المائة من الناخبين المحتملين، بينما يحظى السيد ترامب بتأييد 42 في المائة منهم فقط. وتراجع غاري جونسون، المرشح الليبرالي، إلى نسبة 5 في المائة فقط، وحققت جيل شتاين، مرشحة حزب الخضر نسبة 4 في المائة فقط.
وإذا فازت كلينتون، فسوف تدخل إلى البيت الأبيض لتواجه تحديات حكومية عاجلة، ليست فقط من جانب الشريحة الحزبية العميقة الحاكمة في واشنطن، ولكن من جانب عدد كبير من مؤيدي ترامب أيضا، الذين يقولون إنهم غير مستعدين لقبول نتائج الانتخابات.
وبعد أسابيع من اتهامات ترامب بحدوث تلاعب في الانتخابات، فإن كل 6 من أصل 10 من أنصاره يقولون إنهم سوف يقبلون النتائج ويعتبرونها مشروعة إذا ما خسر في الانتخابات. وأكثر من ربع أنصار ترامب يقولون إنهم من غير المرجح أن يتقبلوا نتائج الانتخابات، إذا أعلن عن فوز كلينتون. وهناك 40 في المائة منهم يقولون إنهم لديهم ثقة قليلة أو منعدمة في حساب أصوات الناخبين الأميركيين بطريقة منصفة.
والغضب الجمهوري غير موجه نحو كلينتون بمفردها أو ضد العملية الانتخابية فحسب. حيث يقول أكبر عدد من الناخبين الجمهوريين إن ترشح ترامب كان من سوء حظ الحزب الكبير بقدر ما كانوا يعتقدون أن حملته الانتخابية كانت إيجابية بالنسبة لصالح الحزب الجمهوري في أول الأمر، وهي حالة الانقسام الاستثنائية حول حامل لواء الحزب في عشية الانتخابات الرئاسية.
وفي خضم التوقعات بأن يواجه الجمهوريون احتمال الخسارة الرئاسية الثالثة على التوالي، فإن الناخبين الجمهوريين يقرون وبأغلبية ساحقة بأن الحزب يعاني بالفعل من الانقسامات: 85 في المائة من الناخبين الجمهوريين قالوا إن الحزب منقسم على نفسه، و14 في المائة فقط قالوا إن الحزب متحد.
ولكن الجمهوريين لم يفلحوا في الاتفاق حتى على تحديد المسؤول عن ذلك الانقسام، ولذلك فإنهم يعتقدون وإلى حد كبير أن ترامب كان السبب في ذلك الانقسام، وفقا لبعض المقابلات الشخصية اللاحقة.
وقالت شيلا فاغنر (79 عاما) وهي ناخبة مؤيدة للحزب الجمهوري من مدينة ريدموند بولاية واشنطن: «أعتقد أن دونالد ترامب قد نجح تماما في تقسيم الحزب»، وقالت عن ذلك: «عندما أعلن عن ترشحه في الانتخابات للمرة الأولى، اعتقدت أنها مزحة من جانبه. ولم أصدق أبدا أن هناك من يحبونه أو يفضلونه». ومع ذلك فهناك جمهوريون آخرون يشيرون بأصابع الاتهام إلى الجمهوريين الذين رفضوا دعم ترامب.
وتقول نورا راينهارت (66 عاما)، وهي مزارعة من مدينة هولت بولاية ميسوري: «إن المدرسة القديمة، وخصوصا آل بوش، والناس الذين كانوا هناك في الحزب منذ فترات طويلة، لا يؤيدون ترامب، ويخلق هذا الموقف الانقسام الرهيب. وبعض الجمهوريين، وبسبب التصريحات التي أدلى بها ترامب، والتي أقول إنها غير مألوفة وغير صحيحة من الناحية السياسية، وجدوا أنهم ليس بإمكانهم تأييده، رغم اعتقادي أن هؤلاء الناس يجمعون آراءهم حول هذه النقطة». وأضافت أنها كانت تؤيد ترامب بسبب أنها كانت توافق على مواقفه السياسية.
وبصرف النظر عن أسبابهم، وعلى الرغم من الكثيرين الذين يعتقدون أن ترامب أضر بالحزب كثيرا، فإن أكثر من 8 من أصل كل 10 ناخبين يؤيدون خطى مرشحهم الجمهوري.
أجري استطلاع الرأي الهاتفي مع 1333 مواطنا من الناخبين المسجلين بين 28 أكتوبر وحتى الأول من نوفمبر (تشرين الثاني)، عبر الهواتف الخلوية والخطوط الأرضية. وهامش الخطأ في العينة هو زائد أو ناقص 3 نقاط مئوية للناخبين كافة.
أكثر من 22 مليون مواطن أميركي قد أدلوا بأصواتهم بالفعل عندما أجري استطلاع الرأي، وتقريبا واحد من كل 5 ناخبين من المشاركين قالوا إنهم قد صوتوا بالفعل.
وأظهر متوسط استطلاع الرأي الوطني ارتفاعا في تأييد كلينتون في منتصف أكتوبر، بعد الإفراج عن تسجيل صوتي من برنامج «الوصول إلى هوليوود» من عام 2005، والذي تحدث فيه ترامب بصورة فجة عن المرأة. كما ظهرت نساء من ماضيه خلال الأسابيع التالية يوجهن إليه الاتهامات بالتحرش الجنسي القسري، مما أدى إلى هبوط ملحوظ في مستويات تأييده.
ولكن بعد أسابيع قليلة عاصفة، تعافت مستويات التأييد بين أنصار ترامب، فهناك 52 في المائة الآن يقولون إنهم متحمسون للغاية للتصويت له. واستقرت مستويات التأييد لكلينتون منذ سبتمبر الماضي عند نسبة 47 في المائة من الناخبين، الذين يقولون إنهم متحمسون للغاية للتصويت لأجلها.
وتتميز كلينتون بـ14 نقطة متقدمة عن منافسها بين جموع النساء الناخبات، بينما يتقدم ترامب بين جموع الرجال الناخبين بـ11 نقطة متقدمة فقط. وتساوت النقاط الخاصة بالنساء البيض اللاتي أيدن المرشحين الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية الثلاثة الماضية.
كما أن هناك انقسام طبقي واسع النطاق، حيث حصلت كلينتون على تأييد 48 في المائة من البيض من أصحاب المؤهلات العليا – وهي الشريحة الناخبة التي كانت تصوت للمرشح الجمهوري في انتخابات الرئاسة على الدوام – بينما يؤيد ترامب منهم نسبة 41 في المائة فقط. ولكن ترامب حصل على نسبة 55 في المائة من الناخبين البيض من غير حملة المؤهلات العليا، في حين أن كلينتون حصلت على نسبة تأييد بلغت 30 في المائة فقط من نفس الفئة من الناخبين. وتقول أغلبية الناخبين إن دونالد ترامب غير مؤهل بصورة كافية لتولي منصب رئيس البلاد، وإنه يفتقر إلى المزاج المناسب والمطلوب للخدمة في هذا المنصب الحساس.
* خدمة «نيويورك تايمز»



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended