دراسة خليجية: الإعدامات في إيران مقننة بفتوى الخميني.. وآلية لحماية النظام

أكدت أن دوامتها مستمرة منذ الخميني.. وتوقعت زيادة وتيرتها في عهد روحاني دون اكتراث للأصوات الدولية

عناصر في الأمن الإيراني يعدون حبال المشانق قبل ساعات من تنفيذ إعدامات جماعية على الملأ في مارس 2012 (وكالة إيرنا)
عناصر في الأمن الإيراني يعدون حبال المشانق قبل ساعات من تنفيذ إعدامات جماعية على الملأ في مارس 2012 (وكالة إيرنا)
TT

دراسة خليجية: الإعدامات في إيران مقننة بفتوى الخميني.. وآلية لحماية النظام

عناصر في الأمن الإيراني يعدون حبال المشانق قبل ساعات من تنفيذ إعدامات جماعية على الملأ في مارس 2012 (وكالة إيرنا)
عناصر في الأمن الإيراني يعدون حبال المشانق قبل ساعات من تنفيذ إعدامات جماعية على الملأ في مارس 2012 (وكالة إيرنا)

رصدت دراسة خليجية جديدة، بالأرقام والإحصائيات، مسار الإعدامات السياسية الممنهجة في إيران منذ سيطرة الخميني على مقاليد الحكم في طهران عام 1979، وحتى الوقت الحالي، مشيرة إلى أن «النظام الديكتاتوري الإيراني» الذي وضع أساسه الخميني علق المشانق لأبناء الشعوب المضطهدة، وحاول توظفيه للتخلص من أتباع الأفكار اليسارية المنافسة له في السلطة السياسية. وأشارت الدراسة، التي أعدها باحث بمركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية، إلى أن دوامة الإعدامات مستمرة وبلا هوادة طيلة 37 عاما هي عمر ثورتها. وركزت الدراسة على ضحايا الإعدامات السياسية بتهم ثلاث هي «محاربة الإسلام والعمل ضدّ الأمن القومي والفساد في الأرض»، حجة لتصفية المعارضين السياسيين.
ومع زيادة التكهنات حول وصول الرئيس حسن روحاني إلى فترة رئاسية ثانية، فإن الدراسة توقعت أن يحافظ مؤشر الإعدامات على تصاعده، نظرا لكون المقرر وصاحب اليد الطولى في النظام الإيراني هو المرشد لا الرئيس، وتتوقع أيضا ارتفاع الإعدامات في صفوف أهل السنة دون الاكتراث بالاحتجاجات الدولية والداخلية.
قالت الدراسة، التي أعدها الباحث بالمركز دكتور عبد الرؤوف مصطفى جلال حسن، إن النِّظام السياسي الحاكم في إيران، يسعى منذ عام قيام ثورة الخميني 1979، للحفاظ على ذاته وتوجهاته داخليًّا وخارجيًّا من خلال حزمة من الوسائل والآليات، من بينها سياسة «الاعتقالات والإعدامات» بحقّ المعارضين والسجناء السياسيين من الذين يرى فيهم النِّظام الثيوقراطي تهديدًا مباشرا لبقائه واستمراره، مبررًا ذلك بمحاربته مؤيدي الإمبريالية وقوى الاستكبار العالمي وأنصار النِّظام الإيراني السابق للثورة بقيادة الشاه محمد رضا بهلوي، وبتهم أخرى منها محاربة الله والعمل ضدّ الأمن القومي والفساد في الأرض.
وبمجيء عقد الثمانينات من القرن الماضي، الذي شهد توطيد أركان النِّظام الجديد، حتى دخل في مرحلته الثانية، باندلاع الصراع بين حلفاء الأمس، وقيام قادة النِّظام الجديد للوالي الفقيه ومراجع الشِّيعَة بتحديد المعارضين والخصوم السياسيين المناوئين للنِّظام وأفكاره وتوجهاته الجديدة، ومنهم نشطاء «مجاهدين خلق»، وعرب الأحواز والبلوش والأكراد، فضلاً عن البهائيين، لتبدأ موجات من النفي والتضييق والاعتقالات والإعدامات بحقّ كل هذه الجماعات، لإيمانهم بآيديولوجيات وأفكار مغايرة لا تتَّسق مع آيديولوجيا الولي الفقيه، مما يمثِّل عقبة كؤودًا في طريق تنفيذ النِّظام رؤيته ومخطَّطاته في الداخل والخارج، وذلك على النحو التالي:

«مجاهدين خلق»
أصدر الخُميني فتواه عام 1988 لإضفاء البعد الشرعي على عمليات الإعدامات التي طالت مجاهدين خلق المعارضة، في رسالته الشهيرة التي جاء فيها: «أعضاء (مجاهدين خلق) يحاربون الله، واليساريون مرتدُّون عن الإسلام، وأعضاء المنظَّمة لا يعتقدون في الإسلام بل يتظاهرون به، ومِن ثَمَّ فنظرا إلى شَنّ منظَّمتهم الحرب العسكرية على الحدود الشمالية والغربية والجنوبية لإيران، وتعاونهم مع الرئيس العراقي (الأسبق) صدام حسين في الحرب العراقية - الإيرانية (1980 - 1988)، والتجسُّس ضدّ إيران، ولصلتهم مع القوى الغربية للمطالبة بالاستقلال؛ فإن جميع أعضاء المنظَّمة مشمولون باعتبارهم مقاتلين أعداءً، ونحتاج إلى تنفيذ أحكام الإعدام بشأنهم».
وقد استند القضاء الإيراني إلى تلك الفتوى في أحكام السجن والإعدامات بحقّ السجناء السياسيين البالغ عددهم وفقًا لمنظَّمة «مجاهدين خلق» 30 ألفًا غالبيتهم من المنظَّمة، وممن يصفهم النِّظام بالمعارضين، وهو ما كشف عنه تسجيل صوتي مدته 40 دقيقة نُشر في أغسطس (آب) 2016 على الموقع الرسمي للمرجع آية الله حسين علي منتظري نائب المرشد السابق يوثِّق محادثات أجراها منتظري بتاريخ 15 - 8 - 1988 مع أربعة من أعضاء «لجنة تنفيذ أوامر الخُميني للإعدام» (المعروفة إعلاميًّا باسم «لجنة الموت» والمكونة من 18 عضوًا) بعدما اختاره الخُميني نائبا له، إذ يُظهِر التسجيل رفض منتظري المطلق لـ«الإعدامات» التي طالت هؤلاء السجناء السياسيين بقوله: «أنتم حكمتم على بعضهم بالسجن 5 أو 10 أعوام، واليوم تُعدِمون دون دليل إدانة وحكم بإعدامهم»، إذ كان كثير من الأشخاص الذين أعدموا صدرت أحكام عليهم بالحبس في وقت سابق، أو كانوا يقضون مدة أحكامهم أو حتى كانت مدة محكوميتهم انتهت، أو من الذين أُفرِجَ عنهم، لكن أعيد اعتقالهم بقرار من الخُميني، أو كانت لهم روابط عائلية بمنتمين إلى منظَّمة «مجاهدين خلق».
ومنتظري من أبرز قادة ومؤسِّسي النِّظام بعد الثَّوْرة، وعُيِّن نائبا للولي الفقيه آنذاك حتى استبعِد من منصبه ثمنًا لموقفه من فتوى الإعدامات، وإخضاعه للإقامة الجبرية بمنزله بمدينة قم منذ عام 1997 لمدة 5 سنوات نتيجة نقده اللاذع للمرشد الحالي. ومن الناحية الفقهية كان «أَفْقَهَ المَراجع» ومن أول المنظِّرين لمشروع «ولاية الفقيه»، وساهم بقوة في نجاح الثَّوْرة ضدّ الشاه الذي حكم عليه بالإعدام ليُطلَق سراحه عام 1975 بعد أن أمضى 3 سنوات في السجن.
وقد كشف التسجيل عن تورُّط القادة الإيرانيين على أعلى المستويات، سابقين وحاليين، منهم الولي الفقيه الراحل الخُميني بتوقيعه قرارات الإعدامات، ونجله أحمد الخُميني كما تبين من حديث منتظري بشَنِّه حملة واسعة لإعدام كل شخص يؤيِّد أو يقر أي صحيفة لـ«مجاهدين خلق»، ثم المرشد الحالي علي خامنئي الذي كان آنذاك رئيس الجمهورية للنِّظام (1982 - 1989) وكان أحد المعنيين الرئيسيين في اتخاذ القرار، وعلي أكبر رفسنجاني رئيس مجمع تشخيص مصلحة النِّظام الذي كان آنذاك رئيس البرلمان، وكان منتظري ذكر بالتحديد في تسجيله أن الخُميني كان يستشير هذين الرجلين في اتخاذ قراراته الخطيرة.
أضف إلى ذلك الأعضاء الأربعة الذين حضروا الاجتماع مع منتظري: مصطفى بور محمدي، ممثل وزارة الاستخبارات في سجن إيفين آنذاك، ويشغل حاليًّا منصب وزير العدل في حكومة روحاني، وحسين علي نيري الذي يشغل منصب رئيس محكمة القضاة والديوان العالي للبلاد، وكان الرجل الرئيسي في لجنة الموت في طهران، ومرتضى إشراقي زوج بنت الخُمينيّ، الذي كان قاضيًا شرعيًّا آنذاك، وإبراهيم رئيسي الذي عُيِّن بضعة أشهر مدّعيًا عامًّا للنِّظام وعيَّنه خامنئي متحدثا رئيسًيا لأوقاف الإمام الرضا التي هي واحدة من أهمّ مراكز السُّلْطة والنفوذ السياسي والاقتصادي في هذا النِّظام. بالإضافة إلى هؤلاء تَوَرَّط في قضية الإعدامات أشخاص آخرون، منهم: علي فلاحيان، وكيل وزارة الاستخبارات في أثناء الجريمة، ووزير الاستخبارات تباعًا، وغلام حسين محسني أجه إي، ممثل القضاء في وزارة الاستخبارات، ومجيد أنصاري، رئيس هيئة السجون في أثناء قرار الإعدامات الذي هو عضو في مجمع تشخيص مصلحة النِّظام في الوقت الحاضر، وعلي مبشري المساعد القضائي في ديوان العدل الإداري، وكان حاكم الشرع ونائب نيّري عام 1988. وعلي رازيني المساعد الحقوقي للسُّلْطة القضائية، وكان في أثناء القرار رئيس هيئة القضاء للقوات المسلحة، وغلام رضا خلف رضايي، معاون الديوان العالي للبلاد، وكان عضو لجنة الموت في دزفول في الأحواز.

البهائيون
ازدادت حِدّة الخلافات مع ولادة نظام ولاية الفقيه عام 1979 لخشية قادة إيران من انتشار أفكارهم وتأثيرها على آيديولوجيا الولي الفقيه وانتشارها بين الإيرانيين، وبناءً عليه يتعرضون للمضايقات الأمنية والملاحقة بين حين وآخر، ويتهمون بالعمالة لإسرائيل وتلقي تمويل أجنبي والتآمر على الدولة وقلب نظام الحكم. وفي هذا السياق بدأ النِّظام موجة من الاعتقالات والإعدامات في حقّ البهائيين، فحُكم على أكثر من مائتي بهائي بالإعدام منذ عام 1979، وسُجن كثير منهم في معتقلاتها بعد أن رفضوا إنكار عقيدتهم عند إعطائهم الخيار بين ذلك وبين إطلاق سراحهم، فخلال عام 2005 اعتُقل أكثر من 890 من البهائيين، وخلال عام 2008 شنَّت إيران موجة اعتقالات كبيرة ضدّ صفوف البهائيين، وفي مطلع عام 2016 اعتقلت 24 بهائيًّا.

الأحواز
اتهمت السلطات بعض الأحوازيين العرب، بالنزعة الانفصالية، وأيضًا الفساد في الأرض والترويج لأفكار دول أخرى في المجتمع الإيراني، واعتبار ذلك مهدِّدًا للأمن القومي الإيراني، فمنذ عام 2005 تَعرَّض عشرات الأحوازيين للإعدام عند بداية انتفاضة الشعب العربي الأحوازي عقب الكشف عن الرسالة الشهيرة الصادرة من مكتب رئاسة الجمهورية الإيرانية وتحتها توقيع محمد علي أبطحي، مدير مكتب الرئيس خاتمي آنذاك، وكانت الرسالة تقترح تغيير الديموغرافية (التركيبة السكانية) في المحافظة الأحوازية وتفتيت النسيج الاجتماعي العربي، وكذلك نقل بعض العائلات الأحوازية إلى مدن ومحافظات أخرى، أي إن الهدف من المشروع يتمثل في تفتيت الهوية القوميَّة لعرب الأحواز، وكانت المدة المقترحة لتنفيذ هذه الخطة عشر سنوات، والهدف خفض نسبة العرب في الإقليم إلى الثلث من إجمالي تعداد السكان هناك، ومِن ثَمَّ تحويلها إلى أقلية في موطنها الأصلي.
ومنذ أبريل (نيسان) 2005 حتى 2013 أعدمَ نحو 70 أحوازيًّا (غير مَن قُتل في المظاهرات السلمية) بتهمة المشاركة الفعَّالة في المظاهرات والمسيرات، وخلال عام 2014 أفاد أهالي قرية جوبجي (من توابع مدينة رامز شرق الأحواز) بأن قوات الأمن دفنت جثمانَي الناشطين هادي راشدي وهاشم شعباني في بداية 2014 في الصحراء بالقرب من القرية، كما أكّد أحمد شهيد، المقرِّر الخاصّ للأمم المتحدة لحالة حقوق الإنسان في إيران، أن السُّلُطات أعدمت 4 نشطاء من عرب الأحواز منذ بداية 2014 حتى يونيو (حزيران) 2014.

البلوش
لم يكُن البلوش أفضل حالاً من عرب الأحواز، فقد تَعرَّضوا على مدى العقود الثلاثة الماضية لعمليات إعدام شتَّى بدوافع سياسية بحتة، ويشكِّل البلوش الغالبية العظمى من سكان محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرقي إيران، وينتمون جميعًا إلى المذهب السُّنِّيّ، وقد كانت هذه المنطقة - ولا تزال - من أكثر مناطق الصراعات الداخليَّة في إيران، وهي المحافظة الثالثة من حيث مساحتها، إذ تمتدّ على أكثر من 181 ألف كيلومتر مربَّع من الأراضي الإيرانية، ويتجاوز عدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة.
وتؤكِّد تقارير حقوقية أن البلوش في إيران يشكِّلون أعلى نسبة في الإعدامات التي تنفِّذها السُّلُطات الإيرانية بتهمة محاربة الله والإفساد في الأرض، ففي 20 ديسمبر (كانون الأول) 2010 أعدمت إيران 11 بلوشيًّا في زاهدان عاصمة محافظة سيستان وبلوشستان، ووجهت إليهم تُهَم الانتماء إلى حركة المقاومة البلوشية المسلَّحة التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم الذي وقع في 15 ديسمبر (كانون الأول) في تشابهار في بلوشستان، وفي 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2013 أعدمت إيران أيضًا 16 سجينًا بلوشيًّا في سجن زاهدان، وفي اليوم التالي أعدمت شابًّا بلوشيًّا في سجن خرم آباد بتهمة الانتماء إلى حركة المقاومة البلوشية التي اتُّهِمَت بشَنِّ هجوم ضدّ أحد مراكز حرس الحدود أودى بحياة 14 جنديًّا إيرانيًّا في مدينة سراوان على الحدود الباكستانية - الإيرانية، وشهد عامَا 2014 و2016 أعلى نسبة إعدامات بحقِّ البلوش.

الأكراد
عانت الأقلِّيَّة الكردية البالغ عددها ما يقارب 8 ملايين في محافظات كردستان وكرمانشاه وإيلام - ولا تزال تعاني - من تعامُل الحكومة المركزية في طهران بعد قيام الجمهورية الإيرانية 1979. ففي العام نفسه سادت أجواء الغضب المناطق الكردية في إيران بسبب عدم إتاحة الفرصة لممثلين عن الأكراد للمشاركة في كتابة الدستور الإيراني الجديد، وعلى نمط التعامل مع الأقليتين العربية والبلوشية رأت الحكومة الإيرانية أن معالجة المطالب الثقافية والسياسية والاجتماعية لهذه الأقلية تكون عبر الإعدامات، فقد أعدمت إيران وَفْقًا لتقارير حقوقية منذ عام 1979 حتى عام 2016 مئات الأفراد المنتمين إلى الأكراد، ناهيك عن آلاف المعتقلين بالتهَم نفسها الموجَّهة إلى أعضاء «مجاهدين خلق» والبهائيين والبلوش والأحوازيين، وهي الإفساد في الأرض.



«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

ذكر موقع «أكسيوس» الإخباري ‌نقلا عن ‌مسؤول ​أميركي ‌ومصدران ⁠مطلعان ​أن إيران ⁠قدمت عبر وسطاء باكستانيين ⁠مقترحا ‌جديدا ‌إلى ​الولايات ‌المتحدة ‌لإعادة فتح ‌مضيق هرمز وإنهاء الحرب.

ويشمل المقترح بحسب «أكسيوس»، ⁠إرجاء ⁠المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة.


الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
TT

الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)

وُضعت هدنة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أمام اختبار جديد، أمس (الأحد)، مع تعثر مسار باكستان، في وقت شدد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الضغط على طهران، ملوحاً بخطر «القنبلة الموقوتة» لتخزين النفط وتمسكه بـ«الانتصار».

وقال ترمب إن أمام إيران نحو 3 أيام قبل أن تصبح خطوط أنابيب النفط لديها معرضة لخطر الانفجار بسبب تراكم النفط ومحدودية التخزين، بعد توقف الشحنات من الموانئ الإيرانية تحت الحصار الأميركي. وأضاف أن طهران «تحت ضغط»، وأنها إذا أرادت التفاوض فعليها الاتصال بواشنطن عبر «خطوط آمنة».

وعاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلى إسلام آباد بعد محادثات مع السلطان هيثم بن طارق، في مسقط، ركزت على مضيق هرمز. وقالت وسائل إعلام إيرانية إن عراقجي نقل عبر باكستان رسائل إلى واشنطن، بشأن «الخطوط الحمراء» في الملف النووي والمضيق.

وأبلغ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، خلال اتصال، بأن طهران لن تدخل في «مفاوضات مفروضة عليها» تحت التهديد أو الحصار. وطالب بإزالة العقبات أولاً، بما في ذلك الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، قبل وضع أسس التسوية.

وتصاعد التباين في طهران؛ إذ هاجم المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي، دور باكستان، قائلاً إنها «صديقة وجارة جيدة»، لكنها «ليست وسيطاً مناسباً، ولا تقول ما يخالف رغبة الأميركيين»، معتبراً أن الوسيط يجب أن يكون محايداً. بدوره، قال نائب رئيس البرلمان علي نيكزاد، إن مضيق هرمز لن يعود إلى وضعه السابق استناداً إلى أوامر المرشد مجتبى خامنئي.


واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
TT

واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)

قال الرئيس دونالد ترمب إن البحرية الأميركية تعمل على إزالة ألغام إيرانية في مضيق هرمز، الممر الحيوي لشحنات النفط، الذي بات تعطّله يُهدد الاقتصاد العالمي بصورة متزايدة.

ويقول خبراء إن تمشيط المنطقة بحثاً عن متفجرات تحت الماء قد يستغرق أشهراً، رغم سريان وقف إطلاق نار هش بين الولايات المتحدة وإيران في الحرب التي تتواصل منذ أسابيع.

ووفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»، فإن أي إعلانات مستقبلية عن قيام الولايات المتحدة بتطهير الممر المائي، الذي يمر عبره عادة نحو 20 في المائة من نفط العالم، قد تفشل في إقناع سفن الشحن التجارية وشركات التأمين بأن المضيق أصبح آمناً.

وقالت إيما سالزبري، الباحثة في برنامج الأمن القومي التابع لمعهد أبحاث السياسة الخارجية: «ليس عليك حتى أن تكون قد زرعت ألغاماً؛ يكفي أن تجعل الناس يعتقدون أنك زرعتها».

وأضافت إيما سالزبري، وهي أيضاً زميلة في مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للبحرية الملكية: «وحتى إذا قامت الولايات المتحدة بتمشيط المضيق، وقالت إن كل شيء أصبح آمناً، فكل ما على الإيرانيين فعله أن يقولوا: حسناً، في الواقع، لم تعثروا عليها كلها بعد». وتابعت: «هناك حدٌّ لما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لإعادة تلك الثقة إلى الشحن التجاري».

ويُعد البحث عن الألغام من أحدث التكتيكات التي أعلنتها إدارة ترمب لإعادة حركة المرور عبر المضيق، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات اقتصادية أوسع تُشكل خطراً سياسياً. كما فرضت الولايات المتحدة حصاراً على موانئ إيران، واحتجزت سفناً مرتبطة بطهران.

إزالة الألغام قد تستغرق 6 أشهر

وأبلغ مسؤولون في البنتاغون مشرّعين أن إزالة الألغام التي زرعتها إيران في المضيق ستستغرق على الأرجح 6 أشهر، وفق شخص مطلع على الوضع تحدّث شرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة معلومات حساسة.

وقُدمت هذه المعلومات خلال إحاطة سرية للجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، الثلاثاء. وعندما سُئل عن هذا التقدير، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث للصحافيين، الجمعة، إن الجيش لن يتكهن بجدول زمني، لكنه لم ينفِ الأمر.

وقال هيغسيث في مؤتمر صحافي بالبنتاغون: «يُزعم أن هذا كان شيئاً قيل». وأضاف: «لكننا واثقون بقدرتنا، خلال الفترة المناسبة، على إزالة أي ألغام نحددها».

وفي وقت لاحق، قال ترمب إنه أمر البحرية بمهاجمة أي قارب يزرع ألغاماً في المضيق. وكتب الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي، الخميس: «إضافة إلى ذلك، فإن كاسحات الألغام لدينا تُنظف المضيق الآن». وأضاف: «آمر بموجب هذا بمواصلة النشاط، لكن بمستوى مضاعف 3 مرات».

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، للصحافيين مؤخراً إن الجيش سيعمل على إزالة الألغام من المضيق من دون أن يُقدم تفاصيل.

ولا توجد مؤشرات إلى أن الجيش الأميركي يستخدم حالياً سفناً حربية داخل المضيق، وهي من أبرز أصوله الظاهرة في عمليات إزالة الألغام، لكنّ لدى البحرية أيضاً غواصين وفرقاً صغيرة من فنيي التخلص من الذخائر المتفجرة في المنطقة، قادرين على إزالة الألغام، وهي هدف أقل وضوحاً من سفينة حربية كبيرة. ويقول خبراء إن بعض معدات إزالة الألغام يمكن نقلها من السفن ونشرها من البر.

زرع الألغام أسهل من العثور عليها

وليس واضحاً ما إذا كان قد جرى زرع أي لغم حتى الآن. ولم تذكر إيران سوى «احتمال» وجود ألغام في المسارات التي كانت تُستخدم في المضيق قبل الحرب. وقالت إيما سالزبري من معهد أبحاث السياسة الخارجية إن تقديرات مخزونات إيران من الألغام تُشير إلى بضعة آلاف. ويُعتقد أن معظم تلك المتفجرات البحرية تعود إلى نماذج سوفياتية قديمة، فيما قد تكون بعض الأنواع الأحدث صينية الصنع أو مُنتجة محلياً.

وأضافت إيما سالزبري: «زرع الألغام أسهل بكثير من إزالتها، لذلك يمكنك حرفياً دفع هذه الأشياء من مؤخرة زورق سريع»، لكنها أشارت إلى أن الولايات المتحدة يمكنها على الأرجح رؤية ذلك. وأوضحت أن لدى إيران أيضاً غواصات صغيرة يمكنها زرع الألغام، ويصعب اكتشافها بدرجة أكبر بكثير، لافتة إلى أنها لم ترَ مؤشرات إلى تدميرها في الحرب.

وقالت إيما سالزبري إنه إذا كانت إيران قد زرعت ألغاماً في المضيق، فهي ليست الكرات الشائكة العائمة على السطح كما تُرى في الأفلام. ومن المرجح أن تكون المتفجرات مستقرة في قاع البحر أو مثبتة إليه بواسطة كابل وتطفو تحت السطح. ويمكن أن تنفجر بتغير ضغط الماء عند مرور سفينة أو بصوت محركها.

كيف تبحث واشنطن عن الألغام؟

وقال مسؤول دفاعي، رفض الكشف عن هويته، إن البحرية الأميركية لديها الآن سفينتان قتاليتان ساحليتان في الشرق الأوسط قادرتان على تمشيط الألغام.

وأضاف المسؤول أن كاسحتي ألغام أميركيتين من فئة «أفنجر»، تتمركزان في اليابان، غادرتا أيضاً إلى الشرق الأوسط، لكنهما كانتا في المحيط الهادئ حتى الجمعة.

وقال ستيفن ويلز، وهو ضابط متقاعد برتبة لفتنانت كوماندر، خدم على سفينة من فئة «أفنجر»، إن البحرية تبحث على الأرجح عن متفجرات بحرية من أجل إنشاء ممر آمن عبر المضيق. أما إزالة الألغام فهي عملية أبطأ تحدث عادة بعد النزاع.

وقال ويلز، وهو خبير في مركز الاستراتيجية البحرية التابع لرابطة البحرية الأميركية: «إن صيد الألغام يُشبه السير في حديقتك واقتلاع الأعشاب والنباتات البرية واحدة تلو الأخرى، كي تتمكن من عبور المكان بأمان من جانب إلى آخر. أما تمشيط الألغام، فيشبه جزّ العشب».

من جانبه، قال سكوت سافيتز، الباحث في مؤسسة «راند»، والمتخصص في العمليات البحرية وإزالة الألغام، إن البحرية لا تحتاج بالضرورة إلى إزالة كل لغم حتى آخر واحد. وأضاف: «لا تزال هناك مناطق لم تُطهَّر منذ الحرب العالمية الثانية، وفي بعض الحالات منذ الحرب العالمية الأولى، وذلك لأن العملية كثيفة الموارد وتستغرق وقتاً طويلاً».

وقال ويلز إن الفرق الموجودة على السفن القتالية الساحلية التابعة للبحرية يمكنها نشر مركبات غير مأهولة تعمل عن بُعد، وتستخدم السونار وتقنيات أخرى للعثور على الألغام. كما تحمل هذه المركبات شحنات لتدمير المتفجرات.

وأضاف أن سفن البحرية الأميركية قد تحمل أيضاً فرقاً للتخلص من الذخائر المتفجرة، بينها غواصون، يمكنهم البحث عن الألغام وتدميرها. ويمكن للمروحيات البحث عن الألغام باستخدام الليزر.

شركات الشحن تُقيّم المخاطر

قال سافيتز إن شركات الشحن ستكون في نهاية المطاف مستعدة لتحمل بعض المخاطر للمرور عبر المضيق، «خصوصاً بالنظر إلى مدى ربحية ذلك».

وبموجب إجراء الموافقة الإيراني الخاص بالسفن الراغبة في عبور المضيق، يجب أن تسلك السفن مساراً مختلفاً عما كان عليه قبل الحرب، إلى الشمال قرب الساحل الإيراني.

وقال ديلان مورتيمر، مسؤول مخاطر الحرب البحرية في المملكة المتحدة لدى وسيط التأمين «مارش»، إن شركات التأمين تضيف بنداً يلزم مالكي السفن بالاتصال بالسلطات الإيرانية لضمان المرور الآمن.

وأوضح مورتيمر أن هذه الشهادة لا تذكر الألغام تحديداً، وتهدف إلى الحماية من كامل طيف التهديدات، بما في ذلك هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة أو عمليات الاحتجاز. لكن الألغام تؤدي، في الحد الأدنى، دوراً نفسياً، وهي ظاهرة وصفها مورتيمر بأنها «شبح التهديد».

وقال مورتيمر: «هذا يصب في مصلحة الإيرانيين، لأنه سواء أكانت هناك ألغام أم لا، فإن الناس يعتقدون أن هناك ألغاماً، وسيتصرفون وفقاً لذلك».

وقد تعني هذه المخاوف أن استعادة الثقة بأن المضيق آمن قد تستغرق وقتاً أطول حتى بعد الحرب.