الولايات المتأرجحة.. ساحة معركة شرسة على البيت الأبيض

24 مليون ناخب أميركي أدلوا بأصواتهم وكلينتون لا تزال متقدمة شعبيًا

أنصار المرشح الجمهوري دونالد ترامب يشاركون في فعالية انتخابية بفلوريدا أمس (أ.ف.ب)
أنصار المرشح الجمهوري دونالد ترامب يشاركون في فعالية انتخابية بفلوريدا أمس (أ.ف.ب)
TT

الولايات المتأرجحة.. ساحة معركة شرسة على البيت الأبيض

أنصار المرشح الجمهوري دونالد ترامب يشاركون في فعالية انتخابية بفلوريدا أمس (أ.ف.ب)
أنصار المرشح الجمهوري دونالد ترامب يشاركون في فعالية انتخابية بفلوريدا أمس (أ.ف.ب)

على بعد خمسة أيام من موعد الانتخابات الأميركية، لا تزال استطلاعات الرأي بشكل عام تشير إلى تقدم المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون بالتصويت الشعبي بفارق بسيط لا يزيد على ثلاث نقاط على نظيرها المرشح الجمهوري دونالد ترامب، رغم خطاب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي حول إعادة فتح التحقيق في بريدها الخاص.
وأمضى المرشح الجمهوري القسم الأكبر من الأسبوع الماضي في ولايات مؤيدة للديمقراطيين، أملا منه في تحقيق تقدم فيها وتعزيز موقعه للفوز في السباق إلى البيت الأبيض في مواجهة منافسته. لكن التاريخ واستطلاعات الرأي والتركيبة السكانية، إلى جانب خطاب ترامب الحاد، كلها عوامل لا تصب في مصلحته، حتّى وإن كان ينوي الاستفادة من المعلومات التي كشفها مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) حول قضية استخدام هيلاري كلينتون بريدها الإلكتروني الشخصي أثناء توليها منصب وزيرة الخارجية.
لكن مع دخول الحملة أسبوعها الأخير، يبدو الملياردير الأميركي مصمما على القيام بمحاولة أخيرة لتحقيق تقدم في ولاية أو اثنتين من الولايات المحسوبة على الديمقراطيين لتحقيق الفوز، في حال استمر وضعه ثابتا في الولايات الجمهورية وفاز بمعركة فلوريدا الحاسمة. والأحد، زار كولورادو ونيومكسيكو، اللتين صوتتا للرئيس باراك أوباما في 2008 و2012. ويميل ناخبوها للتصويت لصالح كلينتون.
أما الاثنين، فكان في ميتشيغان، ثم الثلاثاء في بنسلفانيا وهما ولايتان مؤيدتان أيضا لكلينتون وصوتتا للديمقراطيين في كل انتخابات رئاسية منذ العام 1992. كما زار ترامب الثلاثاء ويسكونسين التي يعود تاريخ تأييدها للديمقراطيين إلى عام 1988. لكن فريق ترامب يبدي بعض التفاؤل بالنسبة لهذه الولايات.
وقالت الناخبة كارول روبرتسون (57 عاما) خلال تجمع لترامب في أو كلير (وسط غرب ويسكونسين): «أعتقد أن الأمر سيتحقق». وأظهرت استطلاعات الرأي على مدى أشهر أن كلينتون تتقدم في ويسكونسين، وحاليا تتقدم بفارق 5.7 نقاط مئوية بحسب آخر استطلاع لمعهد ريل - كلير - بوليتيكس. واعتبرت روبرتسون أن استطلاعات الرأي غير جديرة بالثقة، لأن غالبية صامتة ستعبر عن رأيها في ويسكونسين وأماكن أخرى، بحسب قولها. وأضافت: «الناس خائفون من الاعتراف بدعمهم ترامب»، لكنهم «سيصوتون له حين يصبحون وراء العازل الانتخابي».
وفي إطار مساعيه للحصول على أصوات المندوبين الـ270 اللازمة للفوز بانتخابات 8 نوفمبر (تشرين الثاني)، حاول ترامب استمالة ولايات متأرجحة لم تحسم أمرها مثل أوهايو التي صوتت مرتين لأوباما، حيث يعبر ناخبو الطبقة العاملة عن استيائهم من انهيار قطاع الصناعة.
لكن حتى وإن فاز ترامب بكل الولايات المحسوبة على الجمهوريين، التي فاز فيها ميت رومني عام 2012 وحقق نصرا في أوهايو وفلوريدا، فستظل تنقصه أصوات. وهو بأمس الحاجة لتحقيق اختراق في ولايات ديمقراطية.
وقال عميد كلية العلوم السياسية في جامعة ويسكونسين – أو كلير، جيفري بيترسون: «إذا نظرتم إلى الخريطة الانتخابية، فإنه من الواضح أنه على ترامب أن يفوز بولايات ديمقراطية لتغيير مسار الأمور».
وأضاف أن ولاية ويسكونسين «قد تكون هدفا منطقيا»، بسبب قاعدتها العريضة من القطاع الصناعي التي تقلصت في العقود الأخيرة.
كما أن عدد البيض فيها يعتبر إلى حد ما أعلى من المعدل الوطني، ما يعني قاعدة محتملة أوسع لترامب الذي يحظى بتأييد واسع بين ذكور الطبقة العاملة البيضاء. لكن بيترسون قال إن الأمر الآن لا يتعلق بفرضية فوز ترامب بأصوات جديدة، وإنما «دفع الناس إلى الخروج والتصويت».
من جهته، قال نائب مدير حملة ترامب، ديفيد بوسي، إن الفريق يطرق أبواب ملايين المنازل في ويسكونسين وأوهايو وإمكان أخرى. وقال رئيس هيئة الحزب الجمهوري في ويسكونسين، براد كورتني: «سيكون سباقا متقاربا جدا، وهم بحاجة لكل شخص للذهاب للتصويت».
في المقابل، يشدّد مسؤولو الحزب الديمقراطي على أن الولاية ثابتة في موقفها. وقالت المسؤولة في الاتحاد العمالي في الولاية «إيه إف إل - سي آي أو» ستيفاني بلومينغديل، إن «ترامب يضيع وقته في ويسكونسين». لكن ناخبي كلينتون ليس لديهم مثل هذه الثقة. وقالت الطالبة أوليفيا نوتسين، التي احتجت على زيارة ترامب إلى «أو كلير» إن «كثيرا من الديمقراطيين لا يريدون التصويت هذه السنة، لأنهم لا يحبذون أيا من المرشحين». وأضافت أن مثل هذه المشاركة الضعيفة «هي السبب الرئيسي الذي يجعلنا نخشى من أن الأمور يمكن أن تمضي في أي من الاتجاهين».
من جهته، قال جيم نيكولس (64 عاما) الذي كان في حانة في «ذي جوينت» في «أو كلير» بعدما احتج على تجمع ترامب، إنه حين واجه مؤيدي المرشح الجمهوري أدرك أنه «لا يمكنه الدفاع عن كلينتون».
وكان نيكولس من أشد مؤيدي بيرني ساندرز الذي نافس كلينتون في الانتخابات التمهيدية للديمقراطيين، لكن أمام الاحتمال «المرعب» بتقدم ترامب في ويسكونسين، لا يمكنه المجازفة أبدا وسيصوت لكلينتون.
وأقرت بلومينغديل بأن التصويت سيكون متقاربا جدا، لكنها عبرت عن ثقتها بأن سكان ويسكونسين «سيختارون الرأي السديد من أجل الصالح العام»، لافتة إلى أن الولاية كانت الأولى في الولايات المتحدة التي تشرع تعويضات العمال وأن فكرة الضمان الاجتماعي ولدت في ويسكونسين.
لكن الحزب الجمهوري ولد أيضا في ويسكونسين عام 1854. كما أن رئيس مجلس النواب الأميركي الحالي بول راين، أعلى جمهوري منتخب في الأمة، هو من أبنائها. ورغم خلافات رايان مع ترامب المستمرة منذ فترة طويلة، فقد أعلن رئيس مجلس النواب الأسبوع الماضي أنه سيصوت لمرشح الحزب الجمهوري.
وفي وقت يبدو فيه أن نتائج السباق الرئاسي الأميركي باتت أقل وضوحا وأصعب تنبؤًا من السابق، تعزز استطلاعات الرأي المتناقضة الغموض، إذ كشف آخرها التابع لقناة «إيه بي سي» الإخبارية وجريدة «واشنطن بوست» عن أن الفجوة بين المرشحين باتت ضيقة للغاية، لدرجة أن الفارق يعتبر في نطاق هامش الخطأ.
وفاجأ استطلاع للرأي الشارع الأميركي، أول من أمس، إذ أشار إلى تقدم المرشح دونالد ترامب بنقطة واحدة على منافسته بواقع 46 في المائة - 45 في المائة، حيث هامش الخطأ في هذا الاستطلاع هو ثلاث نقاط مما يعني أن الفرق نقطة واحدة. ورغم أن هذا الفارق المتواضع لا يعد مؤشرًا واضحًا على فوز ترامب، فإنه يزيد من حماس حملته وناخبيه. كما أنه يبدو أن الأخبار الأخيرة المتعلقة بإعادة فتح باب التحقيق في قضية البريد الإلكتروني الخاص بالمرشحة هيلاري كلينتون بالفعل تخدم حظوظ المرشح الجمهوري ترامب وتعطيه مادة دسمة لمهاجمة خصمه.
وتم إعداد هذا الاستطلاع الخاص بـ«إيه بي سي» الإخبارية و«واشنطن بوست» خلال الفترة الممتدة بين 27 و30 أكتوبر (تشرين الأول) عن طريق المكالمات الهاتفية، وكان عدد المشاركين في الاستطلاع قد بلغ 1167 من المصوتين في أنحاء الولايات المتحدة الأميركية. ولعل أبرز ما يشدّ الانتباه في هذا الاستطلاع هو أن المنتخبين من الحزب الديمقراطي افتقدوا إلى الحماس والحرص على التصويت للمرشحة هيلاري كلينتون بأكثر من 7 نقاط مقارنة مع آخر استطلاع للرأي.
وواحد من كل خمسة مشاركين في هذا الاستطلاع قام بالتصويت بالفعل خلال فترة التصويت المبكر، أي ما يشكل 21 في المائة تقريبًا من الشريحة المشاركة، بينما فضل ربعهم الاحتفاظ بصوته ليوم الاقتراع الأخير. وقد قام أكثر من 24 مليون ناخب أميركي بالإدلاء بأصواتهم حتى الآن، وهو ما يشكل قرابة 19 في المائة من العدد الإجمالي المتوقع للمصوتين خلال هذا السباق، والمقدر بـ129 مليون مصوت.
وبحسب إحصائية أخرى قامت بها مؤسسة «مشروع الانتخابات الأميركية»، فإن ما بين 41 في المائة و45 في المائة من الأصوات المبكرة كانت من صالح هيلاري كلينتون، بينما أشارت إلى أن 39 إلى 50 في المائة من نوايا تصويت قد تصبه لصالح ترامب في يوم الانتخابات.
وأثار خطاب كومي استياء الديمقراطيين ومشرفي حملة كلينتون لعدم شفافية الخطاب وغموضه، وبخاصة لكون هذا التصريح الحساس ظهر قبل أيام قليلة فقط من الثامن من نوفمبر. ووصف عدد من مسوؤلي الكونغرس الأميركي خطاب كومي بـ«غير العادل»، واتهموه بالفشل في إيضاح الحقائق للشعب الأميركي، مما أدّى إلى زعزعة السباق الرئاسي باعثا القلق والشكوك في مؤيدي المرشحة كلينتون.
ورغم تقدم هيلاري بشكل عام في استطلاعات الرأي، تبقى الولايات المتأرجحة مصدر قلق للمرشحين وفرصة وحيدة لترامب للحصول على أكبر عدد ممكن من أصوات المجمع الانتخابي المطلوبة، وبالتالي تقليص الفارق بأكبر درجة ممكنة بينه وبين المرشحة كلينتون. وتلك الولايات قد تحسم بالفعل من سيسكن البيت الأبيض الأربع سنوات المقبلة، مما يتطلب وضع استراتيجيات مميزة لاستخدام مصادر الحملات الانتخابية لكلا المرشحين بشكل مجدٍ وفعال. الولايات المتأرجحة مكونة في هذه الانتخابات من إحدى عشرة ولاية، وهي فلوريدا وبنسلفانيا وأوهايو وميتشيغان وكارولينا الشمالية وفيرجينيا وويسكونسن وكلورادو ونيفادا ونيوهامبشير.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.