زوجة البرغوثي: أبو مازن أكد أن إطلاقه أولوية

قالت لـ («الشرق الأوسط») إنها تزوره مرتين في الشهر

فدوى البرغوثي («الشرق الأوسط»)
فدوى البرغوثي («الشرق الأوسط»)
TT

زوجة البرغوثي: أبو مازن أكد أن إطلاقه أولوية

فدوى البرغوثي («الشرق الأوسط»)
فدوى البرغوثي («الشرق الأوسط»)

تجري فدوى البرغوثي، زوجة مروان البرغوثي، المعتقل الفلسطيني الأشهر في السجون الإسرائيلية، جولة أوروبية لإطلاق حملة موسعة من أجل الإفراج عن زوجها بعد مرور 12 سنة على اعتقاله، وهو المحكوم خمس مرات بالسجن المؤبد. وبعد باريس انتقلت البرغوثي إلى روما، ومنها إلى دبلن. والتقت البرغوثي في باريس وزير الخارجية لوران فابيوس، الذي أبدى «تفهمه» لما تطالب به وتقديره للبرغوثي ولما يمكن أن يقوم به.
وفي حديثها لـ«الشرق الأوسط» تتناول البرغوثي مطولا الجهود التي تجريها لتعبئة الرأي العام الدولي للضغط على إسرائيل من خلال تشكيل «اللجنة الدولية لحرية مروان البرغوثي وكافة الأسرى»، التي تضم شخصيات دولية بينها خمسة من الحاصلين على جائزة نوبل للسلام، وإطلاق عريضة واسعة لجمع تواقيع من كل أنحاء العالم للضغط في هذا الاتجاه.
وفي هذا الحديث، تؤكد فدوى البرغوثي ثقتها في التزام الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) بالسعي لإطلاق سراح زوجها مع التعبير عن «الخيبة» من تخلي حركة حماس عن مطلب الإفراج عنه في صفقة الجندي الإسرائيلي غلعاد شاليط بعد أن كانت وعدتها بذلك. وتروي البرغوثي تفاصيل عن حياة زوجها في السجن، حيث أمضى حتى الآن عقدين من عمره، وعن زياراتها له وحادثة منع زوجها من رؤية حفيدته البالغة من العمر تسعة أشهر بذريعة أنه لا علاقة قربى من الدرجة الأولى بينه وبينها. وفي ما يلي نص الحديث:

> هل يمكن أن تحدثينا عن الحملة الدولية للإفراج عن مروان البرغوثي التي هي سبب وجودك في باريس اليوم؟
- بدأت الحملة منذ اليوم الأول لاعتقاله في مايو (أيار) من عام 2002، وها هو اليوم يدخل العام الـ13 من الاعتقال. في الذكرى الـ12 للاعتقال ومع صفقة الجندي شاليط، كان رأي المتضامنين معنا في الداخل والخارج أن علينا تصعيد الحملة والانتقال بها إلى مستوى أعلى، وهو ما حصل من خلال المؤتمر الدولي الكبير الذي عقد في رام الله تحت عنوان «مؤتمر الحرية والكرامة». هذا المؤتمر حضرته 120 شخصية عالمية، وكان ضيف الشرف فيه أحمد كاترادا، المناضل الجنوب أفريقي ورفيق الزعيم (الراحل) نيلسون مانديلا، والذي أمضى معه في السجن 26 عاما. ونتج عن المؤتمر أمران مهمان: الأول، الربط بين تجربة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال وتجربة جنوب أفريقيا، والثاني إطلاق الحملة الدولية للإفراج عن مروان البرغوثي وكافة الأسرى. وبعد ستة أشهر، أطلقت الحملة فعلا من جزيرة روبن آيلاند (حيث كان مانديلا معتقلا)، ووضعت صورة مروان في زنزانة الزعيم الأفريقي، وأعلن عن تشكيل «اللجنة الدولية لحرية مروان البرغوثي وكافة الأسرى» التي تضم 13 شخصية عالمية، منها خمس شخصيات حاصلة على جائزة نوبل للسلام في خمس قارات، ومنهم سياسيون سابقون أو أسرى سابقون ورموز لشعوب ناضلت ضد العنصرية وضد التمييز. ومن هؤلاء، إلى جانب أحمد كاترادا، مناضلة حقوق الإنسان الأميركية أنجيلا ديفيز، وجون بروتون رئيس وزراء آيرلندا السابق، والفنان والمثقف الأرجنتيني أدولفو بيريز أسكيفيل. وصدر يومها إعلان يدعو من ضمن ما يدعو إليه إلى تحرير مروان البرغوثي باعتباره شخصية فلسطينية رمزية وتمثل وحدة الشعب الفلسطيني وضرورية للنضال الفلسطيني.
عقب ذلك، فتحنا إعلان روبن آيلاند للتوقيع في كل أنحاء العالم، وحصلنا على تواقيع مهمة منها للرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر، والرئيس الإيطالي السابق داليما، ورئيس الكنيسة الكاثوليكية في أثينا وعموم اليونان. وتبع ذلك إطلاق الحملة في العديد من الدول، فبدأنا في بريطانيا حيث أطلق الحملة أحمد كاترادا، ثم نحن في باريس لنطلق الحملة من البرلمان الفرنسي، وبعد ذلك في إيطاليا لإطلاق الحملة من روما والإعلان عن تشكيل اللجنة الإيطالية، وبعد ذلك في آيرلندا. ثم هناك الحملة في البلدان العربية مثل لبنان واليمن وغيرهما.
> هل ثمة نية للقيام بشيء مماثل في الولايات المتحدة؟
- لنكن صادقين: حملتنا في أميركا ضعيفة لا بل أضعف مما يجب. لكن ثمة أطرافا بين المؤيدين للحملة تدعو إلى توسيعها لتشمل أميركا.
> ما رأيك بتعاطي القيادة الفلسطينية مع موضوع الإفراج عن مروان البرغوثي؟
- لدي تأكيد من القيادة الفلسطينية على أنها طالبت بالإفراج عنه في واشنطن، والوفد المفاوض مع الجانب الإسرائيلي يشترط تحقيق ذلك لأي تقدم سياسي مقبل. الرئيس أبو مازن أكد لي أن موضوع مروان أولوية قصوى بالنسبة إليه. واسم مروان لم يكن بين الأسماء الـ104 التي كان من المفترض الإفراج عن الدفعة الأخيرة منها مؤخرا، وهو ما لم يحصل. وكل هؤلاء اعتقلوا قبل اتفاق أوسلو وكان يفترض إطلاقهم عشية التوقيع على الاتفاقية لكن ذلك تأخر 20 سنة. نحن كفلسطينيين أخطأنا، ونحن بصدد دفع الثمن الكبير اليوم بسبب عدم الذهاب إلى المؤسسات الدولية.
> ما الذي يعوق الإفراج عنه؟
- أولا، يجب أن نذكر أنه معتقل في دولة احتلال وحكم عليه خمس مرات بالسجن المؤبد و40 سنة، مما يعني المئات من السنين. كما علينا أن نأخذ في الاعتبار أن إسرائيل ترى في اعتقال البرغوثي الانتفاضة الفلسطينية كلها، وكأن إسرائيل تسعى لتجريم النضال الفلسطيني وتجريم مقاومته من خلال تجريمها لمروان البرغوثي. الإفراج عن مروان قضية سياسية كبرى، وإسرائيل تعتقد أنها تحتفظ بورقة كبيرة تريد أن تبتز الفلسطينيين بها. ولكن في المقابل لدينا ما نفرضه على الاحتلال ولا يمكنهم التقدم في الموضوع السياسي ما دام نواب وقادة مثل مروان بما يمثلونه ما زالوا رهينة لدى الإسرائيليين ويحاولون عبرهم أن يملوا شروطا على الشعب الفلسطيني وابتزازه بشكل أكبر.
> هل هناك حسابات سياسية من نوع أن خروج مروان البرغوثي من شأنه أن يكسف قادة سياسيين آخرين؟
- أقول إذا كان المقصود من السؤال التلميح للقيادة الفلسطينية فأنا سمعت من الرئيس أبو مازن أنه يسعى بكل ما يستطيع وبكل ما له من علاقات إلى الضغط على إسرائيل من أجل الإفراج عنه. وهو قال لي: «إذا كنت تحتاجين إليه فأنا أحتاج إليه أيضا». الرئيس محمود عباس يرى أن خروج مروان من السجن يقوي الحالة الفلسطينية خصوصا الحالة الفتحاوية، ويقوي حالة الوحدة الوطنية لدى الشعب الفلسطيني. كذلك أستطيع أن أقول إن القيادة تضع الإفراج عن مروان في سلم أولوياتها.
> هذا ما يؤكده الرئيس أبو مازن، لكن هل هذا ما ترينه أنت.. هل تقوم القيادة بما يلزم لتحقيق هذا الهدف؟
- ما تبلغناه من القيادة أنها تقوم بكل الجهود، وهي تستعين بكل الأصدقاء من أجل الإفراج عن مروان. هذا ما يقولونه. أنا على ثقة من أن الرئيس أبو مازن سيقوم بكل ما يستطيعه لتحقيق هذا الهدف.
> هناك قناعة بأن الإفراج عن مروان لن يتم إلا في إطار صفقة سياسية متكاملة.. ما رأيك في ذلك؟
- حتى هذه اللحظة لم تتقدم المفاوضات خطوة واحدة. إسرائيل تريد فقط الحديث عن المفاوضات. هي لا تريد أن تدخل في التزامات، ولا أن تصنع سلاما، و(بنيامين) نتنياهو (رئيس الوزراء الإسرائيلي) يهمه بالدرجة الأولى ائتلافه الحكومي أكثر مما يهمه مصير المفاوضات. لذلك أقول إنه حتى هذه اللحظة لم تبدأ المفاوضات بمعنى السعي لحل نهائي والاتفاق على الأمور الرئيسة الخاصة به، أي القدس واللاجئين والحدود.
> لكن هل الإفراج عن زوجك سيكون في إطار صفقة متكاملة؟
- نحن نطالب بألا يكون الإفراج عنه مرهونا بالعملية السياسية ولا بالحل النهائي. نحن نعي جيدا أن الحل النهائي بعيد الأمد بسبب الحكومة اليمينية المتشددة وغير المهتمة بالسلام، ولذا لا يجوز ربط موضوع الإفراج بالحل النهائي، بل أن يكون سابقا لأي مفاوضات لا نتيجة لها.
> ما الحجج التي تستخدمينها لإقناع الرأي العام العالمي بالوقوف إلى جانبكم؟
- الحجة الأولى أن الإفراج عن مروان هو استحقاق للشعب الفلسطيني. من يريد التحدث عن عملية سلام حقيقية يجب أن يدرك أن موضوع الأسرى استحقاق يجب أن يسبق المفاوضات من أجل إيجاد مناخ إيجابي للعملية السياسية، وألا يكون موضوع الأسرى والإفراج عن مروان موضوعا للتفاوض والابتزاز، وأن يساعد على إيجاد مناخ جيد للدخول حقيقة في العملية السياسية.
أريد أن أضيف أن الإفراج عن الأسرى والمعتقلين هو معيار لجدية الجانب الإسرائيلي في عملية سلام حقيقية، لأنه لا يمكن أن يترك الأسرى كرهائن تبتزنا إسرائيل بهم في عملية التفاوض، وبصدد حقوق أخرى للشعب الفلسطيني. ومن الطبيعي إذن أن يكون الإفراج عن هؤلاء من أجل خلق مناخ إيجابي. ومنذ اليوم الأول قلنا إن الإفراج عن مروان يمكن أن يجري عبر طريقتين: إما عن طريق تبادل الأسرى أو بالطريقة السياسية. في الموضوع الأول، حماس تجاوزت الإفراج عنه. وفي السياسة، إذا تم تجاوزه فتقديري أن الشعب الفلسطيني ستكون عنده علامة استفهام كبيرة، وسيتساءل كيف أن مروان لم يخرج بالتبادل ولن يخرج في عملية سياسية. لذا موضوع إطلاقه يجب أن يتحول إلى شرط للتعاطي مع الإسرائيليين.
> لماذا تخلت حماس عن المطالبة بمروان، علما بأنه كان على قائمة المطلوب الإفراج عنهم؟
- رغم أن قيادة حماس كانت أبلغتني بأنه لن تحصل صفقة من دون الإفراج عن مروان، فإنها في نهاية المطاف كانت لها ظروفها وحساباتها التي منعتها من التمسك بموضوع مروان.
> هل تلتقين بمروان.. هل ما زال الإسرائيليون يضعون عقبات في وجهك؟
- خلال السنوات الأربع الأولى لم أستطع زيارته أبدا. الزيارة الأولى جاءت بعد أربع سنوات من اعتقاله، لأنه كان موجودا في الحبس الانفرادي. وكان يمنع من لقاء أي كان حتى مع الأسرى الفلسطينيين. بعد ذلك، انتقل إلى القسم الجماعي في سجن هداريم (القريب من نتانيا ويبعد عن رام الله ما يقارب الساعتين)، وهو الآن موجود مع 90 معتقلا فلسطينيا. خلال السنوات الثماني اللاحقة سمح لي بزيارته بفعل الضغوط من جهات عديدة. أزوره مرتين في الشهر، والزيارة عبارة عن 45 دقيقة من خلف الزجاج ومع العائلات الأخرى. نكون عادة نحو عشرين عائلة ندخل معا. أولادي محرومون من زيارة والدهم لأنهم يعتبرونهم من فئة الممنوعين أمنيا، أي من يتراوح عمره بين الـ16 والأربعين عاما. وهؤلاء يحتاجون لتصريح خاص لا يمكن الحصول عليه إلا مرة كل عامين. وحتى الآن لم يستطيعوا زيارة والدهم إلا ثلاث مرات. وزوجي لا يعرف حفيدته الأخيرة التي عمرها تسعة شهور ولم يتمكن من رؤيتها، وحجة السجانين أنه لا صلة قرابة من الدرجة الأولى بين الطفلة ومروان.
البعض يعتقد أن مروان قادر على إصدار بيان صحافي أو إعطاء مقابلة صحافية بسهولة. لكن هذا غير صحيح. هذا كلفه العزل 22 مرة ولأسابيع، كل مرة، عقابا على تصريحاته أو التعبير عن مواقفه السياسية. كلما رغب مروان في أن يعطي رأيه أو يدلي بتصريح، فإنه يعزل انفراديا وتمنع عائلته من زيارته لمدة شهرين، وكذلك يحرم من الوصول إلى مطعم السجن. لذلك، حينما يريد التعبير عن موقف يجهز نفسه سلفا لعقوبات متنوعة ومشددة.
> كيف هي حياته داخل السجن؟
- الآن هو موجود في سجن «العزل الجماعي» الذي يضم 90 معتقلا ويخضع لرقابة مشددة. وهو يعيش في زنزانة مع سجينين آخرين. نهاره يبدأ بساعة يسمح له فيها بممارسة الرياضة، وهو منذ اليوم الأول لاعتقاله وحتى اليوم لم يفوت ساعة واحدة من ساعات الرياضة، ويعتقد أنها الفرصة الحقيقية له لحماية جسمه ولياقته وتغيير نفسيته. ثم هناك ساعة أخرى للفسحة وخلالها يستطيع الالتقاء بالمساجين الآخرين التسعين، وهي تتيح له النقاش في المواضيع السياسية وتبادل الآراء. بعد ذلك يعود للزنزانة ونشاطه الأهم القراءة، إذ يطالعها ما بين ست وثماني ساعات في اليوم، ويلتهم من ستة إلى ثمانية كتب في الشهر. وللعائلة الحق في إدخال كتابين كل شهر، ونحن نتشارك مع العائلات الأخرى لإدخال أكبر كمية من الكتب، كما أن مكتبة السجن غنية بمئات الكتب من كل الأنواع عربية وعالمية. وصدر لمروان كتاب «ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي»، وطبع الكتاب في بيروت في دار الناشر، وحاول من خلاله أن يوثق ما يواجهه الأسير في التحقيق والعزل والبطولات التي يصنعها الأسرى الفلسطينيون في انتصارهم على سجانيهم.
مروان أمضى حتى الآن نحو عقدين من الزمن في سجون الاحتلال. المرة الأولى اعتقل في عام 1978 وبقي في السجن حتى عام 1983، واستفاد من هذه الفترة ليتعلم اللغة العبرية التي يتحدثها الآن بطلاقة، وهو يقرأ كل ما يصدر عن الكتاب الإسرائيليين.



استثمارات ناجحة تُظهر «وجهاً مُشرقاً» للوجود السوداني في مصر

أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
TT

استثمارات ناجحة تُظهر «وجهاً مُشرقاً» للوجود السوداني في مصر

أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)

وجه آخر للوجود السوداني في مصر، أظهره تدفق الاستثمارات ورؤوس الأموال في قطاعات اقتصادية متنوعة، ليغيِّر صورة تقليدية بشأن أعباء الوافدين، وبينهم تجمعات السودانيين الفارين من الحرب.

وانتقل عديد من رؤوس الأموال السودانية للاستثمار في مصر بعد الحرب التي اندلعت منتصف أبريل (نيسان) 2023، حسب مصادر سودانية، تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، عن حجم الأعمال السودانية في السوق المصرية، وقدَّرتها بملايين الدولارات، يتركز الجزء الأكبر منها في السوق العقارية، إلى جانب نشاط صناعي وتجاري.

وبسبب الحرب السودانية، بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، فرّ نحو مليون و200 ألف سوداني، إلى المدن المصرية، حسب إحصائيات رسمية، إلى جانب ملايين آخرين يعيشون في ربوع مصر منذ سنوات.

إحدى رحلات قطار عودة السودانيين من القاهرة (مجلس الوزراء المصري)

وأثار ازدياد الوجود السوداني في الأحياء المصرية، جدلاً واسعاً، على وقع بعض الانتقادات الإعلامية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً في بداية الحرب بسبب «التكتلات السودانية» في مناطق شعبية، وتأثيرها على «ارتفاع إيجارات الوحدات السكنية» والضغط على موارد الدولة.

وأشاد رئيس «مجلس السيادة» السوداني، الفريق عبد الفتاح البرهان، خلال لقائه مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في مدينة العلمين (على ساحل المتوسط)، الأحد الماضي، بدعم القاهرة السياسي والإنساني لبلاده، وثمن «استضافة أعداد كبيرة من السودانيين الذين اضطروا لمغادرة بلادهم بسبب الحرب»، حسب الرئاسة المصرية.

وتراجعت موجة الانتقادات للوجود السوداني المكثف، بعد ازدياد أعداد العودة الطوعية للسودانيين إلى بلادهم خلال الأشهر الأخيرة، بتسهيلات من سلطات البلدين، غير أن هذه الرحلات لم تسفر عن عودة جميع الفارين من الحرب، خصوصاً بعد ارتباط عديد من الأسر السودانية بالإقامة في مصر، لاعتبارات الدراسة لأبنائهم، أو انخراطهم في أعمال داخل البلاد.

ولا توجد قدرة دقيقة على إحصاء حركة رؤوس الأموال السودانية بشكل إجمالي، ذلك أن جزءاً كبيراً من الأعمال يتم خارج المسارات الرسمية، وفق السفير المصري الأسبق في السودان حسام عيسى، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان، تدفع كثيراً من السودانيين إلى إدارة رؤوس أموالهم بعيداً عن التحويلات البنكية».

عشرات السودانيين قبل انطلاق إحدى رحلات العودة للبلاد عام 2025 (مجلس الوزراء المصري)

ويرى عيسى أن «الشواهد الخاصة باستثمارات السودانيين في مصر تشير إلى أن استثماراتهم تقدَّر بملايين الدولارات، بالنظر إلى طبيعة وخصائص المقيمين في مصر حالياً»، مشيراً إلى أن «نسبة كبيرة من النخب ورجال الأعمال وكبار المسؤولين وسفراء ورؤساء الأحزاب يشكلون نسبة كبيرة من الوجود السوداني حالياً، وغالبيتهم لجأوا إلى الاستثمار في العقارات في المقام الأول»، إلى جانب «الاستثمار في قطاعات أخرى، مثل تجارة الخدمات».

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري، إن حجم الاستثمارات السودانية في مصر بلغ نحو 79 مليون دولار خلال عام 2024، بنمو قدره 39 في المائة مقارنةً بالعام السابق.

وأضاف خلال فعاليات منتدى الأعمال المصري - السوداني، أن أكثر من 3320 شركة سودانية تعمل في السوق المصرية، مما يعد مؤشراً إيجابياً على تطور العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

ولم يقتصر الوجود السوداني بعد الحرب على العاصمة القاهرة ومدن رئيسية مثل الإسكندرية (شمالاً)، أو أسوان (جنوباً)، لكنه امتد ليشمل غالبية المدن الجديدة، وفق الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية السودانية، عباس علي السيد، الذي قال إن «كثيراً من الأسر فضلت البقاء في محل إقامتها بمصر وعدم العودة رغم تحسن الأوضاع في بعض الولايات بالسودان لأنها ارتبطت بأعمال واستثمارات داخل البلاد».

ويتصدر القطاع العقاري استثمارات السودانيين وفق تقدير السيد، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «إلى جانب السوق العقارية، ارتفعت أعمال السودانيين في المجال الصناعي والتجاري، فمعظم الصناعات السودانية أقامت خطوط إنتاج بشراكات مع مصانع مصرية، لا سيما في المنتجات الغذائية»، إلى جانب «أنشطة صغيرة في التجارة والخدمات».

الملتقى المصري - السوداني لرجال الأعمال عام 2024 (مجلس الوزراء المصري)

وأصبحت مصر من الوجهات الأولى لحركة رؤوس الأموال السودانية ما بعد الحرب، وفق تقدير المستشار الاقتصادي ومدير مركز المعلومات بوزارة المالية السودانية سابقاً، عادل عبد العزيز الفكي، الذي قال إن «الروابط الاقتصادية القديمة والقرب الجغرافي، ساعدا في انتقال عديد من الاستثمارات السودانية إلى السوق المصرية».

ويرى الفكي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاتجاه الأول في الاستثمار كان في السوق العقارية، بالنظر إلى مكاسبه المضمونة»، لكنه أشار إلى أن «هناك عديداً العلامات التجارية السودانية انتقلت للتصنيع في مصر، حيث أصبحت موطناً لها، منها اللحوم المجمدة والسلع الغذائية مثل السمسم والطحينية»، مشيراً إلى أن «هذه المنتجات يتم توزيعها على الجالية المقيمة في مصر، ويذهب الجزء الآخر منها إلى السودان».

واستضافت القاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، الملتقى المصري-السوداني لرجال الأعمال من البلدين، لبحث إقامة مشروعات استثمارية مشتركة في السوق المصرية، خصوصاً في مجالات التصنيع والنقل والموانئ.

ويتركز أغلب استثمارات السودانيين في السوق العقارية، في المدن الجديدة، خصوصاً مناطق «التجمع الخامس والرحاب ومدينتي» (شرق القاهرة)، وفق مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، الذي قال إن «الاستثمار السوداني في السوق العقارية المصرية ليس جديداً، لكنه كان يتركز قبل الحرب، في أحياء القاهرة والجيزة الرئيسية مثل الزمالك والمهندسين وفيصل».

من رحلات العودة الطوعية للسودانيِّين إلى بلادهم (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

وإلى جانب السوق العقارية والصناعات التحويلية، تتجه استثمارات السودانيين إلى المراكز التعليمية والمدارس الخاصة، وفق المغربي، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عديد من المراكز التعليمية التي ما زالت تمارس نشاطها داخل مصر لأبناء الجالية، رغم قيام السلطات المصرية بإغلاق المدارس التي لا تنطبق عليها معايير النشاط التعليمي داخل البلاد».

وشملت إجراءات الإغلاق مدرسة «الصداقة» التي دشنتها السفارة السودانية بالقاهرة في عام 2016، ومدارس خاصة، قبل أن تعلن السفارة السودانية بالقاهرة، استئناف الدراسة في مدرسة «الصداقة» مرة أخرى، بدايةً من ديسمبر 2024.


2750 عملية خلال يوم واحد... و«فجر اليمن» تضيّق الخناق على الحوثيين

جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
TT

2750 عملية خلال يوم واحد... و«فجر اليمن» تضيّق الخناق على الحوثيين

جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)

دخلت عملية «فجر اليمن» يومها السادس، السبت، على وقع اتساع الضربات الجوية التي تستهدف القدرات العسكرية للحوثيِّين، بالتوازي مع استمرار تقدُّم القوات الحكومية في الساحل الغربي ومأرب، في وقت أحبطت فيه ألوية العمالقة هجوماً للجماعة شمال مطار ذوباب، بينما لا تزال مئات العناصر الحوثية متحصنة في جيوب خلف الألغام والخنادق في منطقة باب المندب وجزرها.

وتعكس التطورات انتقال المعركة إلى مرحلة ملاحَقة ما تبقَّى من جيوب المقاومة الحوثية في المواقع التي استعادت القوات الحكومية السيطرة عليها لتثبيت المكتسبات، مع استمرار محاولات الجماعة فك الحصار عن عناصرها، وسط تقدُّم عسكري حذر يستهدف استكمال تطهير المنطقة وتثبيت المكاسب الميدانية، بالتزامن مع ضربات جوية تتجاوز خطوط المواجهة إلى مواقع عسكرية ومخابئ للصواريخ في عمق مناطق سيطرة الحوثيِّين.

وفي أحدث التطورات الميدانية، تصدَّت ألوية العمالقة الجنوبية لهجوم شنَّته الجماعة الحوثية على مواقعها شمال مطار ذوباب، وكبَّدتها خسائر في الأرواح والعتاد، بالتزامن مع غارات لطيران «تحالف دعم الشرعية» استهدفت تعزيزات عسكرية دفعت بها الجماعة إلى المنطقة، في محاولة لتعزيز مواقعها ومساندة عناصرها المُحاصَرة.

القوات الحكومية اليمنية تسعى إلى تأمين باب المندب ومواصلة معركة الساحل الغربي (أ.ب)

وتأتي المواجهات غداة عملية واسعة استهدفت استكمال تحرير ما تبقَّى من منطقة باب المندب والجزر التابعة لها، حيث تواصل الوحدات العسكرية عمليات التمشيط والتعامل مع الألغام والتحصينات، وسط تقديرات بوجود مئات من العناصر الحوثية في جيوب متفرقة، ما يجعل استكمال التطهير وتثبيت السيطرة أولوية ميدانية في المرحلة الحالية.

ضربات في العمق

بالتوازي مع المعارك البرية، أعلن الجيش اليمني تنفيذ أكثر من 2750 عملية استهداف دقيقة خلال الساعات الـ24 الماضية، طالت تحصينات ومواقع دفاعية ونقاط مراقبة واستطلاع ومرابض مدفعية ومخازن أسلحة وذخائر ومستودعات إمداد وتموين وتعزيزات عسكرية للحوثيِّين في مختلف محاور القتال.

وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات التي نُفِّذت في إطار «فجر اليمن» شملت أيضاً أهدافاً عسكرية، وصفها بـ«المشروعة وعالية القيمة»، في عمق مناطق سيطرة الجماعة.

المسلحون الحوثيون يتعرَّضون لحملة جوية واسعة في مناطق سيطرتهم كافة (إعلام عسكري)

وأوضح أن التقديرات الميدانية الأولية تشير إلى تحييد أكثر من 1400 عنصر حوثي، وتدمير أو إعطاب أكثر من 250 آلية ووسيلة قتالية ومعدة عسكرية، بما أضعف قدرة الجماعة على المناورة والإسناد ومواصلة عملياتها القتالية.

وأضاف النزيلي أن القوات البرية تمكَّنت من اختراق دفاعات الحوثيِّين وتحصيناتهم، واستعادة مواقع مرتفعة ذات أهمية عملياتية، وتثبيت مكاسبها، ومواصلة الهجوم وفق الخطط العسكرية المقررة.

من جهته، أعلن «تحالف دعم الشرعية» تدمير 136 هدفاً عسكرياً ضمن عملية واسعة استهدفت عناصر الجماعة وقدراتها في مناطق سيطرتها. وقال المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، إن التحالف يعمل على تفكيك وتدمير شبكة الصواريخ الباليستية الحوثية، مؤكداً استمرار الإسناد الجوي للوحدات العسكرية اليمنية على مدار الساعة.

استنزاف في مأرب

في محافظة مأرب (شرق صنعاء) واصلت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية عملياتها على امتداد خطوط التماس، ونفَّذت هجمات على مواقع حوثية في الجبهات الجنوبية، تمكَّنت خلالها من انتزاع مواقع بعد اختراق التحصينات والتعامل مع حقول الألغام التي زرعتها الجماعة.

وذكر المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية أن المواجهات كبَّدت الحوثيِّين خسائر في الأرواح والعتاد، بالتزامن مع استمرار العمليات الهجومية في الجبهات الشمالية والشمالية الغربية، وتنفيذ أعمال رصد واستطلاع لتحركات الجماعة وتعزيزاتها.

مقاتلو القوات الحكومية اليمنية يلاحقون الحوثيِّين في مديرية ذوباب (أ.ب)

وأضاف أن الطيران الحربي والمسيّر، إلى جانب المدفعية وراجمات الصواريخ، واصل استهداف مواقع وتجمعات حوثية ومراكز قيادية ومخازن أسلحة ومرابض نيران ومواقع لتشغيل الطائرات المسيّرة، على امتداد خطوط المواجهة وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وفي المقابل، أشار المركز إلى مقتل وإصابة العشرات من العناصر الحوثية خلال المواجهات، ومقتل 22 من أفراد القوات المسلحة والمقاومة الشعبية وإصابة آخرين.

معركة استعادة الدولة

على وقع التطورات الميدانية، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، أن القوات الحكومية قدَّمت نماذج من الثبات والقتال، عاداً أن المواجهات تمثل جزءاً من معركة استعادة الدولة ومؤسساتها، والتصدي للمشروع الحوثي المدعوم من إيران.

وقال المحرّمي، في منشور على «فيسبوك»، مخاطباً القوات المرابطة في الساحل الغربي وباب المندب وسائر الجبهات، إن المعركة تتطلب مواصلة الصمود حتى تحقيق أهدافها، مشيداً بدور المقاتلين في مواجهة الحوثيِّين وحماية أمن المنطقة. كما جدَّد تقديره لـ«تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، مؤكداً أن القوات اليمنية والتحالف يخوضان معركةً مشتركةً، ويتقاسمان أعباءها وتضحياتها.

آلية قتالية حوثية سيطرت عليها القوات الحكومية اليمنية بالقرب من باب المندب (إعلام عسكري)

من جانبه، أشاد عضو مجلس القيادة الرئاسي، الفريق أول ركن محمود الصبيحي، بأداء القوات المسلحة والمقاومة الشعبية في مختلف جبهات القتال، وقال إن المواجهات تجسِّد الدفاع عن النظام الجمهوري ومؤسسات الدولة في مواجهة الجماعة الحوثية.

وأشار الصبيحي إلى الدور الذي تضطلع به ألوية العمالقة، وقوات درع الوطن والدعم والإسناد والمقاومة الوطنية، والقوات المشتركة، في جبهات الساحل الغربي والصبيحة والمناطق الممتدة باتجاه الوازعية ومناطق أخرى في تعز ولحج.

وخصَّ بالذكر تضحيات قبائل الصبيحة التي قدَّمت أكثر من 170 قتيلاً و700 جريح خلال المواجهات. كما أثنى على دور القيادات العسكرية والميدانية، وجهود الحكومة والسلطات المحلية في عدن ولحج في دعم الجبهات، مُجدِّداً تقديره للدعم السعودي المُقدَّم للقوات الحكومية.


الحوثيون يلاحقون الاتصالات ويوسعون شبكات التجسس جنوب تعز

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يلاحقون الاتصالات ويوسعون شبكات التجسس جنوب تعز

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)

تشهد مناطق واسعة في محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب) انقطاعاً في خدمات الإنترنت والاتصالات، بالتزامن مع تصعيد عسكري حوثي في جنوب المحافظة، فيما لجأ سكان إلى شبكات محلية تعتمد على خدمة الإنترنت الفضائي «ستارلينك»، التي سارعت الجماعة إلى مصادرة أجهزتها في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً، ضمن إجراءات أمنية ورقابية شملت أيضاً كاميرات المراقبة والهواتف الجوالة.

وذكرت مصادر محلية في مدينة التربة، حيث مركز مديرية الشمايتين جنوب تعز، لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة الحوثية شنت حملة واسعة لمصادرة أجهزة «ستارلينك» خلال الأيام الأولى لسيطرتها على المدينة، بعد تحريات مسبقة أجرتها خلاياها الاستخباراتية بشأن مالكي تلك الأجهزة، قبل وصول قواتها بأيام.

وتتعامل الجماعة الحوثية مع خدمة «ستارلينك» بوصفها تهديداً لنفوذها على قطاع الاتصالات؛ فإلى جانب حرمانها من جانب من العائدات التي تجنيها منه، تمنعها من ميزة مراقبة الاتصالات والتحكم في تدفق المعلومات.

وسبق للجماعة أن اتخذت إجراءات مماثلة عقب سيطرتها على مدينة المخا، التي كان عدد من سكانها يعتمدون على الخدمة.

ولم تقتصر إجراءاتها في التربة على مصادرة أجهزة الإنترنت الفضائي؛ بل امتدت إلى كاميرات المراقبة المثبتة أمام المحال التجارية والمباني السكنية.

محافظة تعز بدأت تعاني من نقص السلع والمواد الأساسية بفعل التصعيد العسكري الحوثي (أ.ف.ب)

وأبلغت الجماعة الحوثية مالكي الكاميرات بأن مصادرتها إجراء مؤقت، إلى حين استكمال ربط أنظمة المراقبة بأجهزتها الرقابية، وطالبتهم بالسماح لها بالوصول إلى أجهزة التخزين، محذرة من ربط أي كاميرات بالإنترنت دون إذن منها.

وقال مالك متجر لـ«الشرق الأوسط»، إن الجماعة أزالت كاميرات المراقبة الموجهة نحو الشوارع من دون استئذان أصحابها، بسبب إغلاق غالبية المحال التجارية، إلا أن ملاك المحال القليلة التي فتحت أبوابها فوجئوا بدورهم بذلك الإجراء، ولم يسمح لهم بالنقاش حوله.

وتعيش مدينة التربة حالة من الشلل في الأنشطة التجارية، وسط رفض لوجود الجماعة الحوثية، التي لجأت إلى التهديد بفتح المحال المغلقة بالقوة.

تحكم بالخدمات

في مدينة تعز المحاصرة، أفاد سكان بتوقف خدمات الإنترنت والاتصالات التابعة للشبكات العاملة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أو تعرضها لانقطاعات واسعة أثرت في قدرة المواطنين على التواصل والوصول إلى الإنترنت.

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)

ويأتي هذا الانقطاع بالتزامن مع التصعيد العسكري الحوثي في محافظة تعز، وما تلاه من إطلاق الحكومة عملية «فجر اليمن»، وسط تغيرات ميدانية في عدد من المديريات والمناطق، وانعكاسات متزايدة للتطورات الأمنية على الخدمات العامة وحركة السكان.

ويحاول الأهالي في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، الوصول إلى خدمة الإنترنت عبر أجهزة «ستارلينك» التي تتوفر لدى عدد محدود منهم، يشاركون جيرانهم هذه الخدمة بمقابل مالي أو مجاناً.

ورغم أنه لم تتضح أسباب تعطل خدمات الاتصالات والإنترنت في مدينة تعز، فإن السكان يربطونه بالتصعيد العسكري في المحافظة.

وتخضع البنية الرئيسية للاتصالات في اليمن للجماعة الحوثية التي تسيطر على مقرات ومنشآت شبكة الاتصالات اليمنية في صنعاء، ما يمنحها قدرة واسعة على التحكم في الخدمات والوصول إلى المعلومات.

قادة حوثيون في مدينة «التربة» بعد السيطرة عليها (إعلام حوثي)

وبالتوازي مع الإجراءات المتعلقة بالاتصالات، شرعت الجماعة الحوثية، منذ سيطرتها على عدد من مديريات جنوب تعز، في توسيع إجراءاتها الأمنية والاستخباراتية، مستعينة بمصادر محلية لجمع المعلومات عن السكان ورصد تحركاتهم.

إنشاء شبكات تجسس

كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفي الجماعة الحوثية الذين وصلوا إلى المديريات التي أُخضعت لسيطرتها أخيراً، التقوا أعياناً ومشايخ قرى، أو وجهوا إليهم خطابات تطالبهم بالعمل بوصفهم مصادر استخباراتية محلية، تتولى رفع تقارير دورية عن حركة السكان، ورصد المتنقلين بين القرى والمناطق، وتتبع زيارات الأقارب والأصدقاء، والإبلاغ عن أي أشخاص تشتبه الجماعة في أنشطتهم.

ووفقاً للمصادر، حمّل المشرفون الحوثيون الأعيان ومشايخ القرى مسؤولية وقوع أي نشاط مناهض للجماعة في مناطقهم، في حال عدم إبلاغهم مسبقاً عن القائمين به، في إجراء يضع الشخصيات الاجتماعية تحت ضغط المشاركة في منظومة الرقابة الأمنية.

وتعتمد الجماعة، بحسب المصادر، على شبكة من المتعاونين المحليين، بينهم شخصيات اجتماعية متواطئة معها، وأشخاص أُفرج عنهم من السجون عقب سيطرتها على تلك المناطق، إضافة إلى آخرين كانوا فارين من العدالة في مناطق نفوذها.

قادة حوثيون داخل أحد مقرات السلطة التنفيذية في مدينة التربة بعد السيطرة عليها (إعلام حوثي)

ولم تقتصر إجراءات الرصد على التحركات الميدانية؛ إذ وجهت الجماعة خلاياها التجسسية بمراقبة مواقع التواصل الاجتماعي، والإبلاغ عن كل من ينشر معلومات أو بيانات تتعلق بالأوضاع في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً.

كما نفذت حملات عشوائية لتفتيش الهواتف الجوالة في الشوارع، بحثاً عن تطبيقات للمراسلة ترى الجماعة أنها تتيح اتصالات غير خاضعة لرقابتها، أو برامج الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) التي تُستخدم لتجاوز الحجب.

وقالت المصادر إن هذه الحملات تستهدف، إلى جانب التحقق من التطبيقات الموجودة على الهواتف، كشف الأشخاص الذين يعملون لمصلحة الجيش والحكومة اليمنيين، أو يتواصلون مع قيادات ومسؤولين فيهما، فضلاً عن الذين يتصلون بجهات إعلامية وحقوقية للإبلاغ عن ممارسات الجماعة، أو يستخدمون حسابات بأسماء مستعارة على مواقع التواصل الاجتماعي.