من كوخه.. يطل هيدغر على العالم

كتب مؤلفاته الأساسية فيه مصغيًا لصوت الوجود العميق

هيدغر -   كوخ هيدغر في أعماق «الغابة السوداء» الواقعة في جبال الألب بجنوب ألمانيا
هيدغر - كوخ هيدغر في أعماق «الغابة السوداء» الواقعة في جبال الألب بجنوب ألمانيا
TT

من كوخه.. يطل هيدغر على العالم

هيدغر -   كوخ هيدغر في أعماق «الغابة السوداء» الواقعة في جبال الألب بجنوب ألمانيا
هيدغر - كوخ هيدغر في أعماق «الغابة السوداء» الواقعة في جبال الألب بجنوب ألمانيا

ما قصة تلك العلاقة الاستثنائية التي ربطت بين فكر هيدغر والكوخ الذي بناه في أعماق الغابة السوداء الواقعة في جبال الألب بجنوب ألمانيا؟ في الواقع، إنه ليس كوخًا بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، وإنما هو عبارة عن بيت صغير مؤلف من ثلاث غرف. ولكن هيدغر هو الذي أطلق عليه اسم «الكوخ»، فذهبت الكلمة مثلاً، وأصبح الجميع يستخدمونها. هناك كان يختلي أكبر فيلسوف في القرن العشرين لكي يكتب مؤلفاته الأساسية، وذلك بدءًا من عام 1922. وقد كان مسحورًا بتلك المنطقة الجبلية ذات الغابات العميقة والأشجار الرائعة. وفي مثل هذا الجو، تفتحت عبقريته الفلسفية، أو قل: انفجرت انفجارًا. يحصل ذلك إلى حد أنه قال إن الجبال والمناظر الطبيعية الخلابة هي التي كانت تكتب الفكر والفلسفة والشعر من خلاله، وليس هو. هل سمعتم بمثقف يكره الطبيعة؟ أنا سمعت، ولكن أعف عن ذكر الأسماء.
لكن لنعد إلى الوراء قليلاً. ولد مارتن هيدغر في ألمانيا عام 1889، في مدينة صغيرة. وقد دخل المدرسة الابتدائية في تلك المدينة، ثم أكمل دراساته الثانوية في مدينة أكبر، هي فريبورغ آن بريسغو. درس علم اللاهوت في البداية وكان متدينًا، قبل أن يتحول إلى دراسة الآداب فالفلسفة، حيث فقد تدينه الأولي، وربما كان الفيلسوف الكبير الوحيد من أصل كاثوليكي. أما معظم فلاسفة ألمانيا الآخرين، فكانوا من أصل بروتستانتي؛ يكفي أن نذكر الأسماء التالية: لايبنتز، كانط، فيخته، هيغل، شيلنغ، نيتشه، هابرماس...إلخ.
ثم أصبح أستاذًا في جامعة فريبورغ، إلى جانب فيلسوف آخر أكبر منه سنًا وشهرة، هو: هوسيرل. وفي تلك الفترة، أو بعدها بقليل، ابتدأ هيدغر يختلي بنفسه في الغابة السوداء، وبالتحديد في البيت الصغير الذي بناه فيها ودعاه بالكوخ. وهناك ألف كتابه الشهير «الوجود والزمان». ومعلوم أن عبد الرحمن بدوي هو الذي ترجمه إلى العربية، وهو من روائع الكتب الفلسفية، وربما كان يستأنس بعصافير الغابة الشهيرة وأشجارها وظلالها، بل وذئابها أكثر مما يستأنس بالبشر:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى
وصوّت إنسان فكدت أطير
كما قال شاعرنا الأحيمر السعدي.
الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، كما يقول الفيلسوف هوبز، وأحيانًا أكثر من ذئب. لكن دعونا من كل هذا التشاؤم الأسود، ولنعد إلى صلب الموضوع.
في الواقع، إن خلوات هيدغر في ذلك الكوخ المعزول عن البشر أتاحت له أن يسمع صوت الوجود العميق الذي لا نسمعه عادة نحن المثقفين الصغار. لقد أتاحت له أن يبتعد عن ضجيج العواصم والمدن الكبرى. ومعلوم أن الإبداع الفلسفي بحاجة إلى خلوات وعزلات هائلة. كما أتاحت له تلك الخلوات العميقة أن يبلور لاحقًا نظرياته الكبرى عن الوجود، والكينونة، والزمان، وتاريخ الفلسفة منذ سقراط، أو حتى ما قبل سقراط، إلى اليوم.
ومن خلال خلواته الطويلة في أحضان الطبيعة الألمانية التي لا تضاهى، استطاع هيدغر أن يسمع صوت الكينونة منذ أقدم العصور حتى اليوم. وعندئذ، اكتشف أن الفلاسفة منذ أرسطو حتى يومنا هذا نسوا الكينونة، وما عادوا يهتمون إلا بالكائنات الجزئية، من نباتات وحيوانات، وحتى بشر.
وبالتالي، فقد أعاد هيدغر مسألة الكينونة، أو الوجود والزمان، إلى صلب التأمل الفلسفي، بعد أن كنا قد فقدناها، أو نسيناها طيلة ألفين وخمسمائة سنة! وهنا يكمن اكتشافه الأكبر الذي يستعصي علي فهمه تماما حتى الآن، رغم كل محاولاتي السيزيفية المتكررة. ثم راح هيدغر ينخرط في دراسات مطولة عن نيتشه، ونتج عن ذلك كتابه الكبير الذي ترجمه الفرنسيون في جزءين منفصلين ترجمة موثوقة رائعة.
هناك نقطة لا بد من التعرض لها، وكنا نبغي تحاشيها: لطالما عابوا على هيدغر ارتباطه بهتلر والنازية، ولكن إذا ما تأملنا في الأمور عن كثب، وجدنا أن هذا الاتهام باطل، أو مبالغ فيه جدًا على الأقل. ولكن الدعاية الصهيونية تستغل هذه النقطة لتشويه الرجل، وابتزاز ألمانيا، وتركيع كل مثقفيها من أكبرهم إلى أصغرهم. ولكن هيدغر لم يركع، على الرغم من كل الحملات الشرسة التي تتالت عليه منذ نصف قرن حتى اليوم؛ لم يركع، ولم يستطيعوا تحطيم أسطورته الفلسفية.. و«يا جبل ما يهزك ريح»!
فما حقيقة ارتباط هيدغر بالنازية يا ترى؟ في الواقع، إن علاقته بالنازية التي حكمت ألمانيا من عام 1933 إلى عام 1945 لا تتجاوز العشرة شهور! في خلال هذه الشهور العشرة، قبل أن يكون عميدًا لجامعة فريبورغ، وهي عمادة عرضت عليه، ولم يطلبها، ولم يسع إليها أبدًا.
ونظرا لاختلافه مع النازيين، فإنهم أقالوه بعد هذه الفترة القصيرة من احتلاله لهذا المنصب الإداري الرفيع. ومع ذلك، فإنهم يتهمونه بالنازية! وبعد ذلك، وطيلة اثني عشر عاما، ظل بعيدًا عن النظام النازي، بل مكروها من قبله مشتبها به لديه. ومع ذلك، فهم يكذبون على الناس، ويحاولون إقناعنا جميعًا بأنه كان نازيًا خطيرًا.
إنها أكبر كذبة في تاريخ الفلسفة المعاصرة، فالرجل لم يبتعد فقط عن النظام النازي بعد استقالته من عمادة الجامعة، وإنما رفض أن ينشر شيئًا يذكر في ظله. ولم يعد إلى الكتابة والتأليف والنشر إلا بعد سقوط هتلر والنازية، بل إنهم حرموه من التدريس في الجامعة طيلة تلك الفترة الهتلرية، ولم يعد إلى الجامعة إلا عام 1951، أي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ببضع سنوات.
ولكنه لم يكف عن الكتابة طيلة سنوات الحرب. على العكس، فقد أتاح له ذلك أن يختلي بنفسه طويلاً في ذلك الكوخ المذكور في أحضان الطبيعة الغناء لكي يكتب نصوصه الكبرى عن الميتافيزيقا، وعن كانط، وهيغل، وهولدرلين، وريلكه، وبالطبع نيتشه.
فهيدغر لم يكن فيلسوفًا عقلانيًا منطقيًا فقط، وإنما كان أيضًا «شاعرًا» بمعنى من المعاني، أو قل كاتبًا من أعلى طراز. ويمكن اعتبار دراساته عن هولدرلين من أرقى ما كتب في النقد الأدبي. إنه نقد رائع صادر عن فيلسوف عميق، يذهب إلى أعماق الأشياء. وقد استعار من شاعر ألمانيا الأكبر تلك العبارة: الشعر هو العلاقة الأساسية للإنسان بالعالم، بمعنى أن العلاقة الشعرية أهم حتى من العلاقة الفلسفية، ناهيك بالعلاقة الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو النثرية عموما؛ الشعر جوهر الوجود.
ومن الكتب والنصوص الكبرى التي ألفها في الكوخ كليًا أو جزئيًا، نذكر: «مقاربات هولدرلين»، وهو مجموعة دراسات نقدية عن الشاعر الألماني العظيم. وكل من يريد أن يفهم شعر هولدرلين بعمق، ينبغي أن يعود إليها.
وينبغي أن نذكر أيضًا كتابًا ذا عنوان جميل جدًا، هو «دروب تؤدي إلى لا مكان»، أي دروب مفتوحة على المجهول والحرية؛ وهي الدروب نفسها التي كان يسلكها في الغابة، عندما كان يتجول يوميًا بين أشجارها وفي متاهاتها. ومعلوم أنه كان مشاء كبيرًا، على طريقة أستاذه نيتشه. لكن ما معنى أن تمشي وأنت تعرف مسبقًا إلى أين ستصل؟ هذا مشي التكنوقراط، أو خبراء الأمم المتحدة، لا مشي الفلاسفة والشعراء. المشي الحقيقي هو أنك عندما تخرج من بيتك لا تعرف إلى أين ستذهب، ولا أين ستصل؛ إنه مغامرة في قلب الوجود.
وينبغي أن نذكر كتبه الكبيرة الأخرى، مثل: مدخل إلى الميتافيزيقا، أو كانط ومشكلة الميتافيزيقا، أو مبدأ العقل، أو ماذا يعني أن نفكر؟ أو ما معنى الفكر؟ أو ما معنى الفلسفة؟ أو هيغل والإغريق، أو أطروحة كانط عن الكينونة، أو نظرية أفلاطون عن الحقيقة، أو رسالة عن النزعة الإنسانية، أو نهاية الفلسفة ومهمة الفكر في وقتنا الراهن، أو مقالات ومحاضرات...إلخ.
كل هذه الكتب وسواها كثير أصبحت مراجع كلاسيكية في تاريخ الفلسفة المعاصرة، ولا ينبغي أن ننسى نظرياته الشهيرة عن مساوئ الغزو التكنولوجي لحياتنا المعاصرة. فقد اخترع هنا فكرة جوهرية لا تزال تحظى بإعجاب المفكرين الكبار.
وتتلخص نظريته هذه فيما يلي: لقد غزت التكنولوجيا الصناعية عالمنا المعاصر، وهي تكاد تقضي على البيئة وجمال الطبيعة؛ تكاد تقضي على كوخ هيدغر ذاته! وهذا الشيء أصبح يشكل خطرًا على الحضارة البشرية، فالتكنولوجيا ينبغي أن تكون في خدمة الإنسان، لا أن يكون الإنسان في خدمة التكنولوجيا.
ثم إنه إذا ما قضت التكنولوجيا على الطبيعة، فإن ذلك يهدد التوازن البشري في مجمله. فالإنسان بحاجة إلى الطبيعة أيضًا، وليس فقط إلى الآلات والمخترعات التكنولوجية. وينبغي أن يحصل توازن بينهما، وهذا ما تدعو إليه أحزاب البيئة أو الخضر في عالمنا المعاصر، بعد أن أصبحت الكرة الأرضية في خطر. من قال إذن إن الفلسفة لا تؤثر على السياسة؟! لا سياسة عظيمة من دون فكر عظيم.
فقد أصبحت الصرخات ترتفع هنا أو هناك منددة بتلويث الجو من قبل التكنولوجيا ودخان المصانع المرتفع إلى عنان السماء. وبالتالي، فمن يستطيع القول إن كوخ هيدغر لم يؤثر على فلسفته ذلك الكوخ الواقع في أعماق غابة عظيمة مهجورة؟ الغابة السوداء، أو بالأحرى الجبلية الخضراء، كانت أعز على قلبه من كل تكنولوجيات العالم!
أخيرا، ينبغي الاعتراف بأن فكرة هيدغر أعمق وأعقد من ذلك بكثير، ولكن لا يتسع المجال لشرحها هنا.



أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025
TT

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

بعد أن انغمستُ في قراءة مجلدات «أفضل قصائد الشعر الأميركي» في وقت سابق من العام الجاري، تعهدت بألا أبدأ أبداً أياً من مقالاتي بالتساؤل عن معنى كلمة «الأفضل»، وهي كلمة أزعجت محرري تلك السلسلة أكثر بكثير من كلمتي «أميركي» أو «شعر». كنت أرغب في الابتعاد عن ذلك أيضاً، ما أسمته لويز غلوك «استبداد صناعة الذوق». أنا أكتب هذه القوائم لصحيفة «التايمز» منذ خمس سنوات الآن؛ وأنا على ثقة من أن قرائي يعرفون أن كل ما تعنيه كلمة «الأفضل» في عالم الفنون هو ما تحبه فئة بعينها من الناس.

قصيدة «إنقاذ» هيدجي تشوي

بعض القصائد التي أثَّرت فيَّ بشدة هذا العام تعكس قسوة معينة. خذ على سبيل المثال الأسطر الأولى من قصيدة تشوي «الهلع»: «أعلم أن الآخرين حقيقيون، لا تُذكرني بذلك». أنا نفسي نطقت عبارة «الآخرون حقيقيون»، لذا شعرت أنها بمنزلة مواجهة مباشرة معهم. وضحكت بصوت مرتفع مرات عدة في أثناء قراءة قصيدة «إنقاذ»، أول عمل لتشوي، وهو عمل مفعم بالحقد والسخرية القاسية -بل ربما هو أقرب إلى الوحشية!

ينمُّ صوت تشوي عن ثقة الشباب المتحدية، التي نحتاج جميعاً إلى التعرض لها. القصائد مسيئة بعض الشيء («ألا يمكن أن تكون، مثل مملكة السماء، فالصور/ للخاسرين والمختلين؟») بطريقة جذابة للغاية، مثل جدال يُغير رأيك بالفعل. «هل من المهم معرفة الحقائق؟»، تسأل قصيدة «مراحل»؛ «لأنني بدأت أعتقد/ ربما لا». لا يمكن للقصائد أن تؤذيني إلا قليلاً، ويمكن أن تبدو قسوتها حقيقية للغاية: «في النهاية/ أنا/ شخص جاد للغاية/ لكننا لم نصل إلى النهاية بعد».

«أعرف بعض الأشياء» لريتشارد سايكن

كان هذا كتاباً آخر منحني متعة شبه مازوخية. في خروج رسمي عن مجموعة سايكن بعنوان «صراع الثعالب» (2015)، ومجموعته الأولى المؤثرة بعنوان «انكسار» (2005)، تأتي هذه القصائد في صورة نثرية. كُتبت جميع القصائد الـ77 (والرقم تكريم، على ما أعتقد، لمؤلفة بيريمان «أغاني الحلم 77») بعد إصابة سايكن بالسكتة الدماغية وخلالها، وتُشكل في حد ذاتها سيرة ذاتية موجزة: «إنها نافذة صغيرة، تلك الفترة الزمنية التي نستطيع فيها أن نقول ما نعرفه».

هذا عمل قاسٍ، ومخيف أحياناً في تعامله مع الشيخوخة والموت -الحياة بوصفها ضرراً- والصراع من أجل استعادة الجسد والعقل والذات بعد الأزمة. كما يستجوب سايكن أيضاً مفهوم الذاتية بوصفها مشروعاً طويلاً، وطريقة للدفاع، وفعلاً من أفعال المخاتلة: «قلت كذبة وتحولت إلى حقيقة». تَظهر كلمة «يحدث» كعبارة مخفَّفة مخيفة؛ ما يحدث قد يحطم حياتك: «كان من الواضح أن شيئاً ما قد حدث ولن يتراجع» («الرصيف»). «أنا أنتظر أن يخبرني أن هذا لن يحدث مرة أخرى. إنه لا يقول ذلك» («خريطة حرارية»). «عليك أن تكون حذراً، فالأشياء ترغب أن تحدث» («غابة ديفون»).

قد يكون هذا الكتاب قاتماً، ولكنه ساحر أيضاً («تحت السرير الأرضية، ثم الأرض، ثم الجانب الآخر والنجوم. سقطت في كل الاتجاهات») ومضحك بطريقة غريبة -ضحكة من مقطع واحد في وجه الشيطان، يكتب قائلاً: «إذا كان في ذلك أي عزاء، فلن أسامحك أبداً».

قصيدة «رحمة الدم» لآي. إس. جونز

تُعيد هذه القصائد في هذا العمل الأول المثير للإعجاب، تفسير قصة قابيل وهابيل على أنهما أختان، وهي تتمتع بقوة الأسطورة المخيفة والعنيفة والموسيقية. «معظم الألم منعدم الفائدة»، كما تكتب جونز في القصيدة الافتتاحية، «لكنه أقدم أغنية للجسد». تشكل هذه القصائد سلسلة من التفاعل المستمر مع فكرة القوة -القوة التي نستسلم لها والقوة التي نطالب بها- وتجسد نوعاً من الفضاء الهجين الحقيقي والرمزي، والحاضر والأبديّ في آن واحد.

تكتب جونز في قصيدة «قابيل»: «كنتُ أسطورة ذات يوم، وأنا الآن فتاة». وفي قصيدة «حواء ليليث» تكتب: «يكسر/ السماء فوق جمجمتي ويُظلم العالم. أختي، يستمر الأمر هكذا/ .../ الأيام لا تُعدّ».

يتحقق تماسك مذهل بصفة جزئية من خلال تكرار رمزيات الدم والشفرات والماعز القربانية والشمس: «أنا الفأس التي تحلم بشق طريقها عبر حلق آدم». وفي قصيدة «تاريخ موجز للعالم حسب الماعز»، تكتب جونز: «يولد الماعز برؤية بانورامية ليرى الموت/ الماعز يخطط للحرب مثل أي حيوان آخر/ هذه قصيدة عن التعفن». وفي النهاية الرائعة لقصيدة «قطعة موسيقية حالمة»: «تجسيد حُلم معاناتي/ الشمس تجر جسدها مقطوعة الرأس عبر السماء كنصب تذكاري/ للحرب».

قصيدة «غزة: القصيدة قالت ما لديها» لناصر رباح

يعلق مترجمو كتاب «غزة»، الذي يضم مختارات من قصائد الشاعر الفلسطيني ناصر رباح، في خاتمة الكتاب على الصعوبات التي واجهتهم في نقل هذه القصائد إلى الإنجليزية الأميركية، التي تلعب دوراً في تمكين الكثير من التشويهات في طريقة تصوير فلسطين على الساحة العالمية. وسعى المترجمون إلى تجنب «الإفراط في الترجمة»، مُفسحين النطاق لقَدرٍ من الغرابة و«الغموض وحتى عدم الفهم». أدى ذلك إلى ظهور سطور تُسبب أحياناً ارتباكاً نحوياً، غير أن الاغتراب والغرابة أمران مألوفان في هذه المناطق السريالية الشبيهة بالأحلام، حيث يتصادم الرعب والدمار مع الجمال والموسيقى والجنس، وحيث تتعايش الروتينية اليومية والملل مع الجنون واللا معقول.

وفي حين أن الصوت قد لا يُترجم دائماً، فإن الصورة تُترجَم، وأعمال رباح مليئة بالصور التي لا تُنسى: «أنا لست جندياً، لكن/ في أثناء الحرب أرى نفسي شرفة معلَّقة في السماء/ بعد أن هدموا المبنى... أنا لست جندياً، لكنني أرى نفسي في أثناء الحرب أرتِّب/ مشهد الموت الأخير، لإرضاء الأحياء بموتي». في القصيدة الطويلة «ما لم أقله لنفسي»، يكتب رباح: «كن مملاً... كن توم هانكس وقل: يا إلهي! كل شيء رائع يا رفاق. كن أي شيء، فقط لوِّح لموتك الجميل في المرآة»، و«لمرة واحدة، كن برتقالياً يا بحر، وأنتِ يا سماء، أمطري لمرة واحدة في اتجاهك».

قصيدة «ابنة المينوتور» لإيفا لوكا

أحياناً بعد سطر أو سطرين فقط تعرف أن الشاعر يتحدث إليك -كما لو أن الحساسية تتبدى في أصغر الكلمات. كانت هذه تجربتي مع لوكا وقصيدة «ابنة المينوتور»، المترجَمة عن السلوفاكية بواسطة جيمس ساذرلاند-سميث. أحب هذه القصائد السحرية عن الأماكن الحدودية والمخلوقات الهجينة، والرجال-الوحوش والأسماك-الطيور والكائنات الحية-الميتة: «مكسوة-مكشوفة/ في فمها تبكي وتغني/ تعود إلى أسفل المنحدر/ إلى المنزل الذي ليس منزلاً»، تكتب لوكا في قصيدة «الأخت البرية». «لا ماشية على الأقدام ولا راكبة في عربة/ على كتفها بومة، في يدها/ تفاحة، في تفاحتها/ حب، في حبها/ سُمّ».

انجذبتُ بصورة خاصة إلى سلسلة القصائد المستوحاة من لوحات ليونورا كارينغتون، مثل «لوحة السيدة بارتردج الراحلة» (هذه المرأة تبدو كأنها تجسيد للبرق) و«دجاجة أختي غير الشقيقة»: «لكن الآن هو أوان التمرد. الدجاجة تكشر عن أنيابها/ .../ انتظري فقط، تقول الدجاجة/ يوماً ما ستقيَّدين في طوق، كما يحدث بين المالكين/ والمملوكين... يوماً ما سنتبادل الأدوار». هذا كتاب ينبض بظلامية حكايات القصص الخيالية القديمة.

قصيدة «نوبات غضب في الهواء» لإميلي سكيلينغز

بناءً على مجموعتها الثانية، «نوبات غضب في الهواء»، أرى أن سكيلينغز زميلة لي في محبة الفراغ -نحن الذين نحب أن نجمل الفراغ. عن «زهرة الجزرة، أو دانتيل الملكة آن»، تكتب سكيلينغز في إحدى قصائدها: «أحبها عندما تكون كبيرة/ وبيضاء مثل صحن خزفي/ النقطة في المنتصف/ إيماءة صغيرة للتركيز/ رشفة من الظلام، ثقب/ ينزلق فيه كل/ تطريز السماء».

تُذكرنا قصائد سكيلينغز بمدرسة «غورلسك» (مصطلح أرييل غرينبرغ للإشارة إلى «دمج النسوية للغريب والقاسي مع البراق والحالم»)، قصائد سكيلينغز تبدو أشبه ما تكون بمسرح عبثي في بيت دمى مسكون. فكرة استعارتها من إيلين مايلز -أن الشعراء ليسوا أذكياء، بل «شيء آخر»- تتكرر طوال القصائد في شكل إصرار على نوع من الذكاء الخارجي، سبيل سلبي: «نصف تفكير، نصف لا شيء».

القصيدة الأخيرة آسرة، بسطورها الطويلة لدرجة أنها مطبوعة بشكل أفقي: «أوه، لقد لاحظت الفئران، لا تهتم بها/... / بدأت أعتقد أنها توسِّع الفجوات بين الأشياء: الكلمات، الأيام/.../ هذه مجرد غرفة واحدة في مؤامرة واسعة من الفضاء».

* تشمل مجموعات إليسا غابرت الشعرية والقصصية، في الآونة الأخيرة، «المسافة الطبيعية»، و«أي شخص هو النفس الوحيدة». تُنشر مقالاتها في دورية «حول الشعر» أربع مرات في السنة.

* خدمة: «نيويورك تايمز»


شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»