من كوخه.. يطل هيدغر على العالم

كتب مؤلفاته الأساسية فيه مصغيًا لصوت الوجود العميق

هيدغر -   كوخ هيدغر في أعماق «الغابة السوداء» الواقعة في جبال الألب بجنوب ألمانيا
هيدغر - كوخ هيدغر في أعماق «الغابة السوداء» الواقعة في جبال الألب بجنوب ألمانيا
TT

من كوخه.. يطل هيدغر على العالم

هيدغر -   كوخ هيدغر في أعماق «الغابة السوداء» الواقعة في جبال الألب بجنوب ألمانيا
هيدغر - كوخ هيدغر في أعماق «الغابة السوداء» الواقعة في جبال الألب بجنوب ألمانيا

ما قصة تلك العلاقة الاستثنائية التي ربطت بين فكر هيدغر والكوخ الذي بناه في أعماق الغابة السوداء الواقعة في جبال الألب بجنوب ألمانيا؟ في الواقع، إنه ليس كوخًا بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، وإنما هو عبارة عن بيت صغير مؤلف من ثلاث غرف. ولكن هيدغر هو الذي أطلق عليه اسم «الكوخ»، فذهبت الكلمة مثلاً، وأصبح الجميع يستخدمونها. هناك كان يختلي أكبر فيلسوف في القرن العشرين لكي يكتب مؤلفاته الأساسية، وذلك بدءًا من عام 1922. وقد كان مسحورًا بتلك المنطقة الجبلية ذات الغابات العميقة والأشجار الرائعة. وفي مثل هذا الجو، تفتحت عبقريته الفلسفية، أو قل: انفجرت انفجارًا. يحصل ذلك إلى حد أنه قال إن الجبال والمناظر الطبيعية الخلابة هي التي كانت تكتب الفكر والفلسفة والشعر من خلاله، وليس هو. هل سمعتم بمثقف يكره الطبيعة؟ أنا سمعت، ولكن أعف عن ذكر الأسماء.
لكن لنعد إلى الوراء قليلاً. ولد مارتن هيدغر في ألمانيا عام 1889، في مدينة صغيرة. وقد دخل المدرسة الابتدائية في تلك المدينة، ثم أكمل دراساته الثانوية في مدينة أكبر، هي فريبورغ آن بريسغو. درس علم اللاهوت في البداية وكان متدينًا، قبل أن يتحول إلى دراسة الآداب فالفلسفة، حيث فقد تدينه الأولي، وربما كان الفيلسوف الكبير الوحيد من أصل كاثوليكي. أما معظم فلاسفة ألمانيا الآخرين، فكانوا من أصل بروتستانتي؛ يكفي أن نذكر الأسماء التالية: لايبنتز، كانط، فيخته، هيغل، شيلنغ، نيتشه، هابرماس...إلخ.
ثم أصبح أستاذًا في جامعة فريبورغ، إلى جانب فيلسوف آخر أكبر منه سنًا وشهرة، هو: هوسيرل. وفي تلك الفترة، أو بعدها بقليل، ابتدأ هيدغر يختلي بنفسه في الغابة السوداء، وبالتحديد في البيت الصغير الذي بناه فيها ودعاه بالكوخ. وهناك ألف كتابه الشهير «الوجود والزمان». ومعلوم أن عبد الرحمن بدوي هو الذي ترجمه إلى العربية، وهو من روائع الكتب الفلسفية، وربما كان يستأنس بعصافير الغابة الشهيرة وأشجارها وظلالها، بل وذئابها أكثر مما يستأنس بالبشر:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى
وصوّت إنسان فكدت أطير
كما قال شاعرنا الأحيمر السعدي.
الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، كما يقول الفيلسوف هوبز، وأحيانًا أكثر من ذئب. لكن دعونا من كل هذا التشاؤم الأسود، ولنعد إلى صلب الموضوع.
في الواقع، إن خلوات هيدغر في ذلك الكوخ المعزول عن البشر أتاحت له أن يسمع صوت الوجود العميق الذي لا نسمعه عادة نحن المثقفين الصغار. لقد أتاحت له أن يبتعد عن ضجيج العواصم والمدن الكبرى. ومعلوم أن الإبداع الفلسفي بحاجة إلى خلوات وعزلات هائلة. كما أتاحت له تلك الخلوات العميقة أن يبلور لاحقًا نظرياته الكبرى عن الوجود، والكينونة، والزمان، وتاريخ الفلسفة منذ سقراط، أو حتى ما قبل سقراط، إلى اليوم.
ومن خلال خلواته الطويلة في أحضان الطبيعة الألمانية التي لا تضاهى، استطاع هيدغر أن يسمع صوت الكينونة منذ أقدم العصور حتى اليوم. وعندئذ، اكتشف أن الفلاسفة منذ أرسطو حتى يومنا هذا نسوا الكينونة، وما عادوا يهتمون إلا بالكائنات الجزئية، من نباتات وحيوانات، وحتى بشر.
وبالتالي، فقد أعاد هيدغر مسألة الكينونة، أو الوجود والزمان، إلى صلب التأمل الفلسفي، بعد أن كنا قد فقدناها، أو نسيناها طيلة ألفين وخمسمائة سنة! وهنا يكمن اكتشافه الأكبر الذي يستعصي علي فهمه تماما حتى الآن، رغم كل محاولاتي السيزيفية المتكررة. ثم راح هيدغر ينخرط في دراسات مطولة عن نيتشه، ونتج عن ذلك كتابه الكبير الذي ترجمه الفرنسيون في جزءين منفصلين ترجمة موثوقة رائعة.
هناك نقطة لا بد من التعرض لها، وكنا نبغي تحاشيها: لطالما عابوا على هيدغر ارتباطه بهتلر والنازية، ولكن إذا ما تأملنا في الأمور عن كثب، وجدنا أن هذا الاتهام باطل، أو مبالغ فيه جدًا على الأقل. ولكن الدعاية الصهيونية تستغل هذه النقطة لتشويه الرجل، وابتزاز ألمانيا، وتركيع كل مثقفيها من أكبرهم إلى أصغرهم. ولكن هيدغر لم يركع، على الرغم من كل الحملات الشرسة التي تتالت عليه منذ نصف قرن حتى اليوم؛ لم يركع، ولم يستطيعوا تحطيم أسطورته الفلسفية.. و«يا جبل ما يهزك ريح»!
فما حقيقة ارتباط هيدغر بالنازية يا ترى؟ في الواقع، إن علاقته بالنازية التي حكمت ألمانيا من عام 1933 إلى عام 1945 لا تتجاوز العشرة شهور! في خلال هذه الشهور العشرة، قبل أن يكون عميدًا لجامعة فريبورغ، وهي عمادة عرضت عليه، ولم يطلبها، ولم يسع إليها أبدًا.
ونظرا لاختلافه مع النازيين، فإنهم أقالوه بعد هذه الفترة القصيرة من احتلاله لهذا المنصب الإداري الرفيع. ومع ذلك، فإنهم يتهمونه بالنازية! وبعد ذلك، وطيلة اثني عشر عاما، ظل بعيدًا عن النظام النازي، بل مكروها من قبله مشتبها به لديه. ومع ذلك، فهم يكذبون على الناس، ويحاولون إقناعنا جميعًا بأنه كان نازيًا خطيرًا.
إنها أكبر كذبة في تاريخ الفلسفة المعاصرة، فالرجل لم يبتعد فقط عن النظام النازي بعد استقالته من عمادة الجامعة، وإنما رفض أن ينشر شيئًا يذكر في ظله. ولم يعد إلى الكتابة والتأليف والنشر إلا بعد سقوط هتلر والنازية، بل إنهم حرموه من التدريس في الجامعة طيلة تلك الفترة الهتلرية، ولم يعد إلى الجامعة إلا عام 1951، أي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ببضع سنوات.
ولكنه لم يكف عن الكتابة طيلة سنوات الحرب. على العكس، فقد أتاح له ذلك أن يختلي بنفسه طويلاً في ذلك الكوخ المذكور في أحضان الطبيعة الغناء لكي يكتب نصوصه الكبرى عن الميتافيزيقا، وعن كانط، وهيغل، وهولدرلين، وريلكه، وبالطبع نيتشه.
فهيدغر لم يكن فيلسوفًا عقلانيًا منطقيًا فقط، وإنما كان أيضًا «شاعرًا» بمعنى من المعاني، أو قل كاتبًا من أعلى طراز. ويمكن اعتبار دراساته عن هولدرلين من أرقى ما كتب في النقد الأدبي. إنه نقد رائع صادر عن فيلسوف عميق، يذهب إلى أعماق الأشياء. وقد استعار من شاعر ألمانيا الأكبر تلك العبارة: الشعر هو العلاقة الأساسية للإنسان بالعالم، بمعنى أن العلاقة الشعرية أهم حتى من العلاقة الفلسفية، ناهيك بالعلاقة الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو النثرية عموما؛ الشعر جوهر الوجود.
ومن الكتب والنصوص الكبرى التي ألفها في الكوخ كليًا أو جزئيًا، نذكر: «مقاربات هولدرلين»، وهو مجموعة دراسات نقدية عن الشاعر الألماني العظيم. وكل من يريد أن يفهم شعر هولدرلين بعمق، ينبغي أن يعود إليها.
وينبغي أن نذكر أيضًا كتابًا ذا عنوان جميل جدًا، هو «دروب تؤدي إلى لا مكان»، أي دروب مفتوحة على المجهول والحرية؛ وهي الدروب نفسها التي كان يسلكها في الغابة، عندما كان يتجول يوميًا بين أشجارها وفي متاهاتها. ومعلوم أنه كان مشاء كبيرًا، على طريقة أستاذه نيتشه. لكن ما معنى أن تمشي وأنت تعرف مسبقًا إلى أين ستصل؟ هذا مشي التكنوقراط، أو خبراء الأمم المتحدة، لا مشي الفلاسفة والشعراء. المشي الحقيقي هو أنك عندما تخرج من بيتك لا تعرف إلى أين ستذهب، ولا أين ستصل؛ إنه مغامرة في قلب الوجود.
وينبغي أن نذكر كتبه الكبيرة الأخرى، مثل: مدخل إلى الميتافيزيقا، أو كانط ومشكلة الميتافيزيقا، أو مبدأ العقل، أو ماذا يعني أن نفكر؟ أو ما معنى الفكر؟ أو ما معنى الفلسفة؟ أو هيغل والإغريق، أو أطروحة كانط عن الكينونة، أو نظرية أفلاطون عن الحقيقة، أو رسالة عن النزعة الإنسانية، أو نهاية الفلسفة ومهمة الفكر في وقتنا الراهن، أو مقالات ومحاضرات...إلخ.
كل هذه الكتب وسواها كثير أصبحت مراجع كلاسيكية في تاريخ الفلسفة المعاصرة، ولا ينبغي أن ننسى نظرياته الشهيرة عن مساوئ الغزو التكنولوجي لحياتنا المعاصرة. فقد اخترع هنا فكرة جوهرية لا تزال تحظى بإعجاب المفكرين الكبار.
وتتلخص نظريته هذه فيما يلي: لقد غزت التكنولوجيا الصناعية عالمنا المعاصر، وهي تكاد تقضي على البيئة وجمال الطبيعة؛ تكاد تقضي على كوخ هيدغر ذاته! وهذا الشيء أصبح يشكل خطرًا على الحضارة البشرية، فالتكنولوجيا ينبغي أن تكون في خدمة الإنسان، لا أن يكون الإنسان في خدمة التكنولوجيا.
ثم إنه إذا ما قضت التكنولوجيا على الطبيعة، فإن ذلك يهدد التوازن البشري في مجمله. فالإنسان بحاجة إلى الطبيعة أيضًا، وليس فقط إلى الآلات والمخترعات التكنولوجية. وينبغي أن يحصل توازن بينهما، وهذا ما تدعو إليه أحزاب البيئة أو الخضر في عالمنا المعاصر، بعد أن أصبحت الكرة الأرضية في خطر. من قال إذن إن الفلسفة لا تؤثر على السياسة؟! لا سياسة عظيمة من دون فكر عظيم.
فقد أصبحت الصرخات ترتفع هنا أو هناك منددة بتلويث الجو من قبل التكنولوجيا ودخان المصانع المرتفع إلى عنان السماء. وبالتالي، فمن يستطيع القول إن كوخ هيدغر لم يؤثر على فلسفته ذلك الكوخ الواقع في أعماق غابة عظيمة مهجورة؟ الغابة السوداء، أو بالأحرى الجبلية الخضراء، كانت أعز على قلبه من كل تكنولوجيات العالم!
أخيرا، ينبغي الاعتراف بأن فكرة هيدغر أعمق وأعقد من ذلك بكثير، ولكن لا يتسع المجال لشرحها هنا.



الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley
TT

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley

الرواية الاستباقيّة (Preemptive Novel) مفهومٌ يقترنُ عضوياً بالمستقبل؛ لذا من المناسب البدءُ بالمستقبل.

لم يكن المستقبل في تاريخ الرواية الحديثة محضَ زمنٍ لم يأتِ بعدُ، بل كان دائماً مساحةً اختباريّةً للأفكار، ومُختبراً أخلاقيّاً تُقاسُ فيه عواقبُ الحاضر ومفاعيلُهُ المُتوقّعة. (الرواية الاستباقية) تحتلُّ موقعاً خاصّاً داخل نطاق الرواية المستقبليّة. هذه الرواية لها خصوصيّةٌ مميّزة: هي لا تكتبُ المستقبل بدافع الفضول أو التخييل الحرّ بل بدافع القلق الواعي.

إنها روايةٌ تنطلق من الخوف؛ لكن ليس ذلك النمط من الخوف الذي يشلُّ قدرات الإنسان وعقله عن الفعل؛ بل هو الخوفُ الذي يستحثُّ دافعيّة التفكير ومساءلة المسارات المتوقّعة قبل أن تتحوّل إلى أقدار كارثيّة مشهودة على الأرض.

الرواية الاستباقية لا تعلنُ الهزيمة من الواقع بل تلاحقُهُ إلى نهاياته الممكنة، وتضع القارئ أمام سؤال يعبثُ براحته الممتدّة وكسله المعيب: هل ما نعيشُهُ اليوم يقودنا، بالضرورة أو بالاعتياد، إلى هذا المصير الذي تتوقّعه الإحصائيات ودراساتُ معاهد الفكر ومراكزُ التفكير الاستراتيجيّ؟

ما قدّمتُهُ أعلاه هو وصفٌ للرواية الاستباقيّة، وهو لا يُغني عن تقديم تعريف تقني لها. تُعرَّفُ الرواية الاستباقية بأنّها شكلٌ سرديٌّ يتناول المستقبل القريب أو المتوسّط، لا بوصفه تنبؤاً غيبيّاً، ولا نبوءة أدبية، بل بوصفه نتيجة منطقية لمسارات قائمة في الحاضر. ليس من شأن هذه الرواية أو اهتماماتها الإبداعيّة أن تخترع عالماً كاملاً من مادّة الخيال الخالص، بل تعملُ على تصوّر شكل المستقبل عبر تضخيم عناصر واقعيّة قائمة، منها على سبيل المثال: السلطة، البيروقراطية، التقنيّة، السوق، الإعلام، الخوف، أو حتى اللغة نفسها. بهذا الفهم لن تكون الرواية الاستباقيّةُ خيالاً علميّاً بالضرورة وإن وظّفت بعض أدواته. لو شئنا الاختصار سنقول إنّها أدبٌ تحليليٌّ نقديٌّ ذو طبيعة استشرافيّة، تتناول الديستوبيا الكارثيّة في معظم الحالات، وتتّخذُ من السرد وسيلةً بديلةً عن الأطروحات الأكاديميّة، ومن المستقبل فضاءً روائيّاً لزمن مشخّص دون الماضي والحاضر.

ثمّة تمييزان ضروريّان في هذا الميدان. تختلفُ الرواية الاستباقية عن كثير من أدب المستقبل (Literature of Future) في كيفية توظيف الخيال. الخيالُ في الرواية الاستباقيّة ليس غاية بل وسيلةٌ فحسب مثلما هو في رواية المستقبل. يبدو أنّ هذا هو السبب الذي يجعلُ الروايات الاستباقيّة قاتمة أو مزعجة لأنّها لا تقدّمُ عزاءً، ولا بطلاً منقذاً، ولا نهاية مطمْئِنة. هي تضعُ القارئ أمام بُنْية كاملةٍ من الفشل الجماعي، حيث لا تكون الكارثة نتيجة شرّ فردي الطابع بل حصيلةُ نظامٍ، واعتياد، وقبولٍ طوعيّ طويل الأمد.

لا بدّ أيضاً من التمييز الواضح بين الرواية الاستباقيّة ورواية التاريخ البديل (Alternate History Novel). رواية التاريخ البديل تعيدُ فتح ملفّات الماضي، وتتناولهُ بوسائلها السرديّة؛ منطلقةً من سؤال افتراضي:

ماذا لو لم يحدث ما حدث؟ وهي بذلك تعيد تخيّل التاريخ عبر نقطة انعطاف محددة، غالباً بهدف الملاعبة السرديّة المحضة أو مساءلة فكرة الحتّمية التاريخية (سعياً لتفنيد هذه الفكرة ودحضها). الرواية الاستباقية، وعلى العكس من رواية التاريخ البديل، تنطلق في خطّ الشروع من الحاضر، وسؤالُها المركزيُّ ليس: ماذا لو تغيّر الماضي عند واقعة مفصليّة فيه؟ بل: ماذا لو لم يتغيّر الحاضر ومضى في مساراته الحاليّة؟ الرواية الاستباقيّةُ هي روايةُ الاستمرارية الخطِرة، حيث لا تنشأ الكارثةُ من حدث استثنائي بل من الاعتياد، والتطبيع مع الفكر الكارثي، والتأجيل المتكرّر لمحفّزات المخاطر الوجوديّة المستقبليّة؛ لذا فهي أكثر التصاقاً بالواقع، وأكثر قدرة على إزعاج القارئ لأنّها لا تقصد طمأنته أبداً. يمكنُ إضافةُ ملاحظة أخيرة: الرواية الاستباقيّة، حسب الأنماط الشائعة منها، هي رواية ديستوبية وكارثيّة. دعونا نسمِّها رواية التحذير من الديستوبيا الكارثيّة.

*****

من المناسب هنا تقديمُ نماذج كلاسيكية من الرواية الاستباقيّة. المثيرُ والغريبُ معاً أنّ كثرةً من الروايات التي شاعت في الأدب العالمي هي روايات استباقيّة معياريّة. رواية «1984» إحدى هذه الروايات. لم يكتب أورويل عن مستقبل بعيد بل حلّل آليّات الشمولية الحديثة: السيطرة على اللغة، وإعادة كتابة الحقيقة، وتحويل المراقبة إلى أسلوب حياة. الأخ الأكبر في الرواية ليس فرداً بل بنية سلطةٍ شاملةٍ تبدأ من الوعي قبل أن تصل إلى الجسد. «عالم جديد شجاع» نموذجٌ ثانٍ. في مقابل القمع الشموليّ الذي يكتب عنه أورويل، يقدّمُ ألدوس هكسلي عالماً قائماً على اللذّة المُنَظّمة. السيطرةُ هنا لا تُمارَس بوسائل عنفيّة بل بالإشباع والاستهلاك في نطاق مجتمع يتخلّى عن الحرية لأنّهُ لم يَعُدْ قادراً على تحمّل قلق خياراتها الكثيرة. «حكاية الخادمة» نموذجٌ ثالث. رواية استباقية سياسية - نسوية، أعادت فيها مارغريت آتوود تركيب أشكال قمع تاريخية حقيقية في مستقبل قريب، مؤكّدَةً أنّ الاستبداد لا يولَدُ من فراغ بل يُعادُ إنتاجُهُ حين تتغيّرُ اللغة وتُبرَّرُ السيطرة باسم الأخلاق أو المسعى الخلاصي. «فهرنهايت 451» نموذجٌ رابع. هذه ليست رواية عن حرق الكتب فحسب بل عن مجتمعٍ يتخلّى عن التفكير طواعيّةً، حيث تصبح الرثاثةُ فضيلة، ويغدو التفكّرُ العميق تهديداً للاستقرار. «نحن»، روايةُ يفغيني زامياتين نموذجٌ خامس. تعدُّ هذه الروايةُ إحدى الروايات التأسيسيّة للرواية الاستباقية، حيث تتحولُ فيها العقلانية المطلقة إلى أداة لسحق الفرد باسم النظام والشفافية.

لو شئتُ اختيار رواية استباقيّة نموذجية في القرن الحادي والعشرين فسأختارُ رواية «الطوفان»، Deluge، المنشورة عام 2023، ومؤلّفها هو الروائيّ - الصحافي الأميركي ستيفن ماركلي Stephen Markley. تمثل رواية «الطوفان» ذروة معاصرة للرواية الاستباقية؛ إذ تجري وقائعها في مستقبل قريب للغاية يكاد يكون امتداداً مباشراً للَّحظة الراهنة. تتابعُ الرواية مصائر شخصيات متعددة على شاكلة نشطاء بيئيين، وعلماء، وسياسيين، ورجال أعمال، ومواطنين عاديين، في عالم ينهار تدريجيّاً تحت وطأة التغيّر المناخي؛ غير أنّ الكارثة هنا لا تأتي على شكل نهاية مفاجئة بل كعملية بطيئة مؤلمة. تكشف الرواية عن كيف تتحول الأزمات البيئية إلى أزمات سياسية وأمنية، وكيف تُستخدَمُ حالةُ الطوارئ لتبرير أنماط جديدة من السيطرة. إنّها رواية لا تحذّرُ من الديكتاتور الفرد بل من نظام كاملٍ يتغذّى على الخطر ويطيلُ تأثيره لدى الناس.

*****

لا تعمل الرواية الاستباقية على مستوى التخييل السياسي فحسب؛ بل تؤدّي وظيفة أعمق تختصُّ بإعادة تشكيل الوعي الجمعي. هي لا تخاطبُ القارئ بوصفه فرداً معزولاً بل بوصفه جزءاً من هيكل مؤسّساتي: دولة، سوق، ثقافة، أو شبكة تقنية. هي تقول للقارئ من غير تصريح مكشوف: أنت لست بريئاً بالكامل من الكارثة المقبلة. أنت تسرّعُ في قدومها بفعل القبول بالوضع السيّئ الراهن، والتكيّف معه، واللامبالاة المُفْجعة، وإيثار السلامة الشخصية على الصالح العام.

يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب مقاومة (Resistance Literature). تنبعُ خاصيّة المقاومة في هذه الرواية من أنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة. تتعزّزُ جرعة المقاومة فيها من حقيقة أنّها لا تقدّمُ حلولاً جاهزة بقدر ما تنشغلُ بتعرية المسارات الكارثية الراهنة المنذرة بكوارث مستقبليّة أعظم.

فتحت النماذج الروائيّة الاستباقيّة الكلاسيكيّة أمامنا نوافذ عظيمة لمكاشفة أنفسنا بشأن المستقبل، وأظنّنا في أشدّ الحاجة اليوم إلى هذه الرواية؛ فالمستقبل لم يَعُدْ بعيداً كما يُزيّنُ لنا تقاعسُنا عن الفعل، ولأنّ الكارثة لم تَعُدْ استثناءً. إنها لا تنفكُّ تذكّرُنا بأنّ التاريخ لا يقفز فجأة إلى المشهد بل ينزلق بصمت.

حين يتقدّم السردُ على التاريخ في الرواية الاستباقيّة فهو لا يفعل ذلك بدافع الرغبة في التفوّق بل بدافع الإنذار الخطير: قد يكونُ هناك وقتٌ؛ لكنْ لا تتوهّموا أبداً. ليس وقتاً طويلاً. الاسترخاءُ والكسل والاعتياد ليست خيارات مناسبة، ونحنُ إزاء مستقبلٍ يحملُ نُذُرَ الكارثة العالميّة التي قد تكون أعظم بكثير من قدرتِنا على التحمّل فضلاً على المواجهة. يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب المقاومة... إنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً

إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة


«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا
TT

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

يُقال في علم عناوين الكتب (Titology): «كلما تساءلنا كيف نتحدث عن الكتب هرعت العناوين لإنقاذنا»، ولكنني الآن لا أهرع إلى عنوان هذا الكتاب «رسالة اللا غفران نقدٌ ثقافي على تخوم مضطربة» لحسام الدين محمد، بوصفه منقذاً، ولكن لأنّه عنوان يفرض نفسه بنفسه ويغرينا بالحديث عنه.

يصعب علينا أن نتناول هذا العنوان بالتحليل والتأويل من غير أن نستدعي عنوان كتاب «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري (ت: 449 هـ)، لأننا أمام إحالة تراثية بيّنة يستند العنوان إليها بجلاء ويستثمر فيها بذكاء. وكتاب «رسالة الغفران» عملٌ نثريٌّ فريد في التراث العربي، يجمع بين السرد التخيّيلي، والنقد الأدبي واللغوي، والتأمّل الفلسفي، وقد كُتب جواباً على رسالة ابن القارح، لكنه تجاوز إطار المناسبة ليطوّف في رحلة أخروية متخيَّلة إلى عوالم الجنة والنار كاشفاً عن وعيٍ مبكِّر بدور الخيال بوصفه أداة نقد معرفي لا مجرد وسيلة ترفيه.

يستدعي المعري في هذه الرحلة عدداً لا بأس به من الشعراء كشعراء المعلقات ولبيد والأعشى، واللغويين كالفراهيدي والأصمعي، والنحاة كسيبويه والكسائي، والمتكلّمين كأبي الهذيل العلاف وأبي الحسين البصري، وسواهم من شخصيات مختلفة من آل البيت أو الصحابة أو الخلفاء أو رجال السلطة، ومن خلال ما يورده من أخبار ومناقشات يمتحن عدالة الأحكام البشرية، ويتأمل في القيم الأخلاقية، وسلطة اللغة في إنتاج المعنى متوسّلاً المفارقات اللغوية، والتلاعب الأسلوبي، والتهكّم العميق شبه المكتوم، ليقول ما لا يُقال وهو يفضح هشاشة الفهم البشري من غير أن ينتهي إلى إنكار الإيمان الديني.

في «رسالة اللا غفران» نحن أمام رحلة أيضاً، لكنّها غير متخيلة ولا ساخرة ولا متهكمة. رحلة في عوالم شخصيات متنوعة تراثية ومعاصرة: شعراء وأدباء وفلاسفة ومفكرين عرباً وغربيين، وفي أثناء تلك الرحلة يمور الكتاب بالمقاربات اللّماحة والمقارنات المحفزة: المتنبي وابن هانئ الأندلسي، فراس السواح وفاطمة المرنيسي، المسيح وغيفارا، جان جاك روسو وبرتراند راسل، فوكو ودولوز، محمود درويش وسليم بركات، جمال عبد الناصر وسيد قطب، ماو وهتلر، وسواهم.

يشير عنوان «رسالة اللا غفران» إلى أننا أمام مساءلة أخلاقية لا تصالحية، ترفض التسويات الرمزية، وتعارض ثقافة التسويغ والتسامح المجاني، ولا تتجاوز الحدّ الذي ينقلب فيه الغفران من فضيلة إلى رخاوة وتساهل، وهذا يتناغم تماماً مع توصيف الكتاب الفرعي: نقد ثقافي على تخوم مضطربة. وهذه التخوم هي العنف، والسلطة، والشر، والتواطؤ الثقافي، والتدليس الفكري، والانحراف القيمي، وهي مناطق لا يصلح معها خطاب الغفران السهل.

فلا غفران لأدونيس وهو يؤلّه نفسه، أو يخوض معركة التفكيك والنقد والمساءلة لفكر طائفة معينة بدعوى أنّ فكرها فكر اتِّباع، ويغض الطرف عن فكر طائفة أخرى هي بحاجة أيضاً للتفكيك والنقد والمساءلة بدعوى أن فكرها فكر إبداع. ولا تهاون مع الكاتبين بو علي ياسين ونبيل سليمان في أطروحتهما الأدب والآيديولوجيا التي استخدما فيها النظرية الماركسية الناجزة والمكتفية فتحول الأدباء السوريين موضوع دراستهما إلى مجرد: رجعيين، أو ليبراليين رأسماليين، أو برجوازيين صغار مضللين، أو أدباء تقدميين. وفي تحليلهما لأسباب النكسة يوجهان السياط إلى «التخلف»، ويقتصر نقدهما لقائدي النكسة صلاح جديد وحافظ الأسد على قصورهما وانحرافهما عن الفكر الاشتراكي.

في «رسالة اللا غفران» نقرأ عن الماغوط، وكيف قبل رئاسة تحرير «مجلة الشرطة»، وحيدر حيدر وحرب الثقافات السورية، ومظفر النواب الذي شرعن الغوغائية وأعطاها لبوس الأدب، وعن حكم البابا ذلك الثوري النزق الذي كان سيصيب المعري نفسه بالحيرة في الحكم عليه، فكثير من حسنات جرأته وشجاعته وتصديه للسلطة الأسدية واضحة، وكثير من سيئاته وأذيته وأخطائه السياسية فاضحة، ويشابهه في ذلك رسام الكاريكاتير علي فرزات الذي يهوي من عبقرية الرسم إلى قاع شتّامي «الفيس بوك» ممن قرّر أن يتبارى معهم، أو سعدي يوسف الذي تخلفت مواقفه العملية عن مواقفه النظرية الثورية.

يأتي عنوان «رسالة اللا غفران» في خضم حديث الشارع السوري عن العدالة الانتقالية ليقول بأنّ الغفران ليس قيمة أخلاقية بريئة، بل قد يكون أداة لإغلاق الملفات، أو تقنية لمحو الذاكرة، أو لغة لتبييض الجرائم، أو شرطاً للاستقرار الزائف، وعليه، فإن «رسالة اللا غفران» تعني: رفض تحويل الثقافة إلى محكمة تصالحية بلا عدالة، وهذا ينسجم مع موضوعات الكتاب العديدة التي تناولت الإبادة، والفن، والسلطة، والمثقف، والاستبداد، والشر، والمسؤولية.

أما العنوان الفرعي «نقد ثقافي على تخوم مضطربة»، فيطرح النقد الثقافي بوصفه تجاوزاً للنقد الأدبي التقليدي حين بدا هذا الأخير عاجزاً عن الإحاطة بما يتجاوز النص من أنساق وسلطات وتمثيلات تعمل في عمق الخطاب. فالنقد الثقافي لا ينطلق من سؤال الجمال أو البلاغة أو القيمة الفنية وحدها، بل من الأسئلة الكبرى: من يتكلم؟ باسم من؟ ولصالح أي سلطة؟ وكيف تُنتج المعاني وتُشرعن؟ وهنا يأتي النقد الثقافي ليقدم قراءةً تفكيكيةً للخطابات، فتتعامل مع النصوص الأدبية على اختلاف أجناسها بما هي نصوص ثقافية تخضع لمنطق التمثيل والهيمنة، فالنص، في هذا المنظور، ليس بريئاً، ولا معزولاً، بل محمّل بأنساق مضمَرة: نسق السلطة، ونسق الذكورة/الأنوثة، ونسق المركز/الهامش، ونسق الاستعمار/التحرر، ونسق العقلانية/الأسطرة.

الميزة الجوهرية للنقد الثقافي أنّه لا يسأل: هل النص جميل؟ بل يسأل: ما الذي يمرّره النص دون أن يصرّح به؟ وأهم ما يكشفه النقد الثقافي أنه يفضح تواطؤ الأدب أحياناً مع السلطة أو القيم المهيمنة، وهذا ما أنجزه حسام الدين محمد في نصوص هذا الكتاب.

يفعّل كاتبنا النقد الثقافي بتوسيع مفهوم «النص»، فالحدث السياسي، أو الخطاب الإعلامي، أو الشخصية العامة، أو حتى الجدل حول شاعر أو روائي يتحوّل عنده إلى نصّ ثقافي قابل للقراءة والتحليل، واكتشاف أنساقه الثقافية التي تنتج الحدث وتمنحه شرعيته ودلالته، فحين يكتب عن الصراع السوري، أو عن التاريخ الإسلامي المبكر، أو عن الإبادة في البوسنة، أو عن التعقيدات الهائلة بين السيرة والفكر لدى بعض الشعراء أو الفلاسفة فهو لا يتعامل مع الوقائع بوصفها معطيات سياسية فقط، بل بوصفها خطابات محمّلة بتمثيلات وقيم وأساطير، وبهذا المعنى، يحقق كاتبنا جوهر النقد الثقافي، وعلى سبيل المثال لا يقف في تناوله لصعود ترمب أو الشعبوية الغربية عند شخصية الرئيس أو قراراته، بل يعمل على تفكيك النسق الثقافي الذي سمح بصعوده: نسق الخوف. نسق التفوق الأبيض. نسق تآكل العقلانية الليبرالية. هنا تصبح الحالة الترمبية علاوة على كونها «شذوذاً سياسياً» عرضاً ثقافياً لخلل أعمق في بنية الوعي الغربي.

تجدر الإشارة هنا إلى أسلوب الكاتب البياني الذي امتاز بلغة تحليلية واعية بوظيفتها، قليلة الزخرفة، حذرة من الإيقاع الخطابي، وهذا يتماشى مع النقد الثقافي الذي يرى اللغة أداة سلطة، ولذلك استخدمها برصانة واتّزان.

في علم عناوين الكتب يُقرأ العنوان ثلاث مرات دلالياً: قبل قراءة الكتاب على سبيل التوقّع، وفي أثناء قراءته لاختبار هذا التوقع، وبعد القراءة لإعادة بنائه، وبإمكاننا القول: إذا لم نكن في «رسالة الغفران» للمعري أمام دعوة للغفران، بل أمام نقد ومساءلة لمنطق الغفران نفسه، فهذا يعني أنّ عنوان كتاب حسام الدين محمد «رسالة اللا غفران» هو امتداد لروح «رسالة الغفران» النقدية، ولكن دون توسّل التهكم الغائم أو الخفي، وكأنّ الغفران الساخر هو نفسه اللا غفران الجاد.

* كاتب سوري


رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
TT

رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك

ودّعت الأوساط الثقافية في قطر، ودول الخليج، يوم الأحد، الإعلامي والروائي القطري الدكتور أحمد عبد الملك، الذي وافته المنية بعد معاناة مع المرض عن (75 عاماً).

مثّل الدكتور أحمد عبد الملك، نموذجاً للإعلامي والمثقف والكاتب الذي لا يكل ولا يمل، فقد سخّر حياته كلها للعمل الإعلامي والإذاعي ومعها اشتغل بكتابة الأعمال السردية، من القصة والرواية والمسرح، التي ملأت فضاء الخليج إبداعاً، وعبرت عن الروح القطرية والخليجية، كما عبّرت عن هموم الناس وتطلعاتهم... وكان صوته تعبيراً صادقاً عن ضمير المثقف.

وقد نعته وزارة الثقافة القطرية وقالت إنها «تنعى ببالغ الحزن والأسى وفاة أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في دولة قطر الدكتور أحمد عبد الملك الحمادي».

كما نعاه الدكتور حمد بن عبد العزيز الكوّاري، وزير الثقافة القطري الأسبق، (وزير دولة حالياً)، معتبراً أن الراحل الدكتور أحمد عبد الملك، كان «أحد أعلام الأدب الذين لم يخفت بريقهم، وصوتاً ثقافياً ظلّ حاضراً في الوجدان القطري والخليجي والعربي».

وتحدث عن تعيينه مديراً للدائرة الإعلامية في مجلس التعاون الخليجي بالرياض، «فكان خير من يمثل بلده، عمل بإخلاص وتفانٍ واقتدار»، ثم عاد ليعمل في وزارة الثقافة القطرية، «فاشتغلنا معاً في هذه المجالات الحيوية بنشاطٍ لا ينقطع وهمّة لا تفتر».

وقال إن عبد الملك «كان إلى جانب حضوره الإعلامي، مسؤولاً ومثقفاً ملتزماً، وإعلامياً بارزاً، ومقدّم برامج، ومشاركاً دائماً في الحوارات الفكرية والثقافية، وناقداً أدبياً وروائياً مميزاً، ترك بصمته في المشهد الثقافي بكتاباته الجريئة وأعماله السردية التي لامست هموم الإنسان والمجتمع. حظي بقرّاء ومتابعين أوفياء في قطر والخليج والعالم العربي، وكان قلمه جسراً للحوار والتنوير، وصوته معبّراً عن وعي المثقف ومسؤوليته».

كما نعاه الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، (الذي كان مقيماً في قطر)، واصفاً الأديب الراحل بأنه «كان غزير المشاعر، طيب السريرة، وافر الكرم (...) وكان أديباً واسع المعرفة، وإعلامياً حقيقياً. ترك أثراً ثقافياً كبيراً في بلده، (...) بذل جهده في رفع اسم قطر».

د. أحمد عبد الملك

سيرة إبداعية

الدكتور احمد عبد الملك (مواليد 1951)، حصل على درجة الماجستير في الإعلام التربوي من جامعة مدينة نيويورك - بافلو - بالولايات المتحدة سنة 1983، ثم حصل على الدكتوراه في الصحافة من جامعة ويلز في بريطانيا عام 1989.

في عام 1972 بدأ العمل رسمياً مذيعاً في تلفزيون قطر عام 1972، وشغل منصب رئيس وحدة النصوص والترجمة، ثم شغل منصب رئيس قسم الأخبار عام 1976. وشغل منصب رئيس تحرير جريدتين قطريتين. كما عمل مديراً للشؤون الإعلامية بمجلس التعاون الخليجي من عام 1993 إلى عام 1999، وعمل مستشاراً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام بجامعة قطر من عام 1983 إلى عام 2004، وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام في كلية المجتمع عام 2014.

للدكتور أحمد عبد الملك عدد من التجارب الروائية، من بينها: «أحضان المنافي» (2005)، و«القنبلة» (2006)، و«فازع شهيد الإصلاح في الخليج» (2009)، و«الأقنعة» (2011)، و«الموتى يرفضون القبور» (2016)، و«شو» 2016، و«غصن أعوج» 2017، ومن مؤلفاته الأدبية، في النثر الفني: «رسائل إلى امرأة تحترق» 1982، و«مهاجر إلى عينيك» 1992، و«شيء من الهمس» 1993، و«امرأة الفصول السريعة» 2002، و«مدينة القبور» 2007. وفي القصة القصيرة له: «الغرفة 405» 1997، و«أوراق نسائية» (جزآن) 2001–2002، و«وشوشات الروح» 2012، و«نوافذ على شرفة الروح» 2014. وفي المسرح: «المعري يعود بصيراً» 2005.

كما كتب عدداً من الدراسات في مجال الإعلام من بينها: «المذيع التلفزيوني: مبادئ ومواصفات»، 1983، و«الجانب الآخر لنشرة الأخبار التلفزيونية» 1986، و«أغسطس الرعب»، (توثيق غزو الكويت) 1991، و«فضائيات» 2000، و«قضايا إعلامية» 1999، و«دراسات في الإعلام والثقافة والتربية» 2002، و«اتجاهات صفحات الإذاعة والتلفزيون في الصحف القطرية» 2003، و«إعلاميون من طراز جديد» 2003، و«كيف تكون مذيعاً ناجحاً؟» 2004.

كما كتب في النقد الأدبي عدة كتابات بينها دراسته «الرواية القطرية... قراءة في الاتجاهات» التي صدرت في كتاب عام 2015، وترصد وتحلل الإنتاج الروائي القطري على مدى 22 عاماً منذ عام 1993 حين صدرت الرواية القطرية الأولى «العبور إلى الحقيقة» للكاتبة شعاع خليفة.

وحازت روايته «ميهود والجنية» على جائرة «كتارا» للرواية العربية.