مستقبل الترجمة.. آلات في مواجهة البشر

٢٣ خبيرًا وباحثًا في الدورة الأولى لمؤتمر دبي للترجمة

أهداف سويف (وسط) تدير إحدى الجلسات  ({الشرق الأوسط}) - شعار المؤتمر
أهداف سويف (وسط) تدير إحدى الجلسات ({الشرق الأوسط}) - شعار المؤتمر
TT

مستقبل الترجمة.. آلات في مواجهة البشر

أهداف سويف (وسط) تدير إحدى الجلسات  ({الشرق الأوسط}) - شعار المؤتمر
أهداف سويف (وسط) تدير إحدى الجلسات ({الشرق الأوسط}) - شعار المؤتمر

يعد مؤتمر دبي للترجمة الذي افتتح أعماله في مقر جامعة محمد بن راشد للطب والعلوم الصحية، في مدينة دبي الطبية، في العشرين من الشهر الحالي، والذي انتهت أعماله أمس، أول مؤتمر دولي للترجمة في المنطقة. وقد احتضن المؤتمر الذي نظمته مؤسسة الإمارات للآداب بالشراكة مع المجلس التنفيذي لإمارة دبي، بالتزامن مع إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2016 عامًا للقراءة، وإطلاق السياسة الوطنية للقراءة، مجموعة مترجمين وأدباء ومختصين قادمين من جامعات ومؤسسات أكاديمية دولية. واتسمت فعالياته بالشمولية والتنوع، عبر جلسات قدمها 23 خبيرا وباحثا، على شكل محاضرات مركزة وورش عمل متخصصة، لإثراء الحراك المعرفي للترجمة، ورفع سوية هذه الصنعة الحضارية.
وفي افتتاح المؤتمر، أكد الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير الثقافة وتنمية المعرفة، على أهمية الترجمة في حياتنا العربية، واعتبرها من أهم أسس نهضة العرب، كما استعرض تاريخ الترجمة في الثقافة العربية منذ هارون الرشيد والمأمون وبيت الحكمة إلى وقتنا الحاضر، وأشار إلى تقدم العرب والمسلمين في هذا المجال، وقيامهم بالترجمة من اللاتينية والفارسية والتركية والسنسكريتية والعبرية وغيرها.
وقالت الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي، وزيرة الدولة للتسامح: «إنَّ الترجمة هي سبيلُنا لفهمِ ومعرفةِ الآخر، تفاعلاً مع ثقافتِهِ وحضارته، وإثراءً لتواصلنا الإنساني والمعرفي، كما تُعيننا التّرجمةُ على تعزيزِ قيمِ التّسامُحِ والحوارِ والتّفاهمِ وقبولِ الآخر.
أما عبد الله الشيباني، أمين عام المجلس التنفيذي لإمارة دبي، فألقى كلمة قال فيها: «وإذ أُمعن النظر، فإنني أدركُ أنَّ ذلك الجيلَ لم يكن ليعيشَ قلقَ (هاملت) وأسئلتَه الكبرى ذات يوم، أو تمزقَ (الملك لير) وندمَه، أو سذاجَة (عُطَيْل) وغيرتَه، أو طموحَ (مَكبِث) ونهايتَهُ، لولا النصوصُ الرائعةُ التي قدمها له جبرا إبراهيم جبرا في (المآسي الكبرى) لشكسبير. كما أن ذلك الجيلَ الحالم لم يكن ليجولَ في شوارعِ وأزقةِ (سان بطرسبرغ) في روسيا القيصرية بصحبةَ (غوغول) و(تشيخوف) و(ديستوفسكي) وغيرَهم، لولا العملُ الدؤوبُ لأبي بكر يوسف وسامي الدروبي. أما (ماكوندو)، تلك القريةُ المنعزلةُ في ثنايا غابات الأمازون، فقد كان سامي الجندي هو أول من رسم له خريطتَها، وأرشدَه إلى دربِها، بصحبةِ (ماركيز)».
وفي هذا الشأن، قالت السيدة إيزابيل أبو الهول، الرئيسة التنفيذية وعضو مجلس أمناء مؤسسة الإمارات للآداب، ومديرة مهرجان طيران الإمارات للآداب: «لقد حرصنا على وضع برنامج شامل وتثقيفي، يتناول قضايا الترجمة بشكل محفز وممتع في الوقت ذاته»، مضيفة: «غالبًا ما يُنظر إلى الترجمة باعتبارها موضوعًا مملاً، ولكننا نأمل أن يُلقي هذا المؤتمر الضوء على مكانة الترجمة الحقيقية، وأهميتها التي تزداد بشكل خاص في مجال الأدب والأعمال الروائية، إذ تفتح الترجمة للقرّاء عوالم جديدة، وتوسع مداركهم، وتزيد من اطلاعهم على الثقافات ووجهات النظر المختلفة»، لافتة إلى أنه على الرغم من وجود 22 دولة ناطقة بالعربية، فإن العربية لا تزال متراجعة عن اللغات الأخرى، من حيث عدد الكتب التي تتم ترجمتها ونشرها سنويا، ومؤكدة على أن النصوص المترجمة تشكل مصدرًا أساسيًا وغنيًا، ووسيلة ناجعة لنقل العلم والمعرفة.
وقد شارك في المؤتمر مجموعة من الكتّاب والأدباء والمترجمين والمثقفين، منهم: أهداف سويف،، واليازية خليفة، وكريستينا حايك، وكلايف هوبز، وفراس الشاعر، وغانم السامرائي، وهيمفري ديفيز، وإيمان شيبة، وليزلي ماكلوكلين، ومايكل كوبرسون، ومحسن الموسوي، ونانسي روبرتس، ونوره النومان، ونجوم الغانم، وفيليب كيندي، وغيرهم.
وعُقدت في اليوم الأول من المؤتمر أربع جلسات: تناولت أولاها «رحلة الترجمة عبر تاريخ الأدب العربي»، واشترك فيها كل من محسن الموسوي، وكلايف هولز، وتتبعت الجلسة المراحل التاريخية للترجمات من العربية إلى الإنجليزية التي بدأت بترجمة القرآن منذ العهد العثماني، وتواصلت إلى اليوم، وتظهر كثرة الترجمات التي حظي بها القرآن على مدى تلك القرون الأهمية التي أولتها المجتمعات الأخرى لهذا النص المقدس الذي هو مفتاح فهم الإسلام والشعوب المسلمة، كما تطرقت الجلسة أيضًا إلى ترجمة الأدب العربي، والأهمية التي اكتسبها في العصر الحديث.
وأما الجلسة الثانية، فكانت بعنوان «عامل الإبهار.. الترجمة من العربية إلى الإنجليزية»، وقد تحدثت فيها أهداف سويف، وهيمفري ديفيز، ودارت حول المعايير التي يجب اعتمادها في اختيار الكتب لترجمتها. وجاءت الجلسة الثالثة تحت عنوان «الترجمة التجارية.. هل هي اتجاه مستمر؟»، بمشاركة مايا كسرواني ومحسن الموسوي ومحمد حماد، ودارت حول سلبيات التهافت على أكثر الكتب مبيعا والكتب التجارية وأفلام الرعب في الوطن العربي. وانعقدت الجلسة الرابعة تحت عنوان «ما يستعصي على الترجمة»، وتحدث فيها كل من فراس الشاعر، وليزلي ماكلوكلين، وكلايف هولز، ومايكل كوبرسون، ودارت حول كيفية استيعاب الترجمة للكلمات الأجنبية والمصطلحات التي تستحدث.
ومن المواضيع التي ناقشها المؤتمر: «أثر انتشار الترجمة التجارية على جودة النصوص الأدبية»، و«الدبلوماسية الأدبية.. تغيير التوجهات ومناطق الخطر في الترجمة»، و«الترجمة الآلية.. ما لها وما عليها». كما قدم المؤتمر فرصة للاستماع لآراء المؤلفين والمترجمين ووجهات نظرهم.
وفي اليوم الثاني، قدمت جلسات متنوعة أخرى، مثل: جلسة «أي نوع من المترجمين أنت؟»، نظرة متعمقة في صناعة الترجمة. وقد تحدث فيها محسن الموسوي وكلايف هولز عن دور المترجم في الارتقاء بالنص الأصلي، ومدى الاقتراب من النص الأصلي، والمبادئ التوجيهية الأساسية في صناعة الترجمة، وكذلك تدريب المترجمين على أفضل الممارسات.
وفي جلسة «الطلب على المترجمين.. آفاق مهنة الترجمة»، تحدث كل من غانم السامرائي وهيمفري ديفيز واليازية خليفة، وتطرقوا إلى آفاق الترجمة الواسعة في ميادين الإعلان والصحافة والدوائر الحكومية والآداب والطب والترجمة الفورية وترجمة السينما والتلفزيون، كما تطرقوا للتدريب الأكاديمي الحالي، وما يحتاجه المترجم من مهارات، وكذلك تناولوا التخصص في الترجمة وتقييم المترجمين، وتقدير أجورهم وأتعابهم نظرًا لهذا التقييم.
وفي جلسة «من كاتب إلى مترجم.. ومن مترجم إلى كاتب»، تحدث كل من أهداف سويف وليزلي ماكلوكلين ونورة النومان عن هل يمكن أن يكون الكتّاب أهم المترجمين؟ وهل بمقدور المترجم أن يتقمّص شخصية الكاتب وأسلوبه؟ وهل يظل الناشر صاحب الكلمة الأخيرة؟ وتناول فراس الشاعر ومحمد حماد ونجوم الغانم موضوع بعث الحياة في الأعمال الأجنبية من جديد، من خلال الترجمة التي تظهر على الشاشة عندما نشاهد الأفلام والبرامج التلفزيونية، وهل سيمكن الارتقاء بمستوى الترجمة؟ وتحدث هيمفري دسيفيز وفيليب كينيدي عن الدبلوماسية الأدبية، وتغيير التوجهات ومكامن الخطر في الترجمة، وتوسيع قراءات المترجمين، وكيفية مساهمة ذلك في مّد جسور التفاهم بين الأمم وكسر الحواجز، كما تحدثت أهداف سويف عن كتبها التي كتبتها باللغة الإنجليزية، وهي من بين الأكثر مبيعًا.
وفي جلسات اليوم الثالث، تحدث كل من غانم السامرائي واليازية خليفة ومحمد حماد وكريستينا حايك عن تأثير أجهزة الكومبيوتر والإنترنت والهواتف المحمولة والتواصل العالمي في الترجمة، والفرق بين القاموس الورقي والقاموس الإلكتروني، والتكيّف مع المستقبل دون إغفال قيمة المساهمة البشرية.
وتحدث محسن الموسوي وفراس الشاعر ونانسي روبرتس في «فرخ البط عوّام.. لذا لا تضع كل بيضك في سلة واحدة»، وهي جلسة مخصصة للمقارنة بين الأمثال والأقوال المأثورة والتعابير الاصطلاحية في الترجمة، وكيفية تجنّب الأخطاء الشائعة، وضمان إيصال المعنى للمتلقي على وجه الدقة، ومواكبة التعابير الجديدة، واستخدام اللغة.
وفي جلسة «التمكن من العربية.. إتقان العربية وخوض غمار التجربة»، تحدث كل من كلايف هولز وليزلي ماكلوكلين ومايكل كوبرسون عن أن اللغة العربية من أصعب اللغات في الترجمة من اللغات الأخرى.
وفي الجلسة الختامية «مستقبل الترجمة.. آلات في مواجهة البشر»، تحدث كل من فيليب كينيدي وغانم السامرائي ونانسي روبرتس عن الأجهزة ومدى قدرتها على مضاهاة قدرة الإنسان على ترجمة اللغات في السنوات المقبلة، واتفق المشاركون على أن العنصر الإنساني ضرورة قصوى في إتقان الترجمة الحقيقة الفاعلة الدقيقة.
وتعامل المشاركون في مؤتمر دبي للترجمة مع الترجمة باعتبارها جسرًا مفتوحًا باتجاهين يعبر المسافات بين الشعوب والثقافات.



كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ
TT

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ

لطالما كانت الكتب والمؤلفات التي حمّلها الكتّاب والمبدعون منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، عصارات عقولهم وخلاصات حدوسهم ومكابداتهم، موضع احتفاء دائم من قِبل ملايين القراء، الذين رأوا فيها زادهم المعرفي، ودليلهم إلى الطريق القويم، والضوء الذي يخرجهم من نفق الجهالة. وقد يكون أبو عثمان الجاحظ أحد أكثر المشتغلين بالأدب احتفاء بالكتاب وإطراء لمحاسنه، وهو الذي اعتبر في «البيان والتبيين» أن الكتاب هو «الجليس الذي لا يُطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملُّك، والجار الذي لا يستبطئك». ولعل في توصيف الجاحظ للكتاب، ما وجد صداه اللاحق في قول المتنبي «أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ، وخير جليسٍ في الأنام كتابُ».

اللافت أن دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها، بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي، ومحرضاً على الإلهام، وموضوعاً للاحتفاء من قبل الكتّاب والمؤلفين، الذين لم يكفوا عن امتداح القراءة، والحث على اقتناء الكتب، وصولاً إلى توثيق الطريقة التي أسسوا بها مكتباتهم المنزلية. ولما كانت المؤلفات المتعلقة بهذا الموضوع أكثر من أن تحصى، فيكفي أن نذكر من بينها كتاب ألفرد هيسيل «تاريخ المكتبات»، وليونيل كاسون «المكتبات في العالم القديم»، وكتاب هنري ميلر «الكتب في حياتي».

وإذا كان الكاتب والمفكر الأرجنتيني بورخيس، الذي أصيب منذ صغره بالعمى، قد تخيل الفردوس على شكل مكتبة هائلة ولا نهائية الاتساع، فإن عدوى عشقه للكتب قد انتقلت إلى مساعده ألبرتو مانغويل، الذي ظل لسنوات عدة يقرأ الأعمال المختلفة على مسامعه، قبل أن يعمد هو نفسه إلى تأليف كتب عدة حول طقوس القراءة والكتابة وجماليات الكتب والمكتبات. ومن أبرز تلك المؤلفات «المكتبة في الليل» و«تاريخ القراءة» و«مدينة الكلمات» و«جنتلمان المكتبات».

وقد يكون كتاب «أطوي العالم في مكتبتي » الذي أعده وترجمه الكاتب المصري أحمد الزناتي واحداً من الإصدارات اللافتة التي تؤرخ بأسلوب شيق يجمع بين الفائدة والمتعة، لتفاصيل العلاقة الحميمة، أو الملتبسة، التي تربط بين الكتّاب والكتب التي يقتنونها، كما تعرض لطريقتهم في القراءة، وللكيفية التي أسسوا بواسطتها مكتباتهم.

وإذ يتضح لنا بأن لكل واحد من الكتاب الذين تناولهم المؤلف بالدراسة علاقة بالكتب والمكتبات تختلف عن سواه، فإننا لا نستطيع سوى التوقف ملياً عند آرتور شوبنهاور الذي لم ينظر إلى الكتب التي جمعها بعناية، بوصفها أداة للمعرفة فحسب، بل بوصفها وسيلته المثلى للهروب من رياء البشر ونفاقهم. وإذ يكتب صاحب «العالم إرادة وفكرة» في رسالة بعث بها إلى صديق له، وقد قرر السفر بعيداً عن مسقط رأسه «إن أشد ما يشق علي مفارقته هو مكتبتي العامة والخاصة، فلولا سكينة الكتب لكنت استسلمت لليأس من هذه الحياة منذ زمن طويل».

آرتور شوبنهاور

وحيث لم يقتصر مديح شوبنهاور للكتب على مناسبة واحدة أو نص بعينه، فهو لا يتوانى في مطلع مخطوط سيرته الذاتية عن القول «ولما عجز المعاصرون من بني قومي على أن يؤنسوا وحشتي، آثرت صحبة من يشبهونني من الذين طواهم الموت، والذين طافوا في الدنيا كما أطوف. فها هي حروفهم الجامدة تبث فيّ وداً أصدق من وصال الأحياء، وتفيض علي صفاءً أعمق من سلام ذوي الأرواح».

ومع أن في قول شوبنهاور عن الصحبة الأنيسة للكتاب، ما يجمعه بأبي عثمان الجاحظ، ومع ذلك فإن الفارق شاسع بين الاثنين، حيث كان الجاحظ كائناً اجتماعياً ميالاً إلى التفاؤل والظرف، وإيجابي النظرة إلى العالم، فيما كان شوبنهاور النقيض التام لكل هذه الصفات.

أما الملاحظة المهمة التي لم تفت المؤلف الإشارة إليها، فهي أن شوبنهاور لم يكن حيادياً تماماً في اختيار الكتب التي يقتنيها، بل كان ذلك الاختيار خاضعاً لمزاجه الشخصي، وليس فقط لمعايير إبداعية خالصة. ففي حين دفعه إعجابه بمواطنه الألماني غوته إلى اقتناء أعماله كافة، وبمختلف طبعاتها، إضافة إلى أعمال ليسينغ وإيمانويل كانط وهاينريش هاينه، تجاهل بشكل كلي أعمال كتاب كبار، من طراز لودفيغ وهوفمان وكلايست، إضافة إلى هولدرلن الذي رأى فيه مارتن هايدغر المجسد العملي لأنطولوجيا الكينونة.

لكن إفراط شوبنهاور في تقريظ الكتب والمكتبات، لم يمنعه من التحذير من الإفراط بالقراءة، معتبراً أن الذهن يختنق بكثرة المطالعة كما تختنق المعدة بكثرة الطعام. كما أن بعض من غرقوا في طوفان الكتب باتوا في رأيه عبيداً لما تمليه عليهم أسطر الغير، وباتت أذهانهم مثقلة بأفكار الآخرين.

وإذ ركز الكاتب البريطاني هنري ويتلي على انتقائية المكتبات، وعدم مراكمة محتوياتها على نحو عشوائي، أشار في الوقت نفسه إلى أن مكتبة الإمبراطور الألماني ماركوس سيفيروس كانت تقتصر على مجلدات أربعة تضم أعمال أفلاطون وبلينيوس وبلوتارخ وبطليموس. وقد اعتبر ويتلي أن الانتقائية هي كلمة السر الأهم في تكوين المكتبات، وأن المكتبة المثالية لن تعكس عقل صاحبها وروحه إلا من خلال نزوعه الانتقائي.

كما يدافع الناقد الألماني فالتر بنيامين عن مبدأ الإفراط في اقتناء الكتب، حتى ولو كان الأمر يتم من باب المتعة المجردة، أو على سبيل الاحتياط لأي حاجة معرفية لاحقة. ومع تشديده على التمييز بين جمع الكتب للتباهي، وجمعها للتزود بالمعرفة، فإن الكاتب الكندي روبرتسون دافيس، لا يتوانى عن الاعتراف بأنه لم يستطع مقاومة إغواء الكتب، واقتناء ما يلزم منها وما لا يلزم، دون أن تكون لديه أي نية في وقف سيلها الهائل، الذي ظل يتدفق نحو مكتبته دون انقطاع. ولكي يدعم أقواله بالشواهد، فقد روى روبرتسون عن الكاتب الفرنسي أناتول فرانس قوله لمن سأله عما إذا كان قد قرأ كل الكتب التي تضمها مكتبته «ولا حتى عشْرها يا سيد، فأنا لا أعتقد أنك تستعمل طاقم المائدة الصيني كل يوم».

وفي مقابل ذلك، ركز الكاتب البريطاني رديارد كيبلنغ على أن القراءة بحد ذاتها ليست برهاناً قاطعاً على صلاح نفس القارئ أو فسادها، بل إن الأمر يعتمد على حسن اختياره للكتب التي يقرأها. فإذا أقبل المرء على القراءة بعقل متوقد وذهن حي، فقد يمكن له، ولو بحدود معينة، أن يكون وريثاً للعظماء، وموصولاً بهم برباط خفي. والرجل الفطن عند الكاتب الحائز على جائزة نوبل للآداب، هو الذي يعرف النماذج الرفيعة في عالم الكتب، لأن تلك النماذج وحدها هي التي تعينه على فهم مغزى العالم.

دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي

ولا يبتعد الكاتب الألماني هيرمن هسّه كثيراً عن المنظور الذي حدده شوبنهاور للقراءة، معتبراً أن على المرء ألا يلهث وراء المطالعة، كما يلهث طالب اللقب وراء رتبة الأستاذية، أو كمريض ساذج يدخل صيدلية، فيعمد بهدف البحث عن دواء ناجع، إلى تجرع كل ما تضمه من الأدوية والعقاقير. لا بل إننا لا نملك سوى الشعور بالدهشة، إزاء اعتبار هسّه بأن البشر في عصره يفرطون في الإقبال على المطالعة، ويولونها أكثر مما ينبغي لهم من الاهتمام، أو إزاء قوله بأن الإفراط في القراءة لا يكرم الأدب بل يسيء إليه. إلا أن دهشتنا تلك، سرعان ما تلبس لبوساً مختلفاً حين نقرأ لصاحب «سدهارتا» أبياته التي يخاطب بها القارئ على نحو مؤثر:

إن كتب العالم كلها لن تجلب لك السعادة

لكنها ستعلّمك سرّ الرجوع إلى نفسك

فنفسك وعاءٌ لكل ما تحتاج

نفسك وعاء الشمس والنجوم والقمر

والنور الذي تلتمسه يسكن بين ضلوعك

والحكمة التي تبتغيها في رفوف المكتبات

تشرق أنوارها من طيات كل صفحة

لأنها نورك أنت


ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
TT

ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي

يحتفظ متحف دمشق الدولي بمجموعة كبيرة من قطع نحتية تصويرية تعود إلى الحقبة الأموية، مصدرها قصر يقع على أطراف الطريق بين دمشق وتدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. تعكس هذه المجموعة تعددية الأساليب والأطرزة التي نهل منها الفن الأموي وأعاد صياغتها في قوالب خاصة، وفقاً لتقاليد محلية نمت في المدن الصحراوية التي أنشئت عند تصالب الطرق التجارية في العالم القديم، وشكّلت موانئ كبيرة في قلب وادي الشام. تتجلّى هذه التعدّدية في ثلاثة مجسمّات متقاربة من حيث الحجم، خرجت من بين أطلال هذا الموقع في ثلاثينات القرن الماضي، خلال أعمال المسح والتنقيب لبعثة فرنسية تحت إشراف عالم الآثار دانيال شلومبرجير.

كشفت هذه الحملة عن مجموعة هائلة من القطع النحتية المهشمّة المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تمّ جمعها وتصنيفها بتأنّ على مدى سنوات من الجهد المتواصل. تبيّن أن جزءاً من هذه القطع يعود في الأصل إلى واجهة القصر الخارجية، وهي الواجهة التي تمّت إعادة تشكيلها، ومن ثمّ نصبها عند مدخل متحف دمشق الدولي في مطلع الخمسينات. في المقابل، يعود جزء آخر من هذه القطع إلى واجهة داخلية خاصة بهذا القصر، وتحديد الموقع الأصلي لهذه القطع المبعثرة ليس بالأمر السهل، ولا يزال موقع بحث، على ما تُظهر الدراسات العلمية المتواصلة منذ اكتشاف قصر الحير الغربي إلى يومنا هذا. يرى البحاثة أن هذه القطع توزّعت في الأصل على بنى متوازية، جمعت كلّا منها سلسلة متنوّعة من الصور المنحوتة والنقوش الزخرفية. في هذا السياق، تبرز ثلاث قطع شكّلت في الأصل حللاً من سلسلة متراصة، واللافت أن هذه القطع تتبنى أسلوبين فنيين مختلفين.

تمثّل إحدى هذه القطع طفلا عارياً، وهي على شكل مجسّم ناتئ، يعلو كتلة من الجص يبلغ طولها 50 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً، وسمكاتها 15 سنتيمتراً. يتميّز هذا المجسّم بطابعه الروماني الكلاسيكي، ويظهر هذا الطابع في نحت مفاصل البدن، وفقاً للبنية التشريحية التي تحاكي المثال الواقعي الحي. تتبنى هذه المنحوتة أسلوباً تقليدياً شائعاً، غير أن هذا الأسلوب يغيب بشكل كبير عن ميراث قصر الحير الغربي، ممّا يجعل منها شاهداً مميّزاً في هذا الإطار. يقف الطفل في وضعية نصف جانبية، ويحني برأسه نحو الأسفل، مادّاً ساقه اليمنى نحو الأمام، مثنياً ساقه اليسرى في الاتجاه المعاكس، في حركة حيَّة تخرج عن القوالب الساكنة التي غلبت على النحت في التقليد السوري المحلّي، كما يشهد ميراث تدمر الاستثنائي بثرائه الكبير.

الذراعان ملتصقتان بالصدر، والجزء الأسفل منهما ضائع للأسف، وكذلك القدمان. الرأس وصل كاملاً بشكل مستقل، وتمّ وصله بالبدن كما يبدو، وملامحه جلية، وتعكس حرفة عالية في النحت والتجسيم. الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر، جاءت خصلها على شكل كتل مرصوصة ومتوازية، وفقاً لطراز يغلب عليه الطابع الشرقي. ملامح الوجه كلاسيكية، وتتمثّل بعينين نصف مغمضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف ناتئ، غير أن كتلته مهشّمة. الثغر صغير، وقوامه شفتان مطبقتان ترسمان ابتسامة طفولية لطيفة. الخدّان مكتنزان، والعنق عريضة، قائمة على كتفين عريضتين، تحدان صدراً مصقولاً ببراعة، ظهر مفصلاه الناتئان، مع شق في الوسط.

صيغ هذا الطفل وفقاً لنموذج تقليدي يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «بوتو»، وهذا التعبير لاتيني، ومعناه طفل مذكر، أي صبي. حلّ هذا النموذج بشكل واسع في العالم اليوناني، ثم انتقل إلى العالم الروماني، ومنه إلى الفن المسيحي الناشئ، واتخذ أشكالاً عدة، منها الطفل الكرّام والطفل الصيّاد، وبدا أشبه بملاك، ثم اختفى في مطلع القرون الوسطى، وعاد في عصر النهضة الذي شكّل ولادة جديدة للفن الكلاسيكي التقليدي. في ميدان الفنون الأموية، يحضر هذا الطفل تشكيلياً في العديد من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، ويحضر منحوتاً بشكل استثنائي في هذه القطعة التي تعود إلى قصر الحير الغربي.

تقابل هذه القطعة منحوتة مغايرة صيغت في تقنية مماثلة، وقوامها قطعة طولها 57 سنتيمتراً، وعرضها 27 سنتيمتراً، وسماكتها 14 سنتيمتراً. تمثّل هذه المنحوتة شيخا ملتحياً، يقف حانياً رأسه في اتجاه اليمين، رافعاً ذراعيه في اتجاه اليسار. وصل هذا المجسّم بشكل شبه كامل، غير أنه فقد يديه وقدميه للأسف. يحضر البدن في وضعية المواجهة، ويحضر الرأس في وضعية نصف جانبية. تخرج بنية هذه القامة عن الطراز الكلاسيكي، وتتبنّى طرازاً محلياً يتخلّى عن التشريح الواقعي. تبدو كتلة الرأس ضخمة قياساً إلى حجم البدن القصير، وفقاً لتقليد ساد في ميراث تدمر بشكل كبير.

في المقابل، تخرج هذه المنحوتة عن طابع الحركة الساكنة التي كرّسها هذا الميراث، وتتميّز بحركتها الحية. صياغة الوجه تدمرية، وتظهر في تجسيم ملامح الوجه، كما في صياغة خصل الشعر الذي يعلو الرأس، واللحية التي تتدلّى وتحجب العنق. يرتدي هذا الشيخ معطفاً طويلاً يلتف حول قامته على شكل عباءة، مع حزام ينعقد حول الخاصرة. تعلو هذه العباءة شبكة من الثنايا الأفقية المقوّسة، مع شقين عموديين في الوسط، ينسدلان من وسط الحزام، إلى طرف الثوب الأسفل.

نقع على قطعة ثالثة ضاع الجزء الأعلى منها عند نقلها، غير أن الصورة التوثيقية التي تعود إلى زمن اكتشافها حفظت صورته. يبلغ طول ما بقي من هذا المجسّم 22 سنتيمتراً، وعرضه كذلك 22 سنتيمتراً، وسماكته 13 سنتيمتراً. يأخذ اللباس شكل ثوب فضفاض تزيّنه شبكة من الثنايا المتوازية، مع حزام عريض في الوسط، ينسدل منه شريطان عموديان متوازنان.

تكشف الصورة التوثيقية عن شيخ ملتحٍ يرفع ذراعه اليمنى نحو الأعلى، ويحني ذراعه اليسرى نحو الأسفل، في حركة توازي حركة الساقين. مرة أخرى، يخرج النحات عن طابع السكون والجمود، ويتبنى حركة حية، غير أنه يلتزم الأسلوب التدمري الخاص بالنقش، ويظهر هذا الأسلوب في تجسيم الوجه، كما في تجسيم ثنايا الثوب الذي يغطي البدن ويحجب مفاصله.


«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية
TT

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي، في عمل يضم سبع مسرحيات تفتح أفقاً واسعاً للتأمل في أسئلة الذاكرة والاقتلاع والحرية والسلطة، عبر كتابة مسرحية تمزج الشعر بالفكر، وتدفع القارئ إلى مواجهة أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً.

يضم الكتاب المسرحيات: «قبر أمي»، و«سارق الأحذية»، و«لوحة من القتل»، و«مونودراما ثريا»، و«في انتظار غودو»، و«أناهيتا وگَميفان»، و«متحف الدم». وتلتقي هذه النصوص حول الإنسان وهو يعبر الخراب، ويقاوم النسيان، ويتمسك بحكايته في مواجهة القهر والحرب والمنفى، مع حضور واضح للرمز، وللحوار الفلسفي، وللغة مشحونة بالإيقاع والدلالة.

وتقود المسرحية الأولى «قبر أمي» القارئ إلى رحلة أب وابنه بحثاً عن قبر الأم، رحلة تتحول مع كل خطوة مواجهةً مع الذاكرة، والخوف، والحقيقة، ومعنى الانتماء. يحمل الاثنان تابوتاً فارغاً يثقل بالأسئلة، ويعبران طرقاً تحاصرها الحدود والألغام، فتغدو الرحلة نفسها استعارة عن شعب يحمل ذاكرته فوق كتفيه، ويواصل السير رغم الخراب.

ويمنح هلكت إدريس عابد الرمز مساحة واسعة في بناء عالمه المسرحي. مدينة كاملة تقرع الطبول للزعيم، وضجيج يطغى على الحقيقة، وسلطة تعيد تشكيل البشر وفق إيقاعها، حتى يصبح التفكير مخاطرة، والاعتراض تهمة، والذاكرة فعلاً يقاوم المحو. وتكشف هذه المشاهد عن رؤية نقدية عميقة لآليات الاستبداد، من خلال صور مسرحية مكثفة تجمع السخرية بالمأساة، وتستند إلى حوار نابض بالحياة.

وتعبر المسرحيات مجتمعة نحو أسئلة الإنسان الكبرى: معنى الوطن، وجدوى البطولة، وحدود الأخلاق، وقيمة الحرية، وعلاقة الفرد بالجماعة. وتتحول الشخصيات أصواتاً تحمل تجارب الشعوب التي عاشت الحرب والنزوح، مع حفاظها على بعدها الإنساني الذي يمنح النصوص قدرة على مخاطبة قراء ينتمون إلى ثقافات متعددة.

ويأتي صدور «أناهيتا وگَميفان» امتداداً لمشروع «منشورات رامينا» في نقل الأدب الكردي إلى العربية، وإغناء المكتبة العربية بأعمال تمثل أصواتاً أدبية معاصرة، وتفتح باباً جديداً أمام القارئ للتعرف إلى تجارب مسرحية تمتلك خصوصيتها الفنية ورؤيتها الفكرية.

يقع الكتاب في 224 صفحة من القطع الوسط، وكانت لوحة الغلاف للفنان التشكيلي خضر عبد الكريم.

ويعدّ إدريس عابد من الأسماء الأدبية والفنية النشطة في مجال الكتابة المسرحية والسردية، وقد صدرت له ستة أعمال مطبوعة، من بينها: «Xewnek ji Dervey Bazney - حلم من خارج الدائرة» الصادر عام 2011 عن «اتحاد أدباء دهوك»، و«Anahîta û Gemîvan - أناهيتا و گمیڤان» الصادر عام 2013 عن «مديرية الطباعة والنشر» في دهوك، و«ماذا قال أرسطو» الصادر عام 2016 عن «نقابة الفنانين» – فرع دهوك، و«قبر أمي» الصادر عام 2021 عن «دار پالو للنشر»، إلى جانب طبعة جديدة من «أناهيتا و گمیڤان» صدرت عام 2024 عن «مطبعة آفيستا» في تركيا، وكذلك كتاب «Dastana Kurdistanê - ملحمة کردستان» الصادر سنة 2024 عن رئاسة وزراء حكومة إقليم كردستان.

وقد حصد أربع مرات جائزة أفضل كاتب مسرحي؛ إذ نالها عام 2010 في دهوك عن مسرحية «المطر»، وفي عام 2011 في السليمانية عن مسرحية «حلم من خارج الدائرة»، كما فاز بها سنة 2019 في أربيل عن المونودراما «Sureya - ثريا»، ونالها مجدداً عام 2024 عن مسرحية «Dadgeha Şahmîranê - محكمة شاهميران» ضمن فعاليات مهرجان سَقز في إيران.