الموصل.. مجتمعان مدني وحضري يجمعهما الطابع المحافظ

خريفها مثل ربيعها ولهذا تسمى «أم الربيعين».. وتضم كل المكونات العرقية والدينية والمذهبية في العراق

مدينة الموصل بشطيها الأيمن والأيسر على نهر دجلة
مدينة الموصل بشطيها الأيمن والأيسر على نهر دجلة
TT

الموصل.. مجتمعان مدني وحضري يجمعهما الطابع المحافظ

مدينة الموصل بشطيها الأيمن والأيسر على نهر دجلة
مدينة الموصل بشطيها الأيمن والأيسر على نهر دجلة

رغم أن النظام العراقي السابق، وفي إطار حملة لتغيير أسماء بعض المحافظات العراقية طبقًا لما تشتهر به عبر التاريخ، أطلق على محافظة الموصل (ثاني أكبر محافظة وأكبر مدينة بعد العاصمة بغداد) اسم نينوى لكن بقي الموصل اسمها الطاغي الأكثر شهرة. فحتى حين سقطت كل نينوى عام 2014 بيد تنظيم داعش، فإن التسمية التي شاعت في وسائل الإعلام هي «سقوط الموصل». واللجنة التي تم تشكيلها لبحث حيثيات السقوط رغم وجود نحو 5 فرق عسكرية مكلفة حمايتها أطلق عليها «لجنة سقوط الموصل».
اليوم وبينما تجري معارك طاحنة لاستعادتها من هذا التنظيم الإرهابي، فإن التسمية التي يشيعها العراقيون والأميركيون وكل التحالف الدولي هي «معركة الموصل».
تتوسد الموصل على نهر دجلة الذي شطرها إلى ساحلين دخلا تاريخ المساجلات السياسية منذ سقوطها على يد «داعش» عام 2014، وهما الساحل الأيمن والساحل الأيسر. تنوعها السكاني بين عرب وكرد وتركمان وشبك، مسلمين ومسيحيين وإيزيديين وسنة وشيعة، لم يلغِ ما اشتهرت به من طابع محافظ على مستوى العادات والتقاليد، وإن كانت مثلما يرى الناشط المدني الموصلي عبد الملك الطائي تنقسم إلى «مجتمع مدني داخل الموصل ومجتمع عشائري قروي في الريف لا يكاد يتميز كثيرًا لجهة الطابع المحافظ للمحافظة بشكل عام لكنه يضفي قدرًا من التنوع بين مجتمعي الريف والمدينة».
ويضيف الطائفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه «رغم وجود تجمعات عشائرية كبيرة في الموصل مثل شمر وطي والجبور واللهيب والعكيدات والبوحمدان وغيرها كثير، فإن أبناء الموصل عُرفوا عبر التاريخ بالتزام جانب النظام والدولة والانتماء إلى المواطنة، وهو ما تجلى في الروح العسكرية النظامية الصارمة لدى أهالي الموصل بالإضافة إلى الميادين الأخرى التي أدت إلى إضعاف البنية العشائرية لحساب البنية المدنية»، مشيرًا إلى أنه «في مرحلة من المراحل تراجعت العشائرية في المدن إلى حد كبير وبات الانتماء إلى المدينة أو الحي أو الحرفة أو المهنة أو ما إلى ذلك».
ويستمر الطائي في سرد رؤيته كباحث مدني مختص في هذه الشؤون قائلاً إن «المدنية في الموصل هي الأقوى، ومدينة لموصل بالذات تركت بصمتها المدنية والحضرية على كل أرجاء الموصل حتى الأرياف التي يفترض أن تكون سمتها هي التجمعات العشائرية».
ومن بين ما اشتهرت به الموصل ألقاب وتسميات عبر التاريخ كثيرة قسم منها يرتبط بما هو حضاري مثل منارة الحدباء التي تميز الجامع الكبير الذي أدى فيه أبو بكر البغدادي، زعيم «داعش»، الصلاة في أول جمعة بعد احتلاله المدينة، وكذلك تسمية «أم الربيعين» لاعتدال طقسها خلال فصلي الربيع والخريف وكان هناك على عهد النظام السابق احتفال مركزي سنوي في المدينة يطلق عليه مهرجان «أم الربيعين».
أما مفردة الموصل فهي كما تقول المعاجم من كلمة «أصل» وينشأ من ظرف مكان الفعل وصل. وكلمة «موصل» تعني مكانًا فيها يصل كل شيء، وهو ما جعلها اليوم في ظل الأطماع والطموحات الإقليمية والدولية مجالاً ليس لاختبار النيات في مرحلة ما بعد التحرير بقدر ما هي استراتيجيات متصارعة لمد خطوط نفوذها نحو أبعد نقطة ممكنة بالاستفادة من تنوعها العرقي والديني والمذهبي باتجاه نسف مبدأ التعايش التاريخي الذي عرفت عنه الموصل عن طريق خطط ومخططات ومشاريع تقسيم على أسس عرقية ودينية وطائفية، وهو ما يعني إلغاء جاذبية الموصل الحضارية والمدنية التي تعايش فيها الجميع عبر التاريخ من خلال ربيعين في السنة إلى مجرد خريف واحد يتناحر فيه القوم على مدار العام.
ورغم أن محافظها السابق وأحد أبرز القيادات السياسية فيها أثيل النجيفي يرى في حديث لـ«الشرق الأوسط» أنه «لو ترك لأهالي الموصل حرية ترتيب أوضاعهم على أسس صحيحة من خلال لا مركزية إدارية أو حتى استحداث محافظات جديدة مثل تلعفر وسنجار وسهل نينوى، مما يجعل الأقليات العرقية والدينية تطمئن على مستقبلها، فإن ذلك يمكن أن يكون مفتاحا لاستقرار الموصل في المستقبل»، فإن الشيخ أحمد مدلول الجربا، وهو عضو في البرلمان العراقي، وأحد شيوخ قبيلة شمر ذات النفوذ الواسع في نينوى، يرى في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك مخاوف من أن تكون مثل هذه الدعوات مقدمة للتقسيم، لأن نينوى تعاني من مشكلات كثيرة لا يمكن حلها إلا عبر مائدة حوار حقيقية بين أهالي المحافظة من كل الأطياف، وليس عبر آراء ومقترحات مسبقة يمكن أن تعبث بخريطة نينوى التي نريد بقاءها حاليا على ما هي عليه قبل عام 2003 وليس بعد عام 2014، ومن ثم ننظر في الكيفية التي ينبغي من خلالها حل الإشكالات القائمة بين المكونات بالإضافة إلى طبيعة العلاقة الملتبسة مع إقليم كردستان عبر ما يسمى المناطق المتنازع عليها».
وبالعودة إلى ما يشاع عن دعم أهالي نينوى لتنظيم داعش، وهو ما سهّل بقاءه في الموصل وتمدده، يقول الجربا إن «القول إن هناك دعمًا من قبل العشائر في عموم محافظة نينوى لتنظيم داعش قول عارٍ عن الصحة تمامًا، لكنّ هناك أفرادًا من كل عشيرة من عشائر الموصل، مثلما هي عشائر المنطقة الغربية، يدعمون (داعش)».
ويعزو الشيخ الجربا اهتمام «داعش» بالموصل وتهويله الأنباء الخاصة بدعم عشائرها له إلى «رغبة هذا التنظيم في أن يعطي للموصل أهمية رمزية بحيث يجعل الموصل المعقل الثاني له بعد الرقة السورية». ويشير الجربا إلى «أننا لو أجرينا حسابا لأعداد تنظيم داعش الذين تقدرهم المصادر الاستخباراتية العالمية بنحو 35 ألف مقاتل وهم من جنسيات مختلفة ومن مناطق مختلفة، وحتى لو فرضنا أنهم كلهم من أبناء الموصل فإن نسبتهم إلى سكان الموصل لا تتعدى 1 في المائة، وحتى لو ضاعفنا العدد إلى 70 ألف مقاتل، فإن نسبتهم إلى سكان عموم محافظة نينوى لا تتعدى 2 في المائة، ومن هنا يتبين لنا مدى التزييف الإعلامي على صعيد هذه القصة».
وبشأن دور قبيلة شمر بوصفها من كبريات القبائل في الموصل، قال الجربا إن «تمدد شمر بين عدة أقطار عربية فضلا عن امتدادها من شمال العراق حتى جنوبه جعل رؤيتها للأمور وسطية ودائمًا تميل إلى الاعتدال والأهم من ذلك أن شمر في الماضي والحاضر لم تكن يومًا أداة بيد الدولة للبطش بالمدنيين».
وبينما يبدو أن أحلام أبو بكر البغدادي في بناء دولته المزعومة لـ«الخلافة الإسلامية» في الموصل التي راهن عليها بوصفها المعقل الأهم بعد الفلوجة والرقة ستتحطم، فإن الخشية لا تزال قائمة من مرحلة ما بعد «داعش» لكن ليس على المستوى السياسي فقط بل على المستوى الاجتماعي أيضًا.
وفي هذا السياق تقول عضو البرلمان العراقي عن محافظة نينوى انتصار الجبوري إن «من انتمى من أهالي الموصل إلى (داعش) قسم كبير منهم متزوجون، وبالتالي فإن زواجهم قديم ولا علاقة له بما جرى الحديث عنه عن (جهاد النكاح) الذي جرى تهويله لأسباب معروفة الهدف منها الإساءة لأهالي الموصل وتصويرهم على أنهم مع (داعش) وموالون له، وهذا غير صحيح، لأن أهالي الموصل ربما أكثر من أي مدينة عراقية أخرى احتلت من قبل التنظيم حصلت فيها عمليات مقاومة وغضب شعبي لأن الموصل تجمع خصلتين وهما المحافظة والمجتمع المدني».
وأوضحت النائبة أن «أهالي المكونات الأخرى من ديانات لا سيما الإيزيديين حصل لهم جرائم لا يمكن السكوت عنها، وهي ترقى في بعضها إلى جرائم الإبادة». وهذا بالفعل ما أكدته النائبة الإيزيدية عن الموصل فيان دخيل التي تقول إن «النساء الإيزيديات تعرضن للاغتصاب وتم بيعهن في أسواق النخاسة، وهو ما يجعلنا نشعر بغصة مما جرى لنا من بعض أهالي الموصل، لكن هذا لن يمنعنا من العودة إلى مناطقنا والعيش بها مهما كان الثمن لكننا في الوقت نفسه نطالب بحماية دولية لنا وأن يأخذ القانون مجراه بحق من ارتكب جرائم بحقنا».
وفيما رأت فيان دخيل أن «هناك حاجة ماسة للتسامح المجتمعي على أن نتفاهم على ذلك وأن تتبرأ كل عشيرة من المجرمين داخلها»، فإن المسألة الأهم المطروحة للنقاش وعلى شكل سؤال مفتوح على كل الاحتمالات هو: ماذا بعد «داعش»؟!



الحوثيون يصعّدون قمع الصحافة ويُحكمون الرقابة

مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون قمع الصحافة ويُحكمون الرقابة

مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية خلال الفترة الأخيرة من حملاتها ضد الصحافيين والمؤسسات الإعلامية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، في مسار يستهدف إحكام القبضة على المجال العام، ومنع أي أصوات ناقدة من كشف الوقائع على الأرض، في وقت تزداد فيه التحذيرات المحلية والدولية من التدهور الحاد الذي يطول واقع حرية الصحافة في اليمن.

وكشفت سلسلة الإجراءات القمعية التي اتخذتها الجماعة، من مداهمات واعتقالات واستدعاءات أمنية ومحاكمات غير عادلة، عن سياسة متواصلة لتجفيف ما تبقى من المساحات الإعلامية المستقلة، وسط اتهامات باستخدام أدوات القمع لإسكات الأصوات التي تنقل معاناة السكان، أو تفتح ملفات الفساد والانتهاكات في مناطق سيطرتها.

وفي أحدث حلقات هذا التصعيد، استولت الجماعة الحوثية على أرض تابعة للصحافي اليمني طه المعمري، مالك شركتي «يمن ديجيتال ميديا» و«يمن لايف»، وشرعت في البناء عليها من دون أي مسوغ قانوني، وفق ما أكدته مصادر حقوقية وإعلامية.

وأثارت هذه الخطوة موجة تنديد واسعة، بوصفها امتداداً لسلسلة طويلة من الإجراءات التي استهدفت المعمري خلال السنوات الماضية، وشملت مصادرة أمواله وممتلكاته، والاستيلاء على منزله ومقر مؤسساته الإعلامية، بما في ذلك معدات البث والأرشيف، إلى جانب إصدار حكم غيابي بالإعدام بحقه، في واحدة من أبرز القضايا التي تعكس حجم التضييق على الإعلاميين في مناطق سيطرة الجماعة.

مسلحون حوثيون يحرسون تجمعاً في صنعاء (إ.ب.أ)

ولم تقتصر الانتهاكات على العاصمة المختطفة صنعاء، بل امتدت إلى محافظة إب، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مبنى إذاعة «سما إب» الخاصة، وأغلقوها نهائياً بعد فترة وجيزة من انطلاق بثها، في خطوة مفاجئة فجّرت موجة استياء واسعة في الأوساط الإعلامية والحقوقية.

وحسب مصادر محلية، فإن عملية الإغلاق تمت من دون إعلان مسبق أو تقديم أي مبررات رسمية، رغم أن الإذاعة كانت تقدم محتوى يومياً متنوعاً يتماشى، في كثير من جوانبه، مع طبيعة الخطاب الإعلامي السائد في مناطق سيطرة الجماعة، مما عزز الاعتقاد بأن أي مساحة إعلامية خارجة عن السيطرة المباشرة باتت هدفاً محتملاً للإغلاق أو المصادرة.

في السياق نفسه، اختطفت عناصر حوثية الصحافي فؤاد المليكي من منزله في مدينة إب، ونقلته إلى جهة مجهولة، مع استمرار رفضها الكشف عن مكان احتجازه أو مصيره.

جاءت عملية الاختطاف، وفق مصادر مطلعة، على خلفية اتهامه بإدارة حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تنشر ملفات تتعلق بالفساد الإداري، وتسلط الضوء على ممارسات عبثية لقادة ومسؤولين محليين موالين للجماعة في المحافظة.

تصنيف دولي

على وقع هذه التطورات، جاء تقرير دولي حديث ليعكس حجم التدهور الذي أصاب واقع الصحافة في اليمن، بعدما صنف البلاد ضمن المستوى «الخطير جداً» في مؤشر حرية الصحافة العالمي للعام الجاري، واضعاً اليمن في المرتبة 164 من أصل 179 دولة.

ويشير التقرير إلى تراجع اليمن عشرة مراكز مقارنةً بالعام السابق، في مؤشر إضافي على اتساع دائرة المخاطر التي تواجه الصحافيين، سواء من خلال الاعتقالات والاختطافات، أو عبر التهديدات المباشرة والهجمات التي تطول العاملين في المجال الإعلامي.

أشخاص يستقلّون دراجة نارية في أحد الشوارع بمدينة إب (الشرق الأوسط)

كما وثّق التقرير مقتل صحافي واعتقال اثنين آخرين خلال العام الحالي، في استمرار لمسلسل الاستهداف الذي حوّل العمل الصحافي في اليمن إلى مهنة محفوفة بالمخاطر، في ظل غياب بيئة قانونية ضامنة للحريات، واستمرار توظيف المؤسسات القضائية والأمنية في تصفية الحسابات السياسية مع الإعلاميين.

بيئة خانقة وغير آمنة

على وقع هذه الصورة القاتمة، حذّرت نقابة الصحافيين اليمنيين من تدهور غير مسبوق في أوضاع الصحافة، مؤكدةً أن بيئة العمل الإعلامي أصبحت أكثر تقييداً وخطورة، مع تصاعد الانتهاكات وتفاقم الضغوط المهنية والمعيشية التي تواجه العاملين في هذا القطاع.

وقالت النقابة إن الصحافيين باتوا يواجهون تحديات مركبة تشمل الملاحقات الأمنية، والتدخلات في طبيعة العمل الإعلامي، والضغوط الاقتصادية الناتجة عن تدني الأجور وغياب الحماية الاجتماعية، فضلاً عن هشاشة المؤسسات الإعلامية وتراجع قدرتها على توفير الحد الأدنى من الاستقرار الوظيفي للعاملين فيها.

مدينة إب اليمنية تعيش في فوضى أمنية برعاية حوثية (فيسبوك)

وأبدت النقابة قلقاً بالغاً حيال الحالة الصحية للصحافي وليد علي غالب، نائب رئيس فرع النقابة في الحديدة، المعتقل لدى الحوثيين، مطالبةً بالإفراج الفوري عنه وتوفير الرعاية الصحية اللازمة له.

وأكدت أن تسعة صحافيين لا يزالون رهن الاحتجاز في ظروف وُصفت بالمقلقة، داعيةً إلى الإفراج عنهم، ووقف الملاحقات ذات الطابع السياسي، وتعزيز استقلال القضاء، ومنع استخدامه أداةً للضغط على الإعلاميين.


عدن تستقبل صيفها الملتهب بنقص حاد في الكهرباء

مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)
مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)
TT

عدن تستقبل صيفها الملتهب بنقص حاد في الكهرباء

مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)
مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)

مع دخول فصل الصيف، وارتفاع درجات الحرارة على امتداد السواحل اليمنية، تتجه أزمة الكهرباء في مدينة عدن إلى مزيد من التعقيد، في ظل اتساع الفجوة بين القدرة التوليدية المتاحة وحجم الطلب المتزايد على الطاقة، نتيجة النمو السكاني المتسارع، والتوسع العمراني الكبير، وتهالك البنية التحتية لمحطات التوليد، إلى جانب تعثُّر مشاريع استراتيجية كان يُعوَّل عليها في تخفيف حدة الأزمة المزمنة التي تعيشها المدينة منذ سنوات.

وتكشف بيانات حكومية عن واقع بالغ الصعوبة؛ إذ لا تغطي القدرة التوليدية الفعلية لمحطات الكهرباء في العاصمة اليمنية المؤقتة سوى نحو 30 في المائة من الاحتياج اليومي، وهو ما يفرض عجزاً يتجاوز 70 في المائة خلال ساعات الذروة الليلية.

ويفرض هذا النقص الحاد تطبيق برامج تقنين قاسية تنعكس آثارها على مختلف مناحي الحياة، من المنازل إلى المستشفيات، ومن المؤسسات الخدمية إلى النشاط التجاري، مع امتداد التأثيرات إلى محافظتَي لحج وأبين المجاورتين المرتبطتين جزئياً بالشبكة.

ويأتي هذا الوضع في وقت تزداد فيه الأحمال الكهربائية بشكل موسمي، مع اعتماد السكان الواسع على وسائل التبريد لمواجهة حرارة الصيف المرتفعة، ما يجعل المنظومة الكهربائية أمام اختبار شديد القسوة، في ظل محدودية الموارد الحكومية وتعثر الحلول الإسعافية والاستراتيجية معاً.

محطات الكهرباء في عدن تعمل بأقل من نصف طاقتها (إعلام حكومي)

وحسب مدير الإعلام في وزارة الكهرباء والطاقة، محمد المسبحي، فإن إجمالي الطلب على الكهرباء في عدن يبلغ نحو 630 ميغاواط، في حين لا يتجاوز التوليد الفعلي خلال ساعات النهار 257 ميغاواط، بما في ذلك مساهمة الطاقة الشمسية، ما يعني وجود عجز يومي يصل إلى 373 ميغاواط، وهو رقم يعكس اتساع الفجوة بين الاحتياج والإنتاج.

لكن الأزمة تبلغ ذروتها خلال ساعات الليل، حين يتراجع الإنتاج إلى 191 ميغاواط فقط، مقابل عجز يصل إلى 439 ميغاواط، أي ما يقارب 70 في المائة من إجمالي الاحتياج، وهو ما يفسر الانقطاعات الطويلة التي تشهدها المدينة، ويضع السكان أمام واقع معيشي بالغ القسوة؛ خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة الساحلية.

ويحذر مسؤولون في قطاع الكهرباء من أن استمرار هذا الوضع، بالتزامن مع اقتراب الأحمال من ذروتها خلال الأسابيع المقبلة، قد يقود إلى مزيد من الانهيار في الخدمة، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لزيادة الإنتاج وتأمين الوقود ورفع كفاءة المحطات العاملة.

مشاريع ناقصة

جانب مهم من الأزمة يرتبط -وفق المسؤولين- بعدم اكتمال عدد من مشاريع التوليد الجديدة بالشكل الذي يضمن تشغيلها وفق طاقتها التصميمية. فمحطة شركة «بترو مسيلة»، التي تعد أكبر محطات التوليد في عدن، لم يُستكمل فيها حتى الآن إنشاء خزانات الغاز اللازمة لتشغيلها وفق الخطة الفنية الموضوعة، ما أجبر المؤسسة العامة للكهرباء على تشغيلها بالنفط الخام، وهو خيار أعلى تكلفة وأكثر تعقيداً من الناحية التشغيلية، فضلاً عن صعوبة تأمينه بالكميات المطلوبة.

ونتيجة لذلك، لا تنتج المحطة حالياً سوى نحو 95 ميغاواط، رغم أن قدرتها التشغيلية يمكن أن ترتفع إلى قرابة 230 ميغاواط إذا توفرت كميات الوقود المطلوبة واستكملت التجهيزات الفنية اللازمة.

حملة لمكافحة الربط العشوائي للكهرباء في عدن وتحصيل المديونيات (إعلام حكومي)

ولا تقف المشكلة عند هذه المحطة، إذ تؤكد المصادر أن المرحلة الثانية من المشروع، التي كان يُعوَّل عليها لتقليص العجز بشكل ملموس، لا تزال متأخرة رغم مرور سنوات على اكتمال المرحلة الأولى. كما أن المحطة القطرية، التي خُطط لها أن تعمل على 3 مراحل بإجمالي قدرة تصل إلى 280 ميغاواط، لم تُستكمل وفق الرؤية الفنية المطلوبة، ما حرم الشبكة من قدرات توليدية كان يمكن أن تُحدث فارقاً واضحاً في مستوى الخدمة.

ويرى مختصون أن الصراعات السياسية، وعدم الاستقرار الإداري، وتعثر التمويل، أسهمت مجتمعة في فقدان المنظومة ما يقارب 400 ميغاواط من الطاقة التي كان يمكن أن تدخل الخدمة خلال السنوات الماضية، وهو رقم كفيل بتغيير المشهد الكهربائي في عدن بصورة كبيرة لو أُنجزت المشاريع كما خُطط لها.

أزمة وقود وتمويل وديون

إلى جانب الاختلالات الفنية، تواجه الحكومة اليمنية أزمة تمويل خانقة تعيق تنفيذ الخطط الإسعافية. وكان وزير الكهرباء والطاقة، عدنان الكاف، قد تحدث عن خطة عاجلة تشمل تأمين إمدادات منتظمة من النفط الخام لتشغيل توربينات «بترو مسيلة» بكامل طاقتها، إلى جانب تنفيذ أعمال صيانة لمحطات التوليد الأخرى لرفع كفاءتها التشغيلية، غير أن هذه الخطة اصطدمت بالعجز المالي الذي تواجهه الحكومة.

وترتبط هذه الأزمة المالية بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي تمثل أحد أهم الموارد السيادية، بعد الهجمات الحوثية على موانئ التصدير وتهديد ناقلات النفط، وهو ما تسبب في تراجع الإيرادات الحكومية بصورة حادة، وألقى بظلاله على مختلف القطاعات الخدمية، وفي مقدمتها الكهرباء.

وفي مواجهة هذا الواقع، اتجهت وزارة الكهرباء اليمنية إلى إطلاق حملات ميدانية لمكافحة الربط العشوائي والمزدوج، باعتبار هذه الظاهرة من أبرز أسباب زيادة الأحمال وارتفاع نسبة الفاقد الفني والتجاري، فضلاً عن تسببها في أعطال متكررة على مستوى الشبكات.

أزمة الكهرباء في عدن تضاعف التحديات أمام الحكومة اليمنية (إعلام حكومي)

وترى الوزارة أن الحد من هذه الظاهرة يمكن أن يسهم في تخفيف الضغط على شبكات النقل والتوزيع، ورفع كفاءة التشغيل، وترشيد استهلاك الوقود، غير أن هذه المعالجات تبقى جزئية ما لم تُرفق بإصلاحات أوسع في منظومة التحصيل والإدارة.

وفي هذا السياق، تتجه المؤسسة إلى تشديد إجراءات تحصيل المتأخرات المالية، بما في ذلك إلزام الوزارات والجهات الحكومية بسداد مديونياتها، إلى جانب تعزيز حملات التحصيل لدى المشتركين، ونشر ثقافة الالتزام بسداد الفواتير.

كما تعمل الوزارة على إدخال نظام الدفع المسبق إلى المنازل، لضمان تحصيل قيمة الاستهلاك مستقبلاً، بعد سنوات طويلة توقف خلالها معظم صغار المستهلكين عن دفع التعريفة الشهرية.

لكن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في كيفية التعامل مع المديونية المتراكمة على قطاع واسع من المستهلكين، وهي قضية شائكة ترتبط بالأوضاع الاقتصادية الصعبة، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب الثقة باستقرار الخدمة.


العليمي: الرهان على اعتدال إيران يقود إلى مزيد من الفوضى

العليمي استقبل في الرياض سفير الولايات المتحدة ستيفن فاغن (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض سفير الولايات المتحدة ستيفن فاغن (سبأ)
TT

العليمي: الرهان على اعتدال إيران يقود إلى مزيد من الفوضى

العليمي استقبل في الرياض سفير الولايات المتحدة ستيفن فاغن (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض سفير الولايات المتحدة ستيفن فاغن (سبأ)

جدَّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، التأكيد على أهمية الشراكة الاستراتيجية بين بلاده والولايات المتحدة، بوصفها أحد المرتكزات الرئيسية لدعم الاستقرار ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، مشيراً إلى الرهان على أنَّ اعتدال إيران يقود إلى مزيد من الفوضى.

تصريحات العليمي جاءت في وقت تمضي فيه الحكومة اليمنية في تنفيذ حزمة إصلاحات اقتصادية ومالية وإدارية تستهدف تعزيز أداء مؤسسات الدولة، والحفاظ على استقرار السوق المحلية، وتخفيف التداعيات الإنسانية التي فاقمتها الحرب المستمرة.

وخلال استقبال العليمي سفير الولايات المتحدة لدى اليمن ستيفن فاغن، بحضور عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق محمود الصبيحي، تناولت المباحثات مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، وأوجه التعاون المشترك في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، إلى جانب التطورات المحلية والإقليمية، والجهود المطلوبة لدعم الحكومة اليمنية في مواجهة التحديات المتراكمة، وفق ما ذكره الإعلام الرسمي.

وأكد العليمي، خلال اللقاء، أنَّ الشراكة مع واشنطن تمثل عنصراً محورياً في مواجهة المخاطر الأمنية المتنامية، خصوصاً تلك المرتبطة بتهديدات الملاحة الدولية، والأنشطة العابرة للحدود، والتنسيق بين الجماعات المسلحة وشبكات التطرف والتهريب في المنطقة، مشيراً إلى أنَّ هذه التحديات تتطلب مقاربةً دوليةً أكثر صرامة في التعامل مع مصادر التهديد وأدوات زعزعة الاستقرار.

نهج تصعيدي

في قراءة للتطورات الإقليمية، عدَّ رئيس مجلس القيادة اليمني أنَّ استئناف طهران سلوكها التصعيدي في المنطقة يمثل مؤشراً إضافياً على استمرار نهج قائم على إدارة الأزمات وتوسيع دوائر النفوذ عبر أدوات غير مباشرة، مؤكداً أنَّ التجارب الممتدة من اليمن إلى دول أخرى في الإقليم أظهرت أنَّ أي رهان على تغيُّر هذا السلوك من دون معالجة أسبابه البنيوية كان يقود دائماً إلى مزيد من التصعيد، لا إلى فرص حقيقية للسلام.

وأشار العليمي إلى أنَّ السلوك الحوثي خلال الأسابيع الأخيرة يقدم، وفق تقديره، دليلاً عملياً على استمرار هذا النهج، سواء من خلال التهديدات البحرية، أو عبر الممارسات التي تمس الأمن الإنساني والاقتصادي، أو من خلال ما وصفه بـ«تنسيق متزايد مع شبكات إرهابية في القرن الأفريقي»، في تطورات يرى أنَّها تعكس اتساع نطاق المخاطر المرتبطة بالأزمة اليمنية وتجاوزها حدودها المحلية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

وفي المقابل، شدَّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على أنَّ الحكومة في بلاده تواصل العمل على أكثر من مسار داخلي، في مقدِّمتها الإصلاحات الاقتصادية والمالية المدعومة من السعودية، إلى جانب جهود توحيد القرارَين الأمني والعسكري، وتعزيز فاعلية المؤسسات العامة، بما يسمح ببناء قدرة أكبر للدولة على التعامل مع الملفات الملحة، ورفع مستوى التنسيق بين أجهزتها المختلفة.

تنظيم الواردات

بالتوازي مع هذه التصريحات السياسية، عقدت اللجنة الوطنية اليمنية لتنظيم وتمويل الواردات، اجتماعها الرابع للعام الحالي في مقر البنك المركزي بالعاصمة المؤقتة عدن، برئاسة محافظ البنك المركزي أحمد غالب، وبمشاركة وزير الصناعة والتجارة نائب رئيس اللجنة محمد الأشول، إلى جانب ممثلين عن الجهات ذات العلاقة، بينما شارك وزير المالية مروان غانم في الاجتماع، بدعوة من اللجنة، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تضطلع به الوزارة ومؤسساتها في دعم استقرار السوق، وتنظيم حركة التجارة.

واستمعت اللجنة إلى تقارير تنفيذية وفنية تناولت سير الأداء في المنافذ البرية والبحرية، ومستوى الالتزام بالتعليمات والآليات المُنظِّمة لعمل اللجنة، فضلاً عن مراجعة الملاحظات المرتبطة ببعض الإشكالات الناجمة عن التطورات الإقليمية واضطرابات سلاسل الإمداد، وما ترتب عليها من تحويل وجهات الشحن وتغيُّر مسارات الوصول لبعض الواردات.

ونقل الإعلام الرسمي أنَّ الاجتماع ناقش حزمةً من المعالجات المقترحة لتجاوز التحديات التشغيلية، وأقرَّ إجراءات تستهدف تعزيز كفاءة الأداء، وضمان استمرار تدفق السلع الأساسية واحتياجات السوق المحلية بانسيابية أكبر، إلى جانب تطوير الآليات الإدارية والتنظيمية بما يواكب المتغيرات المتسارعة، ويسهم في تسهيل الإجراءات، وتسريع إنجاز المعاملات، ورفع مستوى التنسيق بين المؤسسات المعنية.