إذا أردت أن تتمثل شخصية المثقف المنتمي للطبقة العاملة الذي ينسج ثقافة مضادة لهيمنة الطبقة البرجوازّية وفق نظريّة المفكّر الإيطالي اليساري الأهم أنطونيو غرامشي، فلن تجد بالتأكيد أفضل من المسرحي والمخرج والممثل والرسام والمناضل العالمي داريو فو (1926 - 2016)، الذي غادر عالمنا الأسبوع الماضي عن تسعين عامًا.
هذا الإيطالي المتمرد دومًا، المعادي للمؤسسة الحاكمة، والإكليروس والإمبراطوريّة الأميركية والثورة الستالينية المضادة معًا، الذي أثار جدلاً في كل ما قدّمه للعالم، كان قد حاز على جائزة نوبل للآداب في 1997 «لإنجازاته في إحياء تقاليد مسرح الجيولاري (الحكواتي) - التي اشتهرت في إيطاليا العصور الوسطى - حيث الكوميديا المرتجلة تشهر كسلاح في وجه المؤسسة الحاكمة». لكن إنجازه الأهم لا شك كان تجسيده في حياته المديدة ذاتها لما يجب أن تكون عليه شخصية المثقف في مواجهة الهيمنة. داريو فو كان كأنه فكر غرامشي يمشي على الأرض، ويقارع العالم.
محاضرته لدى تسلمه جائزة نوبل كانت مثله، استثنائية ملونة، ممتعة، متحديّة في آن. «مهمتنا - كما يعلمنا الشاعر الإيطالي العظيم ساڤينيو أن نسرد قصّتنا الخاصة. مهمتنا كمثقفين نصعد المنابر والمسارح ونتحدث للجمهور لا سيما الشباب منهم، ولا تقتصر على أن نعلمهم طرق التعبير وتقنيات التمثيل. مهمتنا أن نجعلهم يدركون ما يدور حولهم ليكون بإمكانهم تقديم سردياتهم الخاصة، فأي عمل مسرحي، نص أدبي أو تعبير فني لا ينتمي لزمانه، عملٌ لا طائل من تحته». فو كان أكثر مسرحي مثقف معاصر انتمى لزمانه، دون مهادنة أو انحناء.
قدّم فو نموذجًا نادرًا في إمكان الشراكة الإبداعيّة المتألقة مع رفيقة دربه وزوجته فرانكا راميه، التي اعتبرها شريكة تامة له في جائزة نوبل للآداب. وعلى الرغم من أن الثنائي مرّا أحيانًا بأوقات عصيبة في حياتهما المشتركة وصلت إلى حد تصريح راميه للتلفزيون الإيطالي في 1987 بأن زواجهما انتهى، فإن الحب والتفاهم سرعان ما عادا قبل أن يخطف الموت فرانكا في 2013. فرانكا المبدعة، قبلت أحيانًا أن تلعب الدور الثانوي مقابل نجومية فو، لكن ذلك لم ينقص أبدًا من قيمتها كمسرحيّة محترفة وممثلة بارعة، وهي كانت صنوه في النضال السياسي وتعرضت للخطف والاعتداء في 1973 من قبل عناصر فاشيّة تبيّن فيما بعد صلتها باليمين الحاكم.
فو ولد في شمال إيطاليا لعائلة من الطبقة العاملة. والداه كلاهما كان يساريًا مثقفًا، وقد تنقلت العائلة عبر الشمال الإيطالي عدة مرات وفق وظائف والده، الأمر الذي كان بمثابة دروس تعبيرية أولى لفو الذي استمتع دائمًا بأغاني القرويين، وحكاياتهم المسليّة. خلال الحرب العالمية الثانية هرب من الخدمة العسكريّة مع الفاشيين بمساعدة والديه اللذين كانا مع المقاومة الإيطالية اليسارية وقتها.
بعد انتهاء الحرب، قرر فو أن يدرس الفن في ميلانو عاصمة الشمال الإيطالي، لكنه هناك تحول إلى الهندسة المعماريّة. الانضباط الذي تتطلبه هذه المهنة تسبب بإصابته بانهيار عصبي، وهكذا - بناء على نصيحة طبيبه باختيار مهنة يمكن أن يستمتع بينما يمارسها - وجد نفسه في المسرح.
في مرحلة التكوين الأولى هذه، تتلمذ على يد إدواردو دي فيليبو الذي كان ينتج كوميديا ساخرة يأخذ أحداثها من واقع الحياة في إيطاليا ما بعد الحرب. وقد تعلّم أصول المهنة من متابعة جورجيو ستريهلير وبيرتولد بريخت وفلاديمير ماياكوفسكي. في هذه الفترة أيضًا درس فكر أنطونيو غرامشي السياسي والثقافي، الذي يبدو أنه كان له أثر لم يخفت يومًا في تشكيل وعي فو السياسي الجذري، وتصوره لدور المثقف في المجتمع وفي الحياة.
استكمل فو تكوينه بالعمل مع جاكوب ليكوب الذي علمه كيف يستخدم جسده في التعبير، ومن هناك أصبحت أعماله مهما كانت عميقة وقويّة، لا تكتمل دون حضوره الأخاذ وقدرته الهائلة على التعبير بالجسد، والإضحاك حد المرارة، والارتجال شديد البلاغة ومخاطبة المتلقين، كأن كل واحد منهم هو كل الجمهور. لم يكد يبدأ تقديم أول أعماله العامة حتى اصطدم بالرقابة، لأن المحتوى السياسي فيها كان أكثر من أن تتقبله السلطة. ومن ذلك اليوم وهو في صدام دائم مع كل أشكال الهيمنة والاستبداد في كل مكان: من الحكومة الإيطالية إلى اليمين الفاشي وانتهاء بالحركات اليسارية الأوروبية والحزب الشيوعي الإيطالي (بعد تنديده بالغزو السوفياتي لبراغ في 1968)، مرورًا بالفاتيكان الذي اعتبرت صحيفته الرسميّة «أن منح كاتب جدلي مثل فو جائزة رفيعة كنوبل هو أمر لا يمكن تخيّله!».
تزوج فو من فرانكا راميه في 1954، وأنجب منها ولده الوحيد ياكوبو. راميه كانت بنت عائلة من أجواء العمل المسرحي في ميلانو، وقد شاركته البطولة في فيلم سينمائي، وبعدها أسسا معًا شركة للإنتاج المسرحي شهدت نجاحًا تجاريًا مميزًا في عقد الستينات من خلال عدة أعمال مسرحيّة هامة تفجرت فيها قدرات الثنائي على الكتابة والتمثيل والإنتاج. بعد سنوات من النجاح، قرر الشريكان الانتقال بتجربتهما المسرحيّة من أدوت المسرح التقليدي البرجوازي إلى نموذج مسرحي نقيض، فأسسا تعاونية ثقافية، ولاحقًا مجموعتهم الخاصة التي أطلقوا عليها اسم الكميونة - استلهامًا لكميونة باريس الشهيرة. في هذه التجربة نقل فو وفرانكا العمل المسرحي من الصالات المعتادة، إلى الناس في الشوارع الخلفيّة والقاعات العامة المهجورة والحدائق العامة والمعامل المضربة عن العمل والنقابات وكل الفضاءات البديلة، فتركا بصمة لا تنسى على المشهد الثقافي في ميلانو طوال فترة السبعينات الهادرة، وفيها بدأت شهرة فو وأعماله تنتشر عالميًا، فعرضت أعمالهما أمام جمهور كثيف في لندن وباريس وروما وهلسنكي وأمستردام، محولين الضحك إلى أداة توعية وتنوير.
كان الثنائي قد قوطع من قبل التلفزيون الإيطالي لأكثر من 15 عامًا بعد محاولة فاشلة للتعاون في 1962، بسبب رفض فو وفرانكا تدخلات المنتجين في عملهما، ولكن شهرتهما المتزايدة فرضت عودتهما في أواخر السبعينات، فعرض عمل فو الأهم «الميسيرو بوفو» الذي وصفه الفاتيكان بأنه «العمل الأكثر تجديفًا في تاريخ التلفزيون». فو في هذا العمل العبقري ظهر في قمة المجد: لساعتين وأكثر، وحده على خشبة عارية من دون ديكور سوى الإضاءة، يقدم تهريجًا وحكايات قرّع فيها السلطات الغاشمة وأدواتها السياسية والدينية دون رحمة، فأزعج الجميع دون استثناء، لكنه أضحك جمهوره من القلب وأمتعه وصدمه معًا.
استمر فو متشبثًا بمواجهاته العنيدة في أعماله اللاحقة، وأثار جدلاً شديدًا عندما عرض مسرحيته «الفدائيون» في 1971، شاركه فيها فلسطينيون أعضاء في تنظيمات الثورة الفلسطينية. منع فو وزوجته من السفر إلى الولايات المتحدة لسنوات طويلة قبل أن يمنح تأشيرة خاصة في عهد الرئيس رونالد ريغان - القادم من عالم التمثيل - اعتبرها فو بمثابة تحيّة من «زميل مهنة»، لكنها لم تخفف أبدًا من حدة نقده للهيمنة الأميركيّة.
كتب فو أكثر من 80 عملاً مسرحيًا ووضع كتبًًا عن المسرح والفن، وأحب على نحو خاص فن الأوبرا، فأخرج عدة أعمال عرضت في عواصم عدة حازت إعجابًا هائلاً رغم محتواها الماركسي الواضح. تفاجأ الرّجل طبعًا بفوزه بنوبل، وهو الفوضوي الثائر والمثقف الغاضب على كل المؤسسات، لكنه قبِل الترشيح منوهًا بهيئة الجائزة على «شجاعتها الاستثنائية التي اقتربت كثيرًا من حدود الاستفزاز».
داريو فو تحوّل إلى مدرسة في العمل المسرحي الإيطالي وعبر العالم الغربي، لها أتباع ومريدون وستبقى معْلمًا لكل المثقفين. عربيًا أعيد تقديم عدد من نصوص فو في عدة عواصم عربية، وتأثر به مسرحيون عرب خصوصًا في لبنان وفلسطين المحتلة في ظل تجارب أطلق عليها «الحكواتي».
إذن رحل داريو فو، تلميذ غرامشي الأعلى صوتًا دون أن ينحني للرياح. لقد سقط المثّقف الإيطالي الأخير في مواجهة الهيمنة.
داريو فو.. المثقف الأخير في مواجهة الهيمنة
حائز نوبل الإيطالي الراحل الذي حول الضحك إلى أداة تنوير
داريو فو
داريو فو.. المثقف الأخير في مواجهة الهيمنة
داريو فو
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


