تقنيات «واي فاي» للاتصالات قادرة على التجسس عليك

باحثون نجحوا في توظيف أجهزة توجيه الإشارة لرصد الهوية الشخصية ومراقبة الأعمال

تقنيات «واي فاي» للاتصالات قادرة على التجسس عليك
TT

تقنيات «واي فاي» للاتصالات قادرة على التجسس عليك

تقنيات «واي فاي» للاتصالات قادرة على التجسس عليك

يقضي سكان المدن كل لحظة من كل يوم تقريبًا غارقين في إشارات «الواي - فاي». وتنشر الشوارع، والشركات، والمباني الإدارية الإشارات السلكية في كل اتجاه ممكن لصالح الهواتف، وأجهزة الكومبيوتر اللوحي (تابلت)، والكومبيوترات المحمولة، والأجهزة الملبوسة، وغيرها من الأجهزة ذات الصلة.
مراقبة المستخدمين
عندما تتصل هذه الأجهزة بجهاز توجيه الإشارة router، ترسل طلبات للحصول على المعلومات مثل: توقعات الطقس، وآخر الأخبار الرياضية، ومقالات الأخبار. وفي المقابل، تستقبل الأجهزة تلك البيانات، وكل ذلك عبر الأجواء. وأثناء الاتصال مع الأجهزة، يقوم جهاز التوجيه أيضًا بجمع المعلومات حول كيفية انتقال الإشارات عبر الأجواء، وما إذا كانت تتعرض للتعطيل أو العقبات أو التدخلات. ومن خلال تلك البيانات، يمكن لجهاز التوجيه تنفيذ بعض التعديلات للاتصال بصورة أكثر موثوقية مع الأجهزة المتصل بها.
ولكن يمكن استخدام جهاز التوجيه أيضًا في مراقبة البشر - وبطريقة مفصلة مثيرة للاستغراب والدهشة.
أثناء انتقال الناس مع إشارة «الواي - فاي»، فإن أجسادهم تؤثر عليه، وتستوعب بعض الموجات وتعكس موجات أخرى في اتجاهات مختلفة. ومن خلال تحليل الطرق الصحيحة التي يتم بها تبديل إشارة «الواي - فاي»، عندما يتحرك الإنسان خلالها، يمكن للباحثين «رؤية» ما يكتبه شخص ما بأصبعه في الهواء، وتحديد شخص معين من خلال الطريقة التي يمشي بها، وحتى قراءة شفاه الشخص بدقة مذهلة - وفي بعض الحالات حتى إذا كان جهاز التوجيه ليس موجودًا في الغرفة نفسها التي يقوم فيها الشخص بهذه التصرفات.
تحديد هوية الأشخاص
ركزت كثير من التجارب الأخيرة على استخدام إشارات «الواي - فاي» في تحديد الأشخاص، إما على أساس شكل الجسم أو الطريقة المعينة التي يتحرك بها. وفي وقت سابق من هذا الشهر، أرسلت مجموعة من الباحثين في علوم الكومبيوتر من جامعة نورث ويسترن للفنون التطبيقية في الصين ورقة بحثية للنشر في أرشيف إنترنتي للأبحاث العلمية، تحدثت عن نظام يمكنه، وعلى وجه الدقة، التعرف على الأشخاص أثناء مشيهم عبر أحد الأبواب في تسع من أصل عشر مرات.
إلا أنه يجب تدريب النظام أولا، إذ يجب عليه معرفة أشكال أجسام الأشخاص حتى يمكنه التعرف عليها في وقت لاحق. وبعد تذكّر أشكال أجسام الأشخاص، يراقب النظام، الذي أطلق الباحثون عليه اسم «فري سينس» FreeSense، الأشخاص أثناء عبورهم خط الرؤية. ثم يخبر الباحثون النظام أن الشخص العابر التالي لخط الرؤية سوف يكون شخصًا من اثنين، ويمكن للنظام تحديد أي الشخصين هو الصحيح بنسبة دقة تصل إلى 95 في المائة. أما إذا ما تخير النظام بين ستة أشخاص، فإنه يحدد الشخص الصحيح بنسبة 89 في المائة.
واقترح الباحثون استخدام التكنولوجيا في الإعدادات الذكية للمنازل الحديثة: إذا ما استشعر جهاز التوجيه دخول أحد الأشخاص إلى الغرفة، فيمكنه الاتصال بأجهزة أخرى متصلة بجهاز التوجيه - مثل المصابيح، والأجهزة المنزلية، وستائر النوافذ - لتهيئة الغرفة حسب أفضليات هذا الشخص.
ويماثل نظام «فري سينس» نظام تحديد آخر يعتمد على شبكة «الواي - فاي»، وهو ذلك الذي عرضته مجموعة من الباحثين من أستراليا والمملكة المتحدة في مؤتمر عقد في وقت سابق من هذا العام. ونظامهم المعروض للتعريف بالهوية، وهو باسم «واي - فاي آي دي» Wi - Fi ID، يركز على المشي كطريقة لتحديد الأشخاص من بين مجموعة صغيرة. وحقق ذلك النظام دقة بنسبة 93 في المائة عند الاختيار بين شخصين اثنين، ونسبة 77 في المائة من الدقة عند الاختيار بين ستة أشخاص. وفي نهاية المطاف، كما كتب الباحثون، يمكن للنظام أن يتمتع بالدقة الكافية حتى إنه يصدر صوت إنذار إذا ما تسلل شخص غريب إلى الداخل.
رصد خلف الجدران
وكان اثنان من الباحثين من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا قد ذكرا في عام 2013 أنهما يمكنهما استخدام جهاز التوجيه في كشف عدد من الأشخاص داخل غرفة، وتحديد حركات الأذرع الأساسية لهم، وحتى من خلال وجود جدار فاصل بينهم وبين الجهاز. ويمكنهما القول كم عدد الأشخاص داخل الغرفة من وراء باب خشبي صلب، وجدار بسمك 6 بوصات (15 سم) مدعوم بقضبان فولاذية، أو جدار من الإسمنت بسمك 8 بوصات (20 سم)، والكشف عن الرسائل المرسلة عبر الأجواء من مسافة 5 أمتار (مع وجود الجهاز في غرفة أخرى)، ولكن بدقة تصل إلى 100 في المائة.
وعن طريق استخدام مجسات أكثر دقة، واصل الباحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تطوير النظم التي يمكنها التمييز بين مختلف الأشخاص الواقفين وراء الجدران، ورصد معدلات التنفس وضربات القلب عن بُعد مع دقة تبلغ 99 في المائة. وحصل الرئيس أوباما على لمحة من التكنولوجيا الأخيرة أثناء يوم تجريبي في البيت الأبيض خلال العام الماضي في صورة جهاز «ايميرالد» (Emerald)، وهو جهاز مخصص لكبار السن ويمكنه رصد النشاط البدني الذي يتم في جميع أنحاء المنزل. ويحاول الجهاز توقع سقوط الشخص الكبير في السن حتى قبل أن يقع فعلاً عن طريق مراقبة أنماط حركة الشخص.
ولما وراء تحديد الأشخاص والتعرف على الإيماءات العامة، يمكن استخدام إشارات «الواي - فاي» في التمييز بين أدنى قدر ممكن من الحركات بدقة متناهية.
مراقبة الأعمال
هناك نظام يسمى «واي كي» تم عرضه في مؤتمر العام الماضي يمكنه أن يحدد أي مفتاح يضغط عليه المستخدم على لوحة المفاتيح، من خلال مراقبة حركات الأصابع الدقيقة. وبمجرد تدريب النظام، يمكنه التعرف على الجملة التي كتبت بنسبة دقة تبلغ 93.5 في المائة - ولا يستخدم في ذلك سوى جهاز التوجيه التجاري العادي والمتاح، وبعض من الرموز البرمجية المخصصة التي كتبها الباحثون.
وهناك أيضًا مجموعة من الباحثين، تحت قيادة طالب دراسات عليا للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا فرع بيركلي، قدمت تكنولوجيا في مؤتمر عقد في عام 2014 يمكنها الاستماع لما يقوله الناس من خلال تحليل الانحرافات والانعكاسات في إشارات «الواي - فاي» والناجمة عن حركات الأفواه أثناء الكلام. ويمكن للنظام تحديد الكلمات المنطوقة من خلال قائمة من مفردات الشفاه المقروءة بنسبة دقة تبلغ 91 في المائة عندما يكون المتحدث شخصًا واحدًا، وبنسبة دقة تبلغ 74 في المائة عندما يكون المتحدثون هم ثلاثة أشخاص في الوقت ذاته.
وقد قدم كثير من الباحثين تقنيات الاستشعار عبر «الواي - فاي» الخاصة بهم، كوسيلة للمحافظة على الخصوصية في الوقت الذي كانوا لا يزالون يجمعون فيه البيانات المهمة. وبدلاً من استخدام الكاميرات في مراقبة المجال، وتسجيل وحفظ كل ما يجري بالتفصيل، فإن النظام القائم على جهاز التوجيه يمكنه الكشف عن الحركات أو التصرفات من دون المزيد من التدخل أو التسلل، كما يقولون.
وعن سؤال حول ما إذا كان بمقدور تقنية نظام «واي كي»WiKey أن تستخدم في السرقة الخفية للبيانات الحساسة عن الأشخاص، يقول قمران على الباحث الرئيسي وراءها أن النظام لا يعمل إلا في البيئات الخاضعة للتحكم، ويعمل من خلال تدريب صارم للغاية كذلك. وكتب علي، وهو طالب الدراسات العليا لدرجة الدكتوراه في جامعة ولاية ميتشيغان، مضيفًا: «لذلك، لا تعتبر هذه التقنية من مصادر القلق الكبير بالنسبة للخصوصية حتى الآن، فلا داعي للقلق منها».
ولكن مع تطور الرؤية التقنية الخاصة بتقنيات «الواي - فاي»، فإن تلك النظم قد تصبح أكثر قدرة على التكيف وتحتاج إلى القليل من التدريب. وإذا ما تمكن أحد القراصنة من الوصول إلى جهاز التوجيه وتثبيت برنامج مثل حزمة «واي - كي»، أو يخدع المستخدم للاتصال بجهاز توجيه متطفل، فيمكنه حينئذ التنصت على ما يتم كتابته عن قرب من دون أن يعلم المستخدم عن ذلك. وإذ إن كل هذه الأفكار تتجمع عبر واحدة من أكثر الإشارات السلكية انتشارا، فإنها تكون جاهزة للتوزيع على نطاق كبير بمجرد تنقيحها، ومن دون الحاجة إلى أية معدات جديدة أو غالية. ويمكن لأجهزة التوجيه في القريب المحافظة على الأطفال وكبار السن في أمان، وتسجيل الأنشطة اليومية، أو أن تجعل المنزل الذكي يعمل بسلاسة أكبر، ولكن، إذا تعرض للهجوم من جانب متسلل خبيث، فقد تتحول إلى مراكز متطورة للغاية للرصد والمراقبة.



«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
TT

«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)

بعد ساعات من انتهاء المهلة المحددة لسداد غرامة بالملايين فرضها الاتحاد الأوروبي، قدّمت منصة «إكس»، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، إلى المفوضية الأوروبية تصوراً لتعديلات جوهرية على المنصة.

وأكد مسؤول إعلامي باسم الهيئة المنظمة، ومقرها بروكسل، الجمعة، أن المقترحات المقدمة من المنصة تركز بالأساس على تطوير آليات توثيق الحسابات عبر علامات التحقق (الشارات الزرقاء)، بهدف تعزيز الشفافية ومكافحة التضليل.

ولم يكشف المسؤول عن أي تفاصيل، لكنه أشار إلى أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي: «لا يسعنا إلا أن نثمن أنه بعد حوار بناء مع الشركة، أخذت التزاماتها القانونية على محمل الجد وقدمت لنا مقترحات عملية».

يذكر أن المفوضية الأوروبية كانت قد فرضت على المنصة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، غرامة قدرها 120 مليون يورو (137.7 مليون دولار) استناداً إلى قانون الخدمات الرقمية، وذلك على خلفية ما وصفته بـ«الافتقار إلى الشفافية» في طريقة توثيق الحسابات باستخدام علامة بيضاء على خلفية زرقاء، والتي عدّتها مضللة.

وجاء إجراء الاتحاد الأوروبي ضد «إكس» عقب تحقيق استمر نحو عامين بموجب قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي، الذي يُلزم المنصات الإلكترونية ببذل مزيد من الجهود لمكافحة المحتوى غير القانوني والضار.

وفي يوليو (تموز) 2024، اتهمت المفوضية الأوروبية «إكس» بتضليل المستخدمين، مشيرة إلى أن علامة التوثيق الزرقاء لا تتوافق مع الممارسات المتبعة في هذا المجال، وأن أي شخص يستطيع الدفع للحصول على حالة «موثق».


إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
TT

إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)

أشادت «قمة مونتغمري 2026» العالمية بجهود منظمة التعاون الرقمي، التي باتت منصة دولية ذات مصداقية تهدف إلى سدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية لخدمة الإنسان.

وتجمع القمة نخبة من رواد الأعمال والمستثمرين وصنّاع السياسات وقادة القطاع التقني من مختلف أنحاء العالم لمناقشة التوجهات الناشئة التي تسهم في تشكيل مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأكدت ديمة اليحيى، الأمين العام للمنظمة، خلال مشاركته في القمة عبر الاتصال المرئي، أن «التعاون الرقمي ليس شعارات بل إنجازات على أرض الواقع»، منوهة بأن «أفضل ما في الدبلوماسية التقنية لم يأتِ بعد، والمزيد من دول العالم تختار هذا المسار يوماً بعد يوم لتحقيق طموحات شعوبها باقتصاد رقمي مزدهر يشمل الجميع».

وأضافت اليحيى أن «المنظمة أصبحت تضم اليوم 16 دولة و800 مليون إنسان، ومجتمعاً متنامياً؛ بفضل رؤية الدول الأعضاء، والتزامها وتفاني الأمانة العامة، وثقة شركائها في القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني».

إلى ذلك، تُوِّجت الأمين العام للمنظمة، خلال حفل أقيم ضمن أعمال القمة، بـ«جائزة الدبلوماسية التقنية»، التي تُمنح لتكريم القادة العالميين الذين يسهمون في تعزيز التعاون الدولي بمجال التقنية والابتكار الرقمي، بوصفها أول شخصية عربية وسعودية تحصدها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء السعودية».

من جهته، أفاد جيمس مونتغمري، مؤسس القمة، بأن اليحيى «أثبتت أن التعاون المتعدد الأطراف في القضايا الرقمية ليس ممكناً فحسب، بل هو ضرورة لا غنى عنها»، مشيراً إلى أنها «أرست نموذجاً جديداً لكيفية تعاون الدول في مجال السياسات التقنية».

بدوره، اعتبر مارتن راوخباور، مؤسس «شبكة الدبلوماسية التقنية»، أن المنظمة «باتت منصة عالمية ذات مصداقية تجمع الحكومات والقطاع الخاص لسدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية، وضمان أن يخدم التقدّم التقني الإنسان بدلاً من أن يتركه خلفه».

ولفت راوخباور إلى أن «التعاون التقني الدولي الفعّال ممكنٌ وملحّ في آن واحد، وهذا المزيج بين الرؤية والتنفيذ والحسّ الدبلوماسي هو تحديداً ما أُنشئت جائزة الدبلوماسية التقنية للاحتفاء به».

وحقّقت منظمة التعاون الرقمي، التي تتخذ من الرياض مقراً لها، تقدّماً كبيراً منذ تأسيسها في عام 2020، لتكون أول منظمة دولية متعددة الأطراف مكرّسة لتمكين اقتصادات رقمية شاملة ومستدامة وموثوقة من خلال التعاون الدولي.

وتضم المنظمة اليوم 16 دولة تمثل أكثر من 800 مليون نسمة وناتجاً محلياً إجمالياً يتجاوز 3.5 تريليون دولار، تعمل معاً لفتح آفاق جديدة في الاقتصاد الرقمي. وشهدت نمواً ملحوظاً وحضوراً دولياً متزايداً، حيث تضاعفت عضويتها 3 مرات منذ تأسيسها من 5 دول مؤسسة، ووسّعت فئة المراقبين والشركاء لديها لتتجاوز 60 مراقباً وشريكاً.

كما حصلت على اعتراف رسمي ضمن منظومة الأمم المتحدة، ما يُعزِّز دورها منصة عالمية لتعزيز التعاون الرقمي، علاوةً على مبادراتها وشراكاتها في هذا الصدد، وجمع الوزراء وصنّاع السياسات ورواد الأعمال والمنظمات الدولية لتعزيز الحوار والتعاون العالمي حول الاقتصاد الرقمي.


الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
TT

الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

مع التصعيد المتسارع على عدة جبهات في الشرق الأوسط، تتدفق المعلومات بسرعة تكاد توازي سرعة الأحداث نفسها. وغالباً ما تكون منصات التواصل الاجتماعي أول مكان تظهر فيه الصور ومقاطع الفيديو والتقارير عن هجمات مزعومة أو تطورات عسكرية. لكن بالتوازي مع المعلومات الحقيقية، بدأت أيضاً موجة من المحتوى المضلل أو المفبرك تنتشر على الإنترنت، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أكثر صعوبة.

تحدٍّ رقمي متزايد

في هذا السياق، يحذر خبراء الأمن السيبراني من أن الانتشار السريع للمعلومات المضللة، لا سيما عبر مقاطع الفيديو المعدلة وتقنيات التزييف العميق (Deepfakes)، أصبح تحدياً رقمياً متزايداً خلال فترات عدم الاستقرار الجيوسياسي.

ويؤكد ماهر يمّوت الباحث الرئيسي في الأمن لدى شركة «كاسبرسكي» خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، أن التمييز بين المعلومات الموثوقة والروايات الزائفة يصبح أكثر أهمية خلال حالات الطوارئ، حين ترتفع حدة المشاعر ويميل الناس إلى مشاركة المحتوى بسرعة من دون التحقق منه.

ويردف: «مع تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، حذّرت جهات حكومية في دول مجلس التعاون الخليجي من نشر أو تداول أي معلومات من مصادر غير معروفة». ويضيف أن «الأخبار الزائفة، أي المعلومات المضللة أو غير الدقيقة التي تُقدَّم على أنها أخبار حقيقية، تصبح أكثر خطورة خلال حالات الطوارئ».

ماهر يموت باحث أمني رئيسي في «كاسبرسكي» (كاسبرسكي)

المعلومات المضللة

ليست الأخبار الزائفة ظاهرة جديدة، لكنّ حجم انتشارها وسرعتها تغيّر بشكل كبير مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي، يمكن أن تنتشر تقارير غير مؤكدة أو مقاطع فيديو معدّلة على نطاق واسع خلال دقائق، وقد تصل إلى ملايين المستخدمين قبل أن تتمكن جهات التحقق من الحقائق من مراجعتها.

ويصنف الخبراء الأخبار الزائفة عادة ضمن فئتين رئيسيتين؛ الأولى تتعلق بمحتوى مفبرك بالكامل يهدف إلى التأثير في الرأي العام أو جذب زيارات إلى مواقع إلكترونية معينة. أما الثانية فتتضمن معلومات تحتوي على جزء من الحقيقة، لكنها تُعرض بشكل غير دقيق لأن الكاتب لم يتحقق من جميع الوقائع، أو بالغ في بعض التفاصيل.

وفي الحالتين، يمكن أن يؤدي ذلك إلى إرباك المتابعين خلال الأزمات، خصوصاً عندما يعتمد المستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي، بدلاً من المصادر الإخبارية الموثوقة للحصول على التحديثات.

كما بدأت السلطات في عدة دول، التحذير من أن نشر معلومات خاطئة حتى من دون قصد، قد يعرّض المستخدمين للمساءلة القانونية، ما دفع الحكومات وخبراء الأمن الرقمي إلى التشديد على أهمية الوعي الرقمي والمسؤولية عند مشاركة المعلومات في أوقات حساسة.

الخداع المدعوم بالذكاء الاصطناعي

أدخل الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى مشكلة المعلومات المضللة، من خلال ما يُعرف بتقنيات «التزييف العميق»، وهي مقاطع فيديو مفبركة تُنشأ باستخدام تقنيات التعلم الآلي؛ مثل تبديل الوجوه أو توليد محتوى بصري اصطناعي. وفي بعض الحالات يمكن تعديل مقاطع حقيقية لتبدو كأنها توثق أحداثاً لم تقع أصلاً.

ويصرح يمّوت بأن أهمية التحقق من الأخبار الزائفة باتت أكبر من أي وقت مضى مع انتشار التزييف العميق. ويزيد: «الذكاء الاصطناعي يتيح دمج مقاطع فيديو مختلفة لإنتاج مشاهد جديدة تظهر أحداثاً أو أفعالاً لم تحدث في الواقع، وغالباً بنتائج واقعية للغاية».

وتجعل هذه التقنيات مقاطع الفيديو المعدلة تبدو حقيقية إلى حد كبير، ما قد يؤدي إلى تضليل المستخدمين، خصوصاً عندما يتم تداولها في سياقات مشحونة عاطفياً؛ فعلى سبيل المثال، قد تظهر مقاطع معدلة كأنها توثق هجمات أو تحركات عسكرية أو تصريحات سياسية لم تحدث. وحتى إذا تم كشف زيف هذه المقاطع لاحقاً، فإن انتشارها الأولي قد يسبب حالة من القلق أو الارتباك لدى الجمهور.

قد تؤدي الأخبار الزائفة إلى إرباك الجمهور ونشر الشائعات خصوصاً عند تداولها دون تحقق (شاترستوك)

كيفية التحقق من المعلومات

يشدد خبراء الأمن السيبراني على أن المستخدمين أنفسهم يلعبون دوراً أساسياً في الحد من انتشار المعلومات المضللة؛ فبينما تطور المنصات والجهات التنظيمية أدوات لرصد المحتوى المزيف، يمكن للأفراد اتخاذ خطوات بسيطة للتحقق من صحة المعلومات قبل مشاركتها.

أولى هذه الخطوات هي التحقق من مصدر الخبر؛ فبعض المواقع التي تنشر أخباراً مزيفة قد تحتوي على أخطاء إملائية في عنوان الموقع الإلكتروني أو تستخدم نطاقات غير مألوفة، تحاكي مواقع إعلامية معروفة.

وينصح يمّوت بالتحقق من عنوان الموقع بعناية، والاطلاع على قسم «من نحن» في المواقع غير المعروفة. ومن الأفضل الاعتماد على مصادر رسمية ومعتمدة؛ مثل المواقع الحكومية أو المؤسسات الإعلامية الموثوقة.

كما ينبغي التحقق من هوية الكاتب أو الجهة التي نشرت الخبر. فإذا لم يكن المؤلف معروفاً أو لا يمتلك خبرة واضحة في الموضوع، فقد يكون من الحكمة التعامل مع المعلومات بحذر.

وتعد مقارنة الخبر مع مصادر موثوقة أخرى خطوة مهمة أيضاً؛ فالمؤسسات الإعلامية المهنية تعتمد إرشادات تحريرية وإجراءات تحقق من المعلومات، ما يعني أن الأحداث الكبرى عادة ما تُغطى من قبل أكثر من جهة إعلامية موثوقة.

ويشير يمّوت أيضاً إلى أهمية التحقق من التواريخ والتسلسل الزمني للأخبار، إذ إن بعض المعلومات المضللة يعتمد على إعادة نشر أحداث قديمة أو عرضها، كما لو أنها وقعت حديثاً. كما يلفت إلى أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي قد تخلق ما يُعرف بـ«غرف الصدى»، حيث تُعرض للمستخدمين محتويات تتوافق مع آرائهم واهتماماتهم السابقة، وهو ما يجعل من الضروري الاطلاع على مصادر متنوعة وموثوقة قبل تكوين أي استنتاجات.

التلاعب بالمشاعر

يعتمد كثير من الأخبار الزائفة على إثارة المشاعر؛ فالعناوين المثيرة أو المقاطع الدرامية غالباً ما تُصاغ بطريقة تستفز مشاعر الخوف أو الغضب أو الصدمة، وهي مشاعر تزيد من احتمال مشاركة المحتوى بسرعة.

ويقول يمّوت: «كثير من الأخبار الزائفة يُكتب بطريقة ذكية لاستثارة ردود فعل عاطفية قوية». ويضيف أن «الحفاظ على التفكير النقدي وطرح سؤال بسيط مثل: لماذا كُتب هذا الخبر؟ قد يساعد المستخدمين في تجنب نشر معلومات مضللة». وتزداد أهمية هذا الأمر على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تميل الخوارزميات إلى إبراز المحتوى الذي يحقق تفاعلاً كبيراً، وبالتالي قد تنتشر المنشورات المثيرة للمشاعر أسرع من التقارير المتوازنة.

يسهم الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق في إنتاج فيديوهات وصور تبدو واقعية لكنها مفبركة (شاترستوك)

مؤشرات بصرية على التلاعب

يمكن للصور ومقاطع الفيديو نفسها أن تقدم مؤشرات على احتمال تعرضها للتعديل؛ فبعض الصور المعدلة قد تظهر خطوطاً خلفية مشوهة أو ظلالاً غير طبيعية، أو ألوان بشرة تبدو غير واقعية. أما في مقاطع الفيديو المزيفة فقد تظهر مشكلات في الإضاءة أو حركة العينين أو ملامح الوجه. ورغم أن اكتشاف هذه المؤشرات ليس دائماً سهلاً، خصوصاً عند مشاهدة المحتوى عبر الهاتف الجوال، فإنها قد تساعد المستخدمين على الشك في مصداقية بعض المقاطع المتداولة.

مسؤولية رقمية مشتركة

يرى الخبراء أن الحد من انتشار المعلومات المضللة خلال الأزمات، يتطلب تعاوناً بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الإعلامية والمستخدمين أنفسهم. ويلفت يمّوت إلى أن أبسط قاعدة قد تكون الأكثر فاعلية: «إذا كنت غير متأكد من صحة المحتوى، فلا تشاركه». ويضيف أن المشاركة المسؤولة تساعد في الحد من انتشار المعلومات المضللة وتحمي المجتمعات الرقمية.

ومع استمرار المنصات الرقمية في تشكيل طريقة انتقال المعلومات عبر الحدود، تصبح القدرة على تقييم المحتوى على الإنترنت مهارة أساسية؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي والحروب، حين تختلط الشائعات بالوقائع، لا يتعلق التحدي بالأمن السيبراني فقط؛ بل أيضاً بحماية مصداقية المعلومات نفسها.