المرشحان للرئاسة الأميركية يدفعان بأبنائهما في الحملة الانتخابية

إيفانكا ترامب تعمل كحائط صد لتعليقات والدها.. وتشيلسي كلينتون تخفف حدة شخصية والدتها

تشيلسي كلينتون في أيوا للترويج لوالدتها هيلاري في الانتخابات الرئاسية (أ.ب)
تشيلسي كلينتون في أيوا للترويج لوالدتها هيلاري في الانتخابات الرئاسية (أ.ب)
TT

المرشحان للرئاسة الأميركية يدفعان بأبنائهما في الحملة الانتخابية

تشيلسي كلينتون في أيوا للترويج لوالدتها هيلاري في الانتخابات الرئاسية (أ.ب)
تشيلسي كلينتون في أيوا للترويج لوالدتها هيلاري في الانتخابات الرئاسية (أ.ب)

من المشاهد التي تكرر كثيرا في الانتخابات الأميركية هي أن يصطحب المرشح زوجته وأبناءه في الحملات الانتخابية بهدف أن يوضح للناخب الأميركي حرصه على القيم الأسرية من جانب، ومن جانب آخر تشير التقاليد الأميركية إلى مسؤوليات تتحملها زوجة المرشح وأبناؤه بعد فوز رب الأسرة، فالمنصب العام هنا ليس وظيفة يقوم بها المرشح، بل تتعدى ذلك إلى مهمة ومسؤولية تتحملها أسرته معه بالمساندة وتحمل الواجبات.
وفي الانتخابات الماضية عام 2008 بين باراك أوباما وجون ماكين لم يكن هناك وجود كبير لأبناء أوباما ماليا وساشا، ربما لصغر سنهما في ذلك الوقت، وظهرا فقط في المناسبات العامة. لكن في هذه الانتخابات كان لتشيلسي ابنة هيلاري كلينتون وجود كبير وشاركت في ندوات للترويج لوالدتها.
وفي الجانب الآخر، كان لكل من إيريك ترامب (32عاما) وجونيور ترامب (38 عاما) وإيفانكا ترامب أبناء المرشح الجمهوري دونالد ترامب أدوار كبيرة في تنظيم وتنسيق الحملة الانتخابية وفي إجراء المقابلات الصحافية والتلفزيونية للترويج لوالدهم، وفي المشاركة في المؤتمرات الحزبية والانتخابية وإلقاء الخطابات أمام الناخبين.
وقد احتلت تعليقات إيريك ترامب حول السجل الضريبي لترامب وعن موقفه من اللاجئين السوريين مانشتات كثير من الصحف. كما نقلت وسائل الإعلام عن جونيور دونالد ترامب (الابن الأكبر لترامب) تصريحاته المدافعة عن الفيديو المسرب لترامب الذي تحدث فيه بصورة فجة ومسيئة عن النساء.
وكان لابنة ترامب «إيفانكا» دور في جذب أعداد من الناخبين، وقد تحدثت إيفانكا في مؤتمرات وحملات حزبية وفي لقاءات مع الصحافة والإعلام عن احترام والدها ومساندته للمرأة ودعت الناخبين للتصويت له.
على الجانب الآخر، فتشيلسي كلينتون، 36 عاما، ليست بوجه جديد على الصحافة الأميركية وقد كانت تقيم في البيت الأبيض بين عامي 1993 إلى عام 2001. لكنها كانت تبلغ 13 عاما فقط عندما فاز والدها بالانتخابات الأميركية. والآن تشارك تشيلسي في مساندة والدتها في حملتها الانتخابية وفي الترويج لها لتكون أول سيدة تدخل التاريخ لتحتل منصب رئيس الولايات المتحدة.
وهذه المشاركة من الأبناء للآباء تثير كثيرا من التساؤلات حول تأثير مشاركتهم في استمالة الناخبين وفي الترويج للمواقف السياسية والاقتصادية التي يتبناها المرشح الوالد- الوالدة ومدى تأثر الناخبين بهذا الترويج وما هو مدى ما يستطيع الابن أو الابنة أن يضيفه أو يقدمه بشكل فعلي في الحملة الانتخابية.
المثير للانتباه في هذه المنافسة الانتخابية أن عائلة كلينتون كانت ترتبط بصداقة عميقة مع عائلة ترامب. وقد شارك آل كلينتون في حضور حفل زفاف ترامب على زوجته إيفانكا في عام 2004. وترتبط تشيلسي كلينتون بصداقة عميقة مع إيفانكا ترامب، لكن فرقت بينهما المنافسة الانتخابية.
في مقال عن مجلة «بوليتيكو» السياسية، قالت تشيلسي كلينتون في برنامج «ذا فيو» الذي يبث على قناة «آي بي سي» إن صداقتها مع إيفانكا ترامب ستستمر مهما كانت نتائج الانتخابات «كنا صديقات قبل الانتخابات بزمن طويل، وسنظل صديقات بعد الانتخابات. لم تبدأ صداقتنا بأمور سياسية ولن تنتهي بسببها».
تعرفت ابنتا المرشحين للرئاسة على بعضهما البعض عن طريق الأزواج قبل بضع سنين، ظهرا سويا في كثير من المناسبات الخيرية وحفلات الجوائز. ولكن بسبب اشتعال الحملة الانتخابية لكلا المرشحين والمنافسة الشديدة للسباق الرئاسي، لم تعد تظهر تشيلسي كلينتون مع إيفانكا ترامب في المناسبات العامة.
ولم يقتصر الأمر بين العائلتين على الظهور العام، بل كان هناك نوع من المساندة السياسية من آل ترامب لآل كلينتون، فقد تبرعت إيفانكا ترامب بمبالغ لحملة كلينتون للترشح للانتخابات الرئاسية في عام 2008.
وعندما انتهى السباق الحزبي للديمقراطيين باختيار كلينتون لخوض الانتخابات الرئاسية وانتهى السباق الحزب للجمهوريين باختيار ترامب لخوض الانتخابات الرئاسية تباعدت المسافات وتقطعت أواصر الصداقة إلى حد كبير، بل ظهرت الانتقادات من الجانبين، فقد أعلنت تشيلسي كلينتون في مؤتمر انتخابي لوالدتها أنها لا تستطيع تقبل تعليقات ترامب المسيئة للنساء، وذوي الاحتياجات الخاصة، والمواطنين ذوي الأصول المختلفة. وقالت: «بالنسبة لي، هذه التعليقات تقلقني أكثر من تصرفاته المسيئة لوالدتي لكونها امرأة».
تتشابه المرأتان، إيفانكا ترامب وتشيلسي كلينتون في تقارب أعمارهما وفي مستوى التعليم الرفيع الذي حصلن عليه، فقد التحقت تشيلسي كلينتون بجامعة ستانفورد عام 1997 وتخصصت في التاريخ وحصلت على درجة الماجستير من جامعة أكسفورد ببريطانيا في العلاقات الدولية عام 2003 واستكملت درجة الدكتوراه في جامعة نيويورك عام 2001 ثم درجة الماجستير في الصحة العامة في كلية كولومبيا وتقوم حاليا بالتدريس فيها.
أصبحت تشيلسي كلينتون وإيفانكا ترامب من كبار المسؤولين في حملة والديهما، تشيلسي لحملة والدتها هيلاري كلينتون وإيفانكا لحملة والدها دونالد ترامب. كلاهما أسهم عن طريق التحدث على مسار الحملة في الولايات المختلفة. قال أحد المتحدثين الذي له صلة بالحملة السياسية لمجلة «بوليتيكو» السياسية عن إيفانكا ترامب وتشيلسي كلينتون: «تشعران بالمسؤولية للمساعدة، وذلك بسبب طريقة تربيتهما، وهما طموحتان وتسعيان للمساهمة بشكل كبير وذي أهمية».
وتشغل إيفانكا ترامب منصب نائب الرئيس للتنمية في مؤسسة ترامب وتدير عدة مشروعات عقارية وفنادق، وقد درست إيفانكا بجامعة جورج تاون ثم في مدرسة وارتون بجامعة بنسلفانيا وتخصصت في دراسة المالية وتخرجت عام 2004 بدرجة البكالوريوس في الاقتصاد.
تتصرف إيفانكا كحائط صد ودفاع لأسلوب والدها ترامب الاستفزازي وتعليقاته المسيئة أحيانا. من جهودها في الدفاع عن والدها قالت إيفانكا ترامب في مقابلة شخصية لشبكة «سي إن إن» العام الماضي: «لا أعتقد أنه يستهدف النساء على الإطلاق، حيث لن أكون في هذا المنصب العالي في مؤسسته إذا لم يدعم النساء». وأضافت: «دائمًا يقوم بدعمي وتشجيعي، سيكون شخصًا رائعًا للنساء في هذه الدولة».
مهمة تشيلسي في المقابل هي التخفيف من حدة شخصية والدتها ومحاولة إظهارها بصورة الأم التي تحرص على مستقبل أبنائها وأحفادها، وقد تحدثت تشيلسي في 58 مناسبة هذا العام، وذلك بتتبع نص معين، تفتتح بالحديث عن والدتها لمدة 15 دقيقة، ثم تستقبل أسئلة من الجمهور لمدة 45 دقيقة لشرح سياسات والدتها بشكل دقيق.
تمثل الحملة السياسية خطرًا على مستقبل إيفانكا المهني، حيث إنها تعمل على صنع علامة تجارية من حياتها الشخصية، وذلك بترويج سلعة تمكين النساء ونمط حياة ترامب للرفاهية والموضة.
يتشابه ترامب وكلينتون في عدم استشارة ابنتيهما في كامل شؤون الحملة. رغم ثقة ترامب بابنته فيما يتعلق بأمور التجارة إلا أنه لا يقبل نصائحها في الأمور السياسية. حاولت إيفانكا ترامب إقناع والدها بالتقليل من استخدام المصطلحات المسيئة للمهاجرين المكسيكيين، ولكنه رفض الرجوع عن تعليقاته. مثل إيفانكا، فإن تشيلسي حائزة على ثقة والديها في إدارة المؤسسة، ولكن ليس في عملية إجراء القرارات اليومية للحملة الانتخابية.
وتقول جريدة «وول ستريت جورنال» إن إيفانكا ترامب ليست الشخص الوحيد من عائلة ترامب الذي يقوم بمساعدته في حملته السياسية، بل أيضًا ابناه جونيور وإيريك ترامب. يقوم الإخوة الثلاثة بقيادة حملة والدهم بالإضافة إلى شركته للعقار. وجود أبناء ترامب في الحملة يبث الطمأنينة في قلوب الجمهوريين، وذلك لتمكنهم من مساعدة والدهم على الظهور بشكل محترم يليق بسياسي وليس برجل أعمال. تركزت جهود إيفانكا ودونالد وإيريك على إبراز جوانب دونالد ترامب الإيجابية للمصوتين، وذلك بالثناء عليه كوالد يفتخر به، حيث قام جونيور وإيريك في كثير من المناسبات بإعلان حبهما لوالدهما خلال خطبهما. مثل أبناء ترامب مصداقية عالية للحملة، مما يجعلهم نقطة تواصل رئيسية لحملة ترامب الرئاسية.
يقول المحللون إن ظهور عائلة المرشح وزوجته وأبنائه ومشاركتهم بفاعلية في الحملات الانتخابية يكون لها تأثير كبير على الناخبين لأنهم لا ينظرون فقط إلى البرنامج الانتخابي للمرشح وأفكاره وآرائه السياسية فحسب، بل يريدون أيضا أن يتعرفوا على الجانب الآخر للمرشح وأوضاعه العائلية ويريدون أن يرون نموذج الأسرة الأميركية المثالية. ويشير المحللون إلى أن ظهور عائلة ترامب إلى جواره أسهم في جذب جانب من الناخبين الذي يرون أن ترامب لديه جانب أبوي لطيف، ومشجع لأبنائه وأنه قام بتربيتهم بشكل جيد، وهذا يساعد الناخبين على التغاضي عن بعض من أخطاء ترامب والتطلع إليه بصورة أفضل.
قامت تشيلسي كلينتون، الابنة الوحيدة لهيلاري كلينتون بمساعدة والدتها منذ بداية الحملة، حيث إنها ظهرت في غلاف مجلة «إلي» بعد أن أصبحت هيلاري كلينتون المرشح الديمقراطي الرسمي لعام 2016. قالت في المقابلة لمجلة «إلي»: «يوجد هنالك فارق بين النساء والرجال في هذه الدولة، وجود امرأة كرئيسة سيساعد على حل هذه المشكلة بشكل كبير». تساعد تشيلسي كلينتون والدتها في كسب أصوات الشباب من جيل الألفية، وذلك بتحفيزهم على التسجيل للتصويت. تصف تشيلسي علاقتها بوالديها بأنها «ميزة وجود ثلاثة أفراد في العائلة هو أن اثنين منهما يمثلان مرشحين والثالث يعمل كمفاوض بينهما»، مما يدل على قرابة العائلة من بعضها البعض، وتوازن تشيلسي كلينتون.
تساعد تشيلسي كلينتون على جذب أصوات شباب جيل الألفية وهي العقبة التي تواجه كلينتون، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن قطاعا كبيرا من الشباب عازف عن المشاركة في العملية الانتخابية لعدم ثقتهم في كل من كلينتون وترامب.
تقوم تشيلسي كلينتون بالتأكيد على ثقتها بوالدتها بقولها لقناة «سي إن إن»: «لا أثق بأي شخص أكثر من والدتي»، وتوضح قائلة: «إذا حصل أي شيء لي، والدتي ستقوم بالاعتناء بأطفالي. ليس بإمكاني رؤية دلالة أكبر على الإيمان بها أكبر من ذلك». ومن بعض جهود تشيلسي في كسب أصوات الشباب، تقوم بالتحدث عن خطة والدتها للتخفيف من الديون الجامعية، وتاريخ والدتها في دعم قضايا المرأة والعائلة، مثل حق الإجهاض وإجازة الأمومة المدفوعة.
من المثير رؤية أبناء المرشحين في هذه الجولة الرئاسية، لأن أبناء الرؤساء في الـ24 عاما الماضية لم يكونوا في سن تؤهل للخروج ودعم والديهم بشكل مستمر وجدي في حملاتهم.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.