جاستا: ثلاثة سيناريوهات لنص مثير للجدل

الكونغرس يسعى لصياغة نص جديد حول «الحصانة السيادية» للدول يشكل تسوية قبل انتهاء فترة ولاية أوباما

أعلن مكتب «إف بي آي» و«سي آي إيه» مرارًا أنه ليس ثمة دليل على وجود أي صلات بين منفذي هجمات «11 سبتمبر» والسعودية («الشرق الأوسط»)
أعلن مكتب «إف بي آي» و«سي آي إيه» مرارًا أنه ليس ثمة دليل على وجود أي صلات بين منفذي هجمات «11 سبتمبر» والسعودية («الشرق الأوسط»)
TT

جاستا: ثلاثة سيناريوهات لنص مثير للجدل

أعلن مكتب «إف بي آي» و«سي آي إيه» مرارًا أنه ليس ثمة دليل على وجود أي صلات بين منفذي هجمات «11 سبتمبر» والسعودية («الشرق الأوسط»)
أعلن مكتب «إف بي آي» و«سي آي إيه» مرارًا أنه ليس ثمة دليل على وجود أي صلات بين منفذي هجمات «11 سبتمبر» والسعودية («الشرق الأوسط»)

إذا صح ما يثار في إطار الضجة الأخيرة داخل دوائر واشنطن، يبدو الآن من غير المحتمل أن نعاين حلقة جديدة من ملحمة قانون «العدالة في مواجهة رعاة الإرهاب»، المعروف اختصارًا باسم «جاستا»، خلال فترة انعقاد الكونغرس بعد انتخابات 8 نوفمبر (تشرين الثاني). وتتعارض الضجة الحالية مع تقارير تواترت منذ أسبوع واحد فقط حول كون القانون في مرحلته النهائية، وأن الكونغرس سيعاود النظر في نص القانون بهدف تمهيد الطريق أمام إقراره.
ومع ذلك، يبدو واضحًا الآن أن أيًا من الكونغرس والرئيس باراك أوباما، وقد أشرفت فترة ولاية كليهما على الانتهاء، لديه اهتمام بصياغة نص يشكل تسوية أو حلاً وسطًا، حسبما ألمح رئيس مجلس النواب وعضو الحزب الجمهوري، بول ريان.
وتبدو تلك أنباء سارة، خاصة وأنها تعني تجنب وقوع صدام جديد بين الجناحين التنفيذي والتشريعي بالحكومة الأميركية. ومع ذلك، ينبغي لكلا المعسكرين المؤيد والمعارض للقانون التزام الهدوء وتوخي الحذر قبل القفز إلى أي نتائج.
ولدى استعراض المشهد الراهن نجد أن جماعات الضغط الداعمة لـ«جاستا» تصر على أن القرار الأخير من قبل الكونغرس بإسقاط «الفيتو» الرئاسي ضد مشروع القانون ينبغي أن يعني نهاية العملية التشريعية في هذه الحالة. في هذا الصدد، يصر تيري سترادا، قائد جماعة الضغط الرئيسة المؤيدة لـ«جاستا»، على أن إسقاط «الفيتو» الرئاسي يعد «نصرًا»، وأن الحديث عن معاودة الكونغرس النظر في نص القانون ينبغي ألا يكون مقبولاً.
وأضاف: «نشعر بامتنان بالغ لأن الكونغرس لم يخذلنا. لقد ناضل ضحايا هجمات 11 سبتمبر (أيلول) طيلة 15 عامًا لضمان محاسبة أولئك المسؤولين عن قتل آلاف الرجال والنساء والأطفال الأبرياء بدم بارد، وإصابة آلاف آخرين».
ومع ذلك، تبقى هناك أسباب تدعو سترادا للقلق. جدير بالذكر أن ملحمة «جاستا» بدأت فصولها عام 2009 مع تشكيل مجموعة داخل الكونغرس للترويج لفكرة ضرورة صياغة تشريع ما «لتحقيق العدالة» لضحايا مأساة 11 سبتمبر والناجين منها. في البداية، كانت الفكرة الشائعة أن الحكومة الأميركية ينبغي أن تنشئ صندوقًا خاصًا للتعويضات يعمل تحت إشراف الكونغرس. بيد أنه بحلول عام 2010، تحولت الفكرة إلى المطالبة بالسعي للحصول على تعويضات من قوى أجنبية تتحمل مسؤولية مزعومة عن الهجمات، مع تركيز دائرة الاتهام على المملكة العربية السعودية.
وطرحت الفكرة خلال ثلاث جلسات انعقاد متعاقبة للكونغرس - 111 و112 و113 - مع دخول المشرعين في نقاش حول نص ضبابي وأخفقوا في الاتفاق على مسودة قانون، وخضع النص لتعديلات كبيرة أعوام 2014 و2015 و2016. في كل خطوة، كان يجري التخفيف من لغة المسودة، ما يزيد من صعوبة تطبيقه نهاية الأمر كقانون.
من ناحيتها، تقف المملكة العربية السعودية في مواجهة الكثير من الأعداء داخل الولايات المتحدة، على اليمين واليسار.
بالنسبة لأولئك المنتمين إلى اليمين، فإنهم يمقتون المملكة لكونها مسلمة وعربية. أما من على اليسار، فيعادونها لكونها مجتمعًا محافظًا يرتبط بعلاقات جيدة مع القوى الغربية «الإمبريالية». وقد أخفقت محاولات بذلتها حفنة من المشرعين لجعل القانون معاديًا للمملكة على وجه التحديد، وبذلك لم يذكر اسم السعودية قط في المسودات الأخيرة للقانون.
لا يستهدف السعودية تحديدًا
وعليه، فإن النص الذي جرى تمريره الشهر الماضي لا يستهدف السعودية تحديدًا، ومن الممكن استغلاله في رفع دعاوى فردية ضد أي دولة يمكن اتهامها بوجود صلات مباشرة أو غير مباشرة بينها وبين أعمال إرهابية. في كل الأحوال، تبقى المسودة الأخيرة صورة مخففة من النص الذي صاغته اللجنة التشريعية بمجلس النواب، ما يشير إلى إمكانية أن تؤدي أي إعادة صياغة مستقبلية لمزيد من التخفيف من حدة النص.
ومع هذا، ينبغي لمعارضي القانون التريث قبل إعلان بهجتهم حيال مسألة أن الكونغرس الذي أوشك على نهاية فترة ولايته يبدو أنه قد قرر الامتناع عن محاولة إنجاز القانون خلال الأيام الأخيرة المتبقية قبل إجراء انتخابات 8 نوفمبر. في الواقع، هناك سببان أساسيان يدعوان للتريث على هذا الصعيد: أولاً: أن كلا المرشحين الرئاسيين الحاليين - هيلاري كلينتون عن الديمقراطيين ودونالد ترامب عن الجمهوريين - أعلنا أنهما لا يدعمان قرار أوباما استخدام «الفيتو» ضد «جاستا». ورغم أن هذا التصريح قد يرمي لتجنب إثارة غضب بعض الناخبين، فإن من المحتمل كذلك أنهما يعنيان تمامًا ما يقولانه. علاوة على ذلك، فإنه ليس ثمة ضمان أن الكونغرس القادم، المقرر انعقاده في يناير 2017، سيبدي حماسًا أقل حيال «جاستا» عن الكونغرس الحالي.
والأسوأ من ذلك، أن «جاستا» قد يستمر ببساطة على أصعدة أخرى داخل التيه التشريعي، ليلقي بظلاله على العلاقات السعودية - الأميركية، في وقت يحتاج البلدان للعمل معًا بثقة أكبر عن ذي قبل. وربما لا يختبر «جاستا» فعليًا على أرض الواقع، لكنه سيبقى بحضور افتراضي كسيف قضائي مصلت فوق رؤوس الكثير من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة ذاتها.
من ناحية أخرى، لا يعتبر «جاستا» المحاولة الأولى لدفع السعودية نحو شبكة من المشكلات القضائية بذريعة محاربة الإرهاب. كانت المحاكم الأميركية قد رفضت بالفعل الكثير من الدعاوى ضد شخصيات وجمعيات خيرية ومؤسسات سعودية. في الوقت ذاته، أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) مرارًا أنه ليس هناك ثمة دليل على وجود أية صلات بين منفذي هجمات 11 سبتمبر والسعودية كدولة أو مسؤولين سعوديين. ووردت النتيجة ذاتها في تقرير من 28 صفحة أصدرته اللجنة المعنية بالتحقيق في الهجمات: الدولة السعودية ليس لها صلة بهجمات 11 سبتمبر.
يذكر أن القانون الأميركي ليس به ما يمنع تقدم مواطن أو مجموعة من المواطنين بدعوى قضائية ضد أية حكومة، بما في ذلك الحكومة الأميركية الفيدرالية ذاتها.
وتكمن مشكلة «جاستا» في أنه يجري تقديمه باعتباره تعديلاً للقانون المعني بالحصانة السيادية الذي لا يسمح بمقاضاة الدول عن أفعال جرت في إطار تنفيذها الطبيعي لسياساتها.
من جانبه، علق الخبير جوان كول على «جاستا» بقوله: «يشير الاحتمال الأكبر إلى أن المشرعين لم يولوا اهتمامًا كافيًا لتداعيات النص». يذكر أن كول من منتقدي السعودية، لكنه أيضًا معارض لـ«جاستا».
واللافت أنه حتى عضوي الكونغرس اللذين تقدما بمشروع القانون بادئ الأمر، السيناتور تشارلز شومر (ديمقراطي) وجون كورنين (جمهوري)، يقران حاليًا أن «جاستا» بصورته الحالية قد يكون بحاجة لإعادة النظر فيه.
أما السيناتور روبرت كوركر (جمهوري) فأعرب عن اعتقاده بأنه: «قد تكون هناك تداعيات غير مقصودة تعمل ضد مصلحتنا الوطنية»، متعهدًا بـ«العمل مع آخرين» من أجل «التغلب على هذا الأمر».
من ناحيتهم، حاول مشرعون آخرون إلقاء اللوم عن المأزق الراهن على الرئيس أوباما المتهم بعدم توفيره الاهتمام والوقت الكافيين للأمر. ومن بين هؤلاء شخصيات نافذة داخل الكونغرس مثل نانسي بيلوسي (ديمقراطي)، ورئيس مجلس النواب ريان (جمهوري)، بجانب أعضاء بارزين بمجلس الشيوخ مثل أورين هاتش، وداين فنتستاين، وبوب كوركر.
والآن، كيف يمكن أن تنتهي ملحمة «جاستا»؟ من بين الاحتمالات على هذا الصعيد أنه مع تسجيل الكونغرس نقطة في مواجهة أوباما قرب عقد انتخابات شديدة التنافسية، فإن «جاستا» قد يسمح له الآن بالتراجع والانسحاب إلى خلفية المشهد. وقد يبقى حيًا جزئيًا كجزء من الملفات التشريعية المقرر مناقشتها بين الكونغرس والبيت الأبيض، مع السعي للتوصل إلى تسوية ربما لا تتحقق قط. في الواقع، هناك الكثير من الأمثلة على حالة التيه في التاريخ التشريعي الأميركي، وإن كان أحدها لم يثر هذه المشاعر المتأججة القائمة الآن حول «جاستا».
ثانيًا: قد يتفق البيت الأبيض والكونغرس على نص جديد يمثل حلاً وسطًا، بحيث يتناول القضية المحورية المتمثلة في الحصانة السيادية. ورغم أن هذا لن يكفل للسعودية أو أية دولة أخرى عدم تقدم أفراد أو مجموعات داخل الولايات المتحدة بدعاوى قضائية ضدها، فإنه سيرفع بدرجة كبيرة من سقف الأدلة المقبولة، وسيسمح لأية دولة متهمة باللجوء إلى المبادئ المعترف بها دوليًا المرتبطة بالحصانة السيادية في دفاعها. ومن شأن ذلك زيادة صعوبة حصول المدعين على حكم لصالحهم.
ثالثًا: قد يلغي الرئيس القادم ببساطة «الفيتو» الصادر عن أوباما ببساطة، ويسمح بمضي النص الحالي لمسودة القانون قدمًا. ومثلما سبق وأن أشرنا، فقد تعهدت كلينتون وكذلك ترامب بفعل ذلك. في هذه الحالة، لن يكون بوسعنا سوى الانتظار لأول تجربة فعلية للقانون أمام إحدى المحاكم الأميركية.
في ظل هذا السيناريو، سيتمثل الفاعلون الرئيسيون في المحامين الذين سيحاولون العثور على محكمة لديها معرفة بالقانون الدولي وتعقيدات العلاقات الدبلوماسية داخل بلد تسهل فيه استثارة مشاعر كراهية الأجانب.
في مثل هذا الإطار، قد تصبح الساحة ممهدة أمام عملية تقاضي قد تستغرق سنوات، ما يعود على بعض المحامين بالثراء الفاحش دون ضمان لحصول أي من المدعين نهاية الأمر على تعويضات مرضية. في كل الأحوال، فإنه حتى في ظل النص القائم سيكون باستطاعة وزارة الخارجية تجميد عملية التقاضي لفترات متعاقبة يبلغ كل منها 180 يومًا إلى أجل غير مسمى.
ومع ذلك، ستبقى مخاطرة أن يلجأ البعض لرفع دعاوى ضد الولايات المتحدة، متهمين إياها بالمسؤولية التقصيرية فيما يخص «جاستا». على سبيل المثال، قد يعجز الآلاف من ذوي من قتلوا في الهجمات الأميركية بطائرات من دون طيار في 12 دولة بمختلف أرجاء العالم، عن مقاومة إغراء القفز في قطار «جاستا». والمؤكد أن مواطنين أميركيين سيلجأون كذلك لرفع دعاوى ضد الكثير من الدول الأخرى يتهمونها بالمسؤولية التقصيرية، بما في ذلك دول في غرب أوروبا. مثلاً، لقي الكثير من الأميركيين حتفهم خلال الهجمات الإرهابية الأخيرة في فرنسا، ما يعرض الحكومة الفرنسية لإمكانية مقاضاتها بتهمة الإهمال، خاصة وأن السلطات الفرنسية كانت تعلم بالفعل بأمر بعض الإرهابيين، ومع ذلك لم توقفهم عن ارتكاب جرائمهم.
وتشير تقديرات إلى أن إرهابيين من مختلف التوجهات يتمتعون بمأوى، أو على الأقل ملاذ آمن مؤقت، داخل أكثر من 25 دولة في أميركا الجنوبية وآسيا وأفريقيا، والتي يمكن مقاضاة حكوماتها جميعًا بتهمة الإهمال. المعروف أن فنزويلا عملت بمثابة ملاذ آمن لحركة قوات كولومبيا المسلحة الثورية الإرهابية على مدار قرابة نصف قرن. كما أن إيران ترعى الكثير من الجماعات الإرهابية بمختلف أرجاء الشرق الأوسط، أبرزها جماعة «حزب الله» اللبنانية وجماعة الأنصار اليمنية.
في الوقت ذاته، اعترفت دول أوروبية غربية، خاصة بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا بأنها تضم قرابة 8.000 جهادي على صلة بتنظيم «داعش». وحال إقدام أي من هؤلاء على تنفيذ هجوم بأي مكان في العالم، سيكون باستطاعة الضحايا الاعتماد على «جاستا» في التقدم بدعوى قضائية ضد الحكومات المعنية.
ونظرًا لأن «جاستا» يبدو وكأنه يعمل بأثر رجعي، أمر نادر الحدوث في الأنظمة القانونية، فإن الكثير من الدول، بما فيها الولايات المتحدة ذاتها، قد تجر إلى ساحات القضاء؛ بسبب تورطها في مذابح مزعومة تعود لعقود، بل وربما قرون ماضية.
وأيًا ما كان مصير «جاستا»، فإن المجتمع الدولي سيستمر في مواجهة مشكلة الإرهاب، وكيفية وضع تعريف له ومحاربته. من ناحيتها، أخفقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على الاتفاق على تعريف لأكثر من عقدين؛ نظرًا لأن بعض الجماعات التي تعتبر إرهابية من منظور بعض الأعضاء تجري الإشادة بها كجماعات مناضلة من أجل الحرية من قبل أعضاء آخرين. الأسوأ من ذلك، أن عددًا من الدول تلجأ إلى استغلال سلاح الإرهاب لتحقيق مآربها. وتكمن المشكلة في أنه من دون الاتفاق على تعريف محدد، فإنه من المجافي للعدل وغير الآمن قانونيًا اتباع سياسات انتقائية لاسترضاء جماهير محلية لدى محاربة الإرهاب.
وهنا ينبغي التنويه بأن جزءًا كبيرًا من الحملة المستعرة ضد المملكة العربية السعودية حاليًا آيديولوجي في جوهره، ولا يحمل صلة تذكر بالإرهاب. على سبيل المثال، قال السيناتور بوب كيري، الديمقراطي والمرشح الرئاسي السابق، بكل صراحة إنه تجب «معاقبة» السعودية لترويجها لرؤيتها الخاصة للإسلام.
ورغم أن لكيري كل الحق في مواجهة السعودية ورؤيتها للإسلام داخل الميدان الآيديولوجي، فإنه من غير الحكيم ولا المنصف اللجوء إلى استغلال أدوات قانونية في معركة آيديولوجية.
وفي هذا الإطار يتجلى أيضًا نفاق «جاستا»، ذلك أنه قانون مستوحى من مشاعر كراهية عميقة إزاء المملكة، دون أن يملك شجاعة مجرد ذكر اسمها. وعليه، فإن هذا النص القانوني يفضح الوجه الأسوأ للعملية التشريعية الأميركية باعتباره معركة ديماغوغية شعبوية متخفية في زي تشريعي.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.