ميسون صقر: اكتشفت أن أعمالي أكثر جرأة مني فأصبحت رقيبة على نفسي!

الشاعرة الإماراتية ترى أن المجتمع العربي يفتش في ضمير المرأة ويقرأ ما بين السطور

TT

ميسون صقر: اكتشفت أن أعمالي أكثر جرأة مني فأصبحت رقيبة على نفسي!

تجمع الإماراتية ميسون صقر القاسمي بين كتابة الشعر والرواية والفنون التشكيلية والسينما أيضا، إذ حصل فيلم تجريبي لها على جائزة الإمارات. لكنها تعتبر أن أهم إنجازاتها قيامها بتجميع وتحقيق الأعمال الكاملة لوالدها الشاعر الشيخ صقر بن سلطان القاسمي في أربعة أجزاء. وقد حصلت ميسون صقر أخيرا على جائزة «كفافيس» الدولية لعام 2013 في الشعر. هنا حوار معها أجري في القاهرة حيث تقيم:

> في رأيك هل أثرت ثورات الربيع العربي على النتاج الإبداعي.. هل نجح المبدعون في التعبير عنها أدبيا؟
- لا شك أن الأحداث العربية تؤثر بشكل كبير على المبدع العربي، فهذا الشتات الرهيب في سوريا ومن قبله العراق وتوتر الأوضاع في ليبيا وتونس واليمن لها تأثيرها على الكتابة والكاتب، فالمبدع الحقيقي لا يستطيع أن يعيش بمعزل عما يدور حوله من أحداث خاصة تهم بلده أو البلد العزيز، الذي يعيش فيه، وإلا سيكون غير صادق في توجهاته. هذه الأحداث تنعكس على الإبداع سواء في الشعر أو الأدب أو الكتابة بصفة عامة ولكن من الصعب أن يعبر المبدع عن مشاعره تجاه تلك الأحداث في الوقت ذاته، لأنه قد يكون منشغلا بمتابعتها أكثر من انشغاله بالكتابة. فمثلا لم يكن من الممكن لأي إنسان في مصر أن يترك شاشة التلفزيون التي تعج بالأحداث الساخنة ويذهب للكتابة فكان ما يحدث هو الشغل الشاغل للجميع بمن فيهم المبدعون، وقد عشت شخصيا تلك التجربة الخاصة جدا على نفسي بحكم إقامتي بالقرب من مقر قصر الاتحادية. عايشت الأحداث بكل سخونتها وتأثرت بما شاهدته وهو ما سينعكس على بعض الأعمال فيما بعد.
وبالنسبة لي، تأثرت مثلا بصور شهداء الثورة الأولى التي علت البسمة وجوههم وكأنهم أحياء لكنها في النهاية كانت ابتسامة ميتة ومؤلمة أثرت في نفسي بعمق فجاء ديواني: «جمالي في الصور» يعكس تأثري بهذه الوجوه، وكان جزء منه يميل للتصوف بحكم تلك النظرة التي هي ما بين الحياة والموت. ولا ننسى أيضا أن الفترة الماضية أثرت أحداثها في ظهور فنون جديدة مثل فن الجرافيتي، كما ساهمت الثورات العربية في دخول جيل جديد في عالم الكتابة. يعنى الثورة أنتجت حالة أثرت على الإبداع.
> هناك من يرى أن هذه الثورات كشفت فشل النخبة المثقفة وتراجعها عن أداء دورها. ما رأيك؟
- المثقف هو أولا وأخيرا إنسان وهو ليس الشاعر أو الأديب فقط وإنما السياسي والمفكر والقاضي كلهم مثقفون وأعتقد أن المثقف لم يفشل، بل بالعكس فقد ساهم في الثورة المصرية على سبيل المثال لكن خبرة المثقف ليست سياسية بحتة، لذلك تنحى حين بدأت السياسة تتحرك، وذلك لأن الخبرة السياسية والتشكيل الحزبي ما زال جديدا على المجتمعات العربية.
> ألم يدفعك الخوف من الأحداث الساخنة إلى ترك مصر؟
- لا لم أفكر قط في مغادرة مصر لأننا عشنا فيها جميع أوقاتنا الطيبة. لقد عاصرت أوقاتا أصعب من ذلك بكثير خلال وجودي بمصر أثناء حربي 1967 و1973 لذلك لم تكن تلك الأحداث بغريبة أو مقلقة لي. لكن ما أثارني حقا هو ذلك الخروج الكبير للناس بدافع الرغبة في التغيير وصولا للحظة الفرح الجماعي. لكن كانت أصعب اللحظات التي عشتها بمصر هي تلك الفترة التي حدث فيها تأجيج للفرقة بين المصريين، وهذا ما أزعجني أثناء حكم الإخوان، لأنهم للأسف لم يعرفوا المجتمع المصري جيدا ولم يفهموا أن الدين والحياة في مصر شيء واحد ولذلك لم يتحملهم المصريون.
> بحكم أنك مبدعة عربية كيف تنظرين لواقع المرأة عامة والمبدعة بشكل خاص في عالمنا العربي؟
- بالنسبة للمرأة العربية كان النزاع بين محاولة الحفاظ على موروثات ثقافية سابقة مع التقدم خطوة للأمام.. بينما كانت هناك أخريات يتحركن بمفهوم الحرية فكان هناك نزاع. وفى منطقة الخليج أتصور أن هناك تقدما كبيرا في وضع المرأة ودورها الذي صار أقوى في كثير من المجالات الجديدة التي خاضت العمل فيها، فأصبحت هناك دبلوماسيات وهناك من دخلن البرلمانات، ولدينا أيضا وزيرات، هذا بالإضافة إلى ظهور كاتبات كثيرات أثبتن أنفسهن، كما أن من الظواهر اللافتة للنظر ظهور مبدعات سينمائيات ومصورات خليجيات وبعضهن حصد جوائز هامة. المرأة الخليجية لم تعد قاصرة على العطاء والإبداع في المجالات التقليدية كالتدريس وخلافه ولكن ظهرت نساء أثبتن جدارتهن في شتى المجالات وهو مؤشر طيب على تحسن أوضاع المرأة العربية بشكل كبير.
> كيف تكتبين؟
- في البداية كنت أكتب بحرية تامة لكن بعد فترة اكتشفت وأنا في فرنسا أن ما ترجم لي كان أكثر جرأة مني على المستوى الشخصي وما كنت أكتبه من كتابات عن الذات والجسد والحرية كموضوعات للشعر لم أكن أستطيع قراءتها على الملأ، خصوصا وأن المجتمع العربي يفتش في ضمير المرأة وهى غائبة ويقرأ ما بين السطور وليس ما فوق السطور! ومن هنا بدأت ألاحظ أن هذه الكتابات التي قد تعبر عن حالة الجنون التي تصحب الكتابة لا بد أن أكون رقيبة عليها وعلى نفسي. ومن أعمالي التي تنتمي لتلك المرحلة «رجل مجنون لا يحبني» و«عامل نفسه ماشي» تلتها مرحلة أخرى مختلفة بحكم أن الإنسان يتغير أيضا من فترة لأخرى ولا يظل على حال في الكتابة، وفى كل مرة يغير في كتاباته ورؤيته للعالم ولغته.
> هل معنى ذلك أنك تحاسبين نفسك على ما تكتبين؟
- أنا أقول دائما أن من يقف تحت الشجرة لا يراها كاملة، لذلك لا بد أن أنسحب قليلا عنها لأراها، كما أن مسألة النقد سواء من الأهل أو الأصدقاء أو خلافه لا بد من النظر إليها لا بعين الحنين والحب، ولكن أيضا كمحاولة لرؤية القادم واستشراف المستقبل كما أنني لا بد أيضا أن أنظر من عين الأمل وليس الإحباط فلا أرى النقص، بل أسعى لكيفية تحقيق الكمال. وأعتقد أن المسؤولية تكون أصعب بالنسبة للكاتب صاحب الخبرة والتجارب المتعددة بمعنى أن من كتب أعمالا كثيرة عليه أن يحاسب نفسه أكثر ممن كتب عملا أو عملين فقط على سبيل المثال ولذلك أحاسب نفسي دائما حرصا على عدم التكرار.
> وكيف تخططين لتفادى ذلك التكرار؟
- لا أخطط بشكل كامل في كتاباتي، لكن لا بد أن تكون هناك وقفة عقب كل فترة لتقييم ما تم خلالها والتفكير بالتجربة الجديدة بما يضمن عدم تكرار النفس. وأنا دائما أبحث عن جديد ما في كل عمل، فكنت أعمل على القصيدة السردية القصيرة جدا ثم انتقلت لتفاصيل البيت وبعدها انتقلت لمرحلة أخذ مفهوم معين لأشتغل عليه، وبعد ذلك بدأت في مرحلة العلاقات كما في «أرملة قاطع طريق» وصولا لمرحلة الصور المتعددة.
> ما الذي يشغلك حاليا؟
- أنا مشغولة حاليا بين عدة أمور منها متابعة الأنشطة الفنية والثقافية بمصر بعد استئنافها عقب فترة طويلة من التوقف كما أستعد لعودتي أنا أيضا للفن التشكيلي والتحضير لتجربة جديدة في عالم الأبيض والأسود، هذا إلى جانب أنني أعكف على كتابة رواية جديدة لتكون أختا لـ«ريحانة» روايتي الوحيدة. وفى نفس الوقت فإنني مشغولة أيضا بتجميع مادة عن مقهى ريش الثقافي العريق والشهير بمصر باعتباره ذاكرة وطنية وإنسانية في منطقة وسط البلد بالقاهرة، ومكانا يرتبط بكثير من الأحداث والشخصيات المؤثرة في تاريخ مصر.
> بين الفن والشعر والأدب أين تجدين نفسك؟
- أنا أؤمن بتداخل الفنون لكنها تختلف في وسيلة التعبير عنها، وإن كانت كلها تنبع من لحظة إبداعية يمر بها المبدع، لكن ربما كان لنشأتي أثرها في التحيز للشعر خاصة في ظل مكتبة والدي الشاعر أيضا، التي كانت تزخر بالكتب التراثية والشعرية والتي نهلت منها الكثير بما ساهم في عشقي للشعر.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.