ميسون صقر: اكتشفت أن أعمالي أكثر جرأة مني فأصبحت رقيبة على نفسي!

الشاعرة الإماراتية ترى أن المجتمع العربي يفتش في ضمير المرأة ويقرأ ما بين السطور

TT

ميسون صقر: اكتشفت أن أعمالي أكثر جرأة مني فأصبحت رقيبة على نفسي!

تجمع الإماراتية ميسون صقر القاسمي بين كتابة الشعر والرواية والفنون التشكيلية والسينما أيضا، إذ حصل فيلم تجريبي لها على جائزة الإمارات. لكنها تعتبر أن أهم إنجازاتها قيامها بتجميع وتحقيق الأعمال الكاملة لوالدها الشاعر الشيخ صقر بن سلطان القاسمي في أربعة أجزاء. وقد حصلت ميسون صقر أخيرا على جائزة «كفافيس» الدولية لعام 2013 في الشعر. هنا حوار معها أجري في القاهرة حيث تقيم:

> في رأيك هل أثرت ثورات الربيع العربي على النتاج الإبداعي.. هل نجح المبدعون في التعبير عنها أدبيا؟
- لا شك أن الأحداث العربية تؤثر بشكل كبير على المبدع العربي، فهذا الشتات الرهيب في سوريا ومن قبله العراق وتوتر الأوضاع في ليبيا وتونس واليمن لها تأثيرها على الكتابة والكاتب، فالمبدع الحقيقي لا يستطيع أن يعيش بمعزل عما يدور حوله من أحداث خاصة تهم بلده أو البلد العزيز، الذي يعيش فيه، وإلا سيكون غير صادق في توجهاته. هذه الأحداث تنعكس على الإبداع سواء في الشعر أو الأدب أو الكتابة بصفة عامة ولكن من الصعب أن يعبر المبدع عن مشاعره تجاه تلك الأحداث في الوقت ذاته، لأنه قد يكون منشغلا بمتابعتها أكثر من انشغاله بالكتابة. فمثلا لم يكن من الممكن لأي إنسان في مصر أن يترك شاشة التلفزيون التي تعج بالأحداث الساخنة ويذهب للكتابة فكان ما يحدث هو الشغل الشاغل للجميع بمن فيهم المبدعون، وقد عشت شخصيا تلك التجربة الخاصة جدا على نفسي بحكم إقامتي بالقرب من مقر قصر الاتحادية. عايشت الأحداث بكل سخونتها وتأثرت بما شاهدته وهو ما سينعكس على بعض الأعمال فيما بعد.
وبالنسبة لي، تأثرت مثلا بصور شهداء الثورة الأولى التي علت البسمة وجوههم وكأنهم أحياء لكنها في النهاية كانت ابتسامة ميتة ومؤلمة أثرت في نفسي بعمق فجاء ديواني: «جمالي في الصور» يعكس تأثري بهذه الوجوه، وكان جزء منه يميل للتصوف بحكم تلك النظرة التي هي ما بين الحياة والموت. ولا ننسى أيضا أن الفترة الماضية أثرت أحداثها في ظهور فنون جديدة مثل فن الجرافيتي، كما ساهمت الثورات العربية في دخول جيل جديد في عالم الكتابة. يعنى الثورة أنتجت حالة أثرت على الإبداع.
> هناك من يرى أن هذه الثورات كشفت فشل النخبة المثقفة وتراجعها عن أداء دورها. ما رأيك؟
- المثقف هو أولا وأخيرا إنسان وهو ليس الشاعر أو الأديب فقط وإنما السياسي والمفكر والقاضي كلهم مثقفون وأعتقد أن المثقف لم يفشل، بل بالعكس فقد ساهم في الثورة المصرية على سبيل المثال لكن خبرة المثقف ليست سياسية بحتة، لذلك تنحى حين بدأت السياسة تتحرك، وذلك لأن الخبرة السياسية والتشكيل الحزبي ما زال جديدا على المجتمعات العربية.
> ألم يدفعك الخوف من الأحداث الساخنة إلى ترك مصر؟
- لا لم أفكر قط في مغادرة مصر لأننا عشنا فيها جميع أوقاتنا الطيبة. لقد عاصرت أوقاتا أصعب من ذلك بكثير خلال وجودي بمصر أثناء حربي 1967 و1973 لذلك لم تكن تلك الأحداث بغريبة أو مقلقة لي. لكن ما أثارني حقا هو ذلك الخروج الكبير للناس بدافع الرغبة في التغيير وصولا للحظة الفرح الجماعي. لكن كانت أصعب اللحظات التي عشتها بمصر هي تلك الفترة التي حدث فيها تأجيج للفرقة بين المصريين، وهذا ما أزعجني أثناء حكم الإخوان، لأنهم للأسف لم يعرفوا المجتمع المصري جيدا ولم يفهموا أن الدين والحياة في مصر شيء واحد ولذلك لم يتحملهم المصريون.
> بحكم أنك مبدعة عربية كيف تنظرين لواقع المرأة عامة والمبدعة بشكل خاص في عالمنا العربي؟
- بالنسبة للمرأة العربية كان النزاع بين محاولة الحفاظ على موروثات ثقافية سابقة مع التقدم خطوة للأمام.. بينما كانت هناك أخريات يتحركن بمفهوم الحرية فكان هناك نزاع. وفى منطقة الخليج أتصور أن هناك تقدما كبيرا في وضع المرأة ودورها الذي صار أقوى في كثير من المجالات الجديدة التي خاضت العمل فيها، فأصبحت هناك دبلوماسيات وهناك من دخلن البرلمانات، ولدينا أيضا وزيرات، هذا بالإضافة إلى ظهور كاتبات كثيرات أثبتن أنفسهن، كما أن من الظواهر اللافتة للنظر ظهور مبدعات سينمائيات ومصورات خليجيات وبعضهن حصد جوائز هامة. المرأة الخليجية لم تعد قاصرة على العطاء والإبداع في المجالات التقليدية كالتدريس وخلافه ولكن ظهرت نساء أثبتن جدارتهن في شتى المجالات وهو مؤشر طيب على تحسن أوضاع المرأة العربية بشكل كبير.
> كيف تكتبين؟
- في البداية كنت أكتب بحرية تامة لكن بعد فترة اكتشفت وأنا في فرنسا أن ما ترجم لي كان أكثر جرأة مني على المستوى الشخصي وما كنت أكتبه من كتابات عن الذات والجسد والحرية كموضوعات للشعر لم أكن أستطيع قراءتها على الملأ، خصوصا وأن المجتمع العربي يفتش في ضمير المرأة وهى غائبة ويقرأ ما بين السطور وليس ما فوق السطور! ومن هنا بدأت ألاحظ أن هذه الكتابات التي قد تعبر عن حالة الجنون التي تصحب الكتابة لا بد أن أكون رقيبة عليها وعلى نفسي. ومن أعمالي التي تنتمي لتلك المرحلة «رجل مجنون لا يحبني» و«عامل نفسه ماشي» تلتها مرحلة أخرى مختلفة بحكم أن الإنسان يتغير أيضا من فترة لأخرى ولا يظل على حال في الكتابة، وفى كل مرة يغير في كتاباته ورؤيته للعالم ولغته.
> هل معنى ذلك أنك تحاسبين نفسك على ما تكتبين؟
- أنا أقول دائما أن من يقف تحت الشجرة لا يراها كاملة، لذلك لا بد أن أنسحب قليلا عنها لأراها، كما أن مسألة النقد سواء من الأهل أو الأصدقاء أو خلافه لا بد من النظر إليها لا بعين الحنين والحب، ولكن أيضا كمحاولة لرؤية القادم واستشراف المستقبل كما أنني لا بد أيضا أن أنظر من عين الأمل وليس الإحباط فلا أرى النقص، بل أسعى لكيفية تحقيق الكمال. وأعتقد أن المسؤولية تكون أصعب بالنسبة للكاتب صاحب الخبرة والتجارب المتعددة بمعنى أن من كتب أعمالا كثيرة عليه أن يحاسب نفسه أكثر ممن كتب عملا أو عملين فقط على سبيل المثال ولذلك أحاسب نفسي دائما حرصا على عدم التكرار.
> وكيف تخططين لتفادى ذلك التكرار؟
- لا أخطط بشكل كامل في كتاباتي، لكن لا بد أن تكون هناك وقفة عقب كل فترة لتقييم ما تم خلالها والتفكير بالتجربة الجديدة بما يضمن عدم تكرار النفس. وأنا دائما أبحث عن جديد ما في كل عمل، فكنت أعمل على القصيدة السردية القصيرة جدا ثم انتقلت لتفاصيل البيت وبعدها انتقلت لمرحلة أخذ مفهوم معين لأشتغل عليه، وبعد ذلك بدأت في مرحلة العلاقات كما في «أرملة قاطع طريق» وصولا لمرحلة الصور المتعددة.
> ما الذي يشغلك حاليا؟
- أنا مشغولة حاليا بين عدة أمور منها متابعة الأنشطة الفنية والثقافية بمصر بعد استئنافها عقب فترة طويلة من التوقف كما أستعد لعودتي أنا أيضا للفن التشكيلي والتحضير لتجربة جديدة في عالم الأبيض والأسود، هذا إلى جانب أنني أعكف على كتابة رواية جديدة لتكون أختا لـ«ريحانة» روايتي الوحيدة. وفى نفس الوقت فإنني مشغولة أيضا بتجميع مادة عن مقهى ريش الثقافي العريق والشهير بمصر باعتباره ذاكرة وطنية وإنسانية في منطقة وسط البلد بالقاهرة، ومكانا يرتبط بكثير من الأحداث والشخصيات المؤثرة في تاريخ مصر.
> بين الفن والشعر والأدب أين تجدين نفسك؟
- أنا أؤمن بتداخل الفنون لكنها تختلف في وسيلة التعبير عنها، وإن كانت كلها تنبع من لحظة إبداعية يمر بها المبدع، لكن ربما كان لنشأتي أثرها في التحيز للشعر خاصة في ظل مكتبة والدي الشاعر أيضا، التي كانت تزخر بالكتب التراثية والشعرية والتي نهلت منها الكثير بما ساهم في عشقي للشعر.



«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف
TT

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

بعد قراءة صفحات قليلة من رواية الكاتبة اللبنانية نجوى بركات «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت 2025) تدرك أنها رواية معنية بالشيخوخة وتداعياتها. خصوصاً الشيخوخة المقترنة بالوحدة، بالعيش المنفرد. نحن هنا في حضرة سيدة لبنانية ثمانينية تُدعى مي، تعيش بمفردها في طابق علوي من بناية سكنية مترفة في بيروت. تصحبنا نجوى بركات في جولة طويلة داخل أيام مي وروتينها المتكرر، ليس ذلك فحسب، إنما تجول بنا أيضاً في تلافيف ذهنها المتراوح بين الصحوة المرهفة وعوارض التآكل تحت وطأة ألزهايمر وما يصاحبه من المظاهر التدريجية للخرف وفقدان الذاكرة. المائة وخمس وعشرون صفحة الأولى من الرواية، أي نحو نصفها، مكرّسة للرصد المجهري لمعنى أن تكون امرأة عجوزاً وحيدة في المرحلة الأخيرة من عمرها، أو بالأحرى في نهاية المرحلة الأخيرة، المرحلة التي يتآكل فيها الجسد ويفقد قدرته على الاستقلال عن الآخرين والاعتماد على الذات، ويصبح محتاجاً للعون في أخص الخصوصيات مثل الاستحمام وتجفيف الجسد بعده وقضاء الحاجة وتمشيط الشعر وإعداد الطعام.. إلخ إلخ. كل ما نؤديه بغير تفكير ولا نتصور أن نشرك فيه أحداً طوال العمر يصبح جهداً فوق العادة ولا تجدي معه المكابرة. لكنه ليس الجسد فقط بل يفاقم من تداعيه التداعي الذهني أيضاً. يصبح العالم كله موضع ريبة. تسيطر علينا الأوهام والخيالات والمخاوف والتوجُّسات. نفقد الثقة حتى بمن نحن في أمسِّ الحاجة لعونهم.

تنفق نجوى بركات 125 صفحة في تصوير هذه المرحلة من الحياة في هذه الحالة الفردية، وتنغمس في أدق التفاصيل، سواء في الوصف الخارجي أو في تسجيل التداعيات الذهنية للشخصية. وما لم يكن القارئ مثابراً، منتبهاً لما تحاول الكاتبة فعله فقد يدركه السأم وينبذ الكتاب. أما أنا الذي عاين ناساً مروا بهذه المعاناة وعاشوا فيها سنوات قبل أن يوافيهم المخلِّص الأكبر، كما شاهدت العديد من الأفلام السينمائية الممتازة التي تناولت هذه الظاهرة المرضية ورصدت تطوراتها في تصوير واقعي تنفطر له القلوب (انظر مثلاً الفيلم الفرنسي Amour (الحب) 2012 للمخرج النمساوي مايكل هانيكه)، فقد كنت واعياً بما تحاول الكاتبة أن فعله، الذي لا يتحقق إلا بالقذف بنا بلا رحمة في أتون التحلل المتسارع لشخصيتها جسدياً وذهنياً، والذي لا يتحقق إدراكه إلا بالمكوث الطويل عند تفاصيل الحياة اليومية التي لا تستحق عادة الذكر أو الوصف إلا لأنها في الشيخوخة المريضة تصبح نضالاً بطولياً من أجل التمسك بأهداب الوعي والوجود الجسدي معاً.

لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لهذا الموضوع بهذه الكفاءة. من هنا كان إعجابي بالنص يزداد كلما أوغل في التفاصيل بإمعان «ناتورالي» أو طبيعي لا يتحرج من شيء ولا يتقزز من شيء كما عهدنا قديماً في أوصاف المدرسة الناتورالية وعَلَمها الأكبر، إميل زولا. في هذا النصف من الرواية لا يبدو أن جنس الشخصية ذو بال. هي امرأة اسمها «مي» لكن كان يمكن أن تكون رجلاً. أعني أن الوهن الجسمي والانحلال العقلي في الشيخوخة المتقدمة ليسا حكراً على جنس دون آخر، وعلى كل ما بين الجنسين من فوارق قد تبرز أو تتوارى في مراحل العمر المختلفة، ففي هذه المرحلة تتلاشى فوارق الذكورة والأنوثة ويتوحد طريق التحلل نحو النهاية. لكن الكاتبة امرأة ولعل المشاهدات الحياتية التي استقت منها الكاتبة خبرتها بالتجربة كانت ذات مصادر أنثوية، فمن الطبيعي أن يكون تجسيد الخبرة عن طريق شخصية مؤنثة.

إلا أن آخر ما كنت أتوقعه أن تتحول الرواية فجأة «وبقدرة قادر» إلى رواية نسوية، فننسى كل ما سبق لكي تجرّنا الكاتبة على غير إرادتنا في اتجاه آخر تماماً في القسم التالي من الكتاب، المعنون «هي»، الذي يستغرق 65 صفحة من الرواية. وليست «هي» إلا ميّ في شبابها، حين كانت ممثلة وكاتبة مسرحية واعدة. كنا في القسم الأول والأكبر من الرواية نتلقى نتفاً في السرد عن طفولة مي وعلاقتها بأبيها وأمها.. إلخ من ضمن تداعيات الأفكار في مونولوغها الداخلي الممتد والمتأرجح بين الذكرى والنسيان واختلاط الملفات. هذا القسم الثاني ينسى مي ويقطع الصلة بـ125 صفحة السابقة ويحكي لنا عن «هي» الشابة وكأنها شخص غير العجوز التي عاشرناها فيما سبق من الكتاب. وأعترف أني لم أفهم الحكمة من هذه البنية. إلا أن ما يثير الحفيظة النقدية فعلاً هو ما أسلفت من أن الرواية تنقلب فجأة وبدون تمهيد ولا ضرورة إلى رواية «نسوية» بالمعنى الآيديولوجي المألوف فهي قصة حب تعيسة بين مي في شبابها ورجل تجتمع فيه كل موبقات الشخصية الذكورية المجسدة لآفات المجتمع البطريركي المضطهد للنساء عقيدياً وممارساتياً. مي هي المرأة الموهوبة الذكية الجميلة المتفوقة التي لسوء حظها أو بفعل من عمى الحب تقع في براثن رجل مخاتل حسود قليل الموهبة والطموح سكيّر مقامر عنيف مستغل لها سارق لمالها بل ومقامر بجسدها حين ينفد ماله على مائدة القمار، وإن كان هذا لا يكفي فهو مجبر لها على إجهاض حمل كانت متمسكة به، وإذ ترفض أن يصحبها إلى طبيب ليجهضها، فإنه يتكفل بالمطلوب بضربها وركلها بوحشية حتى يسقط الجنين وتتعرض حياتها للخطر.

هذه قصة معروفة ومتكررة بلا حصر في الروايات النسوية وغير النسوية وفي الأفلام الميلودرامية.. إلخ. هل كنا حقاً في حاجة إلى أن تُعاد على مسامعنا على امتداد 65 صفحة وحيث تُصور الشخصية الذكورية تصويراً مسطحاً هي شر خالص بلا أي درجة من الرمادية، على نحو ما تمليه الآيديولوجية المبسطة التي تعتقد أن لا سبيل لتحرير المرأة وتعرية الظلم المجتمعي لها ونشره على الملأ إلا بتصوير الذكور في صورة شيطانية خالصة. لا أدري كيف وقعت نجوى بركات في هذا الفخ الواضح المكشوف؟ أكانت حقاً في حاجة لتلك الكتابة النمطية الساذجة بعد أن أبدعت في النصف الأول من الرواية في موضوع إنساني عام قلَّ من كتب عنه وصوَّره ذلك التصوير الدقيق غير المهادن كما فعلت هي. ومما يزيد الطين بلة أنه لا صلة حيوية بين الجزأين بمعنى أن معاناة «مي» مع ذلك الرجل المتوحش ليست هي ما وصل بها إلى الشيخوخة والوهن الجسدي والخرف العقلي، فتلك نهاية نصل إليها جميعاً على نحو أو آخر، سواء عشنا حياة جميلة أو تعيسة، والحقيقة أن مي كانت تجاوزت تجربة شبابها المؤلمة وتزوجت من رجل طيب يحبها وأنجبت منه توأماً وعادت إلى العمل والنجاح المهني. ومن هنا غياب الصلة العضوية بين الكتابة العفوية الإنسانية الكريمة في النصف الأول من الرواية، والانقلاب المؤدلج الساذج في القسم الثاني. تنتهي الرواية بمشهد يستدعى إلى الذاكرة عن طريق تناصٍّ لا أشك أنه مقصود – يستدعى المشهد الختامي لمسرحية تنيسي ويليامز الشهيرة «عربة اسمها الرغبة» (1947) حيث يسلم حارس العمارة مي إلى الطبيب ومعاونيه الذين جاءوا ليصحبوا مي إلى بيت للمسنين بتعليمات من ابنيها اللذين يعيشان في أميركا. لا تعود مي تعرف الحارس ومثل «بلانش ديبوا» في المسرحية تقبل مساعدته قائلة إنها «لطالما اعتمدت على لطف الغرباء». هكذا تفضي الشيخوخة بنا إلى حال من «الغربة» عن أنفسنا وعن الآخرين والعالم أجمع.

«غيبة مي» رواية أفلتت من يد الكاتبة على نحو مؤسف. كان بإمكانها أن تكون رواية أصيلة متميزة في موضوعها وفاتحة لباب جديد في الكتابة عن الشيخوخة، فإذا بها تنعطف لغير ما سبب في «سكة الندامة» التي انتهت بها رواية نسوية عقيدية ساذجة. من كان يريد أن يحظى من الرواية بأفضل ما فيها فليتوقف عن القراءة عند الصفحة 126، حيث كان يجب على الروائية أن تتوقف عن الكتابة. لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لموضوع الشيخوخة بهذه الكفاءة حتى الصفحة 126 حيث كان يجب أن تتوقف


حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام
TT

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

صدر حديثاً عن دار «المحرر»، في القاهرة، كتاب «أيام الغضب والحب»، للروائية المصرية نهى محمود، وهو كتاب سردي لا ينتمي إلى أي من الأنواع الأدبية المعروفة، بل نصوص مفتوحة، تقف على التخوم بين السرد واليوميات والتأمل؛ لذا آثرت المؤلفة أن تضع على الغلاف أسفل العنوان كلمة «نصوص»، تحاشياً لحصر الكتاب في لون أدبي بعينه.

يتكون الكتاب من خمسة عشر فصلاً قصيراً، تحمل عناوين دالة مثل «الكثير من الحزن والإندومي»، و«الرايات الخضراء في قلبي»، و«الحب والغضب مشعلاً الحرائق الرائعة»، و«عن الأشياء المحببة البغيضة»، ينفتح فيها السرد على مشاعر متناقضة، بين الحب والغضب والفقد والأمومة والعزلة، عبر لغة تلامس تخوم الشعرية، دون أن تفقد طاقاتها السردية والحكائية، مع مراوحات بين تأمل الذات وتأمل العالم من حولها، والوقوف على الحدود الفاصلة بين متناقضات شتى، كما تشير في أحد العناوين بشكل مباشر «هناك في البين بين». فهذه البينية تنتظم الكتاب كله، من حيث البناء الجمالي والشكلي للنصوص، وأيضاً من حيث الموضوعات والقضايا المسرود عنها داخل هذه الوحدات السردية.

في فصول الكتاب، تحضر تفاصيل حياتية مثل علاقة الكاتبة بابنتها، أو بأمها، كما أن ثمة حضوراً واضحاً لأفلام سينمائية مصرية وعالمية، كما تبرز أصناف متعددة من الطعام، وربط الكاتبة بين حالاتها وعلاقة ذلك ببعض الأفلام والأطعمة، فتنتقل من الذاتي إلى الموضوعي، وينفتح اليومي والعادي على الوجودي والنفسي، مثلما تقول في أحد المواضع «مررت طوال الشهور السابقة بحالة من التجمد، ليست مثل تلك التي تصل لها الأطعمة المجمدة في الفريزر».

ونهى محمود كاتبة وصحافية مصرية. صدرت لها روايات «راكوشا» و«الحكي فوق مكعبات الرخام» و«هلاوس» و«سيرة توفيق الشهير بـ توتو»، وكتب سردية منها «بنت من ورق» و«كراكيب نهي»، والمجموعتان القصصيتان «الجالسون في الشرفة حتى تجيء زينب» و«السير في طرق ممتدة وبعيدة».

من أجواء الكتاب نقرأ: «تحتاج مشاعر غامضة مثل الحب والغضب إلى وعي جمعي، بشر يكتبون عنها كثيراً، ويتكلمون في حلقات حميمية أو جلسات علنية تذاع عبر وسائل التواصل وغيرها، ليشعر البشر كيف أن غيرهم أيضاً يشعر بما يملأ قلوبهم، وأن الأمر لا يخص واحداً سيئ الحظ، وإنما لعنة جماعية تصيب الجميع.

أحياناً أو طوال الوقت، أضيّع سنوات من عمري... أخبط رأسي في الباب المغلق ذاته، ولا تجيء على خاطري أي فكرة أخرى سوى الاستمرار في الطرق، حتى يمر عابر بالصدفة، ويشير لي إلى مقبض الباب، أنظر نحو المقبض بدهشة، أديره وأخرج».


باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
TT

باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)

يلتقي جمعٌ من المثقفين والأكاديميين السعوديين، في ندوة تبحث في العلاقة بين الثقافة والسياحة، تستضيفها محافظة الطائف (غرب السعودية)، أشهر الوجهات السياحية في المملكة، والمسجلة ضمن المدن المبدعة في الأدب في منظمة «اليونيسكو».

وتحمل الندوة عنوان: «الثقافة والسياحة... القيم المشتركة»، وتنظمها مؤسسة «أدب» الثقافية، ومركز عبد الله بن إدريس الثقافي، حيث تأتي في إطار تعزيز التكامل بين القطاعين الثقافي والسياحي، وإبراز الدور الذي تؤديه الثقافة في دعم التنمية السياحية، واستثمار المقومات الحضارية والتراثية التي تزخر بها البلاد، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وتتناول أوراق العمل التي يشارك فيها نخبة من الباحثين السعوديين؛ العلاقة بين الثقافة والسياحة من جوانبها الفكرية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في إثراء الحوار الوطني وتبادل الخبرات. ويتضمن برنامج الندوة ثلاث جلسات علمية وحواراً ثقافياً مفتوحاً مع الخبراء المشاركين.

وتحمل الجلسة الأولى، عنوان: «الثقافة والسياحة.. القيم المشتركة بين الثقافة والسياحة (المفاهيم والمرتكزات)»، ويديرها عطاء الله الجعيد، ويشارك فيها الدكتور سعود الصاعدي بورقة عنوانها: «جدلية السياحة والثقافة بين المعالم والمفاهيم نحو نموذج مشترك»، والدكتور عبد الله المطيري، بورقة عنوانها: «هبة الأرض: تأملات أولية في السياحة»، والدكتور محمد اللويش، بورقة عنوانها: «حديث المكان: بناء الهوية الثقافية وتشكيل الوعي السياحي»، والدكتور ماهر الشبل بورقة بعنوان: «من الرحلة إلى الفكرة».

أما الجلسة الثانية فتحمل عنوان: «الثقافة وصناعة التجربة السياحية من الموروث إلى الجاذبية»، وتديرها الدكتورة مستورة العرابي. ويشارك فيها الدكتور إبراهيم البعيز بورقة بعنوان: «دور الإعلام في تجسير العلاقة بين الثقافة والسياحة»، والدكتور صالح زمانان بورقة بعنوان: «المسرح والفنون الأدائية في التنمية السياحية: مقاربة ثقافية في السياق السعودي»، والدكتورة رانية العرضاوي، بورقة بعنوان: «الرحلة السياحية الثقافية: هوية المكان وصناعة الذاكرة الجاذبة».

أما الجلسة الثالثة فتحمل عنوان: «الهوية الثقافية وصورة المكان في الوعي السياحي»، ويدبرها الدكتور أحمد الهلالي، ويشارك فيها: سليمان الناصر، بورقة بعنوان: «من الجغرافيا إلى المعنى: القيم التي تسمو بالسفر»، والدكتورة نورة القحطاني، بورقة بعنوان: «الهوية الثقافية وصناعة صورة المكان: مقاربة من منظور الدراسات الثقافية على التجربة السعودية»، وسلطان البازعي، بورقة بعنوان: «الثقافة... عنصر جذب سياحي»، والدكتور ياسر المطرفي، بورقة بعنوان: «الحج مختبراً ثقافياً: مشروع مقترح في ضوء نموذج الأبعاد الثقافية».