طقوس الكتابة عند الأدباء العرب.. و«الانسداد الكتابي»

كان محفوظ يمشي مسافات طويلة.. وتاج السر يكتب في الصباح ولا يزيد على ألف كلمة

الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد
الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد
TT

طقوس الكتابة عند الأدباء العرب.. و«الانسداد الكتابي»

الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد
الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد

هل هناك طقوس للكتابة؟ نعرف من سير الأدباء، قديمًا وحديثًا، أن هذه «الطقوس»، أو فلنقل شحن النفس بالاستعداد لدخول هذا المحراب، موجودة عند غالبيتهم، وقد تكون شاقة أحيانًا، وحتى إن بعض الأدباء يستعد لذلك.. عضليا، مثلما كان يفعل نجيب محفوظ حيث كان يسير مسافات طويلة في الصباح الباكر. والبعض لا يكتب إلا وبجواره فنجان القهوة، مصحوبة بعلبة السجائر، مثل بلزاك وفولتير اللذين كانا يحتسيان ما بين 40 و50 فنجان قهوة، والبعض يفضل الجلوس بالمقهى، فيما يعشق البعض الآخر العزلة والهدوء التامين، وهناك من يعشق الموسيقى، وهناك من يرتدي ملابسه كاملة كمن يستعد لمغادرة المنزل. وما بين الغرابة والطرافة والتلقائية تتنوع «العادات الكتابية» أو الطقوس، لكن ذلك لا يمنع أيضًا من أن يطارد المبدع شبح «الانسداد الكتابي»، وحينها قد يغير من عاداته أو يثور عليها أو يستسلم للانسداد ريثما يغادره ذاك الشبح. «فضاءات» دخلت محراب عدد من الأدباء العرب للتعرف على عاداتهم وطقوسهم، وأيضًا أسلحتهم لمحاربة الانسداد الكتابي:
الروائي اللبناني جبور دويهي، صاحب «شريد المنازل» يكشف عن عاداته الكتابية قائلا: «الواقع أني رجل عادات ومقاهٍ. أكتب في الخارج، أبعد ما يكون عن غرفة نومي، يوميًا من دون استثناء عندما انطلق في مشروع روائي، بين العاشرة صباحًا والواحدة، في مقهى يكون متوسط الضجيج.. أبدأ بقلم الرصاص وأنتهي أمام لوحة مفاتيح حاسوب (أبل). وقبيل الفراغ من الكتابة أترك ذخيرة لليوم التالي أبدأ منها من جديد. لكني عموما بطيء.. فلا يتجاوز عدد كلماتي التي أعدّها دائمًا المائة كلمة».
أما الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد، صاحب «لا أحد ينام في الإسكندرية»، فهو لا ينام فعلا طوال الليل، المخصص كله للكتابة. يقول: «علاقتي بالكون هي الكتابة. وعاداتي أثناء الكتابة بسيطة للغاية ولم تتغير منذ بدأت أمارسها، حتى عند انتقالي من منزل لآخر لم أغير غرفة مكتبي بما تحويه، أحتفظ فيها بثلاثة دواليب للكتب، وما يزيد عنها أتبرع به أو أهديه للأصدقاء.. أحب الضوء الأبيض (الفلوريسنت). أكتب الروايات عادة من بعد منتصف الليل وحتى شروق الشمس، لا بد أن أرى ضوء الصباح قبل أن أخلد للنوم، وأراجع ما كتبته بالنهار». وعن نمط كتابته الروائية، يقول: «لا أعمل بشكل منتظم. قد أكتب 3 سطور أو 3 صفحات. استمع إلى الراديو وتحديدًا (إذاعة البرنامج الموسيقى)، التي تبث الموسيقى الكلاسيكية والخفيفة طوال الليل دون انقطاع.. بجواري زجاجة مياه.. أشرب كثيرًا منها، وربما هي سبب بقائي على قيد الحياة.. كنتُ في الماضي أشرب الشاي والقهوة. مع التقدم بالعمر أصبحت أراجع قبل منتصف الليل فلم أعد أملك ترف الوقت»، أما كتابة المقالات فهو يكتبها في أي وقت وأي مكان. ويذكر أنه «في الماضي كنت أسافر للإسكندرية كل أسبوع وأزور معالمها لأن مشروعي الروائي كان مرتبطًا بها، لكني أومن بأن النسيان هو الثروة الحقيقية». ويتقبل صاحب «البلدة الأخرى» عقبة الانسداد الكتابي ويعترف: «تزورني من وقت لآخر لكني أعرف أنها ستزول تلقائيًا، وأحاول أن أسافر كثيرًا، وأستمع للموسيقى وأقرأ أكثر من أي وقت».
«لا توجد لدي طقوس للكتابة» هكذا يوضح الروائي الأردني صبحي فحماوي، صاحب «الإسكندرية 2050»، ويفسر ذلك «لأنني متورط في أكثر من مجال ثقافي، وكثيرًا ما اضطر لتحويل وقت قراءتي إلى كتابة.. والعكس صحيح.. فأنا أقرأ بغزارة يوميًا، ثم أكتب القصة، أو الأقصوصة، أو أواصل متابعة كتابة روايتي، أو أتابع نسج الدراما في عمل مسرحي، أو أكتب النقد.. ثم أعد وأقدم برنامجي الثقافي التلفازي الأسبوعي بعنوان (قناديل) على قناة (برايم) الفضائية». وعن نمط كتابته الروائية، يقول: «أصدر سنويًا رواية، أو عدة كتب منها قصص أو نقد، ولهذا لا توجد لدي طقوس كتابة.. فأنا لا أدخن، ولا أشرب الكحول، وقليلاً جدًا، ما أزور مقهى، ذلك لأن معظم المقاهي الأردنية مريضة بالتدخين والأرجيلة أولاً».
أما عن أسلوب حياته، فيقول: «منذ السادسة صباحًا أغسل، وأمارس الرياضة سيرًا سريعًا لمدة ساعة، أتفقد فيها نباتات حديقتي، وأُفتِّح في كل زهرة جديدة من أزهار حديقتي الحبيبة، أو أودع محزونًا كل زهرة تذبل لتجف.. حيث إنني مهندس حدائق.. أعبر في عبير الحدائق وأتأمل كل زواياها خمسين دورة يوميًا.. ثم أعود لتصفح وقراءة الصحف. وأكتب مقالاتي. وبعدها أنام القيلولة لأعود بعد ذلك للكتابة التي لا تكون مبرمجة، بل تكون مثل موج البحر».
أما عن الانسداد الكتابي، فيقول صاحب «قصص عشق كنعانية»: «لا أشعر به، فمثل شراهتي في الأكل، عندي شره في الكتابة التي ابتدأتها بتوسع عام 2005، فأنجزت حتى اليوم أكثر من 20 كتابًا.. وكثيرًا ما أشعر بألم المخاض في حمل صادق لرواية يثقلني حملها.. فأواجه هذه الآلام بالقراءة أو الابتعاد برحلة سياحية.. أو بالنوم.. نعم أنام مرة في الليل، ومرة أو مرتين في النهار لمدة ساعة في كل مرة، (أفلتر) خلالها تراكم الكتابات والمعلومات والقضايا الشائكة التي تملأ رأسي.. وأحاول التخلص من فضلاتها التي تملأ رأسي».
وتقول الروائية المصرية منة الله سامي عن عاداتها الكتابية: «عادة أكتب في وقت متأخر من الليل بعد أن يخلد الجميع إلى النوم، حينئذ تستنفر في داخلي طاقة الإبداع بعد أن تتبدد طاقتي في مواجهة متطلبات حياتي اليومية وعملي. وأنا لا أستجدي فكرة لأشكل منها قصتي لأنني لا أكتب إلا إذا كنت مسكونة تمامًا بهذه الفكرة التي تلح علي في صحوي وفي منامي، وعادة ما تكون مرتبطة بحدث يؤلمني مثل اجتياح الدواعش لآثار (نينوى)، في العراق، ومحاولتهم محو أثر إنساني قاوم الزمن لقرون وقرون. وقد تكون الفكرة أقرب إلى شطحة من شطحات العلماء الذين يتطلعون إلى مستقبل البشرية فتجيء ومضة خاطفة يصنفها النقاد تحت (أدب الخيال العلمي)».
وعن نمط كتابها الروائية توضح: «أنا ممن يكتبون القصة دفقة واحدة، ربما على الورق وربما على الحاسوب مباشرة أو ربما على هذه الهواتف الذكية التي فقدت من خلالها كثيرًا من نصوصي. وعادة ما تجر القصة أخواتها لتشكل مجموعة قصصية في موضوع بعينه، هكذا فعلت في (مخدع) التي تستلهم أساطير اليونان والشرق القديم، أو (كِمت) التي تتساءل عن أصل مصر، وتدين السفهاء منا، أو (فلول وأنوف) التي تعالج ما طرأ على المجتمع المصري من متغيرات عجيبة إبان ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، ومحاولة الالتفاف عليها من جماعة بعينها».
ويتحدث لنا الروائي والطبيب السوداني أمير تاج السر، صاحب «صائد اليرقات» عن طقوس الكتابة لديه قائلاً: «لا أكتب في البيت إلا نادرًا، ولا أكتب في الليل كما يفعل الكثيرون، وقد قمت منذ سنوات طويلة، باختراع مكان خاص بالكتابة، ارتاده يوميًا حين أكون منغمسًا في نص جديد، أو حتى لكتابة مقال من تلك التي أكتبها بصفة دورية، هذا المكان هو ركن ليس هادئًا تمامًا، في فندق متوسط بمدينة الدوحة حيث أقيم، وفي ذلك الركن أفتح كومبيوتري، وأنغمس بسرعة في كتابتي، ويمكن أن أرد على تحية عابر بقربي، ولا أنفصل عن الكتابة، أو أنهض وأتمشى قليلا وأعود».
وعن نمط كتابته الروائية، يكشف: «أكتب في العادة صباحًا، من الثامنة حتى الثانية عشر ظهرًا، وفي العادة أكتب ألف كلمة في اليوم، لا أزيدها إلا نادرًا، وحين يكون الزخم شديدًا، ويجبرني على الكتابة، في الثانية عشرة أغلق الكومبيوتر، وأذهب لعملي الرسمي، الذي أحوله للمساء، وكما ترين فهي مسألة مرهقة أن يقوم الإنسان بكل ذلك، وهي حقيقة أيام اكتئاب قصوى، أنفصل فيها عن عالمي المعتاد، ولا أتحدث مع أفراد أسرتي إلا قليلا. في اليوم التالي أعود صباحا، أقرأ ما كتبته بالأمس قبل الانتقال لفقرات جديدة، وحقيقة أنا لا أخطط لأي نص، تأتيني الفكرة وأقوم بكتابتها مباشرة وأترك النص يقودني إلى حيث يريد، وكثيرا ما ينتهي نهاية لا أتوقعها قط، لكني أتركها ولا أقوم بتعديلها».
وعن العادات المصاحبة للكتابة الروائية، يقول: «أشرب القهوة بكثرة أيام الكتابة حتى ينتهي النص، وتتراوح عادة بين شهر وثلاثة أشهر، بحسب طول النص واتساعه. في الماضي كنت أدخن كثيرا، لكني تركت التدخين منذ سنوات واستطعت أن أواصل الكتابة بلا سجائر. حين ينتهي نصي، أقوم بمراجعته وإجراء بعض التعديلات البسيطة، لأنني أومن بأن النص الحقيقي، هو الذي يجيء في دفقة الكتابة الأولى، ولا ينبغي تخريبه بالحذف والإضافات الكثيرة».
أما عن الانسداد الكتابي لديه، يقول صاحب «مهر الصياح»: «ليس لدي مسألة انسداد الكتابة، فأنا أعتقد أنها عمل احترافي، أو صنعة مثل غيرها من الصنع، وعلى الكاتب الموظف في الكتابة، أن يعمل باستمرار، أو على الأقل، يترك للقراءة والكتابة بضع ساعات في يومه».
وعن الكتابة وطقوسها لدى الروائي المصري ناصر عراق، صاحب «الأزبكية» يقول: «الكتابة بالنسبة لي ومضة فرح.. الكتابة فعل حياة ممتع ومعذّب.. إنها عمل مجهد ومضن، مثل الفلاحة في الأرض، حيث لا يمكن أن تمنحك ثمارها الشهية إلا عندما تخلص لها ويسيل من روحك عَرَق الإبداع».
أما عاداته الكتابية فيلخصها بقوله: «منذ زمن بعيد أدركت أن الكتابة الناجحة المؤثرة لن تتأتى إلا بالالتزام الصارم، بمعنى، الإقبال عليها وممارستها بشكل يومي، دون انتظار وحي يأتي من هنا، أو خاطر يطل من هناك. إن الدأب والمثابرة والاستمرارية هي التي تولد الوحي، وهي التي تشحذ سلاح الإلهام، وقد تعلمت هذه الحكمة من والدي المرحوم عبد الفتاح عراق الذي اعتبره مثقفا عصاميًا بامتياز».
ويستطرد: «هكذا إذن أصبحت أعانق الكتابة كل صباح منذ سنوات طويلة.. أعانقها بشغف ومحبة.. أستعجل النوم مبكرًا في الليل، لأصحو صافي الذهن قادرًا على استقبال معشوقتي التاريخية. أجل كل صباح دون مبالغة، ففي تمام السادسة صباحًا أجلس إلى مكتبي، سواء في العمل أو في البيت، في حضرة الورقة والقلم فيما مضى، أو أمام شاشة الكومبيوتر حاليًا.. أكتب نحو ساعتين أو ثلاث في صمت تام، لا حركة.. لا صوت.. لا نأمة.. ولا موسيقى ناعمة، ولا زقزقة عصفور.. ففي حضرة الكتابة لا يعلو صوت فوق صوت الكلمة!».
أما القاصة والروائية سعاد سليمان، صاحبة «شهوة الملايكة» فتقول: «لا توجد لدي طقوس خاصة للكتابة. أستعد للكتابة بالقراءة المكثفة التي قد تصل إلى 100 كتاب، حتى أجد نفسي أمسكت بالقلم الجاف والورق المسطر وبدأت أكتب». وعن نوعية قراءاتها التي تستعد بها للكتابة، قالت: «أقرأ في جميع المجالات.. تاريخ وأدب وفلسفة وشعر ومسرح». أما عن عاداتها في الكتابة فتقول: «أكتب في عزلة وأنا بمفردي، لا أحدد لنفسي وقتًا محددًا للكتابة، وقد أظل 5 سنوات دون كتابة أي عمل جديد».
وعن اختلاف عادات الكتابة ما بين القصة والرواية، تقول سليمان الحائزة على جائزة «متحف الكلمة» العالمية في القصة القصيرة: «القصص تخرج كلها دفعة واحدة، لا يمكن أن تتم على مراحل، لا بد أن أنتهي منها في جلسة واحدة. قد أعدل بعضا منها أو كلها أو حتى أتخلص منها أو أقطعها.. هي بالنسبة لي (موال الإبداع) الذي يخرج دفقة واحدة، أما الرواية فقد أكتب كل شهر فصلا مثلا».



أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه
TT

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات، التي شرّحت تصدعات المجتمع البرتغالي، عملاقاً أدبياً في مسقط رأسه وخارجه.

على مدار أكثر من 30 رواية ومجموعة من الكتابات الأخرى، رصد أنتونيس ببراعة خروج البرتغال المتعثر من حقبة الديكتاتورية الخانقة للدكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، التي امتدت من عام 1932 إلى 1968، وما تلاها من حروب استعمارية فاشلة في أفريقيا.

غلاف «ذاكرة الفيل»

وسمح له نهجه التجريبي الجريء في صياغة الشكل الروائي بتجاوز هويته ككاتب «صعب المراس» قادم من دولة أوروبية ثانوية غالباً ما يتم التغافل عنها. وكان اسمه حاضراً بقوة في القوائم القصيرة للعديد من النقاد المرشحين لنيل جائزة «نوبل للآداب»، بل رأى البعض أنه كان يستحقها أكثر من مواطنه البرتغالي خوسيه ساراماغو، الذي فاز بها عام 1998، فيما ذكر أصدقاؤه أنه كان يشعر بشيء من المرارة لعدم نيله الجائزة.

وقد حققت روايته «ذاكرة الفيل» الصادرة عام 1979 شهرة واسعة بين عشية وضحاها، وهي رواية تمحورت حول تجاربه كطبيب عسكري في حرب بلاده في أنغولا. أما روايته الصادرة عام 1983 بعنوان «فادو ألكساندرينو»، فقد سردت الاعترافات المؤلمة لأربعة من المحاربين القدامى في حروب البرتغال الاستعمارية، وهي ذات نسيج سردي متماسك بفضل الحيوية المتوقدة لصورها البلاغية الآسرة.

غلاف «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء»

واستخدم أنتونيس تقنيات مماثلة في روايات كبرى أخرى، مثل «دليل المحققين» الصادرة عام 1996، التي ركزت على سيرة وزير وحشي سابق في عهد ديكتاتورية سالازار؛ أما روايته الصادرة عام 2001 بعنوان «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟»، فقد صورت الرحلات الذهنية المضطربة لابن إحدى الشخصيات الاستعراضية في لشبونة.

بيد أن بعض النقاد لم يقتنعوا تماماً بأساليب أنتونيس، فقد كتب دوايت غارنر في صحيفة «نيويورك تايمز» أنه على الرغم من أن أسلوب «تيار الوعي» لدى المؤلف قد يكون «رائعاً» في بعض الأحيان، فإن رواية «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟» كانت تجربة مضنية للغاية، وأضاف: «أفضل خلع أظفر إصبع قدمي بكماشة صدئة على أن أسير عبر صفحاتها الـ585 المرهقة مرة أخرى». كما كتب ناقد آخر في الصحيفة، وهو ريتشارد إيدر، أن لجنة «نوبل» اتخذت القرار الصحيح باختيار السيد ساراماغو وتفضيله على أنتونيس.

غلاف «دليل المحققين»

ومن وجهة نظر أنتونيس، فإن غياب الحبكة الواضحة هو الأقرب للطريقة التي «يعيش» بها الناس حياتهم فعلياً في الواقع. إذ قال لماريا لويزا بلانكو، التي نشرت كتاباً من الحوارات معه عام 2001: «لا أريد من الناس أن (يقرأوا) رواياتي قراءة عابرة فحسب، وإنما أريدهم أن يعايشوها ويتفاعلوا معها، وأن (يُصابوا بها) كما يُصاب المرء بالمرض».

ينتمي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي ولد في لشبونة في الأول من سبتمبر (أيلول) لعام 1942، إلى الفئة البرجوازية العليا في لشبونة، لكن يصف طفولته بأنها كانت «محمية للغاية، وشبه قبلية». والده هو جواو ألفريدو دي فيغيريدو لوبو أنتونيس، طبيب أعصاب وأستاذ جامعي، ووالدته هي ماريا مارغاريدا ماتشادو دي ألميدا ليما. كان أنطونيو الأكبر بين ستة أشقاء، برز عدد منهم كأطباء مرموقين، بينما شغل شقيقه الأصغر «مانويل» منصب سفير البرتغال لدى المملكة المتحدة.

كانت تنشئة أنتونيس تتسم بشيء من المحافظة والتكلف في أوساط النخبة البرجوازية العليا، وكانت مدينته لشبونة، المتلاشية والكئيبة المطلة على البحر، التي قضى فيها حياته كلها، تظهر غالباً كخلفية مهيمنة في أعماله. فقد كتب في رواية «فادو ألكساندرينو»: «في الخارج، في الشارع، كانت أمطار مارس (آذار) المنسابة من الليلة السابقة تترنح منسالة على الواجهات المتهالكة مثل مكياج امرأة عجوز باكية».

وعلى الرغم من ثقافة والديه الواسعة، فإنهما حافظا على مسافة عاطفية من أبنائهما الستة، فقد وصف علاقته بوالدته في مقابلة مع صحيفة «لوموند» عام 2005 بأنها كانت «علاقة رسمية للغاية». كما كان أنطونيو الشاب يخضع لاختبارات أسبوعية حول القراءات المفضلة لوالده. وفي تلك الأثناء، كانت الديكتاتورية السلطوية تخنق المجتمع البرتغالي، علماً بأن والد أنتونيس كان أحد أطباء سالازار الشخصيين، وتقمع أي معارضة تجاه الحروب الاستعمارية البرتغالية.

يقول أنتونيس لمجلة «باريس ريفيو» في عام 2011 (كانون الثاني): «في نشأتي، كان من الطبيعي ألا تملك جواز سفر، وألا تتحدث في السياسة، وألا تستخدم حتى كلمة ديمقراطية. وأتذكر أنني سألت والدي ذات مرة وأنا صبي: ما هي الديمقراطية؟ فأجابني: اصمت وكُل».

ومع تقدمه في العمر، توترت علاقته بوالده، فعندما نشر أنتونيس روايته الأولى، قال له والده: «يمكن للمرء أن يدرك أن هذا عمل مبتدئ». وذكر المؤلف لصحيفة «لوموند»: «بعد ذلك، لم نتحدث عن أعمالي الأدبية مرة أخرى، رغم أنه أخبر أحد إخوتي بعد سنوات طويلة بأنه معجب بي».

وصف أنتونيس الحرب في أنغولا بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يصفّون بلامبالاة المتمردين الأسرى ويغتصبون الأفارقة

بدأ أنتونيس دراسته للطب في جامعة لشبونة عام 1959، وتخرج طبيباً قبل أن يبدأ خدمته العسكرية عام 1970. وفي العام نفسه، تزوج من ماريا خوسيه زافيير دا فونسيكا إي كوستا، وأنجب منها ابنتين: «ماريا» و«جوانا». ثم تزوج لاحقاً من ماريا جواو إسبيريتو سانتو بوستورف سيلفا، وأنجب منها ابنته الثالثة «ماريا إيزابيل». وبعد طلاقه الثاني، تزوج للمرة الثالثة في عام 2010 من كريستينا فيريرا دي ألميدا.

وفي عام 1973، عاد من أنغولا ليمارس الطب النفسي في مستشفى «ميغيل بومباردا» في لشبونة، وكان يكتب رواياته ليلاً. ومنذ البداية، كانت تجربة الحرب في أنغولا، والندوب التي خلفتها في نفسه، هي الدافع المحوري لأغلب أعماله.

كان يصف الحرب في رواياته بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يشهرون مسدساتهم بلا مبالاة لتصفية المتمردين الأسرى، ويغتصبون الأفارقة تحت تهديد السلاح، في مأساة لم تترك وراءها سوى اليأس. أما أطفال الحرب في قصصه، فقد كانوا مشوهين بالقصور العقلي، وعاجزين عن التأقلم مع ما يُفترض أنه حياة عادية بعد عودتهم إلى البرتغال.

يستذكر في حواره مع مجلة «باريس ريفيو» تجربته في أنغولا قائلاً: «كل ما أردته هو العودة حياً. أتذكر أننا كنا نحتفظ بتقاويم ونشطب على كل يوم نبقى فيه على قيد الحياة! لقد تحدثتُ مع أشخاص شاركوا في حرب فيتنام وحرب الجزائر، وفهمتهم تماماً».

وتناولت كتبه الثلاثة الأولى معاناة قدامى المحاربين الذين تطاردهم الأشباح، وظلت الحرب وسمة بادية للغاية ولازمة في كل رواياته اللاحقة. وكان من بين آخر أعماله المنشورة رواية «حتى تصبح الحجارة أخف من الماء» (2016)، التي استكشفت بأسلوب نثري تجريبي الهزات الارتدادية الناجمة عن حرب أنغولا.

وبوصفه كاتباً مارس الطب النفسي، أراد أن تعكس كتاباته تقلبات العقل البشري، إذ أوضح للناقدة رافائيل ريرول في صحيفة «لوموند» عام 2005، أن ما كان يحاول فعله هو «وضع نفسي في حالة قريبة من الحلم، حتى تخُفف من قسوة الرقابة الداخلية المعتملة في ذهني».

وأوضح أن تلك «الرقابة» هي التي «تحول بيننا وبين التفكير بطريقة غير ديكارتية»، مُبيّنا إيمانه بعدم خطية الإدراك البشري. وكتب الكاتب الفرنسي هادي قدور في صحيفة «لوموند» أن التخلص من هذه القيود سمح لأنتونيس بـ«إدراك العالم على حاله، قبل أن ننسقه وفق فئاتنا الاجتماعية كي ندركه»، مقارناً إياه بمارسيل بروست وفيرجينيا وولف.

وفي معرض تلخيصه لمفهومه عن الرواية، قال أنتونيس بأنها: «هذيان مُنظم».

* خدمة «نيويورك تايمز»


يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان
TT

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

عن دار «منشورات الربيع» بالقاهرة صدرت رواية «المساكنة الملعونة» للكاتبة السورية سوسن جميل حسن، وهي نص لفت الأنظار مؤخراً بسبب موضوعه المختلف الذي يختلط فيه جمال الإبداع بقسوة المحتوى؛ إذ تتناول المؤلفة تجربتها الشخصية مع مرض سرطان المخ الذي داهمها العام الماضي على نحو مفاجئ، حين كشفت الفحوصات عن ورم بحجم كبير وفي مرحلة متأخرة.

خضعت الكاتبة التي تقيم بالعاصمة الألمانية برلين إلى أكثر من جراحة عاجلة لإزالة الورم، لكنها سرعان ما أمسكت بجهاز «اللابتوب» وهي على الفراش لتبدأ في طرح تأملات وانفعالات في الموت والحياة عبر نص ينتمي إلى أدب السيرة الذاتية وكتابة اليوميات، على نحو يفيض عذوبة وشجناً بكلمات شديدة الصدق والواقعية.

ما زاد من عمق التجربة أن سوسن هي بالأصل طبيبة، وسبق أن عملت لسنوات طويلة ضمن منظومة وزارة الصحة السورية، تخصص أمراض الباطنة، قبل أن تغادر البلاد إلى ألمانيا بعد حماسها لأحداث ثورة 2011 وتعاطفها مع المتظاهرين عبر مقالات صحافية دأبت على نشرها بانتظام. وتستهل المؤلفة عملها بإهداء لافت إلى أفراد من عائلتها تقول فيه: «إلى ميسون، محمد، لمى، سليم، ريم، لين، لارا، لولا فيض محبتكم التي غمرت روحي ما استطعت الصمود، أحبّكم».

تقول المؤلفة في السطور الأولى من الرواية: «ها أنا في اليوم السادس والسبعين بعد لحظة الحقيقة. كانت تلك اللحظة في السابع والعشرين من آذار/ مارس 2025، يوم رأيت الموت للمرة الأولى في حياتي».

وتضيف: «لم أكن أشعر فيما مضى أن الموت قريب إلى هذا الحد، لكن الواقع قدّم لي الدليل الدامغ: الموت جزء من الحياة، هكذا كان عقلي يرسمه، وأدّعي فلسفة أُقنِع نفسي بها، لكنه عندما حضر وواجهني هازئاً بي، لم تنجدني الفلسفة، ولا ادعاءاتي السابقة كلها».

تكشف الرواية مشاعر البطلة وهي تكتشف إصابتها بسرطان الرئة مع انتقالات إلى الدماغ، وكيف أن تصنيفها من حيث مرحلة المرض هو المرحلة الرابعة، وعندما سألت طبيب الأورام عن العمر المقدر أن تعيشه، قال بكل وضوح إن ربع المرضى مثلها فقط يعيشون لخمس سنوات، فتتساءل: «خمس سنوات؟ وأحلامي؟ ومشاريعي؟ والروايات التي عزمت على تأليفها؟». وتروي المؤلفة كيف كانت مضطربة وتشعر برهبة من دخولها هذا النفق، المسمى بجهاز الرنين المغناطيسي؛ فهي التجربة الأولى لها على الرغم من معرفتها المسبقة به، والتطورات التي وقعت عليه منذ استخدامه لأول مرة في تصوير كامل الجسم عام 1977، لكنها بقيت مضطربة وخائفة. ومن دون محاكمات عقلية حينها وإنما بخيارات عاطفية، قرّرت أن تلجم خوفها، وأن تظهر بصورة المرأة ليست القوية فحسب، بل الجبارة.

كان هذا القناع الذي لبسته منذ أكثر من ثلاثة عقود، عندما تُوفِّي زوجها ووالد ابنتها وابنها، مخلفاً وراءه تركة ثقيلة من الديون والقضايا، حين كانت صبية لم تكمِل 34 سنة، وكان التحدي كبيراً، ولا بد من إظهار القوة عند امرأة «أرملة» في مجتمع ذكوري يعُدّ المرأة «غير المحروسة بذَكَر» جسراً يمكن المرور فوقه من دون إذن، وفق تعبير النص.

وُلدت سوسن جميل حسن في مدينة اللاذقية عام 1957، ودرست الطب البشري في جامعة «تشرين»، وعملت في المشافي التابعة لوزارة الصحة، وتولت مناصب إدارية طبية. صدرت روايتها الأولى «حرير الظلام» في 2009، ثم توالت أعمالها تباعاً: «ألف ليلة في ليلة»، و«النباشون»، و«قميص الليل»، و«خانات الريح»، و«وارثة المفاتيح»، فضلاً عن «اسمي زيزفون» التي وصلت إلى القائمة الطويلة في الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر».


أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية
TT

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

في أكتوبر (تشرين الأول) 1849 غادر مكسيم دو كامب البالغ من العمر 27 عاماً، وهو صحافي طموح ذو آمال عريضة، مدينة باريس لتصوير مواقع متنوعة عبر شرق البحر المتوسط. وبعد أن شُجِّع رسمياً على استغلال «الدقة التي لا تقبل الجدل» في التصوير الفوتوغرافي الناهض كفن حديث آنذاك، عاد إلى فرنسا بعد عام ونصف العام ومعه أكثر من 200 صورة، اختير منها 125 صورة لتشكل مادة لكتابه «مصر والنوبة وفلسطين وسوريا»، وهو أول كتاب مصور فوتوغرافياً يُنشر في فرنسا.

يتخذ الباحث والمؤرخ في شئون العمارة والفنون التراثية دكتور خالد عزب من تلك الواقعة مدخلاً لكتابه «الشرق بعيون الكاميرا الأولى - أقدم الصور الفوتوغرافية لمصر والشام» الصادر أخيراً عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة والذي يرصد تجارب الرحلات الأولى التي قام بها صحافيون ومغامرون ومستشرقون أخذوا على عاتقهم الاستفادة من نشأة الفوتوغرافيا كأداة لتسجيل وتوثيق ونقل عالم الشرق إلى مواطنيهم وقرائهم في الغرب عبر الكتب والصحف على حد سواء.

قضى مكسيم عشرة أيام في الإسكندرية، ثم ذهب إلى مدينة رشيد واستقل قارباً للقاهرة، حيث مكث من نوفمبر (تشرين الثاني) 1849 حتى فبراير (شباط) 1850 وزار حي «المطرية» والأهرامات، ثم عرج على الصعيد والتقط صوراً لمحافظة بني سويف، حتى وصل إلى معبد «أبوسمبل» وتجول بين أعمدته الشاهقة وكالعادة سجَّل ملاحظاته بكل دقة وفق منهج واضح في الكتابة والتحليل.

أشادت آراء نقدية في الصحف الفرنسية بأعماله المصورة ورأت فيها «معياراً جمالياً للتصوير الوثائقي»، حيث تُقدَّم مطبوعاته الورقية بدرجات ألوان باردة متدرجة، وصفها أحد النقاد بأنها «رمادية زاهية»، كما تتمتع هذه الأعمال بـ«بنطاق مدهش من الألوان الدافئة والعمل اليدوي والتوهج الذي يذكرنا بأصلها المتوسطي». وعلى الرغم من تركيز الكتاب على المعالم الأثرية والأطلال القديمة، فإنه يقدم أيضاً دليلاً على الحضارة الحديثة التي نشأت في العمارة ومشاريع الري والهندسة.

ويتطرق خالد عزب كذلك إلى دي برانجي ورحلته إلى الشرق، معتبراً أننا هنا أمام واحدة من أفضل مجموعات الصور التي التُقطت لمصر والشام في الحقبة الأولى لانتشار التصوير الفوتوغرافي.

ولد جوزيف جيرالد دي برانجي بفرنسا في 2 أكتوبر 1804 لعائلة ثرية وظل طفلاً وحيداً بعد وفاة إخوته، درس الرسم وواصل دراسته في باريس حيث حصل في عام 1828 على دبلوم في الفنون، وكان لديه اهتمام بدراسة الآثار، كما كان له دور مميز في الحفاظ على تراث فرنسا، لكن طغى عليه اهتمامه بالثقافة الإسلامية بشكل خاص، فضلاً عن الهندسة المعمارية والبستنة.

كانت له رحلات عديدة إلى الخارج فزار في الفترة من 1831 إلى 1834 كلاً من إيطاليا والجزائر وإسبانيا وصقلية وسويسرا حيث قدم خلالها رسومات للآثار والمناظر الطبيعية. بعد إقامة دي برانجي في روما، ذهب إلى اليونان ثم القاهرة والإسكندرية، فضلاً عن القدس وبعلبك ودمشق وحلب.

بالنسبة إليه، كانت الصور الفوتوغرافية مجرد أداة في خدمة الرسم ووفرت له نسخاً دقيقة للآثار لتبرز التفاصيل المعمارية الدقيقة، حيث قام بتصنيف لقطاته التي لا تعد ولا تحصى بعناية، وكتب على ظهرها التواريخ والأماكن التي التقطها فيها لكنه لم يفكر في عرضها على الفور، لتنشر فيما بعد تباعاً.