إيلي صعب يرقص على نغمات الديسكو

تشكيلة تحن للسبعينات بديناميكية تخاطب الشابات

من إيلي صعب  -  من عرض إيلي صعب
من إيلي صعب - من عرض إيلي صعب
TT

إيلي صعب يرقص على نغمات الديسكو

من إيلي صعب  -  من عرض إيلي صعب
من إيلي صعب - من عرض إيلي صعب

أكثر ما طبع أسبوع باريس لربيع وصيف 2017 هو العودة إلى الرومانسية والبوب آرت وحقبة الثمانينات. أنطوني فاكاريللي، مثلا، عانق هذه الحقبة في أول تشكيلة قدمها لـ«سان لوران». المشكلة فيها أنها كانت بترجمة شبه حرفية، لم يأخذ فيها عناء التأويل والتغيير، إلى حد تشعر فيه أي امرأة شابة أنها يمكن أن تعود إلى خزانة والدتها أو جدتها القديمة لتأخذ منها ما أرادت من دون خوف من أن تُنعت بأنها تعيش في الماضي.
أنطوني فاكاريللي على ما يبدو تعمد أن يتجرد من أسلوبه الأنثوي المعروف، ويقدم تحية لمؤسس الدار إيف سان لوران، احتماء به من أي جدل قد تثيره تشكيلته الأولى. ومع ذلك لم يسلم من الانتقادات، حيث خلفت آراء متباينة، بين معجب ومشكك. هذا التباين في الآراء لم يكن مطروحا بعد عرض إيلي صعب. هو الآخر عاد بنا إلى السبعينات وعصر الديسكو والبريق والأضواء. لكن لا شيء حرفيا كان فيها، فقد اكتفى بخلق نوع من الحنين والنوستالجيا، حتى في نفوس فتيات صغيرات لم يعشن هذه الحقبة لأنهن كن إما طفلات أو لم يولدن بعد. بألوانها ونقشاتها وشراشيبها التي ترقص على نغمات الديسكو، كانت موجهة أولا وأخيرا إلى الشابات وليس أمهاتهن. كما كانت درسا مفيدا لكل المتسابقين في برنامج «بروجيكت رانواي» الذي يقدمه المصمم على قناة «إم بي سي»، والذين احتلوا المقاعد الأمامية.
إيلي صعب لم يدع يوما أنه ثوري يريد خض التابوهات وإحداث الصدمة ليلفت الانتباه، بل العكس تماما، امرأته دائما كانت أميرة رومانسية، تتوخى الأناقة في أعراسها وحفلاتها كما في سهراتها، مهما اختلفت التوجهات والمواسم، وهذا ما ظهر في فساتين طويلة تنسدل على الجسم وتكشف بعض جوانبه من خلال فتحات عالية أو ياقات صدر مفتوحة وأقمشة خفيفة مثل التول والحرير الشيفون والدانتيل واللوريكس والجلد المشغول. الألوان أيضا تنوعت ما بين الأسود والفيروزي والوردي، مع بعض التطريزات التي جسدت أحيانا أشكال نجوم، فضلا عن تفاصيل أخرى لم تتوقف عن تذكيرنا بالسبعينات. وكالعادة، في حال لم تجد الفساتين الطويلة هوى في النفس أو مناسبة تدخلها، وهو ما يصعب تخيله، فهناك دائما كم لا يستهان به من فساتين الكوكتيل والقصيرة التي تصرخ بالشبابية وتتراقص مع كل خطوة بفضل شراشيبها. ما يُحسب لإيلي صعب أنه لا يتوقف عن تطوير نفسه وأسلوبه، رغم أنه لا يُغير وصفته الأساسية، التي تتمثل في أنوثة تروق للأنثى قبل الرجل. وهذا بحد ذاته مع يمنحها الرقي ويضفي عليها هالة من الفخامة.
* نينا ريتشي.. صفحة جديدة بالألوان
قدم المصمم غيوم هنري مصمم دار «نينا ريتشي» تشكيلة تضج بالمرح والأنوثة في الوقت ذاته. فبعد سنوات من الدانتيل واللونين الأبيض والأسود، والفساتين المستوحاة من ملابس النوم، والتي تعبق بالأنوثة والإثارة، أدخل المصمم الجديد ألوانا جديدة مثل البنفسجي، الأزرق، الأحمر والوردي، إضافة إلى تقليمات وورود طبعت تصاميم استوحى خطوطها من الأربعينات.
* بالنسياجا.. دمج الراقي بالشعبي
في عام 1958 طور كريستوبال بالنسياجا ما يُعرف بحرير الأورغنزا، وجعله قماشه المفضل، لأنه كان ينحت الفساتين ويتفنن في الـ«هوت كوتير». في نفس العام تم اكتشاف مادة الـ«سبانديكس» التي استعملت في كورسيهات تعانق خصر المرأة كما عانقته هذه الأخيرة بحب ولا تزال إلى اليوم، رغم أنه اصطناعي ورخيص. مصمم بالنسياجا الحالي، ديمنا فازاليا، زاوج بين الاثنين ليخلق صورة غريبة ومثيرة في الوقت ذاته. صورة تجمع الأنوثة والقوة بتنسيقه فساتين منسابة بأحزمة عريضة، والقوة بالإثارة من خلال بنطلونات ضيقة للغاية وأحذية عالية تغطي الركبة. المصمم تمادى في التعبير عن تبجيله للمؤسس كريستوبال بالنسياجا باستعارته مجموعة من الإكسسوارات القديمة أخرجها من الأرشيف واستعملها في العرض مثل القلادات وغيرها، شارحا: «كنت أريده أن يكون حاضرا في هذه التشكيلة»، لكنه لم ينس أن أسلوبه الخاص هو الذي جعل الدار تستعين به لكي يحملها إلى المستقبل ويعيد لها أمجاد الماضي، وهو ما قام به بخطى واثقة وأكتاف عالية ودمجه الأحجام الهندسية والتصاميم الراقية بقماش شعبي ورخيص.
* كوم دي غارسون.. تحول الأحزان إلى أحلام
قدمت الدار تشكيلة على نغمات سيمفونية لهنري غوريتشي بعنوان سيمفونية الأغاني الحزينة، انعكس حزنها على التصاميم ذات الألوان الداكنة وتصاميمها المستلهم بعضها من العصور الوسطى. لكن لحسن الحظ أن راي كواكوبو تنجح دائما في خلق حوار فكري، فلسفي أحيانا يروق للعين رغم أنه لا يدعو بالضرورة للتفاؤل. فمكمن قوتها أنها لا تتبع التيار السائد بقدر ما تتبع قانونها الخاص، ومع ذلك لا يمكننا القول إنها لا تعرف كيف تستفيد من الماضي أو كيف تؤول الحالات النفسية لتبدعها في قطع تبيع لشريحة من المعجبين قد يكون عددهم محدودا لكنهم مهمون. الطريف أن العنوان العريض للتشكيلة هو «أزياء لا تُرى» فإن أحجامها الضخمة وانتفاخاتها تُؤكد العكس. والأهم من هذا تقول بأن الموضة قد تبدأ من فكرة سريالية ثم تتحول إلى إبداع ملموس بقليل من الخيال.
* رولان موريه
المصمم الذي بنى اسمه على فستان «كالاغسي» منذ نحو عشر سنوات، وتألقت ميلاني ترامب في فستان أسود من تصميمه، قدم تشكيلة هندسية وأنثوية في الوقت ذاته. هندسية بتفصيلها الذي يتبع تضاريس الجسم أحيانا في جاكيتات مفصلة وأنثوية بأكتافها العارية وأكمامها التي تتدلى لتغطي جزءا قليلا من الذراع. الملاحظ أن موريه ورغم أنه لم يحقق خبطة مثل تلك التي حققها مع فستان «غالاكسي»، فإنه يحقق نجاحا تجاريا كبيرا، ولا يزال يتمتع بإقبال من قبل هوليوود وسيدات المجتمع اللواتي يثقن به وبقدرته أن يمنحهن الرشاقة أيا كان التصميم.



في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.


الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
TT

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

ليس من السهل الارتقاء بالسجاد من وظيفته التقليدية باعتبار أنه عنصر عملي، أو تزييني في المنزل إلى مساحة فنية قائمة بذاتها. لكن هذا ما نجحت مجموعة Becoming You في تحقيقه من خلال قطع سجاد محدودة لا تتعدى الست. بخطوط انسيابية تستحضر حركة النيل، وألوانا دافئة قريبة من تدرجات الصحراء المصرية، وعناصر أخرى مستمدة من الطبيعة وكائناتها الحية، تؤكد المجموعة أن النسيج اليدوي يمكن أن يتجاوز وظيفته المباشرة، ويتحول فعلاً إلى لوحات. كل هذا بفضل تعاون بين دار «الكحال 1871» إحدى أعرق دور صناعة السجاد في مصر، ومهندسة الديكور المنزلي المعروفة هالة صالح.

محمد الكحال من الجيل الخامس للعائلة (الكحال 1871)

محمد الكحال، محرك هذا التعاون، ينتمي إلى الجيل الخامس من العائلة، ويحمل على عاتقه مسؤولية تطوير ما ورثه عن أسلافه بما يتناسب مع روح العصر. يقول: «خمسة أجيال تعاقبت على الشركة، وواجهت تحديات مختلفة فرضتها ظروف، إما سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. ومع ذلك كان كلما تسلم جيل المشعل من سابقه، يجتهد في كتابة فصل جديد يعكس زمنه وتحولاته». ويتابع: «لم تتوقف عملية التطوير في أي مرحلة من تاريخنا، لأن الكل يعرف أن الاستكانة للماضي والاكتفاء بما تم تحقيقه من نجاح غير واردين، وهذا سر استمراريتنا، وتصدرنا مشهد صناعة السجاد الفاخر إلى اليوم».

صورة تعبر عن مرحلة الإدراك كما تم تصورها (الكحال 1871)

مراجعة الأرشيف تكشف بوضوح اختلاف الأساليب بين مرحلة وأخرى، مع ثبات المعايير التقنية والجمالية التي أرساها المؤسسون. وحتى عندما تم إطلاق «الكحال 1871» باعتبار أنها خط معاصر، حرصت الدار على جذورها، بأن وضعت الحرفة المصرية في سياق عالمي يؤكد أن التراث يمكن أن يكون قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.

تزامن هذا التعاون أيضاً -بكل ما يحمله من تجديد ورغبة في التطوير- له ما يُبرره. فمحمد الكحال يمر بمرحلة شخصية مهمة في حياته بعد أن أصبح أباً. هذه الولادة عزَّزت اهتمامه بفكرة الاستمرارية، وما يمكن أن يتركه بما أنه يمثل الجيل الحالي لمن يأتي بعده. هذا بالإضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة بدأت تُلح عليه عن النمو، والتطور، والتحول. أخذ كل هذه الأسئلة وناقشها مع هالة. أنصتت هذه الأخيرة له، وفهمته، وكانت ثمرات النقاش قطعاً تتضمن مفهوم التطور بلغة معاصرة.

المصممة هالة صالح (الكحال 1871)

اختيار هالة صالح لتصميم المجموعة أيضاً لم يكن صدفة. بل كان مدروساً. فإلى جانب مكانتها في مجال التصميم في مصر، يتقاطع أسلوبها مع توجه الدار نحو تقديم منتج معاصر يتكئ على مرجعية ثقافية واضحة. تاريخ هالة -مهندسة الديكور- يشير إلى أنها ترى أن السجاد عنصر أساسي في تشكيل المساحات الداخلية، وتحديد العلاقة بين الأثاث والفراغات. فهو بالنسبة لها ليس فقط للزينة، بل رابط إنساني يعكس شخصية من اختاره ونسَقها ومن شأنه أن يفتح نقاشات فنية مثيرة.

سجادة تجسد مرحلة النمو (الكحال 1871)

في هذه المجموعة يتضاعف هذا الرابط لما يتيحه من حوار مفتوح بين الإنسان، وهويته، وثقافته، والطبيعة المحيطة به. تقول هالة: «في عالم التصميم حالياً نلاحظ أن الطريق إلى الحداثة يبدأ من الماضي. كثيراً ما نطرح السؤال عن كيف يمكن أن نُزاوج القديم بالحديث مثلاً؟». الجواب يكون غالباً بمزج العناصر التقليدية بالخطوط المعاصرة، وخلق علاقة عضوية بين محيط الإنسان وثقافته، وبالتالي لم يعد الأمر مجرد خيار لتجميل المكان، بل أصبح أسلوباً يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية.

مرحلة الظهور ويبدو فيها الطائر قبل تحليقه (الكحال 1871)

بيد أن هالة صالح ورغم أن عدد القطع التي ساهمت في إبداعها لا تتعدى الست، فإنها لا تُخفي أن تنفيذها شكَّل تحدياً كبيراً. هذا التحدي حفّز أيضاً مخيلتها. تقول: «استندت في مقاربتي على الطبيعة من خلال رحلة طائر، منذ لحظات ولادته إلى أن استكمل نموه وبدأ يستعد للتحليق». أما كيف ترجمت هذه الصورة، فعبر ست مراحل مترابطة: التشكل، الظهور، التفاعل، النمو، الإدراك، ثم الاكتمال. قدمت هذه المراحل عبر ثلاثة تصاميم مزدوجة، أي ست سجادات، تعكس كل واحدة منها مرحلة محددة من مسار التحول، تظهر فيها أشكال مستمدة من الطبيعة، مثل تفرعات الأشجار، وتشابك الأغصان، وحركة الأجنحة، وما شابه من تفاصيل كلما تمعَّنت فيها زاد تأثيرها الجمالي، والفني.