روسيا تعرض الوساطة للمرة الأولى لحل الأزمة الليبية

قصف مدنيين في بنغازي واستمرار الغارات الأميركية على «داعش» في سرت

عبد الرحمن السويحلي رئيس المجلس الأعلى للدولة لدى استقباله المبعوث الروسي («الشرق الأوسط»)
عبد الرحمن السويحلي رئيس المجلس الأعلى للدولة لدى استقباله المبعوث الروسي («الشرق الأوسط»)
TT

روسيا تعرض الوساطة للمرة الأولى لحل الأزمة الليبية

عبد الرحمن السويحلي رئيس المجلس الأعلى للدولة لدى استقباله المبعوث الروسي («الشرق الأوسط»)
عبد الرحمن السويحلي رئيس المجلس الأعلى للدولة لدى استقباله المبعوث الروسي («الشرق الأوسط»)

عرضت روسيا رسميا وللمرة الأولى استضافة محادثات سلام بين الفرقاء الليبيين، فيما أعلنت وزارة الدفاع الأميركية أن الغارات الجوية التي تشنها الطائرات الأميركية ضد تنظيم داعش في سرت، المعقل السابق للجهاديين في ليبيا، طالت أكثر مما كان متوقعا إثر دخولها شهرها الثالث. وكشف بيان أصدره المكتب الإعلامي لعبد الرحمن السويحلي رئيس المجلس الأعلى للدولة الذي التقى مساء أول من أمس في العاصمة الليبية طرابلس، مع المُمثل الخاص لوزارة الخارجية الروسية ليف دينغوف، أن الأخير أبلغه برغبة القيادة الروسية في مشاركة السويحلي في «مشاورات واجتماعات مُقترحة تحت إشراف ورعاية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزيري الخارجية والدفاع الروسيين لتوسيع دائرة الاتفاق السياسي المُوقع في منتجع الصخيرات بالمغرب نهاية العام الماضي والخروج من حالة الانسداد السياسي».
كما أكد المبعوث الروسي «امتناع بلاده عن توريد السلاح لأي من الأطراف الليبية التزاما بحظر السلاح المفروض على ليبيا وقرارات مجلس الأمن الدولي»، مشيرا إلى رغبة روسيا في فتح آفاق تعاون جديدة مع ليبيا من خلال تفعيل الاتفاقيات والمعاهدات السابقة بما لا يضر مصالح البلدين.
وبحسب البيان فقد أعرب السويحلي عن ترحيبه بالمبادرة الروسية «بشرط أخذ المراحل السابقة للحوار بعين الاعتبار ومُعاناة الشعب الليبي التي لا تحتمل العودة إلى نقطة الصفر»، كما دعا السلطات الروسية إلى «تحمل مسؤولياتها كونها دولة عظمى وعضوًا دائمًا في مجلس الأمن ومضاعفة جهودها للمساعدة في إحلال السلام والأمن والاستقرار في ليبيا».
إلى ذلك، أعلن الكابتن جيف ديفيس المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية أنه عندما بدأت الولايات المتحدة غاراتها على تنظيم داعش في سرت في مطلع الشهر الماضي دعما لقوات حكومة الوفاق الوطني التي يترأسها فائز السراج كانت تعتقد أن هذا التدخل سيكون «لأسابيع وليس لأشهر».
وأكد أن وتيرة الغارات تقررها حكومة السراج، وقال: «نحن الآن في الجزء الأخير من المدينة، الجزء الأكثر كثافة. من الصعب جدا تطهير هذه المواقع من القناصة بأي وسيلة أخرى غير الغارات الجوية».
وأوضح أن الولايات المتحدة شنت حتى أمس أكثر من 200 غارة في سرت، مشيرا إلى أن القسم الأكبر من هذه الغارات نفذتها طائرات تابعة للسفينة الهجومية البرمائية «يو إس إس واسب» التي تجوب المتوسط.
وهذه السفينة التابعة لسلاح مشاة البحرية (المارينز) مزودة خصوصا بمروحيات هجومية من طراز «إيه إتش إيه دبليو سوبر كوبرا» وطائرات قادرة على الإقلاع والهبوط العمودي من طراز هاريير.
وبحسب القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) فقد شنت الطائرات الأميركية يوم الأحد الماضي وحده 20 غارة.
وقال المركز الإعلامي لعملية البنيان المرصوص إن قواتها تقدمت أمس في منطقة «كامبو المنارة» بالحي رقم 3 بسرت، فيما تمكنت من قتل ستة من مقاتلي «داعش» اختبأوا بين المنازل خلال عملية تمشيط منطقة السواوة لملاحقة فلول هاربة من معركة أول من أمس.
وأشار المركز في بيان له أمس إلى أنه تم العثور على شاحنة مفخخة، كانت عالقة بالرمال، ويتوقع أنها كانت مجهزة لنفس المعركة.
وبفضل عملية «البنيان المرصوص» التي شنتها القوات الحكومية ضد تنظيم داعش في سرت في شهر مايو(أيار) الماضي لاستعادة المدينة الساحلية من قبضة الجهاديين بعدما سيطروا عليها في يونيو (حزيران) 2015، تمكنت هذه القوات من استعادة غالبية أنحاء سرت باستثناء حي واحد لا يزال الجهاديون يتحصنون فيه.
إلى ذلك، لقي ستة مواطنين مصرعهم وأصيب 12 آخرون إثر سقوط قذائف صاروخية على حي سيدي حسين وسط بنغازي بشرق البلاد.
وقالت مصادر ليبية إن الحي المكتظ بالسكان تعرض إلى سقوط عدد من القذائف أطلقتها التنظيمات الإرهابية التي لا زالت تتحصن في محور سوق الحوت القريب. وأعلن الجيش عن مصرع آمر كتيبة التدخل السريع والتابعة للواء أول مشاة والقائد الميداني عبد الحليم السعيطي، جراء انفجار لغم أرضي بمحور القوارشة غرب المدينة. من جهة أخرى، اعتبر الجيش الوطني الليبي أن التقرير الصادر عن منظمة العفو الدولية بخصوص العائلات العالقة في منطقة قنفودة، محاولة من بعض القوى الإقليمية والدولية لاستغلال حقوق الإنسان ووجود المدنيين في أماكن الاشتباك لغرض إعاقة تقدم قوات الجيش وزيادة أمد المعارك في بنغازي وتأخير إعلان تحريرها من براثن الإرهاب. واستغربت قيادة الجيش ما وصفته بازدواجية المعايير المتبعة من منظمات حقوق الإنسان الدولية، وقالت: «لم نسمع منها يوما مطالبة التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية بوقف إطلاق النار وفتح ممرات آمنة للمدنيين في سوريا والعراق».
وقالت إنه على هذه المنظمة وغيرها من منظمات حقوق الإنسان الدولية أن تدرك أن الجيش الوطني الليبي يقاتل «داعش» و«القاعدة»، وهما مجموعات من الإرهابيين المقاتلين وبعضهم من المرتزقة الذين لا يتمتعون بالحماية المقررة لاتفاقيات جنيف الأربع.
وأكدت أنها أعطت فرصا عديدة لإخراج العائلات العالقة والعمالة الأجنبية، ولكنهم منعوا من الخروج على الرغم من النداءات المتكررة لخروجهم.
إلى ذلك، قررت الحكومة الانتقالية التي يترأسها عبد الله الثني وقف وزير الصحة رضا العوكلي عن العمل بناءً على طلب لجنة الصحة والبيئة في مجلس النواب. وقال الثني في قرار وزعه أمس إن وقف العوكلي سيتم لحين مثوله للتحقيق أمام اللجنة وإفادة رئاسة مجلس الوزراء باستمراره في العمل كوزير للصحة من عدمه. ولقي 11 مهاجرا حتفهم بعدما غرقوا قبالة ليبيا خلال محاولتهم الإبحار على متن زورق مطاطي نحو أوروبا. وقال مسؤول في جهاز خفر السواحل الليبي لوكالة الصحافة الفرنسية: «وصلنا بلاغ من أحد الصيادين عن وجود زورق مطاطي على متنه مجموعة من المهاجرين قبالة منطقة القره بوللي» (70 كلم شرق طرابلس). وأضاف المسؤول الذي فضل عدم الكشف عن هويته: «توجهنا إلى مكان القارب وقمنا باعتراضه من أجل إعادته إلى الشاطئ، ووجدنا على متنه 11 جثة تعود إلى مهاجرين غرقوا ثم جرى انتشالهم وإعادتهم إلى القارب». وتابع: «المهاجرون القتلى طفلان وتسع نساء، وجثثهم لا تزال على الشاطئ حيث إننا لم نتلق أي رد من أي جهة مختصة حول نقل هذه الجثث إلى مكان آخر». وذكر أيضا أن «151 شخصا آخر كانوا على متن الزورق، وقد قمنا بنقلهم إلى مركز إيواء في المنطقة». وفي غياب الرقابة الفعالة على الحدود البحرية بفعل الفوضى الأمنية التي تشهدها ليبيا منذ 2011، تحولت شواطئ هذا البلد المتوسطي الذي لا تبعد سواحله سوى بضع مئات من الكيلومترات عن أوروبا إلى منطلق لعشرات آلاف المهاجرين الساعين إلى بلوغ السواحل الأوروبية.



الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».