واشنطن تعلق تعاونها مع موسكو في سوريا.. والبيت الأبيض «صبره نفد»

6 خيارات أساسية على طاولة أوباما للتعامل مع الأزمة السورية

سكان مدينة جرابلس المحاذية للحدود التركية، يعودون لحياتهم الطبيعية بعد طرد «داعش» منها من قبل الجيش الحر ودعم الجيش التركي (غيتي)
سكان مدينة جرابلس المحاذية للحدود التركية، يعودون لحياتهم الطبيعية بعد طرد «داعش» منها من قبل الجيش الحر ودعم الجيش التركي (غيتي)
TT

واشنطن تعلق تعاونها مع موسكو في سوريا.. والبيت الأبيض «صبره نفد»

سكان مدينة جرابلس المحاذية للحدود التركية، يعودون لحياتهم الطبيعية بعد طرد «داعش» منها من قبل الجيش الحر ودعم الجيش التركي (غيتي)
سكان مدينة جرابلس المحاذية للحدود التركية، يعودون لحياتهم الطبيعية بعد طرد «داعش» منها من قبل الجيش الحر ودعم الجيش التركي (غيتي)

علقت واشنطن، أمس، مفاوضاتها مع موسكو بشأن إعادة تفعيل وقف إطلاق النار الفاشل في سوريا وتشكيل خلية عسكرية مشتركة لاستهداف المتشددين، في الوقت الذي تبحث فيه الإدارة الأميركية عن خيارات وسيناريوهات للتعامل مع الأزمة السورية التي تزداد سوءا.
وقالت الولايات المتحدة إنها ستوقف المباحثات مع روسيا في مسعى لإنهاء العنف في سوريا، واتهمت موسكو بعدم الوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار. ودافع البيت الأبيض، أمس، عن قراره تعليق محادثاته مع روسيا للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في سوريا متهما موسكو بمحاولة «إخضاع» المدنيين من خلال قصفهم.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إيرنست، قوله: «لقد نفد صبر الجميع من روسيا». وقال جون كيربي المتحدث باسم وزارة الخارجية: «لم يتم اتخاذ هذا القرار بسهولة»، متهما روسيا وحليفتها سوريا بتصعيد الهجمات على مناطق المدنيين.
وكان الرئيس أوباما قد أعلن الأسبوع الماضي أنه طالب الوكالات الأميركية بوضع خيارات حول التعامل مع الأزمة السورية، بعد فشل الجهود الدبلوماسية وتعنت النظام السوري ومراوغة روسيا في تنفيذ الاتفاق الذي وقعته مع واشنطن لهدنة لوقف إطلاق النار.
والخيارات المطروحة على طاولة الرئيس الأميركي تتضمن – وفقا لعدة مصادر أميركية مطلعة - قائمة من الخيارات تشمل الاستمرار في الضغط الدبلوماسي على روسيا للالتزام بتعهداتها، مع اتباع سياسة العصا والجزرة في التلويح والتهديد بقطع التعاون حول سوريا، والترغيب بإمكانيات التعاون والتنسيق المشترك، وهو سيناريو يعارضه مسؤولو البنتاغون الذين يرون أن روسيا تتلاعب وتراوغ في تعاملاتها مع واشنطن وأن تدخلاتها لا يمكن الصمت عنها وأنها تمثل تحديا سافرا للولايات المتحدة.
ويقول محللون إن تهديد وزير الخارجية الأميركي جون كيري بقطع الاتصالات الثنائية مع روسيا لم تجد صدى كبيرا في موسكو، بل على العكس أوضحت عدة تقارير صحافية تسارع الحملات الجوية التي قامت بها روسيا خلال الأيام الماضية.
ويشمل الخيار الثاني تدخلا عسكريا بدعم من قوات العمليات الخاصة، وتحديد أهداف محددة في حلب على أن تتم تلك الضربات بقوات أميركية منفردة أو بالتعاون مع قوات التحالف الدولي لمكافحة «داعش». وتشمل الخيارات أيضا قصف قاعدة جوية سورية بعيدا عن دائرة الصراع بين قوات الأسد وقوات المعارضة السورية في الشمال. ويعد خيار توجيه ضربات عسكرية الأكثر دراماتيكية والأقل احتمالا أيضا، وهو السيناريو الذي يجد معارضة من البيت الأبيض. لكن إدارة أوباما تريد الظهور بأنها تدرس الخيارات العسكرية لسوريا أو على الأقل تحاول إرسال إشارات لروسيا أن القوة العسكرية خيار مطروح على الطاولة.
وأشارت تقارير إلى حلول عسكرية قدمتها وزارة الدفاع الأميركي تشمل نشرا إضافيا للقوات الأميركية البحرية والقوات الجوية في منطقة الشرق الأوسط، خاصة مع وجود حاملة طائرات فرنسية بالفعل في طريقها للمنطقة.
ويظل خيار إقامة منطقة آمنة، أو منطقة حظر طيران، أو منطقة خالية من «داعش» لحماية المدنيين، أحد الخيارات المطروحة منذ فترة طويلة، لكن البيت الأبيض رفض على مدى شهور مناقشة هذا الخيار لما يتضمنه من مخاطر حماية هذه المنطقة بالقوة العسكرية، حيث يتطلب إقامة جسر جوي للمساعدات الإنسانية مرافقة الطائرات الحربية الأميركية للمساعدات وهو ما ينطوي على مخاطرة كبيرة.
وتتمحور بعض الخيارات في تقديم مزيد من المساعدات الإنسانية للسوريين، وقد أعلنت واشنطن بالفعل عن تقديم المزيد من المساعدات الإنسانية الأسبوع الماضي.
عسكريا، يبدو أحد الخيارات المطروحة هو المزيد من التسليح لقوات المعارضة السورية، وهو ما يلقى بعض القبول لدى الإدارة الأميركية، لكن بعض مسؤولي الإدارة لا يريدون المخاطرة بإرسال أنظمة عسكرية هجومية حديثة للمعارضة السورية خوفا من وقوع تلك الأسلحة في أيدي الجماعات الإرهابية وإغراق أسواق السلاح السوداء بهذه الأسلحة الأميركية الحديثة. ويندرج تحت هذا الخيار إرسال مزيد من قوات العمليات الخاصة الأميركية لتدريب وتقديم المشورة للجماعات الكردية التي تقاتل «داعش».
في الوقت نفسه، لم تعترض الإدارة الأميركية على قيام دول حليفة للمعارضة السورية بتقديم أسلحة وأنظمة عسكرية مضادة للطائرات محمولة على الكتف لقوات المعارضة، واكتفت بتصريحات تشير إلى المخاوف من أن يؤدي ذلك إلى تصعيد الصراع، لكنها استخدمت هذه الورقة في محاولة للضغط على روسيا وتحذيرها من وقوف دول في منطقة الشرق الأوسط ضدها وضد تصرفاتها في سوريا.
وفيما يظل خيار الاستمرار في الجهود الدبلوماسية والتفاوض مع دول مجموعة دعم سوريا وعقد اللقاءات والمشاورات، هو الخيار الأمثل للإدارة الأميركية، مع محاولة فرض مزيد من الضغوط على روسيا وبعض الدول في مجموعة دعم سوريا.
وإحدى أدوات الضغط على روسيا – كما يقول مسؤول أميركي لـ«لشرق الأوسط» - هي خطة قدمت للرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحقق للنظام الروسي فوزا نظيفا وتضمن الإبقاء على النفوذ الروسي في المنطقة، وتتضمن عدم تغيير النظام السوري، وهو الخط الأحمر الذي تمسك به بوتين، وتشمل تعزيز وضع روسيا كقوة عظمى في منطقة الشرق الأوسط وتقديم التعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة ضد الجماعات الإرهابية، وتقليص التكاليف الباهظة للتدخل العسكري الروسي في سوريا وضمان حصول روسيا على قاعدة على البحر المتوسط.
ورغم الجزرة الكبيرة التي تقدمها واشنطن لموسكو، فإن الأخيرة تتمسك بموقف متعنت وتطالب بسحب مشروع قانون في الكونغرس يفرض عقوبات على سوريا.
ويقول محللون إن البيت الأبيض يضغط على القادة الديمقراطيين في الكونغرس لتأخير إصدار مشروع قانون يفرض عقوبات على النظام السوري في محاولة إيجاد طريق للضغط على روسيا.
وتقف مجموعة المدافعين عن المضي في بحث حلول دبلوماسية وسياسية في سوريا ضد التدخل العسكري، مشيرين إلى أن التدخل العسكري الأميركي في سوريا سيكون خطأ فادحا، ولن يدفع سوريا نحو السلام والاستقرار بل سيقود إلى حرب تكلف غاليا. وتشير مجموعة المعارضين للحل العسكري إلى أن التورط في حرب برية سيكون كارثيا مع عدم القدرة على الاعتماد على حلفاء موثوق بهم إضافة إلى عدم وجود دعم لدى الرأي العام الأميركي للتورط في حرب أخرى في منطقة الشرق الأوسط بعد حرب العراق، وفوق ذلك فإن نتاج الدخول في حرب عسكرية في سوريا غير مضمونة نتائجه الإيجابية.
وكان أنتوني بلينكن نائب وزير الخارجية، قد أشار إلى أن القوة العسكرية ليست خيارا مطروحا على طاولة الرئيس أوباما. وشدد البيت الأبيض على أنه لا يوجد حل عسكري في سوريا.
ويدلل المدافعون عن الحلول الدبلوماسية بضرورة الاستفادة من دروس التدخل الأميركي للإطاحة بصدام حسين في العراق، ومساندة تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط مع إسقاط نظام معمر القذافي في ليبيا وما خلفه من فوضى. ويقولون: «من السذاجة أن ندعي أننا يمكن أن نكون واثقين أن التدخل العسكري في سوريا هو المفتاح لاستعادة السلام في سوريا».
ويقول فيليب جوردن الذي عمل مستشارا لشؤون الشرق الأوسط خلال ولاية أوباما الأولى، إن إدارة أوباما تحاول إقناع روسيا بالتكلفة العالية للحرب ليس على السوريين فقط وإنما على روسيا نفسها.
ويستبعد الباحث السياسي أندرو تابلر أن تقدم إدارة أوباما على حلول فعالة خلال الأسابيع المتبقية من ولايته، وأكد أن الأزمة السورية ستكون أكبر علامة سوداء في إرث أوباما وسجله في مجال السياسة الخارجية.



8 هجمات ليلية بالصواريخ والمسيّرات على «مجمع مطار بغداد الدولي»

واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
TT

8 هجمات ليلية بالصواريخ والمسيّرات على «مجمع مطار بغداد الدولي»

واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)

تعرَّض «مجمع مطار بغداد الدولي»، الذي يضمّ «مركزاً للدعم اللوجيستي» يتبع السفارة الأميركية في العاصمة العراقية، إلى 8 هجمات بالصواريخ والمسيَّرات ليل السبت - الأحد، وفق ما قال مسؤول في «قيادة العمليات المشتركة العراقية» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتحدث مسؤول أمني عن «8 هجمات في أوقات متفرقة استمرّت حتى فجر اليوم (الأحد) بالصواريخ والمسيَّرات، وسقط قسم من الصواريخ في محيط وقرب (مركز الدعم اللوجيستي)، دون أن تسفر عن إصابات». وأشار إلى أن إحدى المسيَّرات «سقطت على منزل مدني بمنطقة السيدية» القريبة من المطار، مما خلَّف «أضراراً مادية».

من جهته، تحدَّث مسؤول أمني آخر عن وقوع 6 هجمات على الأقلّ. وعُثر في منطقة حيّ الجهاد القريبة من المطار، فجر الأحد، على «مركبة تحمل قاذفة صواريخ استُخدمت في هجوم» على «مركز الدعم اللوجيستي»، وفق مسؤول في الشرطة أكَّد أن المركبة كانت «متروكة في موقف خالٍ للسيارات».

إلى ذلك، أكد رئيس مجلس الوزراء العراقي القائد العام للقوات المسلحة محمد شياع السوداني، الأحد، أن الحكومة لن تقف مكتوفة الأيادي أمام جريمة استباحة الدم العراقي والتجاوز على المصالح العليا للبلد.

وقال السوداني ، خلال زيارة أجراها اليوم إلى مقر جهاز المخابرات الوطني في العاصمة بغداد حيث اطلع ميدانياً على تفاصيل الاعتداء الذي تعرض له مقر الجهاز يوم أمس وأدى الى إرتقاء أحد المنتسبين، إن «من ارتكب هذه الجريمة الغادرة، هم مجموعة جبانة استباحت الدم العراقي، وتجاوزت على مؤسسات الدولة».

وأضاف أن «من يتجرأ على الدم العراقي لا يمثل العراق، ولا تبرر أي عقيدة هذه الجريمة، ولو كانت هناك عقيدة وراء الجريمة، فهي بلا شك مشوهة وهدامة»، مؤكداً أن الحكومة تتصرف وفق منطق الحكمة والمسؤولية، لكنها لن تقف مكتوفة الأيادي أمام جريمة استباحة الدم العراقي والتجاوز على المصالح العليا للبلد.

ودعا القوى السياسية الوطنية إلى الاضطلاع بدورها، واتخاذ موقف واضح وصريح مما يحصل من اعتداءات تستهدف الدولة ومؤسساتها، وتغامر بمستقبل البلد ، مشيراً إلى أن «هناك من أعطى لنفسه الحق بتحديد قرار الحرب والسلم، لكننا نؤكد أن هذا القرار هو للدولة وحدها، وهي من تحدد وتحمي مصالح العراق».
ووفق بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزارء، «أمر السوداني الجهات المعنية في الجهاز وبالتعاون مع باقي الجهات الأمنية بالاستمرار في
التحقيق الدقيق بملابسات الاعتداء، والكشف عن النتائج والإعلان للشعب العراقي عن الجهة التي تقف وراء هذا الفعل الإرهابي المشين، وعدم التردد في فضحها وتقديمها الى العدالة».

كما اجتمع السوداني برئيس الجهاز والكادر المتقدم والمسؤولين، واستمع إلى عرض أمني شامل، تضمن معطيات العمل المعلوماتية والميدانية، في إطار المهام والواجبات المناطة.

ومنذ الهجوم الذي بدأته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أصبح العراق إحدى الدول التي امتدت إليها الحرب، إذ تتوالى غارات على مقار لفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران، فيما تستهدف هجمات المصالح الأميركية، كما تنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية معارضة في شمال البلاد. وتتبنى فصائل عراقية موالية لإيران منضوية ضمن ما تُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، يومياً هجمات بمسيّرات وصواريخ على «قواعد العدو» في العراق والمنطقة، من دون أن تحدد أهدافها في معظم الأحيان.

تصاعد ألسنة اللهب والدخان من منشأة دبلوماسية أميركية قرب مطار بغداد يوم 20 مارس 2026 (رويترز)

وفي بيانها اليومي، قالت «المقاومة الإسلامية في العراق»، فجر الأحد، إنها نفذت خلال 24 ساعة «21 عملية بواسطة عشرات الطائرات المسيّرة والصواريخ». في المقابل، أقرّ البنتاغون، الخميس الماضي، لأول مرة بأن مروحيات قتالية نفذت غارات ضد فصائل موالية لطهران.

ومنذ بدء الحرب، هاجمت فصائل مسلحة موالية لإيران السفارة الأميركية في بغداد و«مركز الدعم اللوجيستي» التابع لها في المطار. واعترضت الدفاعات الجوية معظم تلك الهجمات التي نُفّذت بصواريخ أو مسيّرات.

كذلك تعترض منذ بدء الحرب الدفاعاتُ الجوية في أربيل؛ عاصمة إقليم كردستان شمال العراق، مسيّرات في أجواء المدينة التي يستضيف مطارها قوات «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب» الذي تقوده واشنطن منذ عام 2014، وقنصلية أميركية ضخمة.

وكانت «كتائب حزب الله» العراقية الموالية لإيران تعهّدت فجر الخميس وقف استهداف سفارة واشنطن «لمدة 5 أيام» بموجب شروط، هي «كفّ يد الكيان الصهيوني عن تهجير وقصف الضاحية (الجنوبية) في بيروت، والالتزام بعدم قصف المناطق السكنية في بغداد والمحافظات، وسحب عناصر (وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية - CIA) من محطاتهم وإيقافهم داخل السفارة».

وأكّدت أنه «في حال عدم التزام العدو، فسيكون الرد مباشراً، وبشكل مركز مع رفع وتيرة الضربات بعد انتهاء المدة». ومنذ ذاك الإعلان، لم ترصد «وكالة الصحافة الفرنسية» أي هجوم على السفارة الأميركية.

Your Premium trial has ended


مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.