حجب تطبيقات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت في المنطقة العربية والعالم

يتراوح ما بين الكامل والجزئي لأهداف ربحية دون تقديم بدائل للمستخدمين

حجب تطبيقات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت في المنطقة العربية والعالم
TT

حجب تطبيقات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت في المنطقة العربية والعالم

حجب تطبيقات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت في المنطقة العربية والعالم

تطورت التطبيقات مع تطور الهواتف الذكية، وحصل المستخدمون على فئة جديدة منها، هي تطبيقات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت، وبمزايا مختلفة، منها ما يسمح للمستخدم بإجراء المحادثات الجماعية مع عشرات ومئات المستخدمين، بينما يقدم البعض الآخر القدرة على التحدث بالصوت والصورة وتبادل الملفات مع الآخرين. ولكن هذا التطور أثر على شركات الاتصالات، حيث أصبح المستخدمون يفضلون تلك التطبيقات على حساب المكالمات الصوتية العادية بسبب انخفاض تكاليف الاتصال الصوتي عبر الإنترنت، الأمر الذي قاد كثيرًا من شركات الاتصالات حول العالم إلى حجب تلك التطبيقات أو جعل استخدامها بطيئًا للغاية، وبالتالي عدم الحصول على الفائدة من استخدامها. وأدى هذا الأمر إلى تطوير تطبيقات متخصصة بتجاوز هذا الحجب بتقنيات مختلفة، وإطلاق المستخدمين لحملات مقاطعة احتجاجًا على مستوى الخدمات المقدمة.
* أهداف ربحية
وترغب كثير من شركات الاتصالات بتبني تقنية الدردشة الصوتية عبر الإنترنت، ولكنها تعلم أنها إن قامت بذلك، فستخسر مبالغ كبيرة من المال الذي كان من الممكن أن يدفعه المستخدمون لقاء خدمات المكالمات الهاتفية الصوتية المحلية والدولية للأهل والأصدقاء. وتتأثر فئات كثيرة من المجتمع جراء هذا الحجب، مثل الأهل الذين أرسلوا أولادهم وبناتهم للدراسة في الخارج، والمغتربين ذوي الدخل المحدود (خصوصًا العمال)، والزوار الذين يستخدمون ميزة التجوال الدولي أثناء سفرهم، ورواد الأعمال وأصحاب المنشآت الصغيرة الذين لا توجد لديهم كميات وفيرة من المال لإنفاقه على اتصالاتهم الدولية للانطلاق بأعمالهم ونشر خدماتهم، بالإضافة إلى الشركات الكبيرة التي لديها أعداد كبيرة من الموظفين حول العالم، والتي تحتاج إلى التواصل معهم بشكل يومي، وغيرها.
* حجب دولي
وتعمل بعض شركات الاتصالات في كثير من الدول بطرق ملتوية للتحايل على حجب تطبيقات الدردشة الصوتية، وذلك بإبطاء سرعتها بشكل كبير مما يجعل استخدامها غير عملي، وهو ما يسمى بالحجب الجزئي.
ووفقا لموقع Pro VPN Accounts ومواقع أخرى، تمنع كثير من الدول حول العالم خدمات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت، مثل البرازيل ودول منطقة الكاريبي والصين وروسيا والمكسيك وكوريا الشمالية وباكستان وإثيوبيا وباراغواي و«بيليز» (هندوراس البريطانية سابقًا). وكانت هيئة الاتصالات الأميركية قد طالبت بحجب خدمات الاتصال الهاتفي عبر الإنترنت في عام 1996، ليتم رفض طلبها من الكونغرس الأميركي. أما في الهند، فيمكن استخدام هذه التقنية للدردشة مع الآخرين شرط ألا يتم الاتصال بمن يستخدم هواتف ثابتة، أي أنه يمنع تحويل مكالمات الإنترنت إلى الخطوط الأرضية. أما بالنسبة لكوريا الجنوبية، فيمكن للشركات المطورة المسجلة في الدولة تقديم هذه الخدمات فقط.
وعلى الصعيد العربي، تحجب الدول التالية كليا أو جزئيا خدمات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت بأشكال متفاوتة: مصر والأردن والكويت وقطر عُمان (يتعرض من يحاول تجاوز هذا الحجب لعقوبة تصل إلى أكثر من 130 ألف دولار أميركي أو السجن لعامين، أو العقوبتين معا)، والإمارات العربية المتحدة (يتعرض من يحاول تجاوز هذا الحجب لعقوبة تتراوح بين 130 و500 ألف دولار أميركي أو السجن مؤقتا، أو العقوبتين معا) والمغرب والمملكة العربية السعودية.
وأعلن المغرب رسميا عن حجب خدمات الاتصال عبر الإنترنت في 2 يونيو (حزيران) السابق، موقفًا عمل هذه الميزة في كثير من التطبيقات، مثل: «سكايب» و«فايبر» و«واتساب» و«فيسبوك ميسنجر» و«تانغو»، وذلك بسبب أن الشركات المشغلة لهذه التطبيقات لا تعمل داخل المغرب، مع السماح لشركات الاتصالات بحجب أي تطبيقات مشابهة آليا في المستقبل بهدف حماية دخلها.
أما في المملكة العربية السعودية، فتم حجب تطبيق «لاين ميسنجر» في الشهر الحالي، الذي كان يعمل بشكل طبيعي ويستخدمه كثيرون للتواصل. وأكدت هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات في تصريح رسمي لها في حسابها على «تويتر» (@CITC_SA) في 7 سبتمبر أنها لم توجه بحجب أي تطبيق، وستتابع الموضوع مع مزودي خدمات الاتصالات في السعودية، وأن تقديم خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات في السعودية يخضع لقوانين ومتطلبات تنظيمية، وأن ممن يخالفها يترتب عليه عقوبات تنص عليها اللوائح التنفيذية، دون توضيح ماهية القوانين والمتطلبات. الجدير ذكره أنه إلى حين كتابة هذا الموضوع، لم تكشف هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات عن أي نتائج جراء تحقيقاتها.
وأكد كثير من المستخدمين عبر «تويتر» أن شركات الاتصالات المحلية تقول إنها قامت بحجب التطبيقات بناء على طلب من هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات في المملكة، مقدمين صورا رقمية للرسائل التي حصلوا عليها من قسم الدعم الفني لشركات الاتصالات التي يتعاملون معها، ليقع المستخدمون في حيرة تبادل أصابع الاتهام بين كل من هيئة الاتصالات وشركات الاتصالات المحلية، على أمل كل طرف أن ينسى المستخدمون هذا الأمر مع مرور الوقت.
ويرى البعض الآخر أن شركات الاتصالات (بالاتفاق مع هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات) قررت حجب تطبيق «لاين» وبعض التطبيقات الأخرى في وقت يتناسب مع مصالحها التجارية، حيث تم الحجب مباشرة قبل موسم الحج، أي أن أكثر من 1.8 مليون حاج لم يستطيعوا الاتصال بأهلهم محليا أو دوليا للاطمئنان عليهم، الأمر الذي اضطرهم للاتصال هاتفيا ملايين المرات خلال فترة حجهم.
وكان محافظ هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات الدكتور عبد العزيز بن سالم الرويس قد كشف في 17 سبتمبر في تغريدة على حساب هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات على «تويتر» عن إجراء 820 مليون مكالمة ناجحة في مدينتي مكة والمدينة المنورة لموسم حج هذا العام (أول 13 يوما من شهر ذي الحجة)، من بينها مليون و60 ألف مكالمة عبر الشرائح الأجنبية المتصلة بالشبكات المحلية، وتبادل 13 ألف تيرابايت (13 مليون غيغابايت، ذلك أن التيرابايت الواحد يعادل ألف غيغابايت).
وينضم تطبيق «لاين ميسنجر» إلى لائحة متزايدة الحجم من التطبيقات التي تم حجبها في المملكة، مثل مكالمات «واتساب» و«غوغل هانغاوتس» و«فيسبوك ميسنجر» و«تيليغرام» و«سكايب» و«سنابتشات» و«ديسكورد» و«فيستايم» و«فايبر» و«غوغل ديو» و«تيم سبيك» و«بوبكورن باز» و«واي فاي كولينغ»، وغيرها. ومن جهتها اعتذرت شركة «لاين» من مستخدميها جراء انقطاع الخدمة، وقالت إن المستخدمين يواجهون متاعب في استخدام بعض خدماتها في السعودية، مثل خدمات المكالمات الصوتية المجانية، وإنها تعمل حاليا على معالجة هذه المشكلة.
ورد المستخدمون بإطلاق حملة #راح_نفلسكم التي تتوعد شركات الاتصالات في السعودية بمقاطعة استخدامها، وذلك بهدف الضغط عليها لتطوير خدماتها بما يتناسب مع احتياجات المستخدمين. وتفاصيل الحملة هي عدم استخدام شبكة الاتصالات أو شحن الرصيد للبطاقات مسبقة الدفع لمدة 3 ساعات (من الساعة 6 إلى 9 مساء) يوميا بدءا من 1 أكتوبر (تشرين الأول)، ليصبح عدد ساعات المقاطعة 84 شهريًا لكل مستخدم، أي ما يعادل 3 أيام ونصف اليوم شهريًا.
وحصل هذا الوسم على المركز الثاني عشر بين الوسوم الأكثر انتشارا عالميا، وهو وسيلة للتعبير عن امتعاض واستياء المستخدمين من الخدمات التي تقدمها شركات الاتصالات والاستغلال المادي لقاء الخدمات السيئة، ووعدوا بمواصفة الحملة إلى حين تحقيق مطالبهم.
* تجاوز سهل للحجب
ويمكن تجاوز حجب كثير من تطبيقات المكالمات الصوتية باستخدام ما يعرف بالشبكة الشخصية الافتراضية Virtual Private Network VPN، وهي خدمة تقوم بوصل المستخدم بكومبيوتر آخر موجود في مكان ما حول العالم متصل بالشبكة، ليقوم المستخدم بالعمل وكأنه يستخدم ذلك الجهاز عوضا عن جهازه المحلي، أي أن المستخدم إن اتصل بكومبيوتر في لندن، فإن استخدامه لتطبيقات الدردشة الصوتية عبر الإنترنت سيظهر وكأنه من لندن، وليس من مكان وجود المستخدم. هذا الأمر يعني أن المستخدم سيظهر وكأنه يتصل بكومبيوتر آخر أمام شركة الاتصالات المحلية، ويتبادل البيانات العادية مع الكومبيوتر الآخر عبر شركة الاتصالات المحلية، ليقوم ذلك الكومبيوتر البعيد بالعمل بالنيابة عن المستخدم وتمرير المعلومات والاتصالات الصوتية عبر الإنترنت من وإلى المستخدم، ذلك أن البيانات مشفرة (مرمزة) خلال هذه العملية. وهناك كثير من البرامج التي تقدم اشتراكات شهرية منخفضة التكلفة تتراوح بين دولار واحد و8 دولارات شهريًا، مع تقديم بعضها هذه الخدمة مجانا. هذه التطبيقات متوافرة في متاجر الهواتف الذكية المختلفة وعلى الكومبيوترات الشخصية، ويصعب تعقبها والتعرف على ماهية البيانات التي يتم تبادلها، الأمر الذي يستبعد احتمال إيقاف شركات الاتصالات لهذه الفئة من التطبيقات.
ويتجاوز بعض المستخدمين هذا الحجب بالدردشة من خلال الألعاب الإلكترونية التي غالبا ما لا يتم حجبها، ذلك أن أعداد المستخدمين الذين يستخدمون هذه الآلية منخفضون نسبيا، وهي طريقة صعبة التطبيق على مستوى الشركات وكبار السن وذوي الدخل المحدود نظرا لتكاليفها المرتفعة (ضرورة شراء الأجهزة الإلكترونية المناسبة وشراء الألعاب والاشتراك بخدمات شبكات الألعاب الإلكترونية، وغيرها). ولكن المغرب قام بحجب اللعب مع الآخرين عبر الإنترنت في الألعاب التي تدعم ميزة الدردشة الصوتية، في وقت سابق من العام الحالي.
وهناك تقنيات أخرى لتجاوز الحجب غير تقنية الشبكة الشخصية الافتراضية، مثل تقنيات «بروكسي» Proxy وتغيير عنوان «دي إن إس» DNS وأنفاق «إس إس إتش» SSH Tunnel، وغيرها، وبدرجات تشفير (ترميز) مختلفة وقدرات متفاوتة على تجاوز الحجب، ليدخل المستخدمون وشركات الاتصالات في دوامة الحجب والتجاوز الدائمين.
* سبل استعادة المستخدمين
وتُذكرنا هذه المناوشات التقنية بوقت سابق حاولت فيه كثير من شركات الاتصالات منع استخدام تطبيقات الدردشة النصية الفورية للحد من خسائر استخدام خدمة الرسائل النصية عبر شركات الاتصالات، لتخسر شركات الاتصالات في تلك المعركة بشكل كبير وتبدأ بتبني عقلية تقديم باقات إنترنت للمستخدمين بأسعار تعوضها عن عدم استخدام خدمات الرسائل النصية.
ولم تدرك شركات الاتصالات أن مستقبل الاتصالات يبدأ من فتح استخدام الإنترنت أمام المستخدمين وتقديم باقات إنترنت أفضل لهم عوضًا عن إجبارهم على استخدام خدماتها. ومن شأن هذه الباقات جذب المستخدمين ذوي الدخل المحدود إلى مشتركي شركات الاتصالات التي تقدم هذه الباقات، مع استخدام شركات الاتصالات لتقنيات موجودة حاليًا دون الحاجة لتطوير الشبكات تقنيا أو تطوير التطبيقات بشكل مستمر، ذلك أن هذا الأمر يقع على عاتق الشركات المطورة لتلك التطبيقات.
ومن البدائل الأخرى التي يمكن استخدامها لإقناع المستخدمين بالعودة إلى استخدام المكالمات الهاتفية العادية وليس عبر الإنترنت إلغاء رسوم تجوال خدمات شرائح الهواتف الجوالة حول العالم أو في كثير من الدول. وقد طبق الاتحاد الأوروبي هذه الآلية في 28 دولة المنتمية له، مع فرض الولايات المتحدة له، الأمر الذي نجم عنه إطلاق شركات الاتصالات باقات اتصال غير محدودة لأكثر من 70 دولة حول العالم بتكلفة ثابتة، الأمر الذي شجع الناس على الاشتراك بتلك الباقات عوضًا عن البحث عن بدائل رقمية تضع قنوات الإنترنت تحت ضغوطات استخدام إضافية.



«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.


زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.