حجب تطبيقات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت في المنطقة العربية والعالم

يتراوح ما بين الكامل والجزئي لأهداف ربحية دون تقديم بدائل للمستخدمين

حجب تطبيقات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت في المنطقة العربية والعالم
TT

حجب تطبيقات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت في المنطقة العربية والعالم

حجب تطبيقات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت في المنطقة العربية والعالم

تطورت التطبيقات مع تطور الهواتف الذكية، وحصل المستخدمون على فئة جديدة منها، هي تطبيقات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت، وبمزايا مختلفة، منها ما يسمح للمستخدم بإجراء المحادثات الجماعية مع عشرات ومئات المستخدمين، بينما يقدم البعض الآخر القدرة على التحدث بالصوت والصورة وتبادل الملفات مع الآخرين. ولكن هذا التطور أثر على شركات الاتصالات، حيث أصبح المستخدمون يفضلون تلك التطبيقات على حساب المكالمات الصوتية العادية بسبب انخفاض تكاليف الاتصال الصوتي عبر الإنترنت، الأمر الذي قاد كثيرًا من شركات الاتصالات حول العالم إلى حجب تلك التطبيقات أو جعل استخدامها بطيئًا للغاية، وبالتالي عدم الحصول على الفائدة من استخدامها. وأدى هذا الأمر إلى تطوير تطبيقات متخصصة بتجاوز هذا الحجب بتقنيات مختلفة، وإطلاق المستخدمين لحملات مقاطعة احتجاجًا على مستوى الخدمات المقدمة.
* أهداف ربحية
وترغب كثير من شركات الاتصالات بتبني تقنية الدردشة الصوتية عبر الإنترنت، ولكنها تعلم أنها إن قامت بذلك، فستخسر مبالغ كبيرة من المال الذي كان من الممكن أن يدفعه المستخدمون لقاء خدمات المكالمات الهاتفية الصوتية المحلية والدولية للأهل والأصدقاء. وتتأثر فئات كثيرة من المجتمع جراء هذا الحجب، مثل الأهل الذين أرسلوا أولادهم وبناتهم للدراسة في الخارج، والمغتربين ذوي الدخل المحدود (خصوصًا العمال)، والزوار الذين يستخدمون ميزة التجوال الدولي أثناء سفرهم، ورواد الأعمال وأصحاب المنشآت الصغيرة الذين لا توجد لديهم كميات وفيرة من المال لإنفاقه على اتصالاتهم الدولية للانطلاق بأعمالهم ونشر خدماتهم، بالإضافة إلى الشركات الكبيرة التي لديها أعداد كبيرة من الموظفين حول العالم، والتي تحتاج إلى التواصل معهم بشكل يومي، وغيرها.
* حجب دولي
وتعمل بعض شركات الاتصالات في كثير من الدول بطرق ملتوية للتحايل على حجب تطبيقات الدردشة الصوتية، وذلك بإبطاء سرعتها بشكل كبير مما يجعل استخدامها غير عملي، وهو ما يسمى بالحجب الجزئي.
ووفقا لموقع Pro VPN Accounts ومواقع أخرى، تمنع كثير من الدول حول العالم خدمات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت، مثل البرازيل ودول منطقة الكاريبي والصين وروسيا والمكسيك وكوريا الشمالية وباكستان وإثيوبيا وباراغواي و«بيليز» (هندوراس البريطانية سابقًا). وكانت هيئة الاتصالات الأميركية قد طالبت بحجب خدمات الاتصال الهاتفي عبر الإنترنت في عام 1996، ليتم رفض طلبها من الكونغرس الأميركي. أما في الهند، فيمكن استخدام هذه التقنية للدردشة مع الآخرين شرط ألا يتم الاتصال بمن يستخدم هواتف ثابتة، أي أنه يمنع تحويل مكالمات الإنترنت إلى الخطوط الأرضية. أما بالنسبة لكوريا الجنوبية، فيمكن للشركات المطورة المسجلة في الدولة تقديم هذه الخدمات فقط.
وعلى الصعيد العربي، تحجب الدول التالية كليا أو جزئيا خدمات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت بأشكال متفاوتة: مصر والأردن والكويت وقطر عُمان (يتعرض من يحاول تجاوز هذا الحجب لعقوبة تصل إلى أكثر من 130 ألف دولار أميركي أو السجن لعامين، أو العقوبتين معا)، والإمارات العربية المتحدة (يتعرض من يحاول تجاوز هذا الحجب لعقوبة تتراوح بين 130 و500 ألف دولار أميركي أو السجن مؤقتا، أو العقوبتين معا) والمغرب والمملكة العربية السعودية.
وأعلن المغرب رسميا عن حجب خدمات الاتصال عبر الإنترنت في 2 يونيو (حزيران) السابق، موقفًا عمل هذه الميزة في كثير من التطبيقات، مثل: «سكايب» و«فايبر» و«واتساب» و«فيسبوك ميسنجر» و«تانغو»، وذلك بسبب أن الشركات المشغلة لهذه التطبيقات لا تعمل داخل المغرب، مع السماح لشركات الاتصالات بحجب أي تطبيقات مشابهة آليا في المستقبل بهدف حماية دخلها.
أما في المملكة العربية السعودية، فتم حجب تطبيق «لاين ميسنجر» في الشهر الحالي، الذي كان يعمل بشكل طبيعي ويستخدمه كثيرون للتواصل. وأكدت هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات في تصريح رسمي لها في حسابها على «تويتر» (@CITC_SA) في 7 سبتمبر أنها لم توجه بحجب أي تطبيق، وستتابع الموضوع مع مزودي خدمات الاتصالات في السعودية، وأن تقديم خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات في السعودية يخضع لقوانين ومتطلبات تنظيمية، وأن ممن يخالفها يترتب عليه عقوبات تنص عليها اللوائح التنفيذية، دون توضيح ماهية القوانين والمتطلبات. الجدير ذكره أنه إلى حين كتابة هذا الموضوع، لم تكشف هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات عن أي نتائج جراء تحقيقاتها.
وأكد كثير من المستخدمين عبر «تويتر» أن شركات الاتصالات المحلية تقول إنها قامت بحجب التطبيقات بناء على طلب من هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات في المملكة، مقدمين صورا رقمية للرسائل التي حصلوا عليها من قسم الدعم الفني لشركات الاتصالات التي يتعاملون معها، ليقع المستخدمون في حيرة تبادل أصابع الاتهام بين كل من هيئة الاتصالات وشركات الاتصالات المحلية، على أمل كل طرف أن ينسى المستخدمون هذا الأمر مع مرور الوقت.
ويرى البعض الآخر أن شركات الاتصالات (بالاتفاق مع هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات) قررت حجب تطبيق «لاين» وبعض التطبيقات الأخرى في وقت يتناسب مع مصالحها التجارية، حيث تم الحجب مباشرة قبل موسم الحج، أي أن أكثر من 1.8 مليون حاج لم يستطيعوا الاتصال بأهلهم محليا أو دوليا للاطمئنان عليهم، الأمر الذي اضطرهم للاتصال هاتفيا ملايين المرات خلال فترة حجهم.
وكان محافظ هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات الدكتور عبد العزيز بن سالم الرويس قد كشف في 17 سبتمبر في تغريدة على حساب هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات على «تويتر» عن إجراء 820 مليون مكالمة ناجحة في مدينتي مكة والمدينة المنورة لموسم حج هذا العام (أول 13 يوما من شهر ذي الحجة)، من بينها مليون و60 ألف مكالمة عبر الشرائح الأجنبية المتصلة بالشبكات المحلية، وتبادل 13 ألف تيرابايت (13 مليون غيغابايت، ذلك أن التيرابايت الواحد يعادل ألف غيغابايت).
وينضم تطبيق «لاين ميسنجر» إلى لائحة متزايدة الحجم من التطبيقات التي تم حجبها في المملكة، مثل مكالمات «واتساب» و«غوغل هانغاوتس» و«فيسبوك ميسنجر» و«تيليغرام» و«سكايب» و«سنابتشات» و«ديسكورد» و«فيستايم» و«فايبر» و«غوغل ديو» و«تيم سبيك» و«بوبكورن باز» و«واي فاي كولينغ»، وغيرها. ومن جهتها اعتذرت شركة «لاين» من مستخدميها جراء انقطاع الخدمة، وقالت إن المستخدمين يواجهون متاعب في استخدام بعض خدماتها في السعودية، مثل خدمات المكالمات الصوتية المجانية، وإنها تعمل حاليا على معالجة هذه المشكلة.
ورد المستخدمون بإطلاق حملة #راح_نفلسكم التي تتوعد شركات الاتصالات في السعودية بمقاطعة استخدامها، وذلك بهدف الضغط عليها لتطوير خدماتها بما يتناسب مع احتياجات المستخدمين. وتفاصيل الحملة هي عدم استخدام شبكة الاتصالات أو شحن الرصيد للبطاقات مسبقة الدفع لمدة 3 ساعات (من الساعة 6 إلى 9 مساء) يوميا بدءا من 1 أكتوبر (تشرين الأول)، ليصبح عدد ساعات المقاطعة 84 شهريًا لكل مستخدم، أي ما يعادل 3 أيام ونصف اليوم شهريًا.
وحصل هذا الوسم على المركز الثاني عشر بين الوسوم الأكثر انتشارا عالميا، وهو وسيلة للتعبير عن امتعاض واستياء المستخدمين من الخدمات التي تقدمها شركات الاتصالات والاستغلال المادي لقاء الخدمات السيئة، ووعدوا بمواصفة الحملة إلى حين تحقيق مطالبهم.
* تجاوز سهل للحجب
ويمكن تجاوز حجب كثير من تطبيقات المكالمات الصوتية باستخدام ما يعرف بالشبكة الشخصية الافتراضية Virtual Private Network VPN، وهي خدمة تقوم بوصل المستخدم بكومبيوتر آخر موجود في مكان ما حول العالم متصل بالشبكة، ليقوم المستخدم بالعمل وكأنه يستخدم ذلك الجهاز عوضا عن جهازه المحلي، أي أن المستخدم إن اتصل بكومبيوتر في لندن، فإن استخدامه لتطبيقات الدردشة الصوتية عبر الإنترنت سيظهر وكأنه من لندن، وليس من مكان وجود المستخدم. هذا الأمر يعني أن المستخدم سيظهر وكأنه يتصل بكومبيوتر آخر أمام شركة الاتصالات المحلية، ويتبادل البيانات العادية مع الكومبيوتر الآخر عبر شركة الاتصالات المحلية، ليقوم ذلك الكومبيوتر البعيد بالعمل بالنيابة عن المستخدم وتمرير المعلومات والاتصالات الصوتية عبر الإنترنت من وإلى المستخدم، ذلك أن البيانات مشفرة (مرمزة) خلال هذه العملية. وهناك كثير من البرامج التي تقدم اشتراكات شهرية منخفضة التكلفة تتراوح بين دولار واحد و8 دولارات شهريًا، مع تقديم بعضها هذه الخدمة مجانا. هذه التطبيقات متوافرة في متاجر الهواتف الذكية المختلفة وعلى الكومبيوترات الشخصية، ويصعب تعقبها والتعرف على ماهية البيانات التي يتم تبادلها، الأمر الذي يستبعد احتمال إيقاف شركات الاتصالات لهذه الفئة من التطبيقات.
ويتجاوز بعض المستخدمين هذا الحجب بالدردشة من خلال الألعاب الإلكترونية التي غالبا ما لا يتم حجبها، ذلك أن أعداد المستخدمين الذين يستخدمون هذه الآلية منخفضون نسبيا، وهي طريقة صعبة التطبيق على مستوى الشركات وكبار السن وذوي الدخل المحدود نظرا لتكاليفها المرتفعة (ضرورة شراء الأجهزة الإلكترونية المناسبة وشراء الألعاب والاشتراك بخدمات شبكات الألعاب الإلكترونية، وغيرها). ولكن المغرب قام بحجب اللعب مع الآخرين عبر الإنترنت في الألعاب التي تدعم ميزة الدردشة الصوتية، في وقت سابق من العام الحالي.
وهناك تقنيات أخرى لتجاوز الحجب غير تقنية الشبكة الشخصية الافتراضية، مثل تقنيات «بروكسي» Proxy وتغيير عنوان «دي إن إس» DNS وأنفاق «إس إس إتش» SSH Tunnel، وغيرها، وبدرجات تشفير (ترميز) مختلفة وقدرات متفاوتة على تجاوز الحجب، ليدخل المستخدمون وشركات الاتصالات في دوامة الحجب والتجاوز الدائمين.
* سبل استعادة المستخدمين
وتُذكرنا هذه المناوشات التقنية بوقت سابق حاولت فيه كثير من شركات الاتصالات منع استخدام تطبيقات الدردشة النصية الفورية للحد من خسائر استخدام خدمة الرسائل النصية عبر شركات الاتصالات، لتخسر شركات الاتصالات في تلك المعركة بشكل كبير وتبدأ بتبني عقلية تقديم باقات إنترنت للمستخدمين بأسعار تعوضها عن عدم استخدام خدمات الرسائل النصية.
ولم تدرك شركات الاتصالات أن مستقبل الاتصالات يبدأ من فتح استخدام الإنترنت أمام المستخدمين وتقديم باقات إنترنت أفضل لهم عوضًا عن إجبارهم على استخدام خدماتها. ومن شأن هذه الباقات جذب المستخدمين ذوي الدخل المحدود إلى مشتركي شركات الاتصالات التي تقدم هذه الباقات، مع استخدام شركات الاتصالات لتقنيات موجودة حاليًا دون الحاجة لتطوير الشبكات تقنيا أو تطوير التطبيقات بشكل مستمر، ذلك أن هذا الأمر يقع على عاتق الشركات المطورة لتلك التطبيقات.
ومن البدائل الأخرى التي يمكن استخدامها لإقناع المستخدمين بالعودة إلى استخدام المكالمات الهاتفية العادية وليس عبر الإنترنت إلغاء رسوم تجوال خدمات شرائح الهواتف الجوالة حول العالم أو في كثير من الدول. وقد طبق الاتحاد الأوروبي هذه الآلية في 28 دولة المنتمية له، مع فرض الولايات المتحدة له، الأمر الذي نجم عنه إطلاق شركات الاتصالات باقات اتصال غير محدودة لأكثر من 70 دولة حول العالم بتكلفة ثابتة، الأمر الذي شجع الناس على الاشتراك بتلك الباقات عوضًا عن البحث عن بدائل رقمية تضع قنوات الإنترنت تحت ضغوطات استخدام إضافية.



دراسة من «لينوفو»: 98 % من طلاب الجيل زد يستخدمون الذكاء الاصطناعي مسانداً يومياً

يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)
يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)
TT

دراسة من «لينوفو»: 98 % من طلاب الجيل زد يستخدمون الذكاء الاصطناعي مسانداً يومياً

يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)
يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)

أظهرت دراسة جديدة «لينوفو» شملت 8035 طالباً من الجيل زد في ثماني دول أوروبية أن الجهاز اللوحي لم يعد جهازاً ثانوياً في حياة الطالب الجامعية، بل يتحول تدريجياً إلى منصة تجمع بين الدراسة، والإبداع، والتنظيم الشخصي، والترفيه، في وقت تعيد فيه أدوات الذكاء الاصطناعي تشكيل طريقة التعلم، والعمل اليومي. وتكشف الأرقام عن جيل يتعامل مع التقنية بوصفها جزءاً من يومه الأكاديمي، وهويته الشخصية في آنٍ واحد.

الدراسة، التي أُجريت بين 30 ديسمبر (كانون الأول) 2025 و14 يناير (كانون الثاني) 2026 على طلاب تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً في المملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، وبولندا، وهولندا، والسويد، ترسم صورة لبيئة جامعية لم تعد ثابتة المكان، أو الإيقاع. فالتعلّم لم يعد مرتبطاً بالمكتب، أو قاعة المحاضرات فقط، بل ينتقل بين المكتبة، والمقهى، وغرفة النوم، ووسائل التنقل، وهو ما يفسر لماذا قال 94 في المائة من المشاركين إن الجهاز اللوحي مفيد، أو سيكون مفيداً للحياة الطلابية. كما رأى نحو ثلاثة من كل عشرة أن خفة الوزن تمثل أولوية قصوى في بيئة الدراسة المثالية لديهم.

الإبداع عبر التخصيص

اللافت في نتائج الدراسة أن الحديث لم يعد يدور فقط حول الإنتاجية التقليدية، بل حول الإبداع أيضاً. فقد قال 99 في المائة من الطلاب إن التقنيات المتطورة تؤدي دوراً مهماً في دعم إبداعهم، في مؤشر على أن الأدوات الرقمية أصبحت جزءاً من عملية التفكير نفسها، لا مجرد وسيلة لتنفيذ المهام. ويعزز هذا الاتجاه أن 91 في المائة من المشاركين قالوا إنهم يخصصون أجهزتهم للتعبير عن هويتهم الإبداعية، بينما يخصص 94 في المائة تصميمات التطبيقات وتنظيمها بما يتناسب مع طريقة تفكيرهم، وعملهم، ويخصص 92 في المائة أدوات القلم أو الفرشاة الرقمية بما يلائم أساليبهم الشخصية.

هذا الاندماج بين التقنية والهوية الشخصية لا يتوقف عند الشكل، بل يمتد إلى الوظيفة. يرى 81 في المائة من الطلاب أن تصميم الجهاز مهم للإبداع، ما يعني أن عوامل مثل الراحة وسهولة الاستخدام والمظهر لم تعد تفاصيل هامشية، بل صارت جزءاً من القرار الشرائي نفسه. وفي الوقت ذاته، تظل الأدوات العملية حاسمة؛ إذ قال 92 في المائة إن دقة القلم مهمة للإبداع، وأكد 88 في المائة أهمية إعداد لوحة المفاتيح، في دلالة على أن الطلاب لا يبحثون فقط عن جهاز جميل، أو خفيف، بل عن جهاز يدعم تركيزهم، ويقلل الاحتكاك أثناء العمل.

تكشف الدراسة أن الجهاز اللوحي بات أداة أساسية لدى طلاب الجيل زد للدراسة والإبداع والتنظيم اليومي لا مجرد جهاز ثانوي (لينوفو)

الذكاء الاصطناعي المساند

تشير النتائج إلى أن الجهاز اللوحي يُستخدم بانتظام في أنشطة تتجاوز القراءة، وتصفح المحتوى. فمن بين الطلاب الذين يستخدمونه أسبوعياً أو أكثر، قال 75 في المائة إنهم يعتمدون عليه مرة واحدة على الأقل أسبوعياً، بينما يستخدمه 73 في المائة للرسم، أو التخطيط مرة أسبوعياً على الأقل. وهذا يعكس أن الأجهزة اللوحية باتت أقرب إلى أدوات إنتاج حقيقية، لا مجرد شاشات للاستهلاك، أو الترفيه.

أما الذكاء الاصطناعي، فيظهر في الدراسة بوصفه طبقة دعم يومية أكثر من كونه بديلاً عن الجهد البشري. فقد قال 98 في المائة من الطلاب إن الذكاء الاصطناعي يساعدهم بطريقة، أو بأخرى، فيما يستخدم نحو سبعة من كل عشرة هذه الأدوات أسبوعياً، أو أكثر. وتبرز ثلاثة استخدامات رئيسة بوضوح: تدوين الملاحظات بنسبة 73 في المائة، والتلخيص بنسبة 73 في المائة أيضاً، وتوليد الأفكار بنسبة 72 في المائة. كذلك يرى 83 في المائة أن أدوات الذكاء الاصطناعي المخصصة لتوليد الأفكار تساعد في دعم العملية الإبداعية، وتعمل نقطة انطلاق للإنتاجية، لا كبديل عن الأفكار الأصلية.

وهنا تتضح ملامح تحول مهم: الطلاب لا ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تُستخدم أحياناً عند الحاجة فقط، بل أصبح طبقة مساندة هادئة تساعدهم على تنظيم يومهم، واستعادة السياق، وإدارة الضغط عندما تتراكم المحاضرات، والواجبات، والمواعيد النهائية. وربما يفسر ذلك أيضاً لماذا قال 89 في المائة إن التقنيات المتطورة تساعدهم على الشعور بمزيد من الدعم والتحكم خلال فترات الدراسة المزدحمة.

تربط الطلاب بأجهزتهم وهويتهم الشخصية إذ يخصصون التطبيقات والأدوات الرقمية بما يعكس أسلوبهم في التفكير والعمل والإبداع (شاترستوك)

الأولوية للتوازن اليومي

من زاوية التركيز، تكشف الدراسة ضغوط البيئة الرقمية الحديثة بوضوح. فقد أفاد 44 في المائة بأن الشاشة الواضحة عالية الجودة تساعدهم على التركيز، بينما أشار 35 في المائة إلى أن سرعة إنجاز المهام المتعددة عنصر مهم، وقال 31 في المائة إن دعم القلم لتدوين الملاحظات بسرعة يساعدهم على الحفاظ على تدفق العمل. كما قال ما يقرب من ربع المشاركين إن الأجهزة اللوحية تساعدهم على إدارة الوقت، وأعباء العمل، ما يعكس انتقال الجهاز من دور أداة تقنية إلى دور وسيط يومي بين الطالب ومهامه الأكاديمية.

ولا تقتصر أولويات هذا الجيل على الأداء فقط. فالاستدامة حاضرة بقوة في القرار الشرائي، إذ قال 99 في المائة إن الاستدامة مهمة عند اختيار التقنية. وبرزت المواد عالية الجودة القادرة على تحمّل الاستخدام اليومي لدى 36 في المائة، تلتها قابلية الإصلاح، والدعم طويل الأمد لدى 33 في المائة، ثم الأجهزة المصنوعة من مواد معاد تدويرها، أو ذات أثر بيئي أقل لدى 32 في المائة، والتغليف القابل لإعادة التدوير بالكامل لدى 30 في المائة، والتصنيع المسؤول لدى 29 في المائة. كما ذكر 37 في المائة أن الجهاز الذي يدوم طويلاً ويحافظ على سرعته من الاعتبارات الرئيسة عند الشراء.

وفي الوقت نفسه، تبقى الثقة عاملاً غير قابل للتفاوض. فقد قال 96 في المائة إن من المهم أن يساعدهم الجهاز على الشعور بالأمان، والتحكم، والحماية على الإنترنت. ومع تزايد اعتماد الدراسة، والإبداع، والتواصل الشخصي على الجهاز نفسه، تبدو الخصوصية والأمان من المتطلبات الأساسية لا الميزات الإضافية.

في المحصلة، لا تقول هذه الأرقام إن الطلاب يريدون فقط أجهزة أسرع، أو أنحف، بل إنهم يريدون أدوات قادرة على مواكبة يوم دراسي مرن، ومجزأ، ومثقل بالتشتت، وفي الوقت نفسه مشبع بالإبداع. وهذا ما يجعل المنافسة في هذه الفئة أقل ارتباطاً بالمواصفات الصلبة وحدها، وأكثر ارتباطاً بمدى قدرة الجهاز على الجمع بين الأداء، والمرونة، والتركيز، والدعم الذكي في تجربة واحدة.


بين الابتكار والقلق… «ميتا» ترصد سلوك موظفيها لتعزيز الذكاء الاصطناعي

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)
TT

بين الابتكار والقلق… «ميتا» ترصد سلوك موظفيها لتعزيز الذكاء الاصطناعي

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)

تعتزم منصات «ميتا» تتبّع طريقة عمل موظفيها، بما في ذلك ضَغطات لوحة المفاتيح ونقرات الفأرة، في خطوة تهدف إلى تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، وسط تزايد القلق داخل أروقة الشركة من تداعيات هذه السياسة على بيئة العمل ومستقبل الوظائف. وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

وأبلغت الشركة، المالكة لمنصتي «إنستغرام» و«فيسبوك»، موظفيها، الثلاثاء، بأن أداة جديدة ستعمل على أجهزة الشركة وتطبيقاتها الداخلية، حيث ستقوم بتسجيل نشاط المستخدمين واستخدامه كبيانات تدريب لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وقال متحدث باسم الشركة لهيئة الإذاعة البريطانية إن تطوير أنظمة ذكية قادرة على مساعدة المستخدمين في إنجاز مهامهم اليومية يتطلب «أمثلة واقعية لكيفية استخدام الناس لأجهزة الحاسوب فعلياً»، مشدداً على أن البيانات «لن تُستخدم لأي غرض آخر»، مع وجود «إجراءات حماية لضمان أمن المحتوى الحساس».

غير أن هذه التطمينات لم تبدّد مخاوف بعض العاملين. فقد عبّر أحد الموظفين، طالباً عدم الكشف عن هويته، عن قلقه من أن تتحول أدق تفاصيل عمله اليومي مادةَ تدريبٍ للذكاء الاصطناعي، في وقت تتزايد فيه التوقعات بموجة جديدة من تسريح العمال، واصفاً الأمر بأنه «كئيب وقريب من عالم ديستوبيا». وأضاف: «لقد أصبحت هذه الشركة مهووسة بالذكاء الاصطناعي».

كما رأى موظف سابق أن الأداة ليست سوى «وسيلة جديدة لفرض الذكاء الاصطناعي على الجميع»، في تعبير يعكس اتساع الفجوة بين طموحات الإدارة وهواجس الموظفين.

وتأتي هذه الخطوة في سياق تغيّرات أوسع داخل الشركة، التي سرّحت بالفعل نحو 2000 موظف هذا العام عبر جولات تقليص محدودة، في حين تشير تقارير إلى احتمال حدوث تخفيضات أوسع خلال الأشهر المقبلة. كما فرضت «ميتا» الشهر الماضي تجميداً جزئياً للتوظيف، بدا أنه يتجه نحو مزيد من الشمول؛ إذ تراجع عدد الوظائف المعلنة من نحو 800 وظيفة في مارس (آذار) إلى سبع وظائف فقط حالياً، من دون تعليق رسمي على هذه التطورات.

وتُعرف أداة التتبع الجديدة باسم «مبادرة قدرات النماذج» (MCI)، حسب ما أفادت به وكالة «رويترز» التي كشفت عن الخبر أولاً. ورغم أن نشاط الموظفين على أجهزة الشركة كان متاحاً للإدارة سابقاً، فإن تخصيصه وتسجيله بهدف تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي يُعدّ تحولاً لافتاً في نهج الشركة.

ويأتي ذلك بالتوازي مع توجهات أعلنها مؤسس الشركة ورئيسها التنفيذي مارك زوكربيرغ، الذي تعهّد بزيادة الإنفاق على مشاريع الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، في مسعى لوضع «ميتا» في صدارة هذا السباق العالمي. وتخطط الشركة لإنفاق نحو 140 مليار دولار على هذا القطاع في عام 2026، أي ما يقارب ضعف استثماراتها قبل عام واحد.

وفي سياق توسعها، استحوذت الشركة في 2025 على نحو نصف شركة «سكيل إيه آي» باستثمار بلغ 14 مليار دولار، كما استقطبت عدداً من كبار مسؤوليها لدعم تطوير نماذج أكثر تقدماً. وكان أول إطلاق بارز بعد إعادة هيكلة مختبر «Meta Superintelligence Labs» نموذج «Muse Spark»، في خطوة تعكس تسارع وتيرة الابتكار داخل الشركة.

وتعوّل «ميتا» على البيانات التي ستجمعها من موظفيها لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تطوراً، في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول الحدود الفاصلة بين الابتكار التقني وخصوصية الإنسان داخل بيئة العمل.

وكان زوكربيرغ قد صرّح في يناير (كانون الثاني) بأن عام 2026 سيكون «العام الذي سيغيّر فيه الذكاء الاصطناعي طريقة عملنا بشكل جذري»، مضيفاً أن مشاريع كانت تتطلب فِرقاً كاملة بات يمكن إنجازها الآن بواسطة «شخص واحد موهوب للغاية» - عبارة تختصر، ربما، التحول العميق الذي يلوح في الأفق... ويحمل في طياته فرصاً واسعة، بقدر ما يثير من قلق إنساني مشروع.


مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)
مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)
TT

مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)
مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)

مع تسارع سباق الذكاء الاصطناعي عالمياً، لم تعد المشكلة الأساسية دائماً في تصميم الشرائح أو توفر الطلب حتى التمويل، بل في الكهرباء والتبريد وسرعة الربط بالشبكات والحصول على التصاريح. من هنا بدأت تظهر فكرة مراكز البيانات المدارية، لا بوصفها خيالاً علمياً خالصاً، بل باعتبارها محاولة للالتفاف على اختناقات البنية التحتية الأرضية التي باتت تؤخر توسيع قدرات الحوسبة. لكن السؤال الأهم ليس هل الفكرة جذابة نظرياً؟ بل هل هي قادرة فعلاً على التحول إلى جزء عملي من بنية الذكاء الاصطناعي، أم أنها ستبقى حلاً محدوداً في تطبيقات متخصصة؟!

يضع شون ماكديفيت، الشريك في «آرثر دي ليتل»، النقاش في إطاره الأكثر واقعية. ماكديفيت لا يتعامل مع المدار باعتباره بديلاً شاملاً للأرض، بل كطبقة قد تستفيد من مزايا يصعب تكرارها على اليابسة، مثل الطاقة الشمسية المستمرة، والتبريد الإشعاعي السلبي، وبعض حالات المعالجة داخل المدار نفسه. ويقول، خلال مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» بوضوح، إن أقوى حجة اليوم ليست «وضع كل الذكاء الاصطناعي في الفضاء»، بل استخدام الفضاء، حيث يمنح «ميزة هيكلية حقيقية». هذه الصياغة مهمة لأنها تخفف من المبالغة الشائعة في الخطاب المحيط بالبنية الفضائية، وتنقل النقاش من فكرة الاستبدال الكامل إلى فكرة التخصيص الذكي.

شون ماكديفيت الشريك في «آرثر دي ليتل»

حوسبة تصطدم بالطاقة

ما يمنح هذه الفكرة بعض الجدية هو أن عنق الزجاجة في الذكاء الاصطناعي تغيّر فعلاً. فبحسب ماكديفيت: «الرقائق موجودة، ورأس المال متاح، والطلب قوي»، لكن النشر يتباطأ بسبب شراء الطاقة، والتصاريح، وتوصيل البنية التحتية، ما يعني أن الاختناق العملي انتقل من سؤال: «هل يمكننا بناء القدرة الحاسوبية؟» إلى سؤال: «هل يمكننا تشغيلها بسرعة؟».

وهنا يبرز مفهوم «سرعة الوصول إلى الطاقة» كعامل أكثر أهمية من مجرد الوصول إلى الحوسبة نفسها. في سوق تتحرك فيه دورات النماذج بسرعة، قد يعني تأخر منشأة في الوصول إلى طاقتها التشغيلية أن نافذتها الاستراتيجية أغلقت قبل أن تبدأ.

من هذه الزاوية تحديداً، تبدو مراكز البيانات المدارية وكأنها تحاول حلّ مشكلة أرضية من خلال بيئة غير أرضية. فالفكرة الأساسية تقوم على أن المدار قد يخفف بعض القيود المتعلقة بالطاقة والتبريد واستخدام المياه حتى طول دورات الترخيص. إلا أن ذلك لا يجعل التحول الواسع إليها قريباً أو سهلاً. ماكديفيت يحسم هذه النقطة بوضوح حين يقول إن «التحول الواسع في المدى القريب من البنية التحتية الأرضية إلى المدارية غير واقعي». السيناريو الأقرب، برأيه، هو نشر انتقائي لعقد حوسبة مدارية في حالات استخدام ضيقة، خصوصاً عندما تكون البيانات أصلاً مولودة في الفضاء، أو حين تكون المرونة التشغيلية أهم من انخفاض زمن الاستجابة. كما يقدّر أن المنصات التجارية لا تزال على بعد 5 إلى 7 سنوات، وذلك إذا انخفضت تكاليف الإطلاق بشكل حاد فقط، ربما إلى أقل من 200 دولار للكيلوغرام بحلول منتصف ثلاثينات هذا القرن.

أعباء تناسب المدار

هنا تبدأ الحدود التقنية والاقتصادية في الظهور بوضوح. فليست كل أعباء العمل متساوية، وليس كل ما يُشغَّل على الأرض قابلاً للنقل إلى الفضاء. الأعمال التي تبدو منطقية في المدار هي المعالجة الطرفية في الفضاء، والمعالجة المسبقة لبيانات مراقبة الأرض والاستشعار، والتحليلات الدفعية المتسامحة مع التأخير، وبعض المحاكاة، والتخزين المصمم للمرونة أو للأرشفة السيادية المقاومة للعبث. أما ما لا يبدو مناسباً بوضوح، فهو السحابة المؤسسية التقليدية، والتطبيقات الاستهلاكية التي تحتاج إلى زمن استجابة منخفض، والاستدلال التفاعلي المكثف، ومعظم أعمال التدريب التي تعتمد على حركة بيانات كثيفة وتجديد سريع للمعدات وسهولة الصيانة. وبكلمات ماكديفيت: «الأعباء الثقيلة من ناحية النطاق الترددي، لكنها متسامحة مع التأخير هي مرشحة أفضل من الأعباء الحساسة للزمن والتعاونية بكثافة».

هذا التمييز مهم، لأنه يعيد ضبط التوقعات. فإذا كان كثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التجارية اليوم قائمة على التفاعل السريع مع المستخدمين، فإن المدار لا يقدم بديلاً عملياً لها، على الأقل في المستقبل المنظور. حتى في المدارات الأرضية المنخفضة، التي تعد أفضل من المعماريات الأبعد، تبقى الكمونات الزمنية عاملاً حاسماً يحدّ من القدرة على منافسة البنية الأرضية في التطبيقات اللحظية الموجهة للمستخدم. لذلك، فإن أفضل ما يمكن للمدار أن يقدمه حالياً ليس استضافة «السحابة الذكية» العامة، بل تقليل الحاجة إلى تنزيل كل البيانات الخام إلى الأرض من خلال معالجتها عند المصدر، ثم إرسال الرؤى أو النتائج فقط. وهذه نقطة بالغة الأهمية في عالم تزداد فيه أحجام بيانات الأقمار الصناعية بوتيرة سريعة.

البنية الأرضية ستبقى الخيار الأساسي لأنها أكثر نضجاً وأسهل في الصيانة والتوسع وأوضح من حيث الجدوى الاقتصادية (شاترستوك)

تفوق الأرض اقتصادياً

اقتصادياً، لا تزال الأرض تتفوق بوضوح. فالتوسع في مراكز البيانات الأرضية يبقى الخيار الافتراضي لأنه يستفيد من منظومات قائمة بالفعل كسلاسل توريد، وقابلية إصلاح وصيانة، وتمويل معروف، وبنية تشغيلية ناضجة. لذلك، كما يشير ماكديفيت، تصبح النماذج المدارية مثيرة للاهتمام فقط عندما تكون «التكلفة المتجنبة لتأخير البنية الأرضية مرتفعة جداً»، أو عندما يحل المدار مشكلة لا تستطيع الأرض حلّها «بأناقة». حتى مع الإشارة إلى تحليلات منشورة من «غوغل» تفترض إمكان الوصول إلى نوع من التكافؤ الاقتصادي إذا انخفضت تكاليف الإطلاق إلى أقل من نحو 200 دولار للكيلوغرام بحلول منتصف الثلاثينات، يبقى الاستنتاج الحالي واضحاً؛ نحن أمام نشر مداري محدود وموجّه، لا أمام إحلال واسع.

وإذا كان الجانب الاقتصادي لا يزال حذراً، فإن الجانب التقني أكثر تعقيداً. فالقائمة التي يذكرها ماكديفيت طويلة، تشمل توليد الطاقة وتخزينها في المدار والتحكم الحراري ومقاومة الإشعاع وإدارة الأعطال بشكل ذاتي وشبكات ضوئية عالية السعة وبوابات أرضية قابلة للتوسع وإدارة الحطام الفضائي والتجميع الروبوتي، ثم قبل كل شيء تحديث الأجهزة. وهذه النقطة الأخيرة قد تكون من أكثر العقبات حسماً، لأن اقتصاديات الذكاء الاصطناعي تتحرك بسرعة شديدة، وأي منصة لا يمكن ترقيتها أو صيانتها بكفاءة قد تصبح قديمة قبل أن تسترد رأسمالها. لذلك، فإن التجارب الحديثة، مهما بدت لافتة، يجب أن تُفهم باعتبارها «إثباتات مفهوم»، لا دليلاً على نضج منظومة متكاملة جاهزة للسوق.

التوسع المداري الواسع لا يبدو واقعياً قريباً بسبب تعقيدات الإطلاق والتشغيل والتحديث التقني والتنظيم (شاترستوك)

تنظيم يحدّ التوسع

قد يكون البعد التنظيمي والجيوسياسي بطيئاً لكنه مؤثر. فحين تتحول الحوسبة المدارية إلى جزء من بنية رقمية ذات أهمية استراتيجية، تبدأ أسئلة السيطرة والاختصاص والسيادة في الظهور بقوة؛ من يملك هذه البنية؟ من ينظمها؟ من يضمن أمنها؟ ومن يملك حق تشغيل قدرة حاسوبية قد تصبح حيوية لقطاعات مثل الاستشعار الدفاعي أو النسخ الاحتياطي السيادي أو معالجة بيانات الأقمار الصناعية؟

ماكديفيت يشير إلى طيف واسع من العوائق، من تخصيص الطيف وإدارة الحركة المدارية وقواعد الحطام، إلى ضوابط التصدير، والهواجس الأمنية، وحوكمة الأمن السيبراني. هذه العوائق قد لا تمنع التبني، لكنها قد تبطئه وتجزئ السوق جغرافياً وسياسياً.

لهذا كله، تبدو المبالغة أكبر خطر يواجه هذا التصور اليوم. ماكديفيت يقرّ بأن هناك «خطراً حقيقياً» من أن يبالغ القطاع في تقدير الدور الذي ستلعبه البنية المدارية في الذكاء الاصطناعي إذا انزلق النقاش من الاستخدامات الانتقائية إلى سردية الاستبدال الشامل. لكن هذا التحفظ لا يلغي وجود فرصة فعلية. فربما لا يصبح المدار موطناً للطلب الرئيسي على الذكاء الاصطناعي، لكنه قد ينجح تجارياً في شريحة محددة من التطبيقات التي تتضرر بشدة من اختناقات الأرض أو تملك أفضلية طبيعية حين تتم معالجتها في الفضاء. وبذلك، فإن القضية ليست ما إذا كانت مراكز البيانات المدارية «المستقبل» كله، بل ما إذا كانت ستصبح جزءاً من المستقبل في أماكن بعينها.

يمكن الاستخلاص من حديث ماكديفيت أن المدار قد يصبح جزءاً من البنية الطبيعية لقطاعات مثل مراقبة الأرض والاستشعار المرتبط بالدفاع والنسخ السيادي الاحتياطي وبعض أعباء الذكاء الاصطناعي المتسامحة مع التأخير. أما البنية الأرضية فستبقى القلب الرئيسي للحوسبة العالمية، لأنها أسهل في الصيانة، وأسهل في التوسع التدريجي، وأكثر ملاءمة للجزء الأكبر من الطلب منخفض الكمون. بذلك، لا تبدو مراكز البيانات المدارية حلاً سحرياً لأزمة بنية الذكاء الاصطناعي، لكنها ليست مجرد خيال تقني أيضاً. الأقرب أنها ستظل، في المستقبل القريب والمتوسط على الأقل، طبقة متخصصة ذات قيمة حقيقية، ولكن ضمن حدود واضحة لا ينبغي تجاهله.