حجب تطبيقات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت في المنطقة العربية والعالم

يتراوح ما بين الكامل والجزئي لأهداف ربحية دون تقديم بدائل للمستخدمين

حجب تطبيقات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت في المنطقة العربية والعالم
TT

حجب تطبيقات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت في المنطقة العربية والعالم

حجب تطبيقات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت في المنطقة العربية والعالم

تطورت التطبيقات مع تطور الهواتف الذكية، وحصل المستخدمون على فئة جديدة منها، هي تطبيقات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت، وبمزايا مختلفة، منها ما يسمح للمستخدم بإجراء المحادثات الجماعية مع عشرات ومئات المستخدمين، بينما يقدم البعض الآخر القدرة على التحدث بالصوت والصورة وتبادل الملفات مع الآخرين. ولكن هذا التطور أثر على شركات الاتصالات، حيث أصبح المستخدمون يفضلون تلك التطبيقات على حساب المكالمات الصوتية العادية بسبب انخفاض تكاليف الاتصال الصوتي عبر الإنترنت، الأمر الذي قاد كثيرًا من شركات الاتصالات حول العالم إلى حجب تلك التطبيقات أو جعل استخدامها بطيئًا للغاية، وبالتالي عدم الحصول على الفائدة من استخدامها. وأدى هذا الأمر إلى تطوير تطبيقات متخصصة بتجاوز هذا الحجب بتقنيات مختلفة، وإطلاق المستخدمين لحملات مقاطعة احتجاجًا على مستوى الخدمات المقدمة.
* أهداف ربحية
وترغب كثير من شركات الاتصالات بتبني تقنية الدردشة الصوتية عبر الإنترنت، ولكنها تعلم أنها إن قامت بذلك، فستخسر مبالغ كبيرة من المال الذي كان من الممكن أن يدفعه المستخدمون لقاء خدمات المكالمات الهاتفية الصوتية المحلية والدولية للأهل والأصدقاء. وتتأثر فئات كثيرة من المجتمع جراء هذا الحجب، مثل الأهل الذين أرسلوا أولادهم وبناتهم للدراسة في الخارج، والمغتربين ذوي الدخل المحدود (خصوصًا العمال)، والزوار الذين يستخدمون ميزة التجوال الدولي أثناء سفرهم، ورواد الأعمال وأصحاب المنشآت الصغيرة الذين لا توجد لديهم كميات وفيرة من المال لإنفاقه على اتصالاتهم الدولية للانطلاق بأعمالهم ونشر خدماتهم، بالإضافة إلى الشركات الكبيرة التي لديها أعداد كبيرة من الموظفين حول العالم، والتي تحتاج إلى التواصل معهم بشكل يومي، وغيرها.
* حجب دولي
وتعمل بعض شركات الاتصالات في كثير من الدول بطرق ملتوية للتحايل على حجب تطبيقات الدردشة الصوتية، وذلك بإبطاء سرعتها بشكل كبير مما يجعل استخدامها غير عملي، وهو ما يسمى بالحجب الجزئي.
ووفقا لموقع Pro VPN Accounts ومواقع أخرى، تمنع كثير من الدول حول العالم خدمات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت، مثل البرازيل ودول منطقة الكاريبي والصين وروسيا والمكسيك وكوريا الشمالية وباكستان وإثيوبيا وباراغواي و«بيليز» (هندوراس البريطانية سابقًا). وكانت هيئة الاتصالات الأميركية قد طالبت بحجب خدمات الاتصال الهاتفي عبر الإنترنت في عام 1996، ليتم رفض طلبها من الكونغرس الأميركي. أما في الهند، فيمكن استخدام هذه التقنية للدردشة مع الآخرين شرط ألا يتم الاتصال بمن يستخدم هواتف ثابتة، أي أنه يمنع تحويل مكالمات الإنترنت إلى الخطوط الأرضية. أما بالنسبة لكوريا الجنوبية، فيمكن للشركات المطورة المسجلة في الدولة تقديم هذه الخدمات فقط.
وعلى الصعيد العربي، تحجب الدول التالية كليا أو جزئيا خدمات الاتصال الصوتي عبر الإنترنت بأشكال متفاوتة: مصر والأردن والكويت وقطر عُمان (يتعرض من يحاول تجاوز هذا الحجب لعقوبة تصل إلى أكثر من 130 ألف دولار أميركي أو السجن لعامين، أو العقوبتين معا)، والإمارات العربية المتحدة (يتعرض من يحاول تجاوز هذا الحجب لعقوبة تتراوح بين 130 و500 ألف دولار أميركي أو السجن مؤقتا، أو العقوبتين معا) والمغرب والمملكة العربية السعودية.
وأعلن المغرب رسميا عن حجب خدمات الاتصال عبر الإنترنت في 2 يونيو (حزيران) السابق، موقفًا عمل هذه الميزة في كثير من التطبيقات، مثل: «سكايب» و«فايبر» و«واتساب» و«فيسبوك ميسنجر» و«تانغو»، وذلك بسبب أن الشركات المشغلة لهذه التطبيقات لا تعمل داخل المغرب، مع السماح لشركات الاتصالات بحجب أي تطبيقات مشابهة آليا في المستقبل بهدف حماية دخلها.
أما في المملكة العربية السعودية، فتم حجب تطبيق «لاين ميسنجر» في الشهر الحالي، الذي كان يعمل بشكل طبيعي ويستخدمه كثيرون للتواصل. وأكدت هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات في تصريح رسمي لها في حسابها على «تويتر» (@CITC_SA) في 7 سبتمبر أنها لم توجه بحجب أي تطبيق، وستتابع الموضوع مع مزودي خدمات الاتصالات في السعودية، وأن تقديم خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات في السعودية يخضع لقوانين ومتطلبات تنظيمية، وأن ممن يخالفها يترتب عليه عقوبات تنص عليها اللوائح التنفيذية، دون توضيح ماهية القوانين والمتطلبات. الجدير ذكره أنه إلى حين كتابة هذا الموضوع، لم تكشف هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات عن أي نتائج جراء تحقيقاتها.
وأكد كثير من المستخدمين عبر «تويتر» أن شركات الاتصالات المحلية تقول إنها قامت بحجب التطبيقات بناء على طلب من هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات في المملكة، مقدمين صورا رقمية للرسائل التي حصلوا عليها من قسم الدعم الفني لشركات الاتصالات التي يتعاملون معها، ليقع المستخدمون في حيرة تبادل أصابع الاتهام بين كل من هيئة الاتصالات وشركات الاتصالات المحلية، على أمل كل طرف أن ينسى المستخدمون هذا الأمر مع مرور الوقت.
ويرى البعض الآخر أن شركات الاتصالات (بالاتفاق مع هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات) قررت حجب تطبيق «لاين» وبعض التطبيقات الأخرى في وقت يتناسب مع مصالحها التجارية، حيث تم الحجب مباشرة قبل موسم الحج، أي أن أكثر من 1.8 مليون حاج لم يستطيعوا الاتصال بأهلهم محليا أو دوليا للاطمئنان عليهم، الأمر الذي اضطرهم للاتصال هاتفيا ملايين المرات خلال فترة حجهم.
وكان محافظ هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات الدكتور عبد العزيز بن سالم الرويس قد كشف في 17 سبتمبر في تغريدة على حساب هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات على «تويتر» عن إجراء 820 مليون مكالمة ناجحة في مدينتي مكة والمدينة المنورة لموسم حج هذا العام (أول 13 يوما من شهر ذي الحجة)، من بينها مليون و60 ألف مكالمة عبر الشرائح الأجنبية المتصلة بالشبكات المحلية، وتبادل 13 ألف تيرابايت (13 مليون غيغابايت، ذلك أن التيرابايت الواحد يعادل ألف غيغابايت).
وينضم تطبيق «لاين ميسنجر» إلى لائحة متزايدة الحجم من التطبيقات التي تم حجبها في المملكة، مثل مكالمات «واتساب» و«غوغل هانغاوتس» و«فيسبوك ميسنجر» و«تيليغرام» و«سكايب» و«سنابتشات» و«ديسكورد» و«فيستايم» و«فايبر» و«غوغل ديو» و«تيم سبيك» و«بوبكورن باز» و«واي فاي كولينغ»، وغيرها. ومن جهتها اعتذرت شركة «لاين» من مستخدميها جراء انقطاع الخدمة، وقالت إن المستخدمين يواجهون متاعب في استخدام بعض خدماتها في السعودية، مثل خدمات المكالمات الصوتية المجانية، وإنها تعمل حاليا على معالجة هذه المشكلة.
ورد المستخدمون بإطلاق حملة #راح_نفلسكم التي تتوعد شركات الاتصالات في السعودية بمقاطعة استخدامها، وذلك بهدف الضغط عليها لتطوير خدماتها بما يتناسب مع احتياجات المستخدمين. وتفاصيل الحملة هي عدم استخدام شبكة الاتصالات أو شحن الرصيد للبطاقات مسبقة الدفع لمدة 3 ساعات (من الساعة 6 إلى 9 مساء) يوميا بدءا من 1 أكتوبر (تشرين الأول)، ليصبح عدد ساعات المقاطعة 84 شهريًا لكل مستخدم، أي ما يعادل 3 أيام ونصف اليوم شهريًا.
وحصل هذا الوسم على المركز الثاني عشر بين الوسوم الأكثر انتشارا عالميا، وهو وسيلة للتعبير عن امتعاض واستياء المستخدمين من الخدمات التي تقدمها شركات الاتصالات والاستغلال المادي لقاء الخدمات السيئة، ووعدوا بمواصفة الحملة إلى حين تحقيق مطالبهم.
* تجاوز سهل للحجب
ويمكن تجاوز حجب كثير من تطبيقات المكالمات الصوتية باستخدام ما يعرف بالشبكة الشخصية الافتراضية Virtual Private Network VPN، وهي خدمة تقوم بوصل المستخدم بكومبيوتر آخر موجود في مكان ما حول العالم متصل بالشبكة، ليقوم المستخدم بالعمل وكأنه يستخدم ذلك الجهاز عوضا عن جهازه المحلي، أي أن المستخدم إن اتصل بكومبيوتر في لندن، فإن استخدامه لتطبيقات الدردشة الصوتية عبر الإنترنت سيظهر وكأنه من لندن، وليس من مكان وجود المستخدم. هذا الأمر يعني أن المستخدم سيظهر وكأنه يتصل بكومبيوتر آخر أمام شركة الاتصالات المحلية، ويتبادل البيانات العادية مع الكومبيوتر الآخر عبر شركة الاتصالات المحلية، ليقوم ذلك الكومبيوتر البعيد بالعمل بالنيابة عن المستخدم وتمرير المعلومات والاتصالات الصوتية عبر الإنترنت من وإلى المستخدم، ذلك أن البيانات مشفرة (مرمزة) خلال هذه العملية. وهناك كثير من البرامج التي تقدم اشتراكات شهرية منخفضة التكلفة تتراوح بين دولار واحد و8 دولارات شهريًا، مع تقديم بعضها هذه الخدمة مجانا. هذه التطبيقات متوافرة في متاجر الهواتف الذكية المختلفة وعلى الكومبيوترات الشخصية، ويصعب تعقبها والتعرف على ماهية البيانات التي يتم تبادلها، الأمر الذي يستبعد احتمال إيقاف شركات الاتصالات لهذه الفئة من التطبيقات.
ويتجاوز بعض المستخدمين هذا الحجب بالدردشة من خلال الألعاب الإلكترونية التي غالبا ما لا يتم حجبها، ذلك أن أعداد المستخدمين الذين يستخدمون هذه الآلية منخفضون نسبيا، وهي طريقة صعبة التطبيق على مستوى الشركات وكبار السن وذوي الدخل المحدود نظرا لتكاليفها المرتفعة (ضرورة شراء الأجهزة الإلكترونية المناسبة وشراء الألعاب والاشتراك بخدمات شبكات الألعاب الإلكترونية، وغيرها). ولكن المغرب قام بحجب اللعب مع الآخرين عبر الإنترنت في الألعاب التي تدعم ميزة الدردشة الصوتية، في وقت سابق من العام الحالي.
وهناك تقنيات أخرى لتجاوز الحجب غير تقنية الشبكة الشخصية الافتراضية، مثل تقنيات «بروكسي» Proxy وتغيير عنوان «دي إن إس» DNS وأنفاق «إس إس إتش» SSH Tunnel، وغيرها، وبدرجات تشفير (ترميز) مختلفة وقدرات متفاوتة على تجاوز الحجب، ليدخل المستخدمون وشركات الاتصالات في دوامة الحجب والتجاوز الدائمين.
* سبل استعادة المستخدمين
وتُذكرنا هذه المناوشات التقنية بوقت سابق حاولت فيه كثير من شركات الاتصالات منع استخدام تطبيقات الدردشة النصية الفورية للحد من خسائر استخدام خدمة الرسائل النصية عبر شركات الاتصالات، لتخسر شركات الاتصالات في تلك المعركة بشكل كبير وتبدأ بتبني عقلية تقديم باقات إنترنت للمستخدمين بأسعار تعوضها عن عدم استخدام خدمات الرسائل النصية.
ولم تدرك شركات الاتصالات أن مستقبل الاتصالات يبدأ من فتح استخدام الإنترنت أمام المستخدمين وتقديم باقات إنترنت أفضل لهم عوضًا عن إجبارهم على استخدام خدماتها. ومن شأن هذه الباقات جذب المستخدمين ذوي الدخل المحدود إلى مشتركي شركات الاتصالات التي تقدم هذه الباقات، مع استخدام شركات الاتصالات لتقنيات موجودة حاليًا دون الحاجة لتطوير الشبكات تقنيا أو تطوير التطبيقات بشكل مستمر، ذلك أن هذا الأمر يقع على عاتق الشركات المطورة لتلك التطبيقات.
ومن البدائل الأخرى التي يمكن استخدامها لإقناع المستخدمين بالعودة إلى استخدام المكالمات الهاتفية العادية وليس عبر الإنترنت إلغاء رسوم تجوال خدمات شرائح الهواتف الجوالة حول العالم أو في كثير من الدول. وقد طبق الاتحاد الأوروبي هذه الآلية في 28 دولة المنتمية له، مع فرض الولايات المتحدة له، الأمر الذي نجم عنه إطلاق شركات الاتصالات باقات اتصال غير محدودة لأكثر من 70 دولة حول العالم بتكلفة ثابتة، الأمر الذي شجع الناس على الاشتراك بتلك الباقات عوضًا عن البحث عن بدائل رقمية تضع قنوات الإنترنت تحت ضغوطات استخدام إضافية.



ما وراء الإطلاق… التقنيات الخفية التي تقود مهمة «أرتميس 2»

صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)
صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)
TT

ما وراء الإطلاق… التقنيات الخفية التي تقود مهمة «أرتميس 2»

صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)
صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)

أطلقت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) مهمة «أرتميس ‌2» (Artemis II) في أول رحلة مأهولة ضمن برنامج العودة إلى القمر منذ عقود. ورغم أن الأنظار تتجه عادة إلى الصاروخ الضخم الذي يحمل المركبة إلى الفضاء، فإن جوهر المهمة يكمن في منظومة معقدة من التقنيات التي تعمل خلف الكواليس. تقنيات لا تهدف فقط إلى الوصول، بل تمكين البشر من العيش، والعمل خارج الأرض.

مهمة اختبار... لا مجرد رحلة

لا تستهدف «Artemis II» الهبوط على سطح القمر، بل تمثل رحلة اختبار شاملة للأنظمة التي ستعتمد عليها المهمات المستقبلية. وتشمل هذه الأنظمة الملاحة، والاتصال، ودعم الحياة، وإدارة الطاقة، إضافة إلى التفاعل بين الإنسان والآلة في بيئة الفضاء العميق. هذا التحول يعكس تغييراً في فلسفة الاستكشاف الفضائي. فبدلاً من التركيز على «الوصول»، أصبح التركيز على «الاستمرارية»، أي القدرة على البقاء في الفضاء لفترات طويلة، وهي خطوة أساسية نحو رحلات أبعد، مثل المريخ.

مهمة «أرتميس ‌2» التابعة لوكالة «ناسا» تنطلق من مركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال بفلوريدا (رويترز)

«أوريون»... مركبة أم نظام تشغيل؟

في قلب المهمة تأتي مركبة «أوريون» (Orion) التي يمكن النظر إليها بوصفها منصة متكاملة تجمع بين عدة أنظمة تعمل بتناغم. فهي ليست مجرد كبسولة لنقل الرواد، بل بيئة مغلقة تحاكي قدر الإمكان ظروف الحياة على الأرض. تشمل هذه المنظومة أنظمة دعم الحياة التي تتحكم في الأكسجين، والضغط، والرطوبة، وأنظمة تنقية المياه، وإدارة النفايات، إضافة إلى أنظمة مراقبة صحية تتابع حالة الطاقم بشكل مستمر. كل هذه العناصر تجعل المركبة أقرب إلى «نظام تشغيل» بيئي يدير كل ما يتعلق بحياة الإنسان داخل الفضاء.

وتعتمد «Orion» أيضاً على وحدة الخدمة الأوروبية التي طورتها وكالة الفضاء الأوروبية لتوفير الطاقة، والدفع، والموارد الأساسية. هذا التكامل الدولي يعكس تحول برامج الفضاء من مشاريع وطنية إلى بنى تحتية عالمية مشتركة.

الملاحة خارج الأرض... استقلالية أكبر

في الفضاء العميق، لا يمكن الاعتماد بشكل كامل على الأنظمة الأرضية. فالإشارات تحتاج إلى وقت للوصول، ما يفرض تحدياً في اتخاذ القرارات الفورية.

لهذا، تعتمد «أرتميس ‌2» على مزيج من الملاحة الذاتية، والاتصال الأرضي، ما يمنح المركبة قدراً من الاستقلالية. هذه القدرة ليست تفصيلاً تقنياً، بل ضرورة، خصوصاً مع التفكير في رحلات أبعد، حيث يصبح التأخير الزمني أكبر.

كبسولة «أوريون» جزء من مهمة «أرتميس 2» التابعة لوكالة «ناسا» في فلوريدا (إ.ب.أ)

إدارة الطاقة... والعودة إلى الأرض

تعمل المركبة بالطاقة الشمسية، لكن التحدي لا يكمن فقط في توليد الطاقة، بل في إدارتها بكفاءة. فالأجهزة، وأنظمة الحياة، والاتصالات، كلها تعتمد على توزيع دقيق للطاقة. إلى جانب ذلك، تمثل الحرارة تحدياً أساسياً. ففي الفضاء يمكن أن تتعرض المركبة لدرجات حرارة متطرفة، ما يتطلب أنظمة تحكم حراري دقيقة تحافظ على استقرار البيئة الداخلية.

رغم أن الإطلاق يمثل لحظة حاسمة، فإن العودة إلى الأرض تُعد من أكثر مراحل المهمة تعقيداً. إذ تدخل المركبة الغلاف الجوي بسرعات هائلة، ما يولد حرارة شديدة تتطلب درعاً حرارياً متقدماً.

هذا الدرع لا يحمي المركبة فقط، بل يحدد أيضاً مدى نجاح المهمة في إعادة الطاقم بأمان، وهو عنصر أساسي في أي برنامج فضائي طويل الأمد.

الإنسان كجزء من المنظومة

ليست «أرتميس ‌2» اختباراً للآلات فقط، بل أيضاً للإنسان. سيتم تزويد رواد الفضاء بأجهزة استشعار لمراقبة المؤشرات الحيوية، بهدف فهم تأثير الرحلات الفضائية على الجسم. هذا يعكس تحولاً في النظرة إلى الطاقم، من «مستخدمين» للمركبة إلى عناصر بيانات داخل نظام متكامل. فالقدرة على تحليل هذه البيانات ستكون حاسمة في تصميم المهمات المستقبلية.

تعد أنظمة الاتصال من الجوانب التي لا يمكن إغفالها. فالحفاظ على اتصال مستقر بين المركبة والأرض يتطلب بنية تحتية معقدة، خاصة مع المسافات المتزايدة. هذه الأنظمة لا تضمن فقط التواصل، بل تلعب دوراً في نقل البيانات، وتحديث الأنظمة، ودعم اتخاذ القرار، ما يجعلها جزءاً أساسياً من نجاح المهمة.

بعد 53 عاماً... «ناسا» تعيد البشر إلى عتبة القمر

بين الطموح والتحديات

رغم التقدم التقني، لا تخلو المهمة من تحديات. فتعقيد الأنظمة، وتعدد الجهات المشاركة، والتكاليف المرتفعة، كلها عوامل تضيف ضغوطاً على البرنامج. كما أن بعض الاختبارات والتأخيرات التي سبقت المهمة تعكس طبيعة هذا النوع من المشاريع، حيث لا مجال للخطأ في بيئة عالية المخاطر.

لا يمكن النظر إلى «أرتميس ‌2» بوصفها مهمة منفصلة، بل هي جزء من مسار طويل. فالقمر هنا ليس الهدف النهائي، بل محطة اختبار. الهدف الأكبر هو تطوير تقنيات تتيح للبشر السفر إلى المريخ، والبقاء هناك. وفي هذا السياق، تصبح «أرتميس ‌2» أقل ارتباطاً بالوجهة، وأكثر ارتباطاً بالأنظمة التي تختبرها.

فما يجري اليوم ليس مجرد إطلاق جديد، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والفضاء عبر تقنيات قد تجعل الوجود خارج الأرض أمراً قابلاً للاستمرار، لا مجرد تجربة مؤقتة.


دراسة: حماية البيانات المالية تحتاج إلى أكثر من حلول تقنية

حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)
حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)
TT

دراسة: حماية البيانات المالية تحتاج إلى أكثر من حلول تقنية

حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)
حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)

تزداد أهمية حماية البيانات الشخصية، خصوصاً المالية، مع توسع الأنظمة الرقمية التي باتت تدير جانباً كبيراً من الحياة اليومية. دراسة حديثة منشورة في «Electronic Government: An International Journal» تسلط الضوء على التحديات المتزايدة في هذا المجال، مشيرة إلى أن تعقيد البيئة الرقمية يجعل من الصعب الاعتماد على حل واحد لضمان الأمان.

توضح الدراسة أن الأنظمة المالية الرقمية لم تعد تعتمد فقط على البنية التقنية، بل أصبحت جزءاً من منظومة أوسع تشمل المستخدمين والمؤسسات والتشريعات. وفي هذا السياق، لم يعد الاختراق نتيجة ثغرة واحدة، بل نتيجة تفاعل عدة عوامل في الوقت نفسه، ما يجعل الحماية أكثر تعقيداً.

تركّز الدراسة على ثلاثة عناصر أساسية تشكل أساس أي نظام آمن وهي السرية وسلامة البيانات وإمكانية الوصول. فالسرية تعني حماية المعلومات الحساسة بحيث لا يتم الوصول إليها إلا من قبل المستخدمين المصرح لهم. أما سلامة البيانات تتعلق بالحفاظ على دقة المعلومات ومنع التلاعب بها. كما أن إمكانية الوصول تضمن أن يتمكن المستخدم الشرعي من الوصول إلى بياناته دون عوائق.

وتشير الدراسة إلى أن أي خلل في أحد هذه العناصر يمكن أن يؤدي إلى خسائر مالية مباشرة، أو إلى تراجع الثقة في الأنظمة الرقمية بشكل عام.

تهديدات تتطور بسرعة

تواجه الأنظمة المالية اليوم مجموعة متزايدة من التهديدات، أبرزها «التصيد الاحتيالي» (Phishing)، الذي يعتمد على خداع المستخدم للحصول على بياناته، إضافة إلى البرمجيات الخبيثة التي تستهدف الأجهزة بشكل مباشر. كما تشير الدراسة إلى خطر «التهديدات الداخلية» حيث قد يأتي الاختراق من داخل المؤسسات نفسها، سواء بشكل متعمد أو نتيجة سوء استخدام الصلاحيات. وتضيف أن الهجمات واسعة النطاق التي تستهدف قواعد بيانات كاملة، أصبحت أكثر شيوعاً، مع وجود أسواق سوداء لبيع البيانات المسروقة. هذه التهديدات لم تعد تقليدية، بل تتطور باستمرار لتتجاوز أنظمة الحماية المعروفة، ما يجعل من الصعب الاعتماد على أساليب الدفاع التقليدية فقط.

تتطور التهديدات السيبرانية بسرعة وتشمل التصيد الاحتيالي والبرمجيات الخبيثة والاختراقات واسعة النطاق (شاتوستوك)

الأنظمة التنظيمية... ضرورة وليست كافية

في مواجهة هذه المخاطر، تعمل المؤسسات المالية ضمن أطر تنظيمية صارمة تشمل التشفير والمصادقة متعددة العوامل والتدقيق المستمر. لكن الدراسة تشير إلى أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لا توفر حماية كاملة.

فالقوانين والتقنيات يمكن أن تقلل من المخاطر، لكنها لا تلغيها. إذ تبقى هناك فجوة بين ما يمكن للنظام التقني تحقيقه، وما يمكن أن يحدث نتيجة سلوك المستخدم أو تطور الهجمات.

العامل البشري... الحلقة الأضعف

من أبرز ما تؤكد عليه الدراسة أن المستخدم نفسه يمثل أحد أهم نقاط الضعف في النظام. فحتى مع وجود أنظمة حماية متقدمة، يمكن لخطأ بسيط مثل الضغط على رابط مزيف أو استخدام كلمة مرور ضعيفة أن يؤدي إلى اختراق كامل. وتشير النتائج إلى أن التوعية تلعب دوراً محورياً في تقليل هذه المخاطر. فتعليم المستخدمين كيفية التعرف على محاولات الاحتيال، واستخدام كلمات مرور قوية، وعدم إعادة استخدامها عبر منصات مختلفة، يمكن أن يكون له تأثير كبير على مستوى الأمان.

بناءً على ذلك، تقترح الدراسة أن حماية البيانات المالية يجب أن تعتمد على مقاربة شاملة تجمع بين التكنولوجيا، والتنظيم، والسلوك البشري.

فبدلاً من التركيز على أداة واحدة، يجب بناء نظام متكامل يأخذ في الاعتبار جميع نقاط الضعف المحتملة. وهذا يشمل تطوير تقنيات أكثر ذكاءً، وتحديث التشريعات بشكل مستمر، وتعزيز وعي المستخدمين.

الثقة عامل حاسم

لا تتعلق المسألة فقط بحماية البيانات، بل بالحفاظ على الثقة في النظام الرقمي ككل. فكل اختراق لا يؤثر فقط على المستخدم المتضرر، بل ينعكس على ثقة المستخدمين الآخرين في الخدمات الرقمية.

وتحذر الدراسة من أن فقدان هذه الثقة قد يكون له تأثير أوسع على الاقتصاد الرقمي، حيث يعتمد جزء كبير من النشاط الاقتصادي اليوم على التعاملات الإلكترونية.

تشير الدراسة إلى أن التحدي الحقيقي في حماية البيانات المالية لا يكمن في تطوير تقنيات جديدة فقط، بل في القدرة على دمج هذه التقنيات ضمن منظومة أوسع تشمل الإنسان والتنظيم.


«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)
أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)
TT

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)
أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

أصبح بالإمكان استخدام «شات جي بي تي» (ChatGPT) داخل نظام «كاربلاي» (CarPlay) من «أبل»، في خطوة تعكس توسع حضور الذكاء الاصطناعي خارج الهاتف نحو بيئات الاستخدام اليومية مثل السيارة. ومع تحديثات «26.4 iOS » الأخيرة، فتحت «أبل» المجال أمام تطبيقات المحادثة الصوتية للعمل داخل «CarPlay»؛ ما يتيح للمستخدمين التفاعل مع أنظمة، مثل «تشات جي بي تي»، أثناء القيادة.

هذه الخطوة تبدو للوهلة الأولى امتداداً طبيعياً لانتشار الذكاء الاصطناعي، لكنها في الواقع تمثل تحولاً أوسع في كيفية استخدام هذه التقنيات، من واجهات تعتمد على الشاشة إلى تفاعل صوتي مستمر ومندمج في السياق اليومي.

تجربة صوتية بالكامل

على عكس استخدام «شات جي بي تي» على الهاتف أو الحاسوب، تقتصر التجربة داخل «كار بلاي» على الصوت. لا توجد واجهة نصية، ولا إمكانية لعرض الإجابات على الشاشة. بدلاً من ذلك، يعتمد التفاعل على طرح الأسئلة واستقبال الإجابات صوتياً، بما يتماشى مع متطلبات السلامة أثناء القيادة.

هذا القيد ليس تقنياً فقط، بل تصميمي أيضاً؛ فبيئة السيارة تفرض نمط استخدام مختلفاً، حيث يجب أن تكون التجربة بسيطة وسريعة ولا تتطلب انتباهاً بصرياً مستمراً. وفي هذا السياق، يصبح الصوت هو الوسيط الأساسي، وليس مجرد خيار إضافي.

لا يزال «سيري» المساعد الأساسي بينما يعمل «شات جي بي تي» بوصفه خياراً مكملاً وليس بديلاً (شاترستوك)

كسر احتكار «سيري»... جزئياً

لفترة طويلة، كان «سيري» المساعد الصوتي الوحيد داخل «كار بلاي». لكن التحديثات الأخيرة تشير إلى بداية انفتاح النظام على خدمات ذكاء اصطناعي خارجية. ومع ذلك، لا يعني هذا أن «ChatGPT» حل محل «سيري»؛ فلا يزال «سيري» المساعد الافتراضي، ولا يمكن استبداله بالكامل. كما أن استخدام «شات جي بي تي» يتطلب فتح التطبيق بشكل يدوي، ولا يدعم أوامر تنشيط مباشرة مثل «Hey Siri». وهذا يضعه حالياً في موقع مكمل، وليس بديلاً.

رغم أن إدخال «شات جي بي تي» إلى «كاربلاي» يمثل خطوة لافتة، فإن قدراته داخل السيارة لا تزال محدودة. فهو لا يستطيع التحكم بوظائف السيارة، ولا الوصول إلى إعدادات النظام، ولا التفاعل العميق مع تطبيقات أخرى. بمعنى آخر، ما نراه اليوم هو وصول الذكاء الاصطناعي إلى السيارة، وليس اندماجه الكامل فيها.

لكن الأهمية لا تكمن في الوظائف الحالية بقدر ما تكمن في الاتجاه الذي تشير إليه؛ فوجود «ChatGPT» داخل «CarPlay» يعكس تحول السيارة إلى مساحة جديدة للتفاعل مع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الهاتف والحاسوب.

تظل قدرات «شات جي بي تي» داخل السيارة محدودة دون تكامل عميق مع النظام أو وظائف السيارة (أ.ف.ب)

السيارة بوصفها واجهة جديدة للذكاء الاصطناعي

ما يتغير هنا ليس فقط مكان استخدام الذكاء الاصطناعي، بل طبيعته أيضاً. ففي السيارة، لا يكون المستخدم جالساً أمام شاشة، وإنما يصبح منخرطاً في القيادة. وهذا يفرض نمطاً جديداً من التفاعل، يعتمد على الصوت والسياق والاختصار. في هذا النموذج، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى ما يشبه «مرافقاً رقمياً» يمكنه الإجابة عن الأسئلة، وتقديم معلومات، أو حتى المساعدة في مهام بسيطة أثناء التنقل.

وهذا يفتح الباب أمام استخدامات محتملة تتجاوز ما هو متاح حالياً، مثل التفاعل مع أنظمة الملاحة، أو تقديم توصيات سياقية، أو إدارة بعض جوانب الرحلة.

ورغم هذه الإمكانات، لا تزال التجربة في مراحلها الأولى. فغياب التكامل العميق، والاعتماد الكامل على الصوت، وضرورة تشغيل التطبيق يدوياً، كلها عوامل تحد من سهولة الاستخدام.

كما أن هناك تساؤلات أوسع تتعلق بمدى الحاجة الفعلية لمثل هذه الخدمات داخل السيارة. فكثير من المستخدمين يعتمدون بالفعل على أنظمة قائمة مثل «سيري» أو مساعدات الملاحة؛ ما يطرح سؤالاً حول القيمة المضافة التي يقدمها «شات جي بي تي» في هذا السياق.

من الصعب النظر إلى هذه الخطوة بوصفها ميزة منفصلة فقط. فهي تشير إلى تحول تدريجي في دور الذكاء الاصطناعي، من أداة تُستخدم عند الحاجة، إلى جزء من البيئة المحيطة بالمستخدم.

في هذا الإطار، تصبح السيارة واحدة من عدة نقاط اتصال مع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المنزل والمكتب والهاتف. ومع استمرار تطور هذه الأنظمة، قد يتحول هذا التفاعل من تجربة محدودة إلى عنصر أساسي في الحياة اليومية.