الرئيس الغابوني لـ «الشرق الأوسط»: رسخنا الديمقراطية.. ونعمل لجذب الاستثمارات

علي بونغو أكد علاقته المميزة بدول الخليج وسعيه لإيجاد 100 ألف وظيفة حتى عام 2020

الرئيس الغابوني علي بونغو
الرئيس الغابوني علي بونغو
TT

الرئيس الغابوني لـ «الشرق الأوسط»: رسخنا الديمقراطية.. ونعمل لجذب الاستثمارات

الرئيس الغابوني علي بونغو
الرئيس الغابوني علي بونغو

من قصره المطل على كورنيش العاصمة ليبرفيل، يدير علي بونغو صراعًا قويًا مع الآلة التي صنعها والده عمر بونغو لإدارة تناقضات الحكم في الغابون. فقد رفضت هذه الآلة الانصياع للابن منذ خلافته لوالده المتوفى عام 2009، وتحول رموز حكم والده إلى قادة للمعارضة، ودعاة للتغيير، في بلد حكموه لعدة عقود. وفي حواره مع «الشرق الأوسط»، تحدث بونغو الابن عن الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي جرت في أغسطس (آب) الماضي، وقال إنها اتسمت بالنزاهة، وسادتها أجواء ديمقراطية، رغم اعترافه بوجود نوع من التوتر والاحتجاجات، متهمًا المعارضة بالتحريض على العنف، ومؤكدًا أن بلاده تعاملت مع هذا المنحى بنجاح. وأضاف الرئيس بونغو، في حواره مع «الشرق الأوسط» الذي أجري عن طريق البريد الإلكتروني، أن رؤيته المركزية للغابون تقوم على تطوير مجتمع قائم على فرص متساوية للجميع، مشيرًا إلى ضرورة ترسيخ الديمقراطية، وأن أبواب بلاده باتت مفتوحة للاستثمارات من شتى أنحاء العالم، ومؤكدا أن بلاده ترتبط بعلاقة قوية ووثيقة مع دول الخليج، والسعودية خصوصا، وأن توجهات الغابون تتماشى إلى حد كبير مع توجهات السعودية ودول الخليج الأخرى، خصوصا فيما يتعلق بمسائل الأمن الدولي، إذ انضمت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي إلى التحالف الذي شكلته السعودية، والذي يضم 34 دولة، ويهدف إلى محاربة الإرهاب الدولي المنظم.
* بعد انتخابكم لرئاسة الجمهورية مرة أخرى، ما هي استراتيجيتكم في إدارة البلاد خلال الفترة المقبلة؟
- لقد قطعنا شوطًا طويلاً على مدى السنوات السبع الماضية، ولكن ما زال أمامنا الكثير في الغابون لمواجهة البطالة والفقر. هدفي هو تحويل المجتمع الغابوني إلى مجتمع قائم على تكافؤ الفرص للجميع. في فبراير (شباط) من هذا العام، قمت بإطلاق برنامج «تكافؤ الفرص» الذي يحدد رؤيتي لمستقبل المجتمع في الغابون. يستند البرنامج على خمسة أركان وهي منح فرص متساوية في التعليم والوظائف والرعاية الصحية لجميع المواطنين الغابونيين وكذلك تمكين المرأة ومكافحة الفروقات الطبقية في المجتمع، وعلى سبيل المثال، وكجزء من برنامج تكافؤ الفرص، أعمل على توفير 100 ألف فرصة عمل جديدة للناس في الغابون بحلول عام 2020. وقد بدأنا فعليًا بإطلاق أجزاء من هذا البرنامج، ولكن سنعمل أيضًا على هذه الأجزاء حتى نكون قادرين على إحداث المزيد من التغيير لصالح الغابون والشعب الغابوني. وسيكون هذا جلّ تركيزي على مدى السنوات السبع المقبلة.
* شهدت الانتخابات الأخيرة اضطرابات مباشرة بعد الإعلان عن النتائج كيف تمت السيطرة عليها؟
- اتسمت الانتخابات الرئاسية التي جرت في أغسطس بالنزاهة وسادتها أجواء ديمقراطية، لكني أعترف بأنه كان هناك نوع من التوتر، كما حدث في عام 2009. كانت هناك بعض الاحتجاجات في الغابون، حيث عملت المعارضة على التحريض على العنف. ومع ذلك، واجهنا هذا العنف بنجاح، وقد واتخذت الحكومة خطوات لضمان الحد من أعمال العنف فور إعلان المحكمة الدستورية النتيجة النهائية للانتخابات، أعتقد جازمًا بأن الآن هو الوقت المناسب لهذا البلد للعمل معا والتوحد بغض النظر عن أصوات الأفراد في الانتخابات. إنني أؤكد التزامي تجاه الشعب الغابوني بأني سأحكم بما يحقق أفضل مصلحة لكافة أفراد الشعب الغابوني.
* ولكن هناك أصوات طالبت بإعادة فرز نتائج التصويت؟
- أعتقد أنه من المهم أن يدرك الناس حقيقة مفادها أن قانون الانتخابات في الغابون يشتمل على ضمانات هامة لإجراء انتخابات عادلة وشفافة، وقامت المحكمة الدستورية في الغابون بإجراء تدقيق محكم لنتيجة الانتخابات الرئاسية قبل إعلان النتيجة النهائية. واشتمل تحليل المحكمة الدستورية على إعادة فرز السجلات الإحصائية الانتخابية. ولذلك، فإن النظام الانتخابي القوي للغابون يتضمن إجراءات للتأكد من دقة عملية الفرز.
* خصومكم يدعون أن المحكمة الدستورية هي واحدة من أذرع النظام؟
- طيلة فترة الحملة الانتخابية وبعد إعلان النتائج المؤقتة، واصل خصومي اتخاذ مواقف متطرفة والتحريض على العنف. المحكمة الدستورية هي هيئة مستقلة تماما، قامت بإجراء تحليل دقيق وغير متحيز للنتيجة، بما في ذلك إعادة فرز السجلات الإحصائية الانتخابية. هذا هو القانون ويسرني بأن المعارضة ركزت في نهاية المطاف على هذا.
* في ضوء اعتماد الغابون الرئيسي على عائدات النفط في الفترة الماضية، ما هي استراتيجيتكم مع انخفاض الأسعار في الفترة الحالية؟
- التنويع الاقتصادي هو المفتاح لمواجهة هذا الأمر. لقد قطعنا شوطا طويلا على مدى السنوات السبع الماضية ولكن لا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به لضمان اقتصاد ديناميكي ومستدام. بعد إطلاق الخطة الاستراتيجية للغابون الناشئ في عام 2009. استثمرنا 6.5 مليار يورو في تطوير البنية التحتية ذات الجودة في جميع أنحاء البلاد، وذلك بهدف تحويل الغابون إلى مركز صناعي مزدهر في أفريقيا. كما قمنا بتطوير قوي لقطاعي التعدين والغابات، وفي ذات الوقت عملنا على حماية التراث الطبيعي الغني لبلدنا وسنعمل على ذلك بشكل أكبر في السنوات المقبلة. لقد كانت الغابون أيضا أول دولة في أفريقيا الوسطى تدخل الجيل الرابع لشبكة الهاتف المحمول، ولكن لا يزال هناك الكثير للقيام به، فنحن نقوم حاليًا بشق 770 كيلومترا من الطرق الجديدة في جميع أنحاء البلاد، وتشجيع التصنيع المحلي لمواردنا الطبيعية وتنمية ثقافة ريادة الأعمال في الغابون.
* ما هي أولوياتكم الرئيسية على المستوى المحلي والدولي؟
- رؤيتي المركزية للغابون تقوم على تطوير مجتمع قائم على فرص متساوية للجميع. وقد بدأنا هذه الجهود خلال ولايتي الأولى ولكن العمل الجاد الحقيقي يبدأ الآن، أولويتي هي توفير فرص التعليم والتدريب لجميع الشباب، وإيجاد المزيد من فرص العمل لجميع المواطنين الغابونيين، بغض النظر عن عمرهم وانتمائهم السياسي أو اسم عائلتهم. نحن نريد أيضا أن نرى المزيد من الفتيات في المدارس والتعليم العالي، بما يضمن حصولهن على وظائف مجزية. ومن المهم أيضا أن نحسن الوصول إلى الرعاية الصحية عالية الجودة في جميع أنحاء البلاد، وخاصة لأولئك الذين يعيشون في المناطق الريفية. على المستوى الإقليمي والدولي، فإن تنويع اقتصادنا يأتي على رأس الأولويات. والهدف من ذلك هو بناء اقتصاد ديناميكي ومستدام، وتحويل الغابون إلى مركز صناعي ورقمي في وسط أفريقيا، ووجهة جذابة للمستثمرين الأجانب. أريد فتح البلاد أمام الاستثمارات من منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص، ويجب أن نعمل على استقطاب المزيد من الزوار وتعميق العلاقات التجارية مع أشقائنا العرب. منذ حصولنا على الاستقلال، أصبحت الغابون بلدًا مسالمًا وديمقراطيًا. نحن نريد من المجتمع الدولي وجيراننا الأفارقة إدراك هذه الحقيقة والنظر إلى الغابون باعتبارها نموذجا للسلام والوحدة في أفريقيا.
* بعد فوزكم، قلتم بأن البلاد تعيش لحظة تغيير، وأن شعب الغابون يجب أن يتوحد. ما هي ملامح التغيير التي ذكرتها؟
- لقد سبق أن ذكرت عن برنامج تكافؤ الفرص، والذي سيكون أساس التغيير في الغابون، وبالإضافة إلى المجالات التي ذكرتها سابقًا، فإن برنامج تكافؤ الفرص سيسهم في زيادة الاستثمار في مجال الرعاية الصحية، بحيث سيمكن المزيد من الناس من الاستفادة من برنامج التأمين الصحي الوطني، وتوسيع نظام التعليم الثانوي لدينا، لا سيما في مواضيع العلوم والتقنية والرياضيات والهندسة التي تشكل أساسًا للوظائف في المستقبل.
* ما هي التحديات الرئيسية التي تمرون بها خلال الفترة الحالية وتتوقعونها في الفترة المقبلة؟
- بالنسبة لي، فإن التحدي الرئيسي هو النجاح في تنفيذ برنامج تكافؤ الفرص. هذا البرنامج هو خطة طموحة، وأنا ملتزم تماما بتحقيق هذا البرنامج لكونه يشكل عاملاً أساسيا لمستقبل بلدنا.
* كيف تنظرون إلى العلاقة بين الغابون ودول الخليج، ومع السعودية على وجه التحديد؟
- الغابون لديه علاقة قوية تجمعه مع دول الخليج ومع السعودية خاصة. ومثل دول الخليج دخلت الغابون في عملية تنويع اقتصادها بعيدا عن الاعتماد التقليدي على قطاعي النفط والغاز، لذا لدينا الكثير من المصالح المشتركة مع دول الخليج في هذا المجال. لقد حقق الاقتصاد السعودي نموًا مطردًا في السنوات الأخيرة، مدفوعًا في المقام الأول من قبل القطاع غير النفطي وأصبح حقا نموذجا يحتذى للتنويع الاقتصادي في الغابون، كما أن توجهاتنا تتماشى إلى حد كبير مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى فيما يتعلق بمسائل الأمن الدولي، في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، انضمت الغابون إلى التحالف الذي شكلته السعودية ويضم 34 دولة، والذي ويهدف إلى محاربة الإرهاب ومكافحة الإرهاب الدولي والإرهاب المنظم.
* ما هي الجهود التي تتطلعون إليها لتعزيز علاقة الغابون مع السعودية؟
- الأولوية الرئيسية بالنسبة هي ضمان تطوير الموارد الطبيعية ومعالجتها في الغابون. وفي الوقت الذي تركز فيه المملكة العربية السعودية على تنويع اقتصادها أيضا، سأكون حريصا للغاية للتعرف أكثر على التحديات التي تغلبت عليها المملكة في السنوات الأخيرة في هذا المجال.
* هل تعتقد أن الغابون تتحرك وفقا لخطتها لتكون قوة اقتصادية صاعدة في عام 2025؟
- شهد اقتصاد الغابون إصلاحات كبيرة في السنوات السبع الماضية. لقد وضعنا الأساس لتطوير قطاعاتنا الزراعية والغابات والتعدين وإذا واصلنا على هذه الوتيرة، يمكن أن يكون اقتصاد الغابون في موقف قوي جدا بحلول عام 2025.
* كيف تصفون علاقتكم مع الجوار الأفريقي، والدول العربية والإسلامية؟
- أعتقد أن الغابون جارة جيدة للجيران. تجمعنا علاقة قوية مع بلدان وسط أفريقيا، وكذلك أبعد من ذلك بلدان في العالم العربي والإسلامي.
* ما هي خططكم بشأن جذب المستثمرين والاستثمارات الأجنبية إلى البلاد، خصوصا في ظل وجود الإجراءات الحالية من جانب المعارضة التي تهدد استقرار البلاد؟
- سيبقى التنويع الاقتصادي واحدًا من أهم أولويات ولايتي الثانية. أنا ملتزم تماما بجعل الغابون وجهة أكثر جذبًا للمستثمرين الأجانب، نحن مستعدون دائما لفتح المجال أمام شركات فرنسية جديدة، ولكن نحن نبحث في ذات الوقت عن مزيد من الشركاء للانضمام إليهم، من أماكن مثل جنوب أفريقيا أو نيجيريا، الغابون بلد مفتوحة للأعمال، وهناك فرص كبيرة. نحن ندعو جميع المستثمرين إلى المجيء هنا ورؤية الإمكانية بأنفسهم.
* كيف تصفون علاقة بلدكم مع فرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين؟
- الغابون تُقدر حقا علاقاتها مع المجتمع الدولي. تبقى شراكتنا الاقتصادية مع فرنسا أساسية ومع كل الاتحاد الأوروبي فهم شريك هام بالنسبة للغابون. نحن نشاركهم الكثير من التحديات والفرص والتهديدات المشتركة، وتحتفظ الغابون بعلاقات ممتازة مع الولايات المتحدة منذ عام 1960. وتثني الولايات المتحدة على جهودنا بإيجاد فرص متساوية للجميع عن طريق التصدي للفروقات الطبقية في المجتمع من خلال إصلاح بعض المؤسسات الحكومية والقضائية الرئيسية، وتوفير الدعم علنا لخططنا لتنويع اقتصادنا، وتوسيع التجارة الثنائية، وحماية البيئة من خلال مكافحة التهريب، تجمعنا مع الصين علاقات خاصة جدًا منذ 42 عامًا. كلا البلدين لديه تعاون كامل في أمور السياسة والاقتصاد والثقافة والرعاية الصحية والتعليم وقطاع الأعمال. الشركات الصينية موجودة في عدد من القطاعات في الغابون، بما في ذلك النفط (نحو 30 شركة، مثل شركة أداكس وسينو غابون) والتعدين، والخشب، والضيافة، وصيد الأسماك والرياضة، إن توجهي بالنسبة لجميع هذه الدول هو نفسه ويتمثل في الشراكة والانفتاح على الآخر. الآن الانتخابات انتهت، وتركيزي هو على تغيير الغابون، ونرحب بجميع الزوار والمستثمرين العالميين. رسالتي للمجتمع الدولي كله هي: الغابون مفتوحة للأعمال، وأدعوكم إلى رؤية التغيير بأنفسكم.
* الغابون.. البلد الهادئ
يعد الغابون واحدًا من أصغر بلدان القارة الأفريقية، من ناحية المساحة وتعداد السكان، إذ لا يزيد عدد سكانها على المليونين، في حين لا تصل مساحتها إلى 300 ألف كيلومتر مربع، أغلبها من الغابات الاستوائية، ولكنها تملك واحدًا من أغنى شواطئ القارة بالنفط، مما حول هذا البلد إلى جنة صغيرة.
استقلت الغابون عن فرنسا عام 1960. وعلى غرار بقية المستعمرات، تم تنصيب الرئيس «ليون إمبا» حاكمًا صوريًا للبلاد. وقد توفي إمبا عام 1967، لينصب الرئيس السابق عمر بونغو خليفة له في العام نفسه. وكانت هذه اللحظة فارقة في تاريخ هذا البلد الأفريقي الصغير، فقد استطاع بونغو أن يعيد تأسيس الغابون، وأن يدشن عهدًا تميز بالاستقرار والازدهار الاقتصادي، مع كثير من القمع وقليل من الإصلاحات الدستورية والديمقراطية، وذلك وفق أدوات حكم خاصة ومعادلات اجتماعية معقدة، فكان فريقه الخاص مشكلاً من جميع أجزاء الفسيفساء الاجتماعية في الغابون.
واستطاع عمر بونغو أن يضع اسمه ضمن قائمة أشهر القادة في أفريقيا، وكان صاحب نفوذ واسع في القارة، مع شبكة علاقات قوية في فرنسا جعلته واحدًا من القلائل القادرين على التأثير في دوائر الحكم ومطبخ القرار السياسي في باريس. وقد توفي عمر بونغو عام 2009، بعد 42 عامًا قضاها في الحكم لم تهن فيها قبضته الحديدية، ولم تتزعزع، وظلت علاقاته مع فرنسا تشوبها تعقيدات كثيرة، فرغم الارتباط العضوي بين البلدين، إذ تعتمد فرنسا على النفط الغابوني باعتباره مصدرا أول للطاقة، استطاع بونغو أن يقيم نوعًا من الندية في هذه العلاقة، وقد وصلت هذه الندية ذروتها عندما هدد في إحدى المرات بالتعاقد مع شركة أميركية لاستغلال النفط الغابوني لتكون بديلا للفرنسيين، فأذعن المستعمر السابق لشروطه.
مات عمر بونغو، وحضر تشييعه الرئيس الفرنسي آنذاك نيكولاس ساركوزي، وسلفه جاك شيراك، وعدد كبير من السياسيين ورجال الاستخبارات والأمن في فرنسا، فيما كان أكبر أبنائه (علي بونغو) يتوسط الجموع، والأعين مركزة نحوه لترى فيه الرئيس المقبل للبلاد، وهو الذي خبر دوائر السلطة خلال سنوات حكم والده.
وقد ترشح علي بونغو للانتخابات التي أعقبت وفاة والده عام 2009، وفاز فيها، رغم احتجاجات المعارضة التي وجهت له اتهامات بالتزوير، بينما أعلنت فرنسا أنها تقف في المنتصف بين المعسكرين، ولم يطل عمر الأزمة السياسية الأولى من نوعها في تاريخ البلد الذي اشتهر باستقراره في محيط إقليمي تشعله الحروب الأهلية والصراعات السياسية المسلحة.
وكانت الغابون على موعد جديد مع أزمة سياسية خانقة في انتخابات 2016 الرئاسية، التي ترشح لها علي بونغو من أجل الفوز بولاية رئاسية ثانية، ولكنه اصطدم بمعارضة صلبة هذه المرة، أغلب قادتها ورموزها كانوا يعملون مع والده لأكثر من أربعة عقود، ومع ذلك يرفعون شعار «التغيير»، ويعبئون الشباب تحت يافطة «إنهاء حكم العائلة»، وهكذا وجد بونغو الابن نفسه في مواجهة الآلة التي صنعها والده، وأدار بها دفة البلاد لأكثر من أربعين عامًا.



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.