مخاوف تعتري القاهرة من برنامج الإصلاح الاقتصادي

الحكومة لمحدودي الدخل: الخوف والشك يطيلان الطريق

مجموعة من اللافتات الإعلانية في شوارع القاهرة تدعو للتقشف الاقتصادي («الشرق الأوسط»)
مجموعة من اللافتات الإعلانية في شوارع القاهرة تدعو للتقشف الاقتصادي («الشرق الأوسط»)
TT

مخاوف تعتري القاهرة من برنامج الإصلاح الاقتصادي

مجموعة من اللافتات الإعلانية في شوارع القاهرة تدعو للتقشف الاقتصادي («الشرق الأوسط»)
مجموعة من اللافتات الإعلانية في شوارع القاهرة تدعو للتقشف الاقتصادي («الشرق الأوسط»)

تبدو القاهرة قلقة من خطوات تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يتضمن إجراءات ستغير ملامح حياة الغالبية العظمى من المصريين، الذين عانوا على مدار عقود من «برامج دعم» تشجع في الأساس على زيادة نسبة الفساد في الجهاز الإداري للدولة «المتضخم» بالموظفين، أكثر منها تقلل من معاناة المواطنين، إلا أن الجيل الحالي يبدو أنه سيتحمل نتائج وأخطاء الأجيال السابقة.
«يا مصر.. بالإصلاح الجريء نقصّر الطريق»، للمرة الأولى في تاريخها يظهر في شوارع القاهرة، لوحات إعلانية تبشر بالإصلاح الاقتصادي وتحاول تهيئة المواطنين لتقبل البرنامج الذي سيطال موازنات جميع المصريين، إلا أن تأثيراته المباشرة وغير المباشرة ستلحق الضرر بالغالبية العظمى منهم.
وعلى عكس اللوحات الإعلانية التي ملأت شوارع القاهرة، يبدو أن الطريق طويل أمام القاهرة لإقناع السواد الأعظم منهم «بالإصلاح الجريء»، خاصة مع بدء تطبيق ضريبة القيمة المضافة –أول أكتوبر (تشرين الأول) الجاري - التي وافق عليها مجلس النواب مؤخرًا، والتي ستساهم في رفع الأسعار –المرتفعة أساسًا نتيجة تراجع قيمة العملة المحلية - بنسبة تتراوح بين 20 و35 في المائة. إذ تستورد مصر معظم احتياجاتها من الخارج.
وبصوت منبوح مع ابتسامة ساخرة، شكك رضا أحمد صاحب أحد الأكشاك في وسط القاهرة، في جدوى الإصلاح الاقتصادي للحكومة «رغم أهميته» على حد قوله، إلا أنه قال: «المساكين في الآخر هم اللي بيتحملوا كل البرامج الحكومية.. أشك أن الحكومة هتعمل حسابنا».
ولم تنسَ القاهرة شكوك عم أحمد –الخمسيني، السن الذي يغلب عليه الموافقة في استطلاعات الرأي حول نسب الرضا عن أداء الرئيس أو الحكومة - واستبقت تلك الشكوك بلوحات إعلانية تؤكد أن: «الخوف والشك يُطيلان الطريق».

الطريق ليس مفروشًا بالورود

صحيح أن أي إصلاحات اقتصادية ستُقابل بالكثير من الاعتراضات، إلا أن برنامجًا للدعم النقدي محكما ونزيها يلتزم بالشفافية والإفصاح يراعي محدودي الدخل، من شأنه تقليل نسب المخاطر التي ستواجهها الحكومة المصرية، وهو ما يشكك فيه بالفعل أصحاب الطبقة المتوسطة –الآخذة في الاضمحلال.
وتتمثل تداعيات برنامج الإصلاح الاقتصادي في مصر، في ارتفاع الأسعار وبالتالي ارتفاع التضخم وعجز الموازنة ما سيؤثر على أكثر من 40 في المائة من أكثر من 90 مليون مصري يعيشون حول خط الفقر، وهو ما فسره الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في أحد خطاباته، قائلاً: «بنحاول نقلل الفجوة بين الموارد والمصروفات عشان العجز ما يبقاش بالضخامة كبير.. كل ما هنقلل من الدين الداخلي كل ما هنقلل من خدمة الدين».
وارتفع الدين الداخلي في مصر إلى 2.3 تريليون جنيه من نحو 800 مليار جنيه قبل ثورة يناير (كانون الثاني) عام 2011. بنسبة 98 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
وقال السيسي في وقت سابق، إنه لن يتردد في اتخاذ إجراءات إصلاح اقتصادي صعبة كان يتجنبها الرؤساء السابقون خشية اندلاع احتجاجات شعبية.
وقفز معدل التضخم السنوي في أسعار المستهلكين في إجمالي محافظات الجمهورية إلى 16.4 في المائة خلال شهر أغسطس (آب) الماضي، مقابل 14.8 في المائة في يوليو (تموز). بينما ارتفع معدل التضخم الأساسي إلى 13.25 في المائة على أساس سنوي في أغسطس الماضي من 12.31 في المائة في يوليو.
وتوصلت مصر لاتفاق مبدئي مع صندوق النقد الدولي على قرض قيمته 12 مليار دولار على ثلاث سنوات على أساس برنامج للإصلاح الاقتصادي يتضمن خفض عجز الموازنة العامة للدولة وخفض سعر الجنيه المصري.
ورفعت مصر في أغسطس أسعار الكهرباء بنسبة 40 في المائة، ضمن المرحلة الثالثة من خطة لرفع الدعم في البلاد؛ وبدأت في يوليو 2014 خطة لتحرير أسعار الكهرباء على خمس سنوات بداية من شهر سبتمبر (أيلول) من كل عام مالي.
وبلغت قيمة العجز المتوقع في موازنة العام المالي الجاري، 320 مليار جنيه (36 مليار دولار) بنسبة 9.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي - المقدر بنحو 3.2 تريليون جنيه (360 مليار دولار) - مقابل حجم مصروفات تقدر بنحو 936 مليار جنيه (105.4 مليار دولار).

عجز الموازنة

توقعت وكالة موديز للتصنيف الائتماني اتساع العجز في الموازنة العامة لمصر إلى 12 في المائة خلال العام المالي الجاري مقابل 9.9 في المائة متوقعة من الحكومة.
وقالت موديز، في تقرير لها أواخر الشهر الماضي، إنها لا تتوقع أن تنجح الحكومة في جمع الإيرادات المتوقعة خلال العام المالي الجاري، خاصة بعد تخفيض سعر ضريبة القيمة المضافة، التي أقرها البرلمان مؤخرًا، إلى 13 في المائة بدلاً من 14 في المائة كانت قد اقترحتها الحكومة في مشروع القانون.
وتشير موديز إلى أن توقعاتها للعجز تأتي أيضًا في ظل صعوبات محتملة في زيادة الإيرادات الحكومية خلال العام المالي الجاري الذي تتوقع ألا يزيد فيه معدل النمو الاقتصادي على 3.5 في المائة، في حين تتوقع الحكومة ارتفاع النمو إلى 5.2 في المائة خلال العام المالي الجاري. وفي المقابل ترى موديز أن صدور قانون ضريبة القيمة المضافة «الذي طال انتظاره» خطوة هامة لمصر من شأنها أن تدعم تصنيفها الائتماني، كما أنها ستساهم تدريجيا في زيادة عائدات الضرائب المنخفضة في مصر، بالإضافة إلى دعم جهود الحكومة في ضبط أوضاعها المالية.
السياحة الغائبة

في وقت تنتظر فيه مصر عودة حركة السياحة من روسيا وبريطانيا –الداعم الرئيسي للسياحة في منتجعي شرم الشيخ والغردقة - استقبل أمس السبت مطار شرم الشيخ الدولي أول رحلة قادمة من مدينة فرانكفورت الألمانية - بعد توقف دام نحو عام - وعلى متنها 170 راكبًا.
وانكمش قطاع السياحة في مصر بنسبة 34 في المائة خلال الربع الثالث من العام المالي الماضي، يناير - مارس (آذار) 2016، مقابل انكماش بنحو 9.3 في المائة خلال نفس الربع من العام السابق، بحسب ما أظهرته بيانات تقرير «مؤشرات الأداء الاقتصادي خلال الربع الثالث والتسعة أشهر الأولى من 2015 - 2016». وتأثر قطاع السياحة –مورد رئيسي للدولار في البلاد - نتيجة حادثة سقوط طائرة تابعة للخطوط الروسية الجوية، ومقتل نحو 224 راكبا كانوا على متنها، في أكتوبر العام الماضي.

الاستثمارات الأجنبية

ارتفع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر 7.2 في المائة في السنة المالية المنتهية في يونيو (حزيران) الماضي، وذلك وفقًا لأحدث التقارير الصادرة عن البنك المركزي. ووفقًا لبيان لوزارة الاستثمار المصرية أواخر الشهر الماضي، بلغ صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في 2015 - 2016 نحو 6.84 مليار دولار ارتفاعا من 6.38 مليار دولار في السنة السابقة.
وأوضحت وزيرة الاستثمار داليا خورشيد أن هذه الزيادة «جاءت بشكل أساسي بسبب ارتفاع صافي الاستثمارات الواردة لتأسيس شركات وزيادة رؤوس أموالها خلال هذا العام المالي حيث بلغت نحو 4.5 مليار دولار مقارنة مع 3.8 مليار دولار خلال العام المالي السابق محققة نسبة ارتفاع قدرها 18 في المائة».
وأشار تقرير البنك المركزي إلى أن صافي التدفقات الواردة في قطاع البترول بلغ نحو 1.6 مليار دولار في السنة المالية 2015 - 2016.
وعلى صعيد متصل بالقطاع الاستثماري، أعلنت شركة سعودية ضخ نحو 8 مليارات جنيه (نحو 90 مليون دولار) استثمارات في مصر من خلال إنشاء أكبر مدينة طبية في البلاد. وأكد محمد خضير الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة في بيان صحافي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، أن «إنشاء مدينة طبية بهذا الحجم في مصر باستثمارات سعودية ضخمة تصل إلى 8 مليارات جنيه يؤكد أهمية مصر على خريطة الاقتصاد العالمي، خاصة أنها تمتلك الكثير من الإمكانيات التي تجعلها جاذبة للاستثمار، كما يعكس نجاح خطط الحكومة في استعادة ثقة المستثمرين والشركات الأجنبية في جاذبية السوق المصرية على المستويين الإقليمي والدولي».
وأعلنت شركة الشرق الأوسط للرعاية الصحية (المستشفى السعودي الألماني) أول من أمس عن توقيع اتفاقية الإشراف الإداري على مدينة البترجي الطبية في منطقة (إليكس ويست) في مدينة الإسكندرية التي بموجبها ستدار المدينة الطبية تحت العلامة التجارية (المستشفى السعودي الألماني). وأعرب المهندس صبحي بترجي – المؤسس والرئيس التنفيذي لمستشفيات السعودي الألماني – عن سعادته بوضع حجر الأساس لمدينة البترجي الطبية والتي تعد أكبر مدينة طبية متكاملة في مصر، وأضاف: «لدينا ثقة كبيرة في القطاع الطبي المصري ونسعى دائمًا لتقديم خدمة طبية متميزة، ونؤمن أنه لدينا مسؤولية تجاه برامج الرعاية المجتمعية». ومن المتوقع أن يكتمل العمل في مشروع المستشفى التابع لمدينة البترجي الطبية في مدينة الإسكندرية بنهاية العام 2019.
وشركة الشرق الأوسط للرعاية الصحية أكبر شركة مساهمة طبية في العالم العربي بقيمة سوقية تفوق ملياري دولار، تقوم بالإشراف الإداري على المستشفيات التي تمتلكها شركة بيت البترجي الطبية خارج المملكة العربية السعودية.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.