انتخابات المغرب.. سباق «داحس والغبراء»

بين رهان «التغيير» ومطمح «مواصلة الإصلاح»

انتخابات المغرب.. سباق «داحس والغبراء»
TT

انتخابات المغرب.. سباق «داحس والغبراء»

انتخابات المغرب.. سباق «داحس والغبراء»

يتوجه أكثر من 15 مليون ناخب مغربي، يوم الجمعة المقبل، إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم بمجلس النواب، في ثاني استحقاق تشريعي، بعد دستور 2011، والرابع من نوعه في عهد الملك محمد السادس، الذي تولى الحكم صيف عام 1999. ويتولى مجلس النواب الوظائف التشريعية ومراقبة عمل الحكومة، عن طريق سن القوانين، ومساءلة الحكومة، شفويًا أو كتابيًا، أو عن طريق لجان تقصي الحقائق أو نزع الثقة.
ويعتبر الاقتراع في المغرب، حقًا وواجبًا وطنيًا. فيما يعني الاقتراع باللائحة تقديم كل حزب جميع مرشحيه ضمن لائحة واحدة، للتصويت عليها. ومن خصائصه أنه «يقوم على التمثيل النسبي، حسب قاعدة أكبر بقية». ومن إيجابياته أنه «يقلل من السمة الفردية للانتخاب، حيث تغيب صورة الفرد ويظهر الحزب، وبغياب السمة الشخصية يبرز البرنامج»، بينما تتلخص أبرز سلبياته في أنه «يؤدي إلى (البلقنة السياسية)» و«تكوين أغلبيات غير متجانسة».
ويحدد قانون تنظيمي، يتعلق بتأليف مجلس النواب، الذي أنهى ولايته التاسعة، عدد الأعضاء في 395، ينتخبون بالاقتراع العام المباشر عن طريق الاقتراع باللائحة؛ 305 منهم على صعيد الدوائر الانتخابية، و90 على الصعيد الوطني، تهم النساء والشباب، أقل من 35 سنة. وتواصلت، منذ الساعة الأولى من يوم السبت 24 سبتمبر (أيلول) الماضي حتى الساعة الثانية عشرة ليلاً من اليوم السابق لتاريخ الاقتراع، الذي تشارك فيه 27 هيئة سياسية، الحملة الانتخابية، وسط أجواء من التجاذب السياسي، بين عدد من الفاعلين السياسيين.
- تشير معطيات عممتها وزارة الداخلية المغربية، مباشرة بعد انتهاء الفترة المخصصة لإيداع التصريحات بالترشيح للانتخابات النيابية (البرلمانية) إلى أن عدد لوائح الترشيح المقدمة برسم كل الدوائر الانتخابية المحلية والدائرة الانتخابية الوطنية، قد بلغ ما يفوق 1400 لائحة، تشتمل في المجموع على نحو 7 آلاف مترشح ومترشحة، منها 1385 لائحة ترشيح تم إيداعها برسم الدوائر الانتخابية المحلية وتتضمن نحو 4800 مترشح ومترشحة، بمعدل 15 لائحة عن كل دائرة محلية. وتمكنت ثلاثة أحزاب فقط، هي حزب الاستقلال، وحزب الأصالة والمعاصرة، وحزب العدالة والتنمية، من تغطية جميع الدوائر الانتخابية. في حين تتوزع نسبة الناخبين بين الذكور والإناث، على التوالي، ما بين 55 و45 في المائة، تمثل فيهم ساكنة الوسط الحضري نسبة 55 في المائة، وهم يتوزعون، حسب الفئة العمرية، بين 19 في المائة لأكثر من 60 سنة، و8 في المائة لمن بين 55 و59 سنة، و20 في المائة لمن بين 45 و54 سنة، و23 في المائة لما بين 35 و44 سنة، و21 في المائة لما بين 25 و34 سنة، و9 في المائة لما بين 18 و24 سنة.
* الطريق إلى 7 أكتوبر
لعل أهم ما يميز الانتخابات الحالية أنها تجري، حسب عدد من المحللين، وسط «تجاذب سياسي حاد» و«احتقان وصراع» لم يقتصر على الأحزاب السياسية المتنافسة، سواء كانت في المعارضة أو داخل التحالف الحكومي، بل امتد إلى مؤسسات الدولة.
ويرى المراقبون أن اقتراع السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، يشكل مسألة حياة أو موت بالنسبة للحزبين الأساسيين المتصارعين «العدالة والتنمية» (مرجعية إسلامية)، و«الأصالة والمعاصرة» (علماني)، بل إن بعضهم شبّه السباق بينهما بسباق «داحس والغبراء».
ويرى الحسين أعبوشي، أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة في جامعة «القاضي عياض» بمراكش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «المشهد السياسي والحزبي المغربي الحالي، يمكن قراءته، من خلال استحضار كثير من المعطيات والعناصر: أولها، الحراك الاجتماعي، الذي عرفه المغرب في 2011، وتنامي المطالب بالديمقراطية. وثانيها، الخطاب الملكي لـ9 مارس (آذار) ودستور 2011، الذي تم فيه التفاعل مع المطالب الاجتماعية والسياسية، وبالتالي، الشيء الذي غير كثيرا من المعادلات وفتح المجال لظهور قوى سياسية كثيرة، وخصوصًا التيارات الإسلامية، التي مثلها حزب العدالة والتنمية. أما المعطى الثالث فيتمثّل في تراجع تأثير وقوة أحزاب الحركة الوطنية، ممثلة في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ونسبيا (الاستقلال). وبالتالي فقد عشنا، بعد هذه المرحلة، وصول الإسلاميين إلى المشاركة في ممارسة السلطة، بعد فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية لما بعد 2011، ومن ثم قيادة ائتلاف حكومي تشكل من أربعة أحزاب، هي: العدالة والتنمية، والاستقلال، والتقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية، قبل أن يعلن (الاستقلال) انسحابه، ويعوض بـ(التجمع الوطني للأحرار)».
ويقول أعبوشي، إن «قيادة حزب إسلامي للحكومة، أدت إلى ظهور أنماط وأشكال جديدة للصراعات الحزبية في المغرب؛ وهي صراعات يمكن أن نميز فيها الصراعات التي كانت مباشرة بين (العدالة والتنمية) و(الأصالة والمعاصرة)، الذي يقدم نفسه على أنه ينتمي إلى وسط اليسار، وعلى أنه حزب حداثي تقدمي، فضلا عن صراعات بين الأحزاب المكونة للائتلاف الحكومي، وخصوصًا بين (العدالة والتنمية) و(التجمع الوطني للأحرار)». وكان لكل هذا، كما يضيف أعبوشي: «انعكاس على المشهد الحزبي الحالي، وعلى عمل الحكومة، من جهة، وعلى الحياة السياسية في المغرب، بصفة عامة. وهو ما سيظهر، بشكل جلي، عندما دخلت هذه الأحزاب في الحملة الانتخابية الجارية، حيث أفرز لنا الوضع صراعًا ثنائيًا واضحًا بين العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة؛ إذ لم يعد لباقي المكونات الأخرى تأثير كبير في المشهد الحزبي، على الرغم من محاولات الدفع بـ(فيدرالية اليسار) بقيادة نبيلة منيب، وتمكين القوانين الناظمة للانتخابات الأحزاب الصغيرة من الدخول في غمار الاستحقاقات الانتخابية، من خلال تخفيض العتبة الانتخابية إلى 3 في المائة، من ضمان مقعد برلماني. وهذا ما سيساعد على (بلقنة) المشهد السياسي وتشتيت أصوات الناخبين، وبالتالي صعوبة أن يحصل حزب واحد، أو حزبان، أو حتى ثلاثة، على الأغلبية التي تمكنها من تشكيل حكومة في المستقبل».
ولاحظ أعبوشي أن «هذا كله يفسر لنا، اليوم، حدة النقاش السياسي، الذي يصل، أحيانًا، إلى درجة العنف اللفظي في الخطاب السياسي عند الفاعلين السياسيين، خلال مرحلة الانتخابات. كل هذا، من دون أن نغيّب مؤشرات، تتعلق بتنظيم ما عرف بمسيرة (مجهولة الهوية)، بالدار البيضاء، قبل أيام من بدء الحملة الانتخابية، حاملة شعار «لا لأسلمة وأخونة الدولة»؛ فضلا عن الخوض في الحياة الخاصة لرموز وقياديي عدد من الأحزاب السياسية والشخصيات القيادية، وهو ما يتنافى والقيم والأخلاق السياسية».
وأثارت مسيرة الدار البيضاء كثيرًا من ردود الفعل السلبية، الغاضبة والمستهجنة، إلى درجة لم يتجرأ معها أحد على تبنيها، لتشتهر بين المغاربة بـ«المسيرة المجهولة»، ولقد كشفت عن صراع بين وزارتين تشرفان على الانتخابات، هما الداخلية والعدل، بعدما خرج مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات، المنتمي للعدالة والتنمية، إلى الرأي العام بـ«إعلان عام» عبر صفحته على «فيسبوك»، قال فيه إنه «لا يستشار ولا يقرر» في كل ما يتعلق بالشأن الانتخابي. وأنه «على بعد ثلاثة أسابيع من انتخابات 7 أكتوبر تقع عجائب وغرائب». ثم أعلن أن «أي رداءة أو نكوص أو تجاوز أو انحراف لا يمكن أن يكون مسؤولا عنها»؛ ليسارع محمد حصاد، وزير الداخلية، بالرد عليه عبر موقع إلكتروني، معتبرًا الأمر مجرد «سوء فهم».
ومن جانبه، رأى إدريس لشكر، الأمين العام للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المعارض، في خلاف الرميد وحصاد، تعبيرًا عن «غياب التجانس في الحكومة»، حيث علق ساخرًا: «أصبحوا يتواصلون فقط عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهم غير قادرين حتى على عقد اجتماع».
في حين قال محند العنصر، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، المشارك في الائتلاف الحكومي الحالي، إنه «كان يجب على وزيري العدل والداخلية، الجلوس إلى الطاولة لحل المشكل الذي عبر عنه الرميد، لا اللجوء إلى التدوينات في مواقع التواصل الاجتماعي». وأبرز العنصر أن الرميد وحصاد «لم يجر اختيارهما اعتباطيًا للإشراف على الانتخابات، بل في منظومة واضحة وبتعيين من الملك».
* لافتات «ارحل»
والواقع، لم يكن الترخيص لمسيرة «مجهولة»، رفعت خلالها لافتات «ارحل» ضد رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران، قبل أيام من الاقتراع، الخلاف الوحيد بين العدالة والتنمية ووزارة الداخلية، التي منعت، قبل ذلك، الشيخ السلفي حماد القباج من الترشح باسم العدالة والتنمية. لذلك، تحدث ابن كيران عن مناورات، تعرض لها حزبه «من اليمين ومن الشمال»، إلى أن «أراد الله أن يفضحهم فنظموا المسيرة المعلومة»، التي رأى أنها «ليست حدثًا ومر، بل هي علامة فارقة، بخصوص ماذا يريد المغاربة. هل يريدون ناسًا معقولين، يقولون لهم الحقيقة، ويبينون لهم كيفية إصلاح أمور البلاد بتدرج، أم يريدون من يبيعهم الأوهام؟».
وأثار ترشيح ومنع القباج جدلاً كبيرًا، بين مرحب ومعارض. وذهب العماري، أمين عام حزب الأصالة والمعاصرة، إلى القول بأن حزبه كان يرغب في ترشيح مغربي يهودي الديانة في مدينة مراكش، لمواجهة القباج. سوى أن هذا الأخير منع من الترشح، كما أن المرشح الذي كان ينوي حزبه ترشيحه اعتذر لأسباب شخصية. ثم استدرك قائلا: «أنا ضد المنع. وترشيح مغربي يهودي للانتخابات التشريعية كنا نريده تعبيرًا عن مغرب نريده متعددًا».
من جهته، لم يفوّت ابن كيران الفرصة لينتقد قرار منع القباج، حيث قال: «وماذا به حماد القباج؟ ما هي مشكلته؟ قالوا عنه إنه سلفي. وماذا بعد؟.. هو سلفي متنور. يحب بلده وملكه، كما ساهم في حملة التصويت لصالح الدستور. فكيف نتنكر له هو وأمثاله ممن يجعلون من التيار السلفي تيارًا إيجابيًا مشاركًا في المجتمع، يقف في وجه الإرهاب والتطرف والتشدد؟».
وفي غمار التحضير للانتخابات، أصدر الديوان الملكي، في 13 سبتمبر الماضي، بيانًا تضمن انتقادات قوية لنبيل بن عبد الله، وزير السكنى وسياسة المدينة، وأمين عام حزب التقدم والاشتراكية (يسار)، وذلك على خلفية تصريحات وصفها القصر بالـ«خطيرة»، تتعلق بفؤاد عالي الهمة، مستشار العاهل المغربي ومؤسس حزب الأصالة والمعاصرة المعارض، قبل أن يصبح مستشارًا ملكيًا. ووصف البيان تلك التصريحات بأنها «ليست إلا وسيلة للتضليل السياسي في فترة انتخابية تقتضي الإحجام عن إطلاق تصريحات لا أساس لها من الصحة». وكان ابن عبد الله، قد قال، في حوار إن مشكلة حزبه ليست مع حزب الأصالة والمعاصرة، بل مع من أسسه، وهو من يجسد التحكم، ليرد الحزب، بعد ذلك، بأن «الموضوع في الأصل يتعلق بنزاعات حزبية محضة لم يكن أبدا في نية حزب التقدم والاشتراكية وأمينه العام إقحام المؤسسة الملكية فيها بأي شكل من الأشكال».
* حسابات الأحزاب
بدا ابن كيران، في تجمعاته الخطابية، منسجمًا مع شعار «صوتنا فرصتنا لمواصلة الإصلاح»، الذي رفعه حزبه، في الانتخابات الجارية، ولذلك تعهد بمواصلة الإصلاح إذا فاز حزبه بولاية ثانية. وتحدث عن حصيلة حكومته، فقال إنه «كان لا بد من الإصلاح لإنقاذ المركب من الغرق، ولم يكن هناك مفر من الإصلاح، على الرغم من أني كنت أعرف أنه يمكن للناس أن يخرجوا إلى الشارع». وزاد ابن كيران مخاطبا أعضاء حزبه: «نحن واثقون بأننا سنستمر في هذا الطريق؛ لأن أمن البلاد واستقرارها لا يباع ولا يشترى».
على خلاف العدالة والتنمية، المتشبث بـ«مواصلة الإصلاح»، رفع الأصالة والمعاصرة، شعار «التغيير، الآن». بل إن أمينه العام، إلياس العماري، قال إن الحكومة المقبلة، التي ستتمخض عن اقتراع 7 أكتوبر المقبل، ستكون ملزمة، بغض النظر عن مكوناتها، باتخاذ جملة من الإجراءات والتدابير، من قبيل رفع نسبة النمو، وتقليص المديونية، ورفع نسبة الاستثمار، وخلق فرص الشغل، ورقمنة الإدارة، ومحاربة الفساد، وإصلاح صندوق المقاصة (صندوق دعم المواد الأساسية) والتدبير الجيد لإصلاح أنظمة التقاعد، وإلا فـ«إننا سنباع في المزاد العلني»، حسب تعبيره. وفيما يتعلق بخريطة التحالفات، التي يمكن أن تتمخض عنها نتائج الاقتراع، استبعد أي إمكانية للتحالف مع العدالة والتنمية، حيث قال: «من المستحيل أن يكون هناك تحالف بين الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية، لأننا ننتمي لمشروعين مجتمعيين متناقضين تمامًا».
وهكذا، وبينما تشتد الخصومة بين حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، ترفض باقي الأحزاب، وبخاصة الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية، حصر التنافس الانتخابي في البلاد بين هذين الحزبين، فقط. وذهب لشكر أبعد، في تشريحه حالة التجاذب التي تميز المشهد الحزبي المغربي، فقال إن الصراع «أصبح محصورًا بين مشروعين، الأول ديمقراطي حداثي والثاني محافظ رجعي»، مبرزًا أن تحالفاته لا يمكن أن تخرج عن الأحزاب التي تشاركه المشروع الحداثي الديمقراطي.
* خيار ثالث
في هذه الأثناء، تميّزت الاستعدادات للانتخابات الجارية بالحديث عما سمي بـ«التيار الثالث»، الذي تمثله، بالأساس «فيدرالية اليسار الديمقراطي» التي تسعى إلى تكوين توجه سياسي يخالف توجه قطبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة.
ويرى أعبوشي أنه «في سياق التقاطب السياسي الحزبي الثنائي بين العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، ظهرت دعوات إلى المراهنة على (خيار ثالث)، من أجل تحقيق التوازن بين هذين الحزبين الغريمين، وذلك من خلال دفع بعض قوى اليسار، بقيادة نبيلة منيب، من أجل لعب دور وتقديم البديل الموضوعي الذي يفرز إجابات على الطلبات الاجتماعية في سياق آخر». وباستخدام عبارة «الخط» أو «الطريق» أو «الخيار» الثالث، تريد فيدرالية اليسار الديمقراطي، أن تتميز من جهة، عن الإسلاميين في العدالة والتنمية، ومن جهة أخرى، عن الأصالة والمعاصرة الداعي إلى التغيير، والذي يقدم نفسه حزبًا حداثيًا تقدميًا.
وترى منيب، الأستاذة الجامعية، البالغة من العمر 56 سنة، والمرأة الوحيدة التي تقود حزبا سياسيا في المغرب، أن «الجزء الذي يوصف بالمحافظ (أي الإسلاميين) أثبت أنه يتبنى من وجهة النظر الاقتصادية النيو - ليبرالية، بكل آثارها المضرّة. أما القطب الآخر، الذي يسمى حداثويًا جزافًا، فلم يتحدث يومًا عن الحداثة». وتذهب القيادية اليسارية إلى القول بأن «الطرفين لا يلبّيان تطلعات المغاربة، أي إرساء ديمقراطية حقيقية»، قبل أن تقدم اختيارات وقناعات حزبها، قائلة: «نحن نقف بينهما، ونقترح خطًا، هو طريق إصلاح سياسي حقيقي، عبر فصل بين السلطات».
* شعار لكل حزب
لقد رفعت الأحزاب المغربية المشاركة في الاستحقاق الانتخابي شعارات مختلفة، جاءت، إلى حد ما، معبرة عن تموقع كل واحد منها، خلال الولاية التشريعية السابقة، إما في المعارضة أو باعتباره حزبا مشاركا في الحكومة، والاستراتيجيات التي رسمتها لنفسها، خلال المرحلة المقبلة. لذلك رفع التقدم والاشتراكية شعار «المعقول لمواصلة الإصلاح»، والأصالة والمعاصرة شعار «التغيير، الآن»، والاستقلال شعار «تعاقد من أجل الكرامة». وفي حين اختار العدالة والتنمية شعار «صوتنا فرصتنا لمواصلة الإصلاح»، اختار التجمع الوطني للأحرار «جميعًا من أجل تحرير الطاقات، وتعزيز التضامن»، وفيدرالية اليسار الديمقراطي «معنا؛ مغرب آخر ممكن.. مغرب الديمقراطية.. مغرب المواطنة»، والحركة الشعبية «التزام من أجل المغرب»، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية «55 كفى.. 555 تدبيرًا».
* التعددية الحزبية خيارًا
وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قال إدريس لكريني، أستاذ القانون العام، بجامعة «القاضي عياض»، في سياق تناوله للتفاوت الحاصل في شعارات الأحزاب، إن «المغرب اعتمد، منذ أول دستور له بعد الاستقلال، التعددية الحزبية خيارا استراتيجيا؛ على اعتبار أن المجتمع المغربي هو غني بتنوعه؛ واعتبارًا لكون الديمقراطية هي آلية لتدبير هذا التنوع والاختلاف بشكل سليم وسلمي». وأردف أن «الانتخابات التشريعية تشكل إحدى المناسبات التي يفترض أن تعكس هذا التنوع والاختلاف من حيث الأولويات والتحالفات وطبيعة البرامج والشعارات».
ولاحظ لكريني أن «اعتماد الشعارات المختصرة في الانتخابات له وقع كبير على الناخب بمختلف توجهاته ومستواه الفكري والتعليمي؛ ذلك أن الأمر يسمح بإيصال إشارات رسائل غالبًا ما تكون بسيطة وواضحة في مضمونها تتعلق بأولويات وانتظارات مفتقدة أو نادرة، تطمح لها فئات واسعة من المواطنين، كما هو الشأن بالنسبة لـ(المعقول) الذي يحيل إلى اعتماد الجدية في الأداء؛ أو (التغيير) أو (الكرامة) أو (الإصلاح)، أو (التضامن) أو (المواطنة)». غير أن مواكبة أجواء الحملة الانتخابية، يختم الكريني، تظهر أن «بعض الأحزاب تركز على أسلوب القذف والشتم والإساءة لخصومها من الأحزاب سبيلاً للتنافس، أكثر من تركيزها على مضامين برامجها وشعاراتها؛ وهو ما تكون له تبعات سلبية على مستوى التصويت لصالحها أو من حيث التأثير في نسبة مشاركة الناخبين بشكل عام».
* الصورة بألف كلمة
وحقًا، أثار «اتفاق» أغلب قادة الأحزاب المغربية على «النزول» إلى الأسواق الأسبوعية، بالبوادي أو الأسواق والأحياء الشعبية بالمدن، بالموازاة مع حرصهم على توظيف وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة «فيسبوك»، للتواصل مع الناخبين، في محاولة لاستمالتهم للتصويت على مرشحيهم، انتباه وفضول المغاربة، متتبعين للشأن العام أو مواطنين عاديين.
ولاحظ لكريني، في هذا السياق، أن «هناك توجهًا من قبل الأحزاب إلى تطوير سبل تواصلها مع الناخبين»، مشيرًا إلى أن «الشعبوية» التي ميزت النقاش السياسي، في السنوات الأخيرة، دفعت الأحزاب إلى «نوع من الاجتهاد في إبداع أدوات تواصلية جديدة مبنية على التفاعل المباشر من خلال زيارة الأسواق الشعبية والتماهي مع المواطنين في بعض السلوكيات، من أكل وشرب».
وإضافة إلى الحملات الانتخابية والمنافسة التي تجري بين مختلف الأحزاب في المدن والقرى، يضيف لكريني: «نتابع حملات تجري أطوارها، بشكل قوي، في العالم الافتراضي، من خلال المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، اعتمادًا على النصوص المكتوبة والصور ومقاطع الفيديو».
* توقعات ما بعد 7 أكتوبر
يتوقع أعبوشي أن تفرز استحقاقات 7 أكتوبر عدة معطيات: أولاها، ستكون على مستوى النتائج، حيث «لن يخرج المتصدر عن ثلاثة أحزاب، هي، من دون ترتيب محدد أو مسبق، العدالة والتنمية، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، مع التشديد على أن الفرق بين المتصدر والحزبين الباقيين لن يكون كبيرًا، كما كان عليه الحال في الانتخابات التشريعية السابقة، التي تصدرها العدالة والتنمية». ثانيها، أن «هناك مراهنة، من طرف المسؤولين، في المغرب، على أن تكون نسبة المشاركة مرتفعة، وأن تتجاوز 50 في المائة. وكل ضعف أو عزوف عن المشاركة سيطرح نقاشًا حول مشروعية الفائز، ومن خلاله مصداقية عمل الحكومة المقبلة»؛ فيما يشير المعطى الثالث إلى أنه «كيفما كانت النتائج، فستكون هناك صعوبة في تشكيل ائتلاف حكومي منسجم. وهناك توقع، بالنظر إلى هذه المعطيات وإلى الصراعات بين الأحزاب، أن يجد الحزب الفائز صعوبة في تشكيل ائتلاف حكومي».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.