التدخل العسكري لروسيا يكمل عامه الأول ويعمق مأزقها في «المستنقع السوري»

4 سيناريوهات محتملة.. وفوز كلينتون المحتمل سيحول بوتين من راع للحل إلى جزء من الأزمة

عامل روسي يتجاوز دبابة روسية موهت بألوان الصحراء، في المعرض الدائم للمعدات العسكرية والمركبات في باتريوت بارك في كوبينكا، خارج موسكو، يوم 8 سبتمبر  (إ ف ب)
عامل روسي يتجاوز دبابة روسية موهت بألوان الصحراء، في المعرض الدائم للمعدات العسكرية والمركبات في باتريوت بارك في كوبينكا، خارج موسكو، يوم 8 سبتمبر (إ ف ب)
TT

التدخل العسكري لروسيا يكمل عامه الأول ويعمق مأزقها في «المستنقع السوري»

عامل روسي يتجاوز دبابة روسية موهت بألوان الصحراء، في المعرض الدائم للمعدات العسكرية والمركبات في باتريوت بارك في كوبينكا، خارج موسكو، يوم 8 سبتمبر  (إ ف ب)
عامل روسي يتجاوز دبابة روسية موهت بألوان الصحراء، في المعرض الدائم للمعدات العسكرية والمركبات في باتريوت بارك في كوبينكا، خارج موسكو، يوم 8 سبتمبر (إ ف ب)

تُنهي روسيا، العام الأول، من تدخلها العسكري في سوريا، بحلول نهاية سبتمبر (أيلول) الحالي، الذي جاء تحت عنوان «محاربة الإرهاب»، لكن الوقائع أثبتت أن المهمّة موسكو كانت بعيدة عن هذا الواقع، فهدفها الأول والأخير كان ترسيخ وجودها في المنطقة، وتكريس دورها كقوّة دولية مستفيدة من الانكفاء الأميركي، والغياب الأوروبي، لكن جلّ ما أنجزته أنها تمكنت من إبقاء بشار الأسد فترة أطول في السلطة.
وبدخولها العام الثاني، يبدو الدور الروسي محفوفًا بصعوبات ومآزق كبيرة، برأي الخبراء، لأن وصول هيلاري كلينتون إلى البيت الأبيض، في حال تحقق، سيبدل الوضع في المنطقة ومنها سوريا، وسيحول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من لاعب فاعل إلى جزء من الأزمة السورية.
هذا الواقع تناوله تقرير مفصّل أعده مركز «جسور» للدراسات، اعتبر فيه أن ما حققته موسكو من تدخلها العسكري في سوريا ينقسم إلى قسمين؛ الأول يتعلّق بالصراع مع الولايات المتحدة والغرب، حيث تمكنت من إرغام واشنطن على الدخول في مفاوضات ثنائية ومباشرة تبدو في العلن ذات صلة بالوضع في سوريا، ولكنها في الواقع تتصل بنقاط الخلاف العميقة بين الطرفين، ومنها مسائل الدرع الصاروخية، ونصب صواريخ قرب حدود روسيا، وتدخلات واشنطن لعرقلة بيع النفط والغاز الروسي إلى أوروبا.
أما القسم الثاني فيرتبط بالوضع السوري، حيث تمكنت موسكو من تثبيت وضع نظام الأسد في الظاهر، وفي الواقع الإمساك بورقة النظام وتوظيفها لخدمة السياسة الروسية إقليميًا ودوليًا، وتجلى ذلك بأن حركة النظام عسكريًا ومواقفه سياسيًا باتت تحتاج إلى موافقة روسية مسبقة، عكستها آلية التعامل مع رأس النظام بشار الأسد، والعمل على إحداث تغيير جذري في مرجعية جنيف (2012)، واستخدام ورقة «الإرهاب» كمجال للتمدد العسكري ميدانيًا.
هذه المقاربة أيدها المحلل الاستراتيجي خطار بودياب، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «منذ بدايات الأزمة السورية، استثمر بوتين كل طاقته في دعم بشار الأسد، لتكون سوريا نقطة ارتكاز حيوية للعودة إلى الساحة الدولية، والوصول إلى المياه الدافئة وفرض نفسه لاعبًا دوليًا». ورأى بودياب، وهو أستاذ العلاقات الدولية في جامعة «باريس الجنوب»، أن الرئيس الروسي «استفاد من ضعف سياسة باراك أوباما، الذي سلّمه مفتاح الحل في سوريا، لكن بوتين أصيب الآن بنكسة كبيرة، لأنه لم يتمكن من فرض حلّ في سوريا قبيل رحيل أوباما»، مشيرًا إلى أن «الضربة الأميركية لموقع قوات النظام في دير الزور، أصابت بوتين في الصميم، خصوصًا بعد المعلومات التي تتحدث عن مقتل مستشارين روس في الغارة الأميركية، مما يعني أن كل فرص الحل قد تبخرت».
ولم يغفل تقرير «جسور» هذا الأمر، حيث قال: «كلما اقترب الرئيس أوباما من نهاية ولايته، دون التوصل لاتفاق بين واشنطن وموسكو، يلاحظ تزايد مستوى الغضب والتوتر الذي يعتري السلوك الروسي في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط»، لافتًا إلى أن «إدارة بوتين أفرطت في استخدام أوراقها، بما فيها القوة العسكرية بتبعاتها الأخلاقية والقانونية والسياسية، سعيًا للضغط على الإدارة الأميركية لدفعها لإنجاز اتفاق ثنائي».
وأضاف التقرير: «لعلّ إصرار واشنطن على إبعاد حلفائها عن جوهر المفاوضات التي بقيت طَي الكتمان، يشي بخطورة الصفقة التي تمت ولم تكتمل بعد، ستكون في شقها غير المعلن أثر على السوريين ودول الإقليم، وفي مقدمتها تركيا والسعودية، اللتان تواجهان تحديات أمنية مقلقة نتيجة التحولات في السياسية الأميركية في الشرق الأوسط»، مرجحًا أن تتضمن الصفقة «وجودًا أوسع لموسكو في قواعد عسكرية ثابتة في سوريا، ونفوذًا من منطقة الساحل إلى غرب حلب مع ضمِّ منطقة الوسط، بحيث تخصص لنظام الأسد، ضمن مفهوم سوريا المفيدة، إلى جانب حضور لافت في البحر المتوسط للأسطول الروسي».
لكن عجز روسيا عن ترسيخ حلّ سياسي يتوافق مع طموحاتها، رغم كل الأسلحة التي استخدمتها في سوريا، يؤشر إلى أن النتائج لن تكون لصالح موسكو من الآن وصاعدًا، برأي خطار بودياب، الذي رفض التكهّن بما سيكون عليه المشهد في المرحلة المقبلة، وقال: «الأمر سيتوقف على سياسة الإدارة الأميركية المقبلة، وعلى رغم كل إمكانات بوتين العسكرية، فإنه بات منزلقًا في المستنقع السوري، نتيجة الوضع الاقتصادي السيئ في روسيا والخسائر التي تتكبدها بلاده نتيجة الحرب في سوريا والعقوبات الدولية».
وأضاف بودياب: «أنا لا أستخفّ بقدرات بوتين السياسية الذي ركّز علاقته مع إيران، ولم يقطع علاقاته بدول الخليج العربي، ونجاحه في أن يكون بطل التقاطعات، لكن إذا أتت هيلاري كلينتون إلى البيت الأبيض فلن تكون مهمته سهلة، وعندها سينتقل من راعٍ للحل، إلى جزء من الأزمة في سوريا». وإذ لفت إلى أن «روسيا استطاعت أن تحقق إنجازات في سوريا نتيجة التردد الأميركي والغياب الأوروبي»، فإنه أشار إلى أن «موسكو باتت عاجزة كليًا عن إعادة الاستقرار إلى سوريا، وقد لا تكون قادرة على حماية ما أنجزته حتى الآن».
وأدرج التقرير الذي أعدّه مركز «جسور» الإعلان الروسي - الأميركي ضمن أربعة سيناريوهات، الأول إمكانية توصل الطرفين إلى اتفاق عنوانه الوضع في سوريا، ويشمل تفاهمات حول أوروبا و«الناتو» وقضايا أخرى، لكن التحدي الذي سيواجهه مثل هذا الاتفاق هو ضمان التزام أميركي بها مع قدوم إدارة جديدة، خصوصًا في حال نجاح الجمهوري دونالد ترامب، إضافة إلى احتمال مقاومة دول الإقليم لها إذا مسَّت مصالحها الحيوية.
السيناريو الثاني يرتبط بالتفاهمات الإقليمية، بحيث يكون هذا السيناريو بديلاً عن الصفقة مع واشنطن، وستعمد إليها روسيا في حال فشل اتفاقها الحالي أو يأسها من تغيُّر الموقف الأميركي استراتيجيًا، والخوف من آثار تدخلها العسكري في سوريا لعام ثانٍ، مع احتمال تطور الصراع ودخول عوامل جديدة تعرض القوات الروسية لخسائر نوعية.
السيناريو الثالث، يرتبط باستخدام العنف المفرط بعد انهيار الهدنة، حيث تعود القوات الروسية لما كانت عليه قبيل الهدنة، والاستمرار بحالة اللاتفاهم مع واشنطن والأطراف الإقليمية، أو التوصل إلى تفاهمات غير مكتملة، مما يعني توقع استمرار معاناة الشعب السوري وبقاء الوضع دون حلِّ سياسي.
أما السيناريو الرابع، فيقوم على عنصر المفاجأة، وهو يستند إلى احتمال حدوث تطورات غير متوقعة لدى أحد الأطراف المركزية، تؤدي إلى تغيير في التموضع الاستراتيجي أو تبدلات جوهرية في الموقف من الأزمة السورية، مثل انقلاب 15 يوليو (تموز) في تركيا، وتطورات ملف نفوذ PKK وتفرعاته، الذي جعل خطر إقامة كيان انفصالي جنوب تركيا عاملاً مؤثرًا في تغيير نظرتها وأسلوب تعاملها مع القضية السورية. وخلص التقرير إلى أن موسكو «تواجه وضعًا صعبًا ومقلقًا لها، رغم محاولة الإيحاء بأنها في وضع إيجابي استراتيجيًا». ورأى أن «عدم نجاحها في تحقيق الهدف المركزي من تدخلها في سوري، سيجعل أي مكاسب جانبية عديمة الفائدة من ناحية التأثير على دورها في المنظومة الدولية، كما أن عامل الوقت يشكل عنصرًا ضاغطًا عليها، إضافة إلى الغموض في شكل وطبيعة الإدارة الأميركية الجديدة، التي لا يتوقع أن تكون شبيهة بحالة أوباما التي نُعتت بالضعف وعدم المبادرة».



«الجامعة العربية» لإصدار قرار بشأن الاعتداءات الإيرانية

جانب من اجتماع المندوبين الدائمين (الجامعة العربية)
جانب من اجتماع المندوبين الدائمين (الجامعة العربية)
TT

«الجامعة العربية» لإصدار قرار بشأن الاعتداءات الإيرانية

جانب من اجتماع المندوبين الدائمين (الجامعة العربية)
جانب من اجتماع المندوبين الدائمين (الجامعة العربية)

يعقد وزراء الخارجية العرب اجتماعاً، الاثنين، في بداية الدورة الـ«166» لمجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية، وقال مصدر دبلوماسي عربي إن «الاجتماع سيصدر قراراً بشأن الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية».

وأضاف المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «اجتماع المندوبين الدائمين للجامعة العربية، الذي عُقد السبت، ناقش جدول أعمال الاجتماع الوزاري»، مشيراً إلى أن «المندوبين بحثوا تطورات الأوضاع الإقليمية وتداعيات الحرب الإيرانية، إضافة إلى مستجدات القضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب الرئيسية».

وكشف المصدر عن «توافق المندوبين الدائمين على إصدار بيان بشأن الانتهاكات الإسرائيلية في ختام الاجتماع الوزاري الاثنين المقبل، جنباً إلى جنب مع قرارات الاجتماع التي ستُركز على إدانة الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية».

وعقد المندوبون الدائمون اجتماعاً، السبت، بمقر الأمانة العامة للجامعة العربية بالقاهرة، في سياق الإعداد لاجتماع وزراء الخارجية العرب، بحضور السفير شريف كامل، رئيس مكتب الأمين العام للجامعة العربية. وشهد الاجتماع تسلُّم تونس رئاسة الدورة الـ«166» لمجلس الجامعة خلفاً للبحرين.

وأكدت السفيرة فوزية بنت عبد الله زينل، المندوبة الدائمة للبحرين، في كلمتها خلال الاجتماع أن الأمن القومي العربي «وحدة واحدة لا تتجزأ»، وأن فلسطين ستظل قضية العرب المركزية.

وأدانت مندوبة البحرين الهجمات الإيرانية التي استهدفت دولاً في مجلس التعاون الخليجي والمملكة الأردنية، ووصفتها بأنها «انتهاك صارخ للقانون الدولي، وتهديد للسلم والأمن في المنطقة، خصوصاً في ظل استهداف المدنيين والأعيان المدنية».

وجددت البحرين موقفها «الرافض لأي اعتداءات تستهدف سيادة الدول العربية أو أمن مواطنيها»، محذرة من «خطورة مثل هذه الهجمات على استقرار المنطقة».

بدوره، قال الهاشمي العجيلي، مدير عام المنظمات المغاربية والعربية والإسلامية بوزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، في كلمته إن بلاده «تتولى رئاسة هذه الدورة في ظرف إقليمي دقيق وحساس، تتزايد فيه التحديات التي تواجه المنطقة»، مشدداً على «أهمية التضامن والتشاور والتنسيق العربي».

وأكد «دعم تونس للقضية الفلسطينية، وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته، والتمسك بسيادة الدول العربية ووحدة أراضيها، وتعزيز التضامن العربي ووحدة الصف، بما يخدم أمن المنطقة واستقرارها».

وكان المجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعة العربية قد عقد اجتماعاً على المستوى الوزاري في القاهرة الخميس الماضي، دعا خلاله إلى تعزيز الدعم للاقتصاد الفلسطيني من خلال برنامج متعدد السنوات لبناء القدرات وتقديم المساعدات الفنية، وأكد ضرورة الانتقال بالعمل الاقتصادي والاجتماعي العربي المشترك من مرحلة «التنسيق وتبادل الرؤى، إلى التنفيذ وتحقيق نتائج ملموسة، ومساعدة الدول غير المستقرة».

وطرح الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، في كلمته خلال اجتماع المجلس الاقتصادي والاجتماعي، 10 أولويات للمرحلة المقبلة، تبدأ بتطوير «نموذج عربي للتنمية الشاملة يستفيد من الموارد البشرية والطبيعية للمنطقة»، إضافة إلى دعم الشعب الفلسطيني وتطوير آليات تنفيذية فعالة لمساندة اقتصاده ودعم الدول العربية التي تواجه أوضاعاً غير مستقرة، وتفعيل استراتيجيات الأمن الغذائي العربي.


تصعيد الحوثيين ينقلب عليهم في تعز والساحل الغربي

القوات الحكومية اليمنية بدأت هجوماً عكسياً ضد الحوثيين في تعز والحديدة (إعلام عسكري)
القوات الحكومية اليمنية بدأت هجوماً عكسياً ضد الحوثيين في تعز والحديدة (إعلام عسكري)
TT

تصعيد الحوثيين ينقلب عليهم في تعز والساحل الغربي

القوات الحكومية اليمنية بدأت هجوماً عكسياً ضد الحوثيين في تعز والحديدة (إعلام عسكري)
القوات الحكومية اليمنية بدأت هجوماً عكسياً ضد الحوثيين في تعز والحديدة (إعلام عسكري)

بدأ الهجوم البري الواسع الذي شنته الجماعة الحوثية منذ الخميس الماضي على جبهات الساحل الغربي وجنوب الحديدة وغرب تعز بالارتداد عليها، مع انتقال القوات الحكومية اليمنية إلى الهجوم المضاد، وتحقيق تقدم ميداني في أكثر من محور، في وقت تتكثف فيه الغارات الجوية على مواقع الجماعة، وتحاول قوات الجيش والمقاومة قطع خطوط إمدادها.

وفي أبرز التطورات الميدانية صباح السبت، بدأت قوات المقاومة الوطنية، مسنودة بوحدات من ألوية العمالقة، هجوماً معاكساً جنوب مديرية الجراحي في محافظة الحديدة، بالتزامن مع تنفيذ مسيّراتها ضربات استهدفت تعزيزات حوثية في المنطقة، وفقاً للإعلام العسكري للمقاومة.

ويأتي هذا التحرك مع تقدم القوات الحكومية من حيس باتجاه الجراحي، في جنوب الحديدة الشرقي، في محاولة لاستعادة زمام المبادرة على أحد المحاور التي شهدت خلال الأيام الماضية هجمات حوثية واسعة، بينما أفادت مصادر عسكرية بتكبد الجماعة خسائر بشرية ومادية كبيرة خلال المواجهات.

جندي من الجيش اليمني يرفع العلم بعد تحرير أحد المواقع (إعلام عسكري)

وفي جنوب شرقي تعز، حققت القوات الحكومية تقدماً جديداً في جبهة حيفان، وسيطرت، وفقاً لمصدر عسكري، على تبة «الوثرة»، وتبة «سعيد طه» في منطقة المفاليس، إضافة إلى تباب «ذيبان»، و«الخضيرة»، و«النجدين».

وتكتسب المواقع التي استعادت القوات السيطرة عليها أهمية عسكرية، لكونها تشرف على سوق الخزجة، وخطوط إمداد حوثية باتجاه جبهات في شمال غربي لحج، وجنوبي تعز، بحسب المصدر نفسه، الذي أشار إلى سقوط خسائر بشرية ومادية في صفوف الجماعة، وفرار عدد من عناصرها من مواقع المواجهات.

هجوم مضاد

في غرب تعز، كانت القوات الحكومية قد استعادت، الجمعة، تبة الخزان في مديرية جبل حبشي، خلال مواجهات عنيفة مع الحوثيين، وبالتزامن مع اشتداد المعارك في جبهتي مقبنة، والكدحة، ووصول تعزيزات إلى القوات الحكومية.

وتشير التطورات المتلاحقة في هذه الجبهات إلى انتقال المبادرة تدريجياً من الهجوم الحوثي إلى القوات الحكومية، بعد ثلاثة أيام من المعارك التي حاولت خلالها الجماعة إحداث اختراقات ميدانية في جنوب الحديدة، وغرب تعز، وخصوصاً في جبل حبشي.

آثار قصف صاروخي سابق للحوثيين على ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

وفي محور سقم، أفاد الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية، السبت، بأن قوات الفرقة الثانية «تنكل» بالحوثيين في جبال المحرق، بينما أعلنت القوات البحرية للمقاومة تدمير زورقين مفخخين حوثيين حاولا استهداف منطقة الفجرة جنوب الخوخة، وميناء المخا.

كما أعلنت مصادر عسكرية إحباط محاولة تسلل حوثية من المدخل الشرقي لمدينة تعز، ومقتل عدد من عناصر الجماعة، في حين استمرت المواجهات في قطاعات مختلفة من الجبهة.

وتزامن ذلك مع تعرض طريق هيجة العبد الرابط بين تعز وعدن لقصف حوثي، أسفر، وفق مصادر محلية وطبية، عن مقتل أربعة مدنيين، وإصابة تسعة آخرين، فضلاً عن أضرار مادية في الموقع.

وتعكس هذه الحوادث اتساع نطاق التصعيد الحوثي ليشمل طرقاً ومناطق مدنية، بالتزامن مع العمليات البرية التي تخوضها الجماعة على خطوط التماس.

الغارات تدخل المعركة

للمرة الأولى أعلن الجيش اليمني استخدام طيرانه الحربي في استهداف مواقع الحوثيين في جبهات تعز، والحديدة، في تطور لافت في مسار المعارك الحالية.

وقال المركز الإعلامي للقوات المسلحة، مساء الجمعة، إن الطيران الحربي شن أكثر من 15 غارة على مواقع وتجمعات وآليات حوثية في جبهات الساحل الغربي بمحافظتي تعز، والحديدة، بالتزامن مع استمرار القصف المدفعي، والاشتباكات البرية.

وأفادت مصادر عسكرية بأن الطيران اليمني واصل غاراته على مواقع الجماعة في تعز، والحديدة، واستهدف خطوط إمداد، ومخازن أسلحة، في وقت تعرضت فيه مواقع حوثية في مدينة الحزم بمحافظة الجوف لغارات جوية، وفق مصادر عسكرية.

مقاتلة تابعة للقوات المسلحة اليمنية (إعلام عسكري)

وتقول مصادر ميدانية إن الخسائر الحوثية خلال الأيام الثلاثة من المواجهات كبيرة، وإن مئات القتلى والجرحى سقطوا في صفوف الجماعة، بينما تواجه المستشفيات الخاضعة لسيطرتها في الحديدة ضغطاً متزايداً جراء وصول قتلى وجرحى المعارك.

ونقلت الجماعة دفعة جديدة من قتلى وجرحى المواجهات إلى مستشفيات الجراحي، وزبيد، بحسب مصادر إعلامية محلية، في مؤشر على حجم الخسائر التي لحقت بقواتها خلال الهجوم، ومحاولات صد الهجمات المضادة.

وفي المقابل، يواصل الحوثيون الدفع بتعزيزات إلى مناطق المواجهات، في محاولة للحفاظ على المواقع التي حققوا فيها تقدماً أولياً، واحتواء الهجوم المعاكس للقوات الحكومية.

حماية باب المندب

في ظل اتساع رقعة المواجهات، تابع رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي وأعضاء المجلس تطورات العمليات العسكرية، وأجروا اتصالات بالقيادات العسكرية والميدانية للاطلاع على سير المعارك، والجاهزية، والاحتياجات العملياتية، واللوجستية، وفق بيان صادر عن مكتب القائد الأعلى للقوات المسلحة.

وكان العليمي حذر، مساء الجمعة، من تداعيات التصعيد الحوثي، محملاً الجماعة مسؤولية الآثار الإنسانية المترتبة عليه، بما في ذلك نزوح مئات الأسر من مناطق المواجهات.

ناقلة حاويات تمر بالقرب من باب المندب في جنوب البحر الأحمر (أ.ف.ب)

وشدد على أن القوات الحكومية لن تسمح بتحقيق ما وصفه بهدف إيران في السيطرة على مضيق باب المندب، مؤكداً أن أي تحرك باتجاه هذه المناطق سيؤدي إلى استنزاف حاد للحوثيين.

ويأتي ذلك فيما دعت وزارة التخطيط والتعاون الدولي المنظمات الدولية والمانحين إلى تدخل إنساني عاجل لمساعدة الأسر النازحة والمتضررة في تعز، والحديدة، محذرة من الاحتياجات المتزايدة للمأوى، والغذاء، والأدوية، والمياه، والخدمات الطبية، ومطالبة بإنشاء مستشفيات ميدانية لاستقبال الجرحى.

وكانت المخا وميناؤها قد تعرضا خلال أغسطس (آب) الماضي لسلسلة من الهجمات الحوثية بالصواريخ الباليستية، والمسيّرات، في تصعيد طال منشآت وأعياناً مدنية، وأدى إلى تعطيل حركة الميناء، وخروج منشآته عن الخدمة، في وقت ردت فيه القوات الحكومية بعمليات عسكرية، وضربات استهدفت تحركات الجماعة، وقدراتها الهجومية.


جثث متراكمة وتجنيد في المدارس يعكسان نزيف الحوثيين

محاولة حوثية للتوفيق بين الالتزام بتكريم القتلى وتجنب انكشاف أعدادهم (إعلام حوثي)
محاولة حوثية للتوفيق بين الالتزام بتكريم القتلى وتجنب انكشاف أعدادهم (إعلام حوثي)
TT

جثث متراكمة وتجنيد في المدارس يعكسان نزيف الحوثيين

محاولة حوثية للتوفيق بين الالتزام بتكريم القتلى وتجنب انكشاف أعدادهم (إعلام حوثي)
محاولة حوثية للتوفيق بين الالتزام بتكريم القتلى وتجنب انكشاف أعدادهم (إعلام حوثي)

لجأت الجماعة الحوثية إلى حيل جديدة لتعويض النزيف البشري في التصعيد العسكري لاستدراج طلاب المدارس الثانوية، بينما تواجه المستشفيات والمرافق الطبية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرتها، أزمة خانقة غير مسبوقة منذ نحو شهر ونصف الشهر، تمثلت في امتلاء كلي لثلاجات حفظ الجثث وغرف العناية المركزة، وسط تعتيم إخباري متشدد.

وتقول مصادر طبية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الأزمة المتفاقمة نتيجة مباشرة للتصعيد العسكري الحوثي والتحول التكتيكي البارز بدخول الطيران المسيّر ضمن عتاد الجيش اليمني، مما ألحق خسائر بشرية فادحة في صفوف المهاجمين، مشيرة إلى أن غالبية القتلى والجرحى سقطوا في الجبهات القتالية بين محافظتي تعز والحديدة جنوب غربي البلاد.

وحسب المصادر، فإن الجماعة تفرض تعتيماً إخبارياً صارماً حول حجم هذه الخسائر، وتصاحب ذلك موجة من التهديدات المباشرة للأطباء والعاملين في القطاع الصحي لمنع تسريب أي بيانات أو إحصاءات طبية، أو حول ازدحام الثلاجات بالجثث وامتلاء غرف العناية المركزة بالجرحى.

الطيران المسيّر التابع للجيش اليمني أسهم في رفع أعداد قتلى الحوثيين (الجيش اليمني)

وانعكست هذه الأزمة على حياة المرضى والمصابين بحالات صحية حرجة أو جرحى الحوادث من المدنيين؛ إذ أصدرت قيادات الجماعة توجيهات صارمة بمنح الأولوية المطلقة لعناصرها في غرف العناية المركزة وثلاجات الموتى في المستشفيات الكبرى مثل (الثورة، والكويت، والجمهوري) إلى جانب إلزام المستشفيات الخاصة بذلك.

التشييع بالتقسيط

أدى هذا الاحتكار الطبي إلى رفض المستشفيات أو عدم قدرتها على استقبال مئات الحالات الطبية وأجبر ذوي الحالات على التنقل لساعات طويلة بين المرافق الطبية أو إبقائها في سيارات خاصة.

وتشير المصادر إلى أن التوجيهات شملت إلزام الطب الجنائي بسرعة التعامل مع الجثث المحفوظة على ذمة قضايا قتل أو حوادث مرورية وسرعة الإفراج عنها والسماح بدفنها، أو إبلاغ عائلات أصحابها باستلامها بعد مزاعم استكمال التحقيقات، إلى جانب التخلص من جثث مجهولي الهوية بدفنها.

ووضع هذا التدفق الهائل للجثامين قيادة الجماعة أمام معضلة مركبة؛ إذ تحاول من جهة الالتزام ببروتوكولاتها العقائدية والسياسية المتمثلة في تكريم قتلاها بمراسم تشييع علنية أمام عائلاتهم وقبائلهم للحفاظ على الولاء المجتمعي، ومن جهة أخرى تخشى انكشاف الحصيلة الكبيرة لأعداد القتلى لتجنب انهيار معنويات أنصارها، والحد من مخاوف القبائل المترددة في الدفع بأبنائها إلى جبهات القتال.

حراسة الفعاليات والتظاهرات إحدى الوسائل الحوثية لاستدراج الأطفال للقتال (غيتي)

وتسعى الجماعة الحوثية عبر هجمات مكثفة إلى تطويق مدينة تعز (جنوب غرب) من الجهة الغربية، بهدف قطع الشريان الحيوي والطريق الاستراتيجي الرابط بينها وبين مدينة المخا على الساحل الغربي بالقرب من باب المندب.

وكشفت المصادر عن أن الجماعة اضطرت إلى استراتيجية «التشييع بالتقسيط»، عبر تنظيم جنازات محدودة على فترات زمنية متباعدة وفي ساحات متفرقة، لتشتيت الانتباه عن الحجم الفعلي للفاتورة البشرية.

وذكرت مصادر أخرى لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة التي تواجه أزمة عميقة في عمليات الحشد والتجنيد التقليدية خلال الآونة الأخيرة، لجأت إلى نقل ثقل استقطابها نحو القطاع التعليمي، وحوّلت عدداً من المدارس الثانوية ومعاملها العلمية إلى ورش تدريبية لتعليم الطلاب آليات تفكيك وتركيب الأسلحة.

من الفعاليات إلى الجبهات

شددت الجماعة الحوثية على توظيف «فرق الكشافة» لعمليات استدراج ممنهجة تستهدف اليافعين والشباب، وتبدأ آلية الاستدراج بإقناع الطلاب والشباب بالمشاركة في تأمين الاحتفالات والتجمعات والوقفات التي تنظمها بشكل دوري في الساحات والميادين، إلى جانب «دورات ثقافية» في المقرات التابعة لها أو المساجد بهدف خلق تأثير نفسي وفكري تدريجي عليهم.

الحوثيون يحاولون من قرابة شهرين الوصول إلى مضيق باب المندب وتهديد الملاحة فيه (أ.ف.ب)

وخلال هذه الأنشطة، يحصل المشاركون على مكافآت مالية ووجبات غذائية، ويُلزمون بارتداء الملابس العسكرية لتعزيز شعور الانتماء لديهم.

ولاحقاً، وتحت مسمى «المكافأة على الانضباط»، يتم نقلهم إلى مستويات أعلى تشمل دورات على استخدام السلاح الخفيف، ثم دورات قتالية ومناورات ميدانية، ليجد هؤلاء الطلاب أنفسهم في نهاية المطاف في خطوط النار الأمامية.

ولجأت الجماعة الحوثية إلى التصعيد العسكري داخلياً في عدد واسع من الجبهات، إلا أنها ركزت هجماتها على المحاور الجنوبية الغربية للبلاد، في محاولة لفرض سيطرتها على كامل الساحل الغربي اليمني والاقتراب من مضيق باب المندب، استجابة لمساعي إيرانية لتوسيع نطاق المواجهة الإقليمية وأزمة النقل البحري وتشديد الخناق على حركة تصدير الطاقة من المنطقة.